فاتن صبحي - رصيف بارد...

وقفت عند عمود الإنارة المهترئ تتنفس هواء الشتاء البارد، كأول نسمة حرية تلمس رئتيها بعد عمرٍ طويل.. ظلها يتطاول على الرصيف شاهدًا على سنواتٍ ذهبت سدى.

الغروب يلف المحطة بألوان حزينة، برتقالية كجرح قديم وبنفسجية ككدمة فى الروح.
البرد يخترق عظامها. جلست على المقعد الحجري.. تذكرت كيف كانت تأتى إلى هذه المحطة أيامًا مضت؛ شابة طموحة مفعمة بالأمل، تخرج من عملها بابتسامة منتصر.. اليوم؛ بعد أن صار بياض شعرها أكثر من سواده تنتظر باصًا لا تدرى إلى أين سيقلها!

اختلطت أصوات أبواق السيارات البعيدة فى رأسها بصوته، ذلك الصوت الذى أخذ يتردد بصورة متكررة:
"بيتى، ولو لا يعجبك، فمع السلامة!"
لفظها بيتًا وسجنًا..لفظها ملكًا واستعبادًا. اختزل سنوات تضحياتها، سنوات عملها الذى شاركته براتبها أعباء بداياتهما الصعبة، والذى تخلت عنه من أجله وأجل أبنائه، صحتها التى أْهدرت
فى صبرٍ استنفذ آخر قطرةٍ من دفء قلبها.
عندما شعرت أن يده تسقطها بدل أن تمسكها؛ خرجت دون أن تخطط لخروج، لم تحزم حقائبها، كلماته كانت سياطًا تجلد روحها قبل جسدها..

شعرت بتعب العمر كله ينهش عظامها، والظلام يكتم أنفاس العالم شيئًا فشيئًا.
بداخلها صراع وتشتت، وكأن عقلها لا يدرك ما يحدث ولا يستوعبه.
فى حيرة ودهشة تتساءل: ماذا سأفعل؟!
وإلى إين أذهب .. وأنا لا أعرف سوى طريق السوق، والمدرسة، والطبيب.

على الرصيف البارد تذكرت كيف سقطت ملامحه من عينيها، مع كل كلمة جارحة، وفعل مؤذى لروحها، حتى إنها لم تعد تراه سوى ظلًا غريبًا يشغل كرسيًا فى زوايةٍ قصية من زوايا البيت.
كأن حياتها كلها تدفع ثمن رحلتها إلى هذة المحطة بلا تذكرة عودة.
الظلام كتلة صماء عند نهاية الطريق الذى انحدرت منه.. المحطة بئرٌ من الصمت لا يقطعه إلا عويل ريحٍ بعيدة، فارغةً تمامًا إلا منها وبقعة ضوءٍ خافتة، حيث وقفت تشهد أن الخيار الأصعب قد يكون أحيانًا هو العودة الى السجن، فهو الطريق الوحيد الذى تعرفه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى