غانية ملحيس - العقلانية الأداتية في الخطاب الفلسطيني والعربي زمن الإبادة

ملخّص تنفيذي

يتناول هذا المقال نقد نمط مهيمن في الخطاب الفلسطيني والعربي المعاصر، برز بوضوح خلال الإبادة الجارية في قطاع غزة، ويتمثّل في استدعاء ما يُسمّى بـ«العقلانية الأداتية» لتقييم الفعل الفلسطيني في سياق استعماري إحلالي إبادي. ويجادل المقال بأن هذا النمط الخطابي، وإن قدّم نفسه بوصفه نقدا واقعيا أو عقلانيا أو إنسانيا، ينزلق - عن قصد أو دونه - إلى تحميل الضحية مسؤولية العنف الواقع عليها، عبر إعادة تأطير الإبادة بوصفها نتيجة «خيارات خاطئة»، أو «سوء إدارة»، أو «مغامرة غير عقلانية»، بدل فهمها كوظيفة بنيوية لمشروع استعماري استيطاني إحلالي.

يعتمد المقال مقاربة تحليل الخطاب النقدي (CDA) ذات البعد البنيوي - الاستعماري، التي تنظر إلى اللغة بوصفها حقلا لإنتاج السلطة والمعرفة، لا مجرد أداة وصف. ومن خلال هذا الإطار، يُفكّك المقال كيفية إنزال معايير «العقلانية»، و«الإدارة الرشيدة»، و«تقليل الخسائر» على واقع فلسطيني إبادي مغلق، جُرِّد فيه المجتمع الفلسطيني سلفا من شروط السيادة والحماية والفعل الحر، بما يحوّل النقد من مساءلة البنية الاستعمارية إلى محاكمة الضحية داخل شروط قهر لا تملك تغييرها.

يرتكز التحليل نظريا على مفاهيم الاستعمار الاستيطاني الإحلالي (باتريك وولف)، والعنف الرمزي (بيير بورديو)، واستدخال سردية القوة (إدوارد سعيد)، والحياة العارية (جورجيو أغامبين)، والعنف البنيوي (فرانتز فانون)، ويطوّر هذا الإطار عبر دمجه بمساهمات فكرية عربية مركزية، ولا سيما نقد العقلانية الأداتية كما طوّره عبد الوهاب المسيري، ونقد مالك بن نبي لاختزال «القابلية للاستعمار» في بعدها الأخلاقي أو السلوكي، وتحليل هشام شرابي لمفهوم «الحداثة المشوّهة» بوصفه إدخالا لأدوات عقلانية حداثية دون تفكيك بنيتها السلطوية. في هذا السياق، يُظهر المقال كيف تتحول العقلانية الأداتية، حين تُفصل عن البنية الاستعمارية، من أداة تحليل نقدي إلى آلية ضبط معرفي تُعيد إنتاج التبعية ولوم الضحية.

تحليليا، يفكّك المقال ثلاثة نماذج خطابية مهيمنة في الخطاب الفلسطيني والعربي زمن الإبادة:

1. خطاب «القرار الخاطئ» الذي يعيد تفسير الإبادة بوصفها نتيجة سوء تقدير أو بطء قرار فلسطيني،

2. خطاب «البديل الممكن» الذي يطرح سيناريوهات افتراضية خارج القيود البنيوية للإبادة والحصار، ويُحمّل الفاعل الفلسطيني مسؤولية عدم اختيارها،

3. خطاب «الاستخدامية السياسية ولوم الضحية» الذي يُعيد تأطير المجتمع الفلسطيني بوصفه موضوع إدارة وخسائر قابلة للحساب، لا جماعة واقعة تحت الإبادة.

ويُظهر التحليل كيف تشترك هذه النماذج، رغم اختلاف لغاتها، في تعليق البنية الاستعمارية الإحلالية ونقل مركز السببية من الجلاد إلى الضحية.

كما يوظّف المقال تحليلا مقارنا مع حالتي الجزائر والسكان الأصليين في الولايات المتحدة الأميركية، لا لإجراء مساواة تاريخية بين السياقات، بل لإبراز ثبات الآليات الخطابية في الاستعمار الاستيطاني بشقيه الاستغلالي والإحلالي، ولا سيما آلية لوم الضحية، وتأطير الإبادة بوصفها نتيجة سلوك «غير عقلاني» للسكان الأصليين.

يخلص المقال إلى أن الإشكالية لا تتعلق بشرعية النقد أو ضرورته، بل بموضعه المعرفي ووظيفته السياسية في زمن الإبادة. فالنقد الذي يُنتَج من داخل أفق العقلانية الأداتية المنزوعة من سياقها الاستعماري لا يفضي إلى تفكيك العنف، بل يساهم في إعادة إنتاجه معرفيا. وعليه، يدعو المقال إلى إعادة تموضع مفهوم العقلانية نفسه داخل الخطاب الفلسطيني والعربي، بوصفه حقل صراع معرفي، لا معيارًا محايدًا، وإلى استعادة النقد بوصفه فعل تفكيك للبنية الاستعمارية الإحلالية، لا تصحيحًا لسلوك الضحية الواقعة تحت الإبادة.



المقال الكامل

العقلانية الأداتية في الخطاب الفلسطيني والعربي زمن الإبادة

أولاً: مقاربة بنيوية وتحليل الخطاب

يُشكل سؤال مسؤولية الفعل الفلسطيني أمام الإبادة في قطاع غزة محور نقاش واسع في الخطاب الفلسطيني والعربي المعاصر. فبينما تظهر بعض التحليلات قدرة على كشف الكمين الإسرائيلي، وتفكيك الإجراءات والتكتيكات العسكرية والسياسية، فإنها كثيرا ما تنزلق إلى تحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له، بوصفه نتيجة أخطاء في الإدارة أو تأخرا في اتخاذ القرار.

ولكشف هذا النمط الخطابي بنحو دقيق، يعتمد المقال مقاربة تحليل الخطاب النقدي ذات البعد البنيوي - الاستعماري (Critical Discourse Analysis – CDA)، الذي لا يكتفي بدراسة اللغة كنقل معلومات، بل يفحصها كأداة لإنتاج وإعادة إنتاج السلطة والمعرفة [1].

يركز التحليل على الخطاب الفلسطيني والعربي في سياق الإبادة في قطاع غزة، لكشف كيف يمكن لبعض النصوص، بقصد أو بدون، تحويل العنف البنيوي الذي تمارسه إسرائيل إلى نتائج يُحمّل الفلسطينيون مسؤوليتها.

يتيح البعد البنيوي دراسة النصوص ضمن الهياكل السياسية والاجتماعية والقيود الميدانية التي تحدد إمكانيات الفعل الفلسطيني، بينما يربط البعد الاستعماري الخطاب بالبنية الاستعمارية الإحلالية، بما فيها آليات السيطرة والإبادة والتهجير، لتوضيح أن ما يُقرأ أحيانا كـ «سوء إدارة» أو «بطء قرار» هو في الواقع نتيجة قيود هيكلية مفروضة من النظام الاستعماري [2].

هذه الظاهرة لا تُعد مجرد قصور تحليلي، بل تعكس ميلا إلى عقلانية أداتية تفصل العنف عن بنيته الاستيطانية الإحلالية، وتعيد صياغة الإبادة على أنها نتيجة خيارات «غير عقلانية» من الفاعل الفلسطيني [3]، ويهدف هذا المقال إلى تحليل هذا النمط الخطابي بنيويا، ومقارنته بحالات استعمارية أخرى، لإظهار أن لوم الضحية ليس حالة فلسطينية فحسب، بل آلية استعمارية متكررة [4].

لا يفترض هذا التحليل شمول هذا النمط لكل الخطابات الفلسطينية والعربية، بل يركّز على هيمنته الرمزية داخل المجال السياسي - الثقافي، وعلى قدرته في تعريف ما يُعد «عقلانيا» أو «غير عقلاني» في لحظة إبادة [5].

ولا ينطلق المقال من موقف ينفي أهمية النقد البنّاء إبان الإبادة الجماعية، ولا يسعى إلى تعليق المساءلة أو تبرئة المقاومة من السلوكيات الخاطئة، أو تحصينها ضد النقد بدعوى الظرف الاستثنائي. على العكس، يفترض المقال أن النقد التحرري المسؤول يُشكّل ضرورة أساسية لصون المقاومة ذاتها، وتعزيز مناعة المجتمع الواقع تحت الإبادة، ومنع تآكل المعنى السياسي والأخلاقي للفعل المقاوم. غير أن ما يميّزه هذا التحليل هنا التمييز الصارم بين النقد الذي يُمارس من منظور تحرري، ويركز على تفكيك البنية الاستعمارية الإحلالية، ومساءلة الجهات المسيطرة على العنف والإبادة، وبين النقد الذي يُنزِل معايير ‘العقلانية’ و

’ الإدارة الرشيدة’ على واقع فلسطيني إبادي مغلق، فينتهي - عن قصد أو دونه - إلى إعادة إنتاج منطق لوم الضحية، وتعليق مسؤولية القوى الاستعمارية المسيطرة.

وعليه، فإن الإشكالية التي يعالجها المقال لا تتعلق بشرعية النقد، بل بالموضع المعرفي الذي يُنتَج منه، وبالوظيفة السياسية التي يؤديها في لحظة إبادة.

ثانيا: البنية الاستعمارية، العنف الرمزي، والحياة العارية

يستند التحليل البنيوي لهذا الخطاب إلى عدد من المفاهيم الأساسية:

1.2 الاستعمار الاستيطاني الإحلالي (باتريك وولف): الإبادة ليست حدثا عرضيا أو رد فعل، بل وظيفة أساسية لمشروع استعماري استيطاني عنصري إحلالي يسعى إلى إزالة السكان الأصليين من الأرض [6].

2.2 العنف الرمزي (بيير بورديو): فرض معايير التقييم والمعايير العقلانية بحيث يبدو الفعل الفلسطيني «غير عقلاني» بينما الواقع هو سيطرة بنيوية على شروط الاختيار [7].

يتقاطع هذا النمط من العقلانية الأداتية مع ما وصفه هشام شرابي بـ«الحداثة المشوّهة» [8]، حيث تُستدخل مفاهيم الحداثة والعقلانية من دون تفكيك بنيتها السلطوية، فتتحول إلى أدوات ضبط لا تحرر. في هذا السياق، لا تعمل العقلانية كأداة نقد، بل كآلية لإعادة إنتاج التبعية، بحيث يُطلب من الفاعل الواقع تحت القهر أن يتصرّف وفق منطق لم يُصمَّم أصلا لخلاصه، بل لضبطه.

3.2 استدخال سردية القوة (إدوارد سعيد): عندما يستوعب الضحية لغة المستعمِر، يتحول النقد الداخلي إلى تطبيع للهيمنة [9].

4.2 الحياة العارية (جورجيو أغامبين): تقييم الفعل الفلسطيني بمقاييس السيادة داخل فضاء إبادي مغلق يمثل محاسبة «الحياة العارية» [10].

5.2 العنف البنيوي والتحويلي (فرانتز فانون): يستلزم فهم أن الإبادة والإقصاء ليست أخطاء تكتيكية، بل جزء من وظيفة النظام الاستعماري [11].

من هذا المنطلق، فإن أي خطاب فلسطيني أو عربي يلوم الفاعل الواقع تحت الإبادة، دون الاعتراف بالبنية الإحلالية، ينتج معرفة ناقصة وقد يساهم في تطبيع العنف معرفيا [12].

ثالثاً: تحليل الخطاب المقارن

يعتمد المقال على عينات نوعية من الخطاب الفلسطيني والعربي، تتضمن:

1.3 مقالات رأي وتحليل سياسي منشورة في صحف ومواقع فلسطينية وعربية، مع التركيز على نصوص تتناول غزة والإبادة والمسؤولية.

2.3 مداخلات إعلامية في قنوات عربية، تتناول الردود على ما سُمّي «المرحلة الثانية» أو خيارات الفعل الفلسطيني.

3.3 نصوص ثقافية وفكرية تستخدم لغة الواقعية والبراغماتية ومفردات مثل «العقلانية»، «سوء الإدارة»، و«البدائل الممكنة».

4.3 نصوص مقارنة من حالتين استعماريتين: الجزائر والسكان الأصليون في أميركا.

لأغراض التحليل التطبيقي، سيتم في الأقسام اللاحقة تفكيك ثلاثة نماذج منشورة في منابر فلسطينية وعربية خلال لحظة إبادة:

- أكرم عطالله، «نذر المرحلة الثانية.. والكمين!» (جريدة الأيام الفلسطينية 13/1/2026) [13].

- ماجد كيالي، «في انطلاقتها الـ 38 انتهت حماس إلى حيث وصلت فتح» (النهار اللبنانية 19/11/2025) [14]

- مهند عبد الحميد نظرة «حماس» الاستخدامية للمواطنين (جريدة الأيام الفلسطينية 13/1/2026) [15]

ولا تُقرأ هذه النصوص بوصفها مواقف فردية، بل باعتبارها تمثيلات لنسق خطابي مهيمن.

رابعاً: التحليل الأساسي - الحالة الفلسطينية

1.4 خطاب «القرار الخاطئ»

يتكرر توصيف ما جرى في غزة على أنه نتيجة:

• بطء حركة حماس

• اتخاذ قرارات متأخرة

• فشل في إدارة الميدان

هنا يظهر النمط الأداتي: الإبادة تُطرح كنتيجة خيارات فلسطينية، لا كنتيجة لبنية إحلالية إسرائيلية.

غير أن استدعاء مفاهيم مثل «القرار الخاطئ» و«سوء الإدارة» دون تفكيك البنية الاستعمارية، يعيد إنتاج ما حذّر منه مالك بن نبي. [16] حين نبّه إلى اختزال القابلية للاستعمار في بعدها الأخلاقي أو السلوكي، بدل فهمها كبنية تاريخية ومعرفية مفروضة. ففي هذه القراءة، لا يُسائل النظام الذي ينتج القهر، بل يُسائل المقموع عن كيفية إدارته لقهر لا يملك شروط الخروج منه.

يظهر هذا النمط بوضوح في خطاب أكرم عطالله، حيث ينتقل النص من تفكيك الكمين الإسرائيلي إلى محاسبة الفعل الفلسطيني داخل شروط إبادة، عبر نقل السببية من البنية الاستيطانية الإحلالية إلى بطء القرار الفلسطيني، بما يشكّل مثالا على العنف الرمزي وتحميل الضحية مسؤولية ما يقع عليها.

تماثل استعماري:

• في الجزائر، كان الخطاب الفرنسي يلوم جبهة التحرير الوطني على «استفزاز الدولة» أو «تأخير الحلول»، مع تجاهل أن الاحتلال الاستيطاني كان أساس العنف.

• أما في الولايات المتحدة الأميركية، فقد وُصف رفض السكان الأصليين للإذعان القسري بالفشل «الثقافي»، مع تجاهل وظيفة الإبادة والتهجير بنيويا.

2.4 خطاب «البديل الممكن»

يطرح الخطاب الفلسطيني والسائد في بعض الإعلام العربي سؤال:

«ماذا كان يمكن أن تفعل حماس أو الفصائل لتجنب الكارثة؟»

• يتم تقديم البديل كاختيار أخلاقي وعقلاني، دون فحص جدواه ضمن القيود البنيوية للإبادة والحصار.

• يُوجَّه النقد نحو الفاعل الفلسطيني، بينما يُغفل أن السيطرة الإسرائيلية كانت مسبقة على جميع المعايير الأساسية.

في خطاب ماجد كيالي، تُطرح المقارنة بين حماس وفتح كما لو أنها تجري داخل شروط سيادية طبيعية، ويُعاد تعريف المسار النضالي بوصفه فشلا ذاتيا، مع تعليق البنية الاستعمارية وتحويل الإبادة إلى سياق خارجي.

تماثل استعماري:

• في الجزائر، طُرحت فكرة «التهدئة» و«التدرج» كبديل، مع لوم جبهة التحرير على «عدم الواقعية».

• في الولايات المتحدة الأميركية، تم استدعاء «التكيّف مع الحداثة» كمعيار لنجاة السكان الأصليين، وتحميلهم مسؤولية مقاومتهم للإبادة.

3.4 خطاب «الاستخدامية السياسية ولوم الضحية» يمثّل مقال مهند عبد الحميد حالة نموذجية مكتملة للعقلانية الأداتية في زمن الإبادة، ليس فقط على مستوى التقدير السياسي أو النقد التنظيمي، بل على مستوى إعادة تأطير الإبادة ذاتها بوصفها نتيجة «سوء تقدير» و«مغامرة غير عقلانية» و«استخدام للمجتمع»، بدل تحليلها كفعل استعماري إحلالي بنيوي يستهدف المجتمع الفلسطيني بوصفه كيانا جمعيا. يقرّ الخطاب، في مستوى لغوي مباشر، بأن دولة الاحتلال هي من مارست الإبادة والتدمير، وأنها مطروحة للمساءلة القانونية الدولية، غير أن هذا الإقرار لا يتحول إلى مركز التحليل، بل يجري تفريغه عمليا عبر إعادة توزيع المسؤولية البنيوية، بحيث تصبح المقاومة «طرفا ثانيا» متسببا في الكارثة، ليس باعتبارها فاعلا يعمل داخل بنية استعمارية مغلقة، بل بوصفها جهة اختارت الحرب وأساءت تقدير موازين القوى، ومن ثم تتحمل - أخلاقيا وسياسيا - تبعات الإبادة الواقعة على المجتمع.

في هذا الانتقال، يُسقِط الخطاب معايير الدولة الطبيعية والإدارة الرشيدة على واقع إبادي مغلق: يُحاسَب الفعل المقاوم على عدم تأمين الحماية، وعدم تجنب الحرب، وعدم توفير الملاجئ، وعدم قراءة ميزان القوى العسكري والجيوسياسي، من دون مساءلة البنية الاستعمارية التي صادرت أصلا شروط الحماية، ومنعت قيام أي بنية دفاع مدني، وحوّلت كامل الحيز الجغرافي إلى فضاء قتل مفتوح. هنا تتجلى العقلانية الأداتية في أن الفعل الفلسطيني يُقاس بمعايير لا يملك أدوات تحقيقها أصلا، في سياق تُحتكر فيه القوة، والمجال، والسماء، والمعابر، وحق الحياة نفسه من قبل القوة الاستعمارية. كما يعيد الخطاب توصيف المجتمع الفلسطيني، ليس بوصفه جماعة واقعة تحت الإبادة، بل بوصفه موضوع إدارة واستخدام: «مواطنون مستخدمون»، «موارد بشرية»، «خسائر قابلة للتعويض»، «أجساد تُستهلك في مغامرة». وبهذا، ينتقل التحليل من تفكيك عنف الإبادة إلى أخلاقنة الفعل الفلسطيني، ومن مساءلة الجلاد إلى محاكمة الضحية باسم الحقوق، والإنسانية، والعقل، من دون تفكيك الشروط الاستعمارية التي حوّلت الحقوق ذاتها إلى خطاب معلق بلا حامل.

يتيح هذا النموذج قراءة خاصة لمفهوم القابلية للاستعمار كما صاغه مالك بن نبي، ولكن بصيغته المعكوسة. فبينما حذّر بن نبي من اختزال القابلية للاستعمار في ضعف أخلاقي أو خلل ذاتي لدى المجتمع المستعمَر، يظهر في هذا الخطاب نمط معاكس: إذ لا تُفهم القابلية بوصفها استعدادا نفسيا أو ثقافيا للتبعية، بل بوصفها استدخالا لمعايير المستعمِر نفسه في النقد والتقييم. في هذه الصيغة المعكوسة، لا يُطالَب المجتمع الواقع تحت الإبادة بتفكيك البنية التي تُنتج العنف، بل يُطالَب بالتصرف وفق منطق دولة سيادية مكتملة الشروط، وبالالتزام بمعايير «الإدارة الرشيدة» و«حساب الخسائر» و«حماية السكان»، في سياق حُرِم فيه سلفا من أدوات السيادة والحماية. وبهذا، تتحول القابلية للاستعمار من حالة تُفرض من الخارج إلى منطق معرفي يُعاد إنتاجه من الداخل، حيث يُعاد ترتيب المسؤولية التحليلية: تُعلَّق البنية الاستعمارية الإحلالية بوصفها شرط الإبادة، ويُعاد تحميل المجتمع الفلسطيني- ضحايا ومقاومة - عبء الكارثة بوصفه فاعلا «أخطأ التقدير» أو «أساء الإدارة». لا تُفضي هذه القراءة إلى مساءلة الجلاد أو تفكيك النظام الإبادي، بل تُنتج نقدا يبدو أخلاقيا وحقوقيا، لكنه يعمل فعليا داخل أفق استعماري مغلق، ويعيد شرعنة منطق الإخضاع عبر لغة إنسانية تُجرَّد من سياقها البنيوي.

4.4 خطاب «العقلانية مقابل الشعارات»

• استخدام عبارات مثل: «كفى شعارات»، «العقلانية تقتضي تقليل الخسائر»، يظهر تحييد القياس المعرفي لصالح «العقلانية الإدارية».

• يفترض حياد المفهوم، لكنه في الواقع يعكس عقلانية المستعمِر.

تماثل استعماري:

• في الجزائر، اعتمدت الصحافة النخبوية نفس اللغة: دعوة الضحية إلى «الواقعية» و«التدرج».

• في الولايات المتحدة الأميركية، برزت لغة مشابهة في تحليلات الإدماج القسري.

خامساً: التحليل المقارن البنيوي

لم يُقصد باختيار حالتي الجزائر والسكان الأصليين في الولايات المتحدة إجراء مقارنة تاريخية مباشرة أو تسوية بين السياقات، بل استخدامهما كنموذجين مثاليين للاستعمار الاستيطاني بشقيه الاسىتغلالي والإحلالي في مرحلتين مختلفتين من تطوره: الأولى تمثل الاستعمار الاستغلالي الكلاسيكي المسلّح بخطاب «التمدين» والسيادة المباشرة، والثانية تمثل الاستعمار الاستيطاني الإحلالي المكتمل الذي أخضع الإبادة لمنطق قانون - إداري طويل الأمد. يتيح هذا الاختيار تتبّع ثبات الآليات الخطابية، ولا سيما نقل المسؤولية من البنية الاستعمارية إلى الضحية، واستخدام العقلانية الأداتية لتأطير الإبادة بوصفها نتيجة «خيارات خاطئة» أو «سلوك غير واقعي»، بما يسمح بقراءة الحالة الفلسطينية ضمن نسق استعماري متكرر لا كاستثناء تحليلي. وتظهر نتائج المقارنة:

1.5 ثبات منطق الإزالة:

في فلسطين، الجزائر، والولايات المتحدة الأميركية، يظهر أن الاستعمار الاستيطاني، الاستغلالي والإحلالي لا ينتهي بالتسوية، بل يمارس الإبادة بوصفها وظيفة بنيوية.

2.5 ثبات آلية لوم الضحية:

في جميع الحالات، يُنقل التركيز من الجلاد إلى الضحية، مع إعادة تعريف العنف كنتيجة خيارات «غير عقلانية».

3.5 العقلانية الأداتية كأداة ضبط معرفي:

خطابيا، تتحول العقلانية إلى آلية لتطبيع الإبادة، لا أداة كشف وتحليل.

سادساً: ما الذي يضيفه التحليل المقارن؟

1.6 المقارنة لا تساوي السياقات، لكنها تُظهر تكرار الآليات الخطابية عبر الاستعمار الاستيطاني بشقيه الاستغلالي والإحلالي.

2.6 العقلانية الأداتية التي تُحلل الحدث الفلسطيني بنفس المنطق الذي طُبق على الجزائر والسكان الأصليين ليست نقصا في النقد، بل خللا بنيويا معرفيا يعيد إنتاج شروط الإبادة.

سابعا: من التموضع المعرفي إلى الخلاصة التحليلية

إن اعتماد التحليل من موقع المعرفة المستعمَرة لا المستعيرة لا يشكّل خيارا منهجيا معزولا، بل يفرض منطق الخلاصة نفسها. فحين تُقرأ الخطابات الفلسطينية والعربية من داخل الشرط الاستعماري الإحلالي، لا تعود الإبادة حدثا يمكن تقييمه بأدوات الإدارة أو البراغماتية السياسية، ولا يعود السؤال المركزي متعلقا بحسن أو سوء القرار، بل بالبنية التي تجعل كل قرار مشروطا سلفا بعنف الإزالة. وعليه، فإن ما كُشف في هذا المقال من أنماط لوم الضحية، واستدعاء العقلانية الأداتية، وتعليق البنية الاستعمارية، لا يُفهم كأخطاء تحليلية فردية، بل كنتيجة مباشرة لاستخدام مفاهيم مُنزَلة من خارج سياق الإبادة، وتطبيقها على واقع أُفرغ عمدا من شروط السيادة والفعل الحر.

من هذا المنطلق، تصبح الخلاصة ليست تلخيصا لما سبق، بل إعادة تموضع نقدي لمفهوم العقلانية نفسه داخل الخطاب الفلسطيني والعربي. فالعقلانية التي تُنتج معرفة منسجمة مع منطق الإبادة، أو تُحوّل الفعل الواقع تحت القهر إلى موضوع محاسبة أخلاقية أو إدارية، ليست عقلانية ناقصة فحسب، بل عقلانية مُسيّسة بنيويا، تعمل - عن قصد أو دونه - كآلية ضبط معرفي. ولذلك، فإن الانتقال إلى الخلاصة يقتضي التعامل مع العقلانية بوصفها حقل صراع، لا معيارا محايدا، ومع النقد بوصفه فعل تفكيك للبنية، لا تصحيحا لسلوك الضحية.

ثامنا: إعادة تموضع العقلانية في زمن الإبادة

يكتسب هذا النقد عمقه الأوضح عند ربطه بما صاغه عبد الوهاب المسيري حول «العقلانية الأداتية» و«الإنسان الوظيفي» [17]، حيث تُختزل الكائنات البشرية إلى وحدات قابلة للإدارة داخل منظومة مادية صمّاء. في هذا الإطار، يصبح السؤال ليس كيف نُقلّل الخسائر، بل كيف جرى تحويل الإنسان الواقع تحت الإبادة إلى متغيّر حسابي، تُقاس أفعاله بمعايير الكفاءة لا بمعايير العدالة أو الحق التاريخي

المشكلة ليست في غياب العقلانية، بل في نوع العقلانية المُستخدمة.

حين تُفصل العقلانية عن البنية الاستعمارية الإحلالية، تتحول من فضيلة تحليلية إلى لغة ناعمة للإبادة، تُحمّل الضحية مسؤولية ما لا تُسأل عنه، وتُخفف من مسؤولية المستعمِر.

بالتالي، على النقد الفلسطيني والعربي أن يتجاوز تقييم الخيارات التكتيكية، ويعيد العقلانية إلى مكانها البنيوي: كشف المشروع الاستعماري الاستيطاني الاحلالي نفسه، وفهم الآليات الإبادية المتكررة في سياقات تاريخية مختلفة.

المراجع

1. Fairclough, N. (1995). Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language. London: Longman.

2. Wolf, P. (2016). Colonialism and the Elimination of the Indigenous. Cambridge: CUP.

3. Said, E. (1978). Orientalism. New York: Pantheon.

4. Fanon, F. (1963). The Wretched of the Earth. New York: Grove Press.

5. Agamben, G. (1998). Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Stanford: Stanford University Press.

6. Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Cambridge: Harvard University Press.

7. Wolf, P., op. cit.

8 . شرابي، هشام. النقد الحضاري للمجتمع العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

9. Said, E., op. cit.

10. Agamben, G., op. cit.

11. Fanon, F., op. cit.

12. Fairclough, N., op. cit.

13. عطالله، أكرم. «نذر المرحلة الثانية.. والكمين!»، جريدة الأيام الفلسطينية، 30/1/2026.

14. كيالي، ماجد. «في انطلاقتها الـ 38 انتهت حماس إلى حيث وصلت فتح»، النهار اللبنانية، 19/11/2025.

15 . عبد الحميد، مهند. نظرة «حماس» الاستخدامية للمواطنين جريدة الأيام الفلسطينية 13/1/2026

16 .بن نبي، مالك. شروط النهضة. دمشق: دار الفكر

17 .المسيري، عبد الوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. القاهرة: دار الشروق

تعليقات

خالد عطية


د. غانية ملحيس، شريكة المعنى في زمن اختلاط العقل بالقهر ،

ما ينجزه هذا المقال لا يقتصر على نقد خطابٍ بعينه، بل يفضح آلية معرفية كاملة جرى تطبيعها في الوعي السياسي الفلسطيني والعربي زمن الإبادة. قوته الأساسية لا تكمن في تسميته لـ«العقلانية الأداتية» فحسب، بل في نقله مركز السؤال من ماذا كان يجب أن يفعل الفلسطيني؟ إلى من يملك حق تعريف العقلانية أصلًا، وفي أي سياق تاريخي تُستدعى؟
الأهمية البالغة لهذا النص أنه يقطع مع وهم الحياد التحليلي. فهو لا يتعامل مع العقلانية بوصفها أداة فوق-تاريخية، بل يكشفها كمنتَج سلطوي حين تُفصل عن البنية الاستعمارية الإحلالية. هنا لا يعود الخطأ في سوء التقدير أو بطء القرار، بل في إنزال معايير السيادة والإدارة الرشيدة على مجتمع جُرّد سلفًا من شروط السيادة والحماية والاختيار الحر. بهذا المعنى، لا يصبح النقد الأداتي مجرد قصور تحليلي، بل ممارسة عنف رمزي مكتملة، تُعاد عبرها محاكمة الضحية داخل شروط الإبادة نفسها.
ما يلفت في المقال هو رفضه الوقوع في ثنائية زائفة بين “العقلانية” و”الشعارات”. فهو لا يدافع عن الخطاب التعبوي، ولا يحصّن الفعل الفلسطيني من المساءلة، لكنه يصرّ على شرطٍ حاسم: أن يكون النقد موجّهًا إلى البنية التي تُنتج العنف لا إلى الفاعل المحاصر داخلها. بهذا، يستعيد النقد وظيفته التحررية، لا بوصفه تصحيحًا للسلوك، بل تفكيكًا لمنطق السيطرة.
كما أن استدعاء المقارنات الاستعمارية (الجزائر، السكان الأصليون في أميركا) لا يأتي لإجراء مساواة تاريخية، بل لكشف ثبات الآلية: نقل السببية من المشروع الاستيطاني إلى ضحاياه، واستخدام لغة “العقل” و”الواقعية” لتطبيع الإزالة. هنا تتبدّى إحدى أقوى أطروحات المقال: أن العقلانية الأداتية ليست انحرافًا طارئًا في الخطاب، بل إحدى أدوات الاستعمار المتأخرة، حين تصبح الإبادة غير قابلة للتبرير الأخلاقي، فيُعاد تمريرها معرفيًا.
الأهم، ربما، أن المقال لا يقترح بديلًا جاهزًا، ولا يقدّم “عقلانية أخرى” مكتملة، بل يضع العقلانية نفسها في موقع المساءلة. وهذا موقف شجاع في زمن تُستدعى فيه “الواقعية” لتسكين الأسئلة لا لفتحها. فحين تتحول العقلانية إلى معيار يبرّر إخضاع الحياة لمنطق الحساب، تصبح – كما يلمّح النص بدقة – لغة ناعمة للإبادة، لا أداة لمنعها.
بهذا المعنى، لا يقدّم المقال إجابات مريحة، بل يعيد القارئ إلى السؤال الأكثر إزعاجًا:
كيف نمارس النقد دون أن نعيد إنتاج شروط الجريمة؟
وكيف نحمي العقل من أن يتحول إلى وظيفة في خدمة الإخضاع؟
وهي أسئلة، في لحظة الإبادة، ليست فكرية فقط، بل أخلاقية وتاريخية بامتياز .
 
غانية ملحيس

خالد العزيز
ممتنة جدا لهذا التفاعل العميق، الذي لا يقرأ المقال من خارجه، بل يدخل إلى قلب بنيته المعرفية، ويُعيد صياغة أسئلته بصيغة أكثر حدّة واتساعا. فالتعليق يلتقط بدقة ما يمكن اعتباره رهان المقال الأساسي: نقل مركز السؤال من تقييم الفعل الفلسطيني إلى مساءلة الجهة التي تحتكر تعريف العقلانية، وتفرض شروط استدعائها في سياق إبادي مغلق.
أهمية هذه القراءة العميقة أنها تكشف أن ما نواجهه ليس انحرافًا لغويا عابرا، ولا مجرد سوء استخدام لمفاهيم تحليلية، بل آلية معرفية كاملة جرى تطبيعها داخل الوعي السياسي الفلسطيني والعربي. فالخطاب الأداتي لا يعمل فقط عبر مفرداته، بل عبر ما يفترضه ضمنا من حياد العقل، ومن صلاحية المعايير، ومن أهلية المحاسبة. وحين تُنزَل هذه المعايير على مجتمع جُرّد سلفا من شروط السيادة والحماية والاختيار، يصبح النقد نفسه ممارسة عنف رمزي، ليس لأنه نقد، بل لأنه يُمارَس من داخل أفق المستعمِر لا من داخل شرط المستعمَر.
يلتقي المقال مع التعليق في رفض الثنائية الزائفة بين “العقلانية” و” الشعارات”، وهي ثنائية طالما استُخدمت لتجريد الخطاب التحرري من مشروعيته، أو لدفعه إلى خانة الانفعال غير العقلاني. فالمقال لا يدافع عن التعبئة الخطابية، ولا يمنح الفعل الفلسطيني حصانة أخلاقية أو سياسية، لكنه يصرّ على شرط حاسم: أن يكون النقد موجّها إلى البنية التي تُنتج العنف وتعيد إنتاجه، لا إلى الفاعل المحاصر داخلها. بهذا المعنى، لا يعود النقد أداة لتقويم السلوك، بل فعلا لتفكيك منطق السيطرة نفسه، أي عودة النقد إلى وظيفته التحررية الأصلية.
تعليقك يضيء بدقة على وظيفة المقارنات الاستعمارية في المقال. فهي لا تُستدعى لإجراء مساواة تاريخية أو لتبسيط الفوارق، بل لكشف ثبات الآلية الخطابية عبر السياقات: آلية نقل السببية من المشروع الاستيطاني إلى ضحاياه، واستخدام لغة “العقل” و” الواقعية” و” الإدارة” لتطبيع الإزالة حين تفقد الإبادة قدرتها على التبرير الأخلاقي المباشر. هنا، كما ذكرت، لا تُفهم العقلانية الأداتية بوصفها خللا طارئا في التحليل، بل كإحدى أدوات الاستعمار المتأخرة، حين يُعاد تمرير العنف عبر اللغة والمعرفة بعد أن يصبح فاضحًا على مستوى الفعل.
وتصيب الجوهر حين تشير إلى أن المقال لا يقدّم بديلا جاهزا أو نموذجا مكتملا لـ“عقلانية أخرى”. فهذا الامتناع خيارا معرفيا ضروريا. إذ إن تقديم عقلانية بديلة مكتملة في سياق إبادي، دون تفكيك شروط إنتاج العقلانية ذاتها، ينطوي على خطر إعادة إنتاج المنطق نفسه بصيغة معكوسة. لذلك، يضع المقال العقلانية في موقع المساءلة، ليس بوصفها قيمة مطلقة، بل كحقل صراع تاريخي وسياسي، يمكن أن يعمل أداة تحرر أو أداة إخضاع بحسب السياق الذي يُستدعى فيه.
من هنا، تصبح الأسئلة التي يختم بها التعليق - حول كيفية ممارسة النقد دون إعادة إنتاج شروط الجريمة، وحول حماية العقل من التحول إلى وظيفة في خدمة الإخضاع - ليست أسئلة نظرية مجردة، بل أسئلة أخلاقية وتاريخية تمسّ جوهر الوجود السياسي الفلسطيني في زمن الإبادة. وهي أسئلة لا يدّعي المقال امتلاك إجابات نهائية عنها، بقدر ما يسعى إلى إبقائها مفتوحة، وملحّة، ومقاومة للتسكين الذي تمارسه لغة “الواقعية” حين تتحول إلى أداة إلغاء للمعنى.
في هذا المعنى، لا يشكّل التعليق قراءة موازية للمقال فحسب، بل امتدادا له داخل الحقل المعرفي نفسه: حقل الصراع على اللغة، وعلى تعريف العقل، وعلى حدود النقد في زمن يُراد فيه تحويل الإنسان الفلسطيني إلى متغيّر حسابي، والعنف إلى مسألة إدارة، والإبادة إلى نتيجة “غير عقلانية” لسلوك الضحية.
غانية ملحيس
1/2/ 2026
 
التعديل الأخير:
نائل التونسي


بداية، أودّ توجيه تحية تقدير لكِ، الدكتورة العزيزة غانية ملحيس، على إسهاماتك المتواصلة في إنتاج مقالات بحثية نقدية تنتمي إلى حقل الفكر السياسي والتحليل البنيوي للاستعمار ونقد الخطاب في السياق الفلسطيني والعربي. هذا النوع من الكتابة، الذي يجمع بين الصرامة الأكاديمية والالتزام السياسي، لا يكتفي بتوصيف الحدث أو إعادة إنتاج سردياته السائدة، بل يفرض على القارئ جهدًا معرفيًا واعيًا، لأنه يقود إلى إدراك بنيوي نحن بأمسّ الحاجة إليه في زمن الإبادة. وتكمن أهمية هذه المقالات في أنها تُعيد مساءلة أدوات التفكير السائدة، وتفكّك منطق القوة الكامن خلف اللغة، وتفتح أفقًا نضاليًا يتجاوز ردّ الفعل إلى وعي تحرري قادر على الفعل وإعادة التموضع السياسي والمعرفي.
يقدّم المقال تفكيكًا عميقًا ومهمًا لآليات لوم الضحية والعقلانية الأداتية في الخطاب الفلسطيني والعربي زمن الإبادة، ويصيب بدقة في كشف كيف تتحول لغة “الواقعية” و“تقليل الخسائر” إلى أدوات ضبط معرفي تُعلِّق البنية الاستعمارية الإحلالية وتنقل مركز السببية من الجلاد إلى الضحية. غير أن قوة هذا التفكيك تفتح، في الوقت ذاته، أسئلة سياسية ومعرفية لا تقل إلحاحًا، وتتطلب توسيع النقاش بدل الاكتفاء بإدانة النمط الخطابي.
أول هذه الأسئلة: كيف نميّز عمليًا بين النقد التحرري الضروري، والنقد الذي يعيد إنتاج منطق الاستعمار، دون الوقوع في شلل نقدي؟ فبينما يحذّر المقال بحق من إسقاط معايير الدولة الطبيعية على واقع إبادي، يبقى التحدي قائمًا: كيف نطوّر أدوات نقد داخلية للمقاومة والمجتمع لا تُترجم فورًا إلى لوم للضحية، ولا تُصادَر بدعوى أن كل مساءلة هي استدخال لخطاب المستعمِر؟ أي ما هي حدود النقد الممكن داخل البنية الإبادية، وما شروطه المعرفية والسياسية؟
السؤال الثاني يتعلّق بـ العقلانية البديلة التي يدعو المقال ضمنيًا إلى استعادتها. فإذا كانت العقلانية الأداتية مرفوضة لأنها تُختزل في الحساب والإدارة، فكيف يمكن بلورة عقلانية تحررية لا تقع في نقيضها العاطفي أو الشعاراتي؟ وهل نحن أمام حاجة لإنتاج مفهوم جديد للعقلانية من داخل التجربة الفلسطينية نفسها، عقلانية تُوازن بين كشف البنية الاستعمارية من جهة، والحفاظ على قابلية الفعل والتنظيم والتعلّم من الأخطاء من جهة أخرى؟
أما السؤال الثالث فهو سياسي بامتياز: هل يكفي تفكيك الخطاب، أم أن هيمنة العقلانية الأداتية تعكس اختلالًا أعمق في موازين القوة داخل الحقل السياسي الفلسطيني والعربي نفسه؟ بمعنى آخر، إلى أي حدّ يعكس هذا الخطاب أزمة تمثيل، وأزمة مشروع تحرري جامع، تجعل قطاعات من النخب تلجأ إلى لغة الإدارة والبراغماتية لأنها فقدت القدرة على تخيّل أفق تحرري قابل للحياة؟
وأخيرًا، يفتح المقال سؤالًا شديد الحساسية حول موقع المتلقي العربي والفلسطيني: فحين يُنتج هذا النوع من النقد، لمن يُوجَّه فعليًا؟ هل يخاطب المجتمع الواقع تحت الإبادة، أم يخاطب جمهورًا دوليًا، أم يسعى لاكتساب شرعية أخلاقية في فضاء غربي مشروط أصلًا بمعايير المستعمِر؟ هذا السؤال لا ينتقص من قوة التحليل، بل يعمّقه، لأنه يربط الخطاب بوظيفته السياسية خارج النص.
في هذا المعنى، لا تكمن قيمة المقال فقط في تفكيكه للعقلانية الأداتية، بل في كونه دعوة مفتوحة لإعادة بناء مشروع نقدي تحرري لا يكتفي بفضح منطق الإبادة، بل يسائل أيضًا شروط إنتاج المعرفة، وحدود النقد، وأفق السياسة الممكنة في زمن يُعاد فيه تعريف الإنسان الفلسطيني نفسه كـخسارة قابلة للحساب.
باختصار شديد إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط الإبادة العسكرية، بل الإبادة المعرفية: حين نتبنّى لغة المستعمر في نقد أنفسنا، فنحوّل الضحية إلى متهم، والعقلانية إلى أداة ضبط، والنقد إلى إعادة إنتاج للعنف.
نائل التونسي
1/2/2026
 
التعديل الأخير:
غانية ملحيس

الاستاذ نائل التونسي
خالص الشكر على هذا التعليق الغني، الذي لا يكتفي بالتفاعل مع أطروحة المقال، بل يتقدّم خطوة إضافية في مساءلتها، ويفتح أسئلة معرفية وسياسية هي في صلب ما سعى إلى استدعائه لا إغلاقه. فمثل هذه القراءات، التي تتعامل مع المقال بوصفه حقلا للحوار لا نصا مكتفيا بذاته، تمثّل بالضبط ما يحتاجه النقاش الفلسطيني والعربي في زمن الإبادة: نقدا نقديا، لا ردّ فعل دفاعيا ولا إدانة تبسيطية.
أولًا، في مسألة التمييز بين النقد التحرري والنقد المُعيد لإنتاج منطق الاستعمار، أودّ التأكيد أن المقال لا يدعو إلى تعليق النقد، ولا إلى تحصين الفعل الفلسطيني - مقاومةً أو مجتمعا - ضد المساءلة. بل إن جوهر أطروحته يقوم على العكس تماما: أي على استعادة النقد بوصفه أداة تحرر لا أداة ضبط. الإشكالية، كما حاول المقال أن يبيّن، لا تكمن في وجود النقد، بل في موضعه المعرفي وشروط إنتاجه. فالنقد الذي يُمارَس من داخل البنية الاستعمارية، أو باستخدام معاييرها ومعجمها، يتحول - حتى لو حسنت نواياه - إلى إعادة توزيع للمسؤولية تُخفّف عن الجلاد وتثقل كاهل الضحية.
أما النقد التحرري، فهو ذلك الذي يبدأ بتفكيك الشروط البنيوية التي تُقيد الفعل، قبل أن ينتقل إلى مساءلة أشكال التنظيم والقرار داخل هذه الشروط، لا خارجها. بهذا المعنى، لا يقود التحذير من العقلانية الأداتية إلى شلل نقدي، بل إلى إعادة تأسيس شروط النقد نفسه.
ثانيا، يثير التعليق سؤال العقلانية البديلة، وهو سؤال محوري. فرفض العقلانية الأداتية لا يعني القفز إلى نقيضها العاطفي أو الشعاراتي، ولا يعني تمجيد الفعل بمعزل عن نتائجه أو كلفه. ما يقترحه المقال، بوضوح، هو الحاجة إلى عقلانية تحررية: عقلانية تنطلق من الاعتراف بالبنية الاستعمارية الإحلالية بوصفها محددا أساسيا لكل فعل، وتفهم الفعل المقاوم بوصفه فعلا سياسيا وأخلاقيا في آن واحد، وليس مجرد مسألة إدارة مخاطر. هذه العقلانية لا تُقاس فقط بميزان الخسائر، بل بميزان المعنى، والحق، واستمرارية الجماعة السياسية، وقدرتها على عدم التحول إلى “حياة عارية” خاضعة لمنطق الحساب. وهي عقلانية لا تُستورد جاهزة، بل تُنتَج من داخل التجربة الفلسطينية نفسها، عبر التعلّم، والمراجعة، وتطوير أشكال الفعل، دون إسقاط معايير دولة سيادية مكتملة على واقع حُرِم سلفا من شروط السيادة.
ثالثا، يلفت التعليق، بحق، إلى أن هيمنة العقلانية الأداتية ليست مجرد انحراف لغوي أو خطأ تحليلي، بل تعبير عن اختلال أعمق في موازين القوة داخل الحقل السياسي الفلسطيني والعربي. هنا يلتقي التحليل الخطابي بالتحليل السياسي: فحين تغيب المشاريع التحررية الجامعة، وتضعف البنى التمثيلية، وتُصاب النخب بحالة انسداد أفق، يصبح اللجوء إلى لغة “الإدارة” و“البراغماتية” تعويضا عن العجز عن تخيّل أفق تحرري قابل للحياة.
من هذا المنظور، لا يُقرأ الخطاب الأداتي فقط بوصفه استدخالا لمعايير المستعمِر، بل بوصفه أيضا علامة على أزمة مشروع، وأزمة خيال سياسي، وأزمة ثقة بإمكانية الفعل التاريخي نفسه.
أما السؤال المتعلق بوجهة الخطاب وجمهوره، فهو من أكثر الأسئلة حساسية وأهمية. فالمقال لا يفترض جمهورا واحدا متجانسا، بل يتحرّك في فضاء مركّب: فلسطيني وعربي ودولي. غير أن الرهان الأساسي فيه ليس كسب “شرعية” في فضاء غربي مشروط، بل تفكيك منطق هذه الشرعية نفسها حين تُبنى على لغة المستعمِر ومعاييره. وإذا كان بعض الخطاب الفلسطيني والعربي يُصاغ أحيانا بعين على المتلقي الغربي، فإن الإشكال لا يكمن في مخاطبة الخارج بحد ذاتها، بل في الثمن المعرفي والسياسي الذي يُدفع حين تُعتمد لغة تُفرغ الإبادة من بنيتها، وتعيد تعريف الفلسطيني كفاعل غير عقلاني يحتاج إلى التهذيب أو الإدارة.
في هذا السياق، أجدني أتفق تماما مع الخلاصة التي يقدّمها التعليق: إن أخطر ما نواجهه اليوم لا يقتصر على الإبادة العسكرية، بل يمتد إلى الإبادة المعرفية، حين تتحول اللغة إلى ساحة تطبيع مع العنف، ويصبح النقد أداة لإعادة إنتاجه بدل تفكيكه. ومن هنا، فإن أهمية المقال - كما أهمية التعليقات النقدية التي يتلقاها - لا تكمن في تقديم أجوبة نهائية، بل في فتح معركة معرفية ضرورية حول معنى العقلانية، وحدود النقد، وأفق السياسة الممكنة في زمن يُراد فيه تحويل الإنسان الفلسطيني إلى رقم، وخسارة، ومتغيّر قابل للحساب.
غانية ملحيس
1/2/2026
 
التعديل الأخير:
سناء صويص


تحياتي وتقديري عزيزتي الدكتورة

مقال كاشف وصريح وواضح والأهم صادق في إبراز الحقيقة الحاضرة في رؤية البعض الفلسطيني والعربي لواقعنا الأليم وان كانت رؤيتهم تندرج في إطار الأنهزام والتموضع للكيان وسرديته البغيضة أكثر من الكيان نفسه، لانهزامية في النفس، او للشعور بعدم الندية، او لنفاق مصالح شخصية سمه ما شئت....
إلقاء اللوم على الضحية التي لها كل الحق شرعا وقانونا في مقاومة الأحتلال، لهو عبث وذل شخصي وتلون لا أخلاقي باسم الواقع المفروض، وفن الممكن، والرضوخ لعدم الامكانيات، او حتى لإستساغة وضع يخدم مصالحهم ونفسياتهم المريضة....
عزيزتي كما أسلفت،،،لسنا في مجال الدفاع والتبرير والمحاسبة الأن، فلذا كل ذي وقت وقته، نحن الان في فضاء الكشف عن المستور الذي أصبح واضحا وضوح شمس الظهيرة، لعكس الحقيقة التي يريدوننا تبنيها حسب مصالحم باسم الاعمار وتمكين الناس من العيش الكريم ووقف اطلاق النار الذي شهدنا امس قوة صلابته بكم الشهداء المرعب...نريد توجيه الدفة الى الحقيقة والمسار الحقيقي، الى استعادة الفكر التحرري بمقاومة تلك العقول التي أقل ما يقال فيها انها عقول أصبحت من الظلمة بمكان لنشر الظلام الفكري بدل من نور الحقيقة معتقدين ان الرضوخ والواقعية تؤدي لحل ما،،، بينما هذه الواقعية المرضية وهذه الحلول المفروضه لن تؤدي بمن يتبنوها الا *عفوا* الى مزابل التاريخ ومزابل فكرهم المظلم...
لا طريق للسلام والتحرر، الا بالوحدة الوطنية واعلاء الصوت المقاوم الحر بكل أشكاله، فلسطين ليست بحاجة لمطبلين وانتهازيين وخاضعين لفلسفات استعمارية، وتقويلات يفرضها المحتل، المختل والمستعمر القديم الحديث المتعطش للأرض والثروات والدم، فلسطين بحاجة لرجال رجال يقصمون ظهر الظلم والقهر بثبات المواقف والمباديء، واعلان لا قبول الا بالتحرير الكامل للأرض والأنسان...
اما غير ذلك، فليوضبوا حقائبهم ويرحلوا ويفسحوا المجال لكرامة وشهامة رجال ونساء فلسطين الأحقاء.
دمت عزيزتي ودام قلمك، قلم الوعي والتنبيه، والادراك لعقول لا أشك في قدرتها ووعيها على استقبال الحق ودحر الباطل.
سناء صويص
1/2/2026
 
غانية ملجيس

شكرا لك يا سناء على هذا التعليق الصريح والمشحون بوضوح أخلاقي لا لبس فيه، والذي يعبّر عن غضب مشروع إزاء خطاب بات، في نظر كثيرين، أكثر تطبيعا مع منطق الإخضاع من الخطاب الاستعماري ذاته. فالقيمة الأولى لهذا التعليق تكمن في أنه لا يتعامل مع المقال بوصفه تمرينا نظريا معزولا، بل يضعه مباشرة في قلب معركة الوعي والكرامة والمعنى في زمن الإبادة.
يلتقي المقال مع هذا التعليق في نقطة مركزية: رفض تحويل الواقعية إلى اسم آخر للهزيمة، أو استخدام “فن الممكن” لتبرير الرضوخ، أو إعادة تعريف الحق بوصفه عبئا أخلاقيا على الضحية. فحين يُلقى اللوم على مجتمع يملك - قانونيا وشرعيا وتاريخيا - حق مقاومة الاحتلال، لا نكون أمام اختلاف في التقدير السياسي فقط، بل أمام انزلاق معرفي وأخلاقي خطير، يُعاد فيه اصطفاف الوعي مع سردية القوة باسم العقل والواقعية.
ومع ذلك، يهمّني هنا توضيح نقطة منهجية أساسية: المقال لا يسعى إلى فرز أخلاقي حاد بين “أطهار” و“خونة”، ولا إلى استبدال العقلانية الأداتية بخطاب تعبوي مضاد، مهما كانت مشروعية الغضب الذي يغذّيه. فهدفه ليس إدانة الأفراد أو النيّات، بل تفكيك البنية المعرفية التي تجعل من لوم الضحية خطابا مقبولا، بل مهيمنا، داخل الفضاء الفلسطيني والعربي. هذا التفكيك ضروري، لأن الاكتفاء بلغة الإدانة - رغم عدالتها الأخلاقية - قد يُبقي الآلية ذاتها فاعلة، وإن بصيغة معكوسة.
حين يشير التعليق إلى أن “الوقت ليس وقت محاسبة”، فهو يلتقط بدقة روح المقال: لسنا في لحظة جردة حساب إدارية، ولا في فضاء تقييم كلفة/منفعة، بل في لحظة كشف. كشف اللغة التي تُراد لنا، وكشف المعايير التي يُطلب منا اعتمادها، وكشف كيف تتحول مفردات مثل “الإعمار”، و“العيش الكريم”، و“وقف إطلاق النار” إلى أدوات لتعليق السؤال المركزي: سؤال الاستعمار ذاته، ووظيفة الإبادة داخله.
لكن المقال، في الوقت نفسه، يحاول حماية الفكر التحرري من خطر آخر لا يقل جسامة: التحول إلى يقين مغلق لا يرى في النقد إلا خيانة، ولا في السؤال إلا تواطؤا. فالعقل الذي ندافع عنه هنا ليس عقل المساومة، ولا عقل الحساب البارد، لكنه أيضا ليس عقل الإقصاء. إنه عقل تحرري نقدي، يرى في وحدة الموقف المقاوم ضرورة تاريخية، لكنه يصرّ على أن هذه الوحدة لا تُبنى إلا على وعي معرفي صلب، لا على كتم الأسئلة أو إسكات الاختلاف.
إن الدعوة إلى استعادة الفكر التحرري، كما يرد في التعليق، لا تنفصل عن جوهر المقال، بل تتقاطع معه بعمق. غير أن هذه الاستعادة، في تقديري، لا تمر فقط عبر رفع الصوت المقاوم، بل عبر تحرير العقل نفسه من اللغة التي تُعيد إنتاج الإخضاع، حتى حين تتخفّى بلبوس الحرص، أو الواقعية، أو “مصلحة الناس”. فالمعركة ليست فقط على الأرض، بل على تعريف ما هو ممكن، وما هو عقلاني، ومن يملك حق رسم الأفق.
من هنا، فإن المقال لا يوجّه بوصلته ضد الغضب، ولا ضد الموقف الحاسم، بل ضد اختطاف العقل وتحويله إلى وظيفة في خدمة التكيّف مع الظلم. وهو، في ذلك، يلتقي مع روح هذا التعليق، حتى حين يختلف معه في نبرة الخطاب أو حدّة الأحكام.
في زمن الإبادة، نحتاج - معًا - إلى وضوح أخلاقي لا يساوم، وإلى صرامة معرفية لا تنزلق إلى تبسيط الصراع. وهذا التوتر الخلّاق بين الغضب والفكر، بين الموقف والتحليل، هو بالضبط ما يجعل مثل هذا الحوار ضرورة، وليس ترفا.
غانية ملحيس
1/2/2026
 
البشير عبيد


دراسة سياسية تحليلية غاية في العمق والإمتياز كعادة الباحثة الفلسطينية القديرة دكتورة غانية ملحيس...تواصل المسيرة والمسار في حقل الفكر السياسي العربي بالرؤية البحثية الموغلة في التحليل بشمولية وموضوعية وترحال كبير في تفكيك السرديات وبلاغة اللغة وأناقة التعبير ورشاقة الاستنتاج......برافو صديقتي الغالية
وإلى الأمام........
البشير عبيد
1/2/2026

1/2/2026
 
غانية ملحيس


الاستاذ العزيز الكاتب الصحفي البشير عبيد
ممتنة جدا لهذا التقدير الكريم، الذي أعتزّ به لما يحمله من قراءة واعية لمسار المقال بوصفه جهدا بحثيا متراكما، وليس نصا معزولا عن سياقه الفكري والسياسي. إن الإشارة إلى شمولية التحليل، وتفكيك السرديات، والاشتغال على اللغة بوصفها حقل صراع، تلتقط بدقة جوهر الرهان المعرفي لهذا المقال.
هذا النوع من التفاعل المشجّع ليس مجاملة، بل اعتراف بأهمية الاستمرار في إنتاج معرفة نقدية فلسطينية وعربية، تحاول أن تشتبك مع الواقع من دون تبسيط، ومع اللغة من دون تحييد، ومع السياسة من دون انفصال عن شرطها الاستعماري.
كل الشكر والتقدير
غانية ملحيس
1/2/2026
 
وائل برغوثي

كل ما جرى وما يجري وما سيجري مستقبلا هو تساوق مع الظالم على حساب المظلوم ثمنا للكرسي المنجدة والحماية الذي قدمها ويقدمها وسيقدمها المستعمر لعبيده الذين نصبهم قسرا على شعوبهم البائسة
وائل برغوثي
1/2/2026
 
غانية ملحيس


الأستاذ وائل البرغوثي
أشكرك على هذا التعليق الصريح، الذي يضع إصبعه مباشرة على أحد أكثر الجوانب قتامة في المشهد السياسي الفلسطيني والعربي: بنية التواطؤ بين السلطة التابعة والمستعمِر، حيث تتحول الحماية والامتياز والكرسي إلى أثمان تُدفع من دم الشعوب وحقوقها.
يلتقي هذا التعليق مع جوهر المقال في تشخيص أن ما يجري ليس سلسلة أخطاء معزولة، أو سوء تقدير عابر، بل اصطفاف بنيوي داخل منظومة قوة غير متكافئة، يُعاد فيها إنتاج السيطرة عبر وكلاء محليين، تُمنَح لهم شرعية مشروطة مقابل ضبط مجتمعاتهم وتكييفها مع منطق المستعمِر.
في هذا السياق، لا تكون العقلانية الأداتية التي يطالب بها بعض المثقفين مجرد خطاب تحليلي، بل تتحول إلى لغة تبريرية لهذا التساوق: لغة “الاستقرار”، و“الواقعية”، و“الحماية”، و“تفادي الأسوأ”.
غير أن المقال يسعى إلى توسيع هذا التشخيص عبر نقل النقاش من مستوى الإدانة السياسية المباشرة إلى مستوى تفكيك الآلية المعرفية التي تجعل هذا التواطؤ قابلا للتسويق، بل أحيانا مقبولا أخلاقيا. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود سلطة أو نخب مستفيدة، بل في اللغة التي تُنتج شرعيتها، وفي العقلانية التي تُقدَّم بوصفها بديلا عن العدالة، والحقوق، والتحرر.
من هنا، لا يُنكر المقال حقيقة أن كثيرا مما جرى ويجري يتم تحت مظلة حماية استعمارية، لكنه يحاول أن يُظهر كيف تُترجم هذه الحماية إلى منطق معرفي يُعاد فرضه على المجتمع بأسره: منطق يطلب من المظلوم تفهّم شروط الظالم، ومن الواقع تحت الإبادة أن يتكيّف مع ميزان القوة بدل مساءلته. تفكيك هذا المنطق لا يُضعف الموقف الأخلاقي، بل يمنحه أساسا أعمق وأكثر قدرة على الاستمرار.
إن الغضب الذي يحمله هذا التعليق مفهوم ومشروع، لكن الرهان المعرفي للمقال هو أن يتحول هذا الغضب إلى وعي بنيوي، لا يكتفي بتسمية التبعية، بل يفضح الشروط التي تسمح لها بالتمدد، واللغة التي تحميها، والعقلانية التي تبررها باسم الضرورة أو “الممكن”.
بهذا المعنى، يلتقي التعليق مع المقال في رفض التساوق مع الظالم، لكنه يضيف إلى هذا الرفض بعدا ضروريا: معركة تحرير العقل من المنطق الذي يجعل هذا التساوق يبدو عقلانيًا أو حتميا.
غانية ملحيس
1/2/2026
 
سلمان سلمان


المقالة تتبني طرحا وسردية مسبقة وهي رفض اي تقييم لأي نشاط يتم باسم المقاومة باعتباره مقدسا لا يجوز نقده مهما كان التقييم الموضوعي للوضع.
نعم ما تقوم به إسرائيل عدوان غاشم لا ينتظر مبررات للهجوم، بل يبحث عن حجج يصنعها لمزيد من العدوان وهو مدان ولا يحتاج للتذكير انه السبب.
اما ردة الفعل وهي ما نسميه المقاومة فهي ردة فعل يمكن فهمها مهما أنتجت. لكن لا بد من الموضوعية والقول إن ردة فعل كذا تفشل بينما ردة فعل أخرى ربما تقلل الخسائر.
نظرية المقاومة والصمود مسألة معقدة ويتيه الناس فيها كثيرا.
-
الأصل في مواجهة المحتل الصمود والمقاومة تتراوح بين المقاومة السلبية حينا إلى المقاومة المسلحة أحيانا حسب المقومات. لذلك لا بد من اتساع العقل والقلب لكل أنواع النقد والتقييم لدور معين في مرحلة معينة دون تغيير أو إنقاص التقييم أن العدو هو أصل البلاء.
هناك تجربة مميزة وتتفوق درجات كثيرة على كل ما ورد من الخبرات وتستحق التقييم والتعلم المستمر للمؤمنين وغيرهم. تجربة
الرسول كانت على ثلاث مراحل:
الأولى دعوة سرية لأن الإعلان كان يسحقها. ثم دعوة علنية مع تحمل أذى المخالفين دون استدراج لمعارك يمكن أن تقضي على الحركة الجديدة. الثالثة الهجرة والبدء بتنظيم حرب متصاعدة حتى تم النصر على كل الجزيرة خلال 10 سنوات وتم نظام علمي جديد بشكل شيه كامل خلال 4 عقود.
قاعدة السلوك كانت تحكمها الآيات التالية وهي تحدد عتبة وسقفا لإمكانية الحرب لا يقبل إن يكون اقل من العتبة أو يزيد عن السقف.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ {65} الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ {66} - سورة الأنفال.
إذا كانت قوة العدو 10 أضعاف فأكثر فالمواجهة تهلكة مرفوضة. وإذا تراوحت بين 2-10 أضعاف تجوز، بل تلزم محاولة الهجوم وكلما كانت أقرب للعتبة أو الضعف تصبح أكثر جدية ولا يجوز تأجيلها لأن الفرص تكون أفضل للنصر. أما إذا كان كانت قوة العدو اقل من الضعف فلا يمكن وصف المجتمع بالمجاهد أو المسلم إذا انهزم أما العدو.
مشكلة الوضع الفلسطيني أن قوة العدو بالمقارنة تزيد عن السقف الإلهي عدة أضعاف ولا يجوز جمع الآخرين بافتراض انه سيتم جرهم للمعركة. فوق هذا فخيار الهجرة غير مقبول أو متوفر لأن خسائره أكبر من فوائده.
لذلك تصبح معادلة الصمود والبقاء هي الأصل. وطوال ذلك يتم العمل على تجنيد قوى صديقة حتى يغير الله أمرا. ما حصل في غزة لم يكن عملا متوازنا من إسرائيل أو متوقعا لأنها كانت تريد تهجير كل فلسطين وإسقاط مصر وسوريا وإعلان قيام إسرائيل الكبرى. مثلت عملية غزة الصاعق المطلوب لبدء هذه العملية المدمرة والتي ستفشل لأسباب أخرى.
لقد تجاوزت ردة الفعل السقف الذي حدده الله لذلك لم تكن النتائج مفاجئة. فوق ذلك كان معظم إعلام المقاومة يهاجم مصر بتوحش ويريد سقوطها مع ذلك كان سيحقق الهدف الإسرائيلي كاملا ومع انها الدولة الوحيدة التي صنعت بتحركاتها فرقا فهي حررت سيناء عمليا وسلحتها بكل قوة ولن تنسحب ابدأ وتعلن ذلك وهي بنفس الوقت منعت التهجير رغم التشنيع من كثير من المحسوبين على المقاومة. مع ذلك كان هناك من يدعو حتى الآن لسقوطها. من أسباب الفوضى في التقييم تداخل دور الإخوان المرتبطين ببرامج العولمة مع بنية حماس وقد وفر ذلك الظروف لسهولة الاختراق واختلاط الأوراق.
هناك متغيرات ورغم محدودية إنجاز وقف النار فهو أفضل الموجود. من المهم العمل بكل قوة على كسب تكون جبهة عربية إسلامية عالمية تشارك في وضع الخطوط الحمراء كما تفعل مصر، والسعودية، والباكستان تركيا، وقطر. نريد مزيدا من التداخل لدورهم بما يضمن المنعة وليس الدخول في متاهات الخلاف. ومن المهم معارضة أي جهد حربي ضد ايران وانضوائها ضمن التحرك العربي الإسلامي وان بدور مختلف نسبيا
أما داخليا فمن الأفضل لحماس أن تتوارى حتى يتم تجاوز المرحلة دون فقدان حقها في المواطنة والسياسة تحت أي عذر. لكن بالمقابل لا نريد أن يكزوا البديل تنفيذا لمشروع إسرائيل من خلال التطبيع المسمى جورا بالإبراهيمي أو رمي الخير في مواقف المقاومة او شتم من يختلف معها. نريد جمع القوى وليس تفتيتيها فليس لدينا ذلك الخيار أصلا ومن الخطأ أن تختاره، حتى لو كان ممكنا.
سلمان سلمان
1/2/2026


***

غانية ملحيس


الأستاذ سلمان سلمان
خالص الشكر على تعليقك المطوّل، لما يحمله من جدّية فكرية ومحاولة صادقة لتأسيس موقف نقدي يستند إلى مرجعية دينية - تاريخية، وإلى هاجس تقليل الخسائر وحماية المجتمع من التهلكة.
غير أنّ جوهر الخلاف بيننا لا يكمن في أحقية النقد ولا في ضرورة التقييم، بل في موضع النقد، وأدواته، وسياقه المعرفي، والسياسي.
أولا، لا يتبنّى المقال قداسة أي فعل يُرتكب باسم المقاومة، ولا يرفض مبدئيا تقييم الأفعال أو مساءلتها. ما يرفضه هو نمط معيّن من النقد: النقد الذي يُنزِل معايير “العقلانية”،
و” التوازن”، و” حساب الكلفة”، على شعب واقع تحت بنية إبادة استعمارية إحلالية، وكأن هذا الشعب يمتلك أصلا شروط السيادة، وحرية القرار، والتحكم بسير العنف. هنا لا يعود النقد توصيفا، بل يتحول - من حيث لا يقصد - إلى إعادة محاكمة للضحية داخل شروط الجريمة نفسها.
ثانيا، القول بأن “ردة فعل تفشل وأخرى تقلل الخسائر” يفترض وجود طيف خيارات مفتوح أمام الفاعل الفلسطيني، بينما أحد محاور المقال الأساسية هو التشكيك في هذا الافتراض ذاته. فحين يكون العنف بنيويا، مستمرا، وغير مشروط بالفعل الفلسطيني، يصبح ربط حجم الإبادة بـ ” اختيار الرد” قراءة تبسيطية، حتى لو انطلقت من نية عقلانية. التاريخ القريب والبعيد - من الجزائر إلى السكان الأصليين في أمريكا الشمالية - يبيّن أن الاستعمار لا ينتظر الذريعة، بل يصنعها، ثم يعيد تحميلها لمن وقع عليه الفعل.
ثالثا، استدعاء تجربة الرسول ﷺ بوصفها نموذجا معياريا لإدارة الصراع يستحق الاحترام، لكنه يطرح إشكاليتين منهجيتين:
1. الاختلاف الجذري في البنية التاريخية: الدعوة النبوية واجهت مجتمعا جاهليا، لا مشروع إبادة إحلالية صناعية مدعومة بنظام عالمي، ولا تفوقا تقنيا مطلقا، ولا تجريدا شاملا من الأرض والسيادة.
2. خطر تحويل النص الديني إلى معادلة تقنية: تحويل آيات القتال إلى “سقف حسابي للقوة” قد يفضي - من حيث لا يُراد - إلى نزع بعدها المقاصدي والأخلاقي والتاريخي، وإلى استخدام النص لضبط سلوك الضحية بدل مساءلة بنية العدوان.
رابعا، القول بأن “ما حصل في غزة تجاوز السقف الإلهي” يحمّل الفعل الفلسطيني مسؤولية النتائج، بينما المقال يشتغل على تفكيك هذا المنطق تحديدا: منطق السببية المقلوبة، حيث يُعاد تفسير الإبادة كنتيجة “تجاوز” أو “سوء تقدير”، لا كاستمرار لمشروع استيطاني إحلالي قائم بذاته. وهنا لا يعود النقاش فقهيا فقط، بل معرفيا وأخلاقيا: هل نقيس الفعل تحت الإبادة بمنطق النجاح والفشل، أم بمنطق كشف بنية الجريمة نفسها؟
خامسا، يلتقي المقال مع التعليق في التحذير من تفتيت الصف، ومن الشخصنة، ومن توظيف المقاومة في صراعات إقليمية أو أيديولوجية ضيقة. لكنه يختلف جذريا في نقطة محورية: المقال لا يدعو إلى استبدال استراتيجية بأخرى، ولا إلى فرض نموذج مقاومة بعينه، بل إلى مساءلة اللغة التي تُستخدم لنزع الشرعية عن الفعل الفلسطيني باسم الواقعية، وإلى حماية النقد من التحول إلى أداة تطبيع معرفي مع الإبادة.
أخيرا، لا يدّعي المقال امتلاك بديل جاهز، ولا يطرح “عقلانية مضادة” مكتملة، بل يضع العقلانية ذاتها في موضع السؤال. وفي زمن الإبادة، قد يكون هذا الموقف - رغم إزعاجه - أكثر أخلاقية من تقديم وصفات جاهزة توحي بأن المشكلة في “سوء الإدارة”، لا في بنية الاستعمار.
الخلاف هنا إذن ليس بين “مقاومة مقدسة” و” نقد عقلاني”، بل بين نقد يشتغل داخل أفق الضحية، ونقد - مهما حسنت نواياه - يُعاد توظيفه داخل أفق الجلاد.
غانية ملحيس
1/2/2026
 
ياسر خطاطبة


23) قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ (24) لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ
ياسر خطاطبة
1/2/20/26



****************


غانية ملحيس


الأستاذ ياسر خطاطبة
خالص الشكر على استدعاء النص القرآني، لما يحمله من ثقل أخلاقي وروحي في وجداننا الجمعي، خصوصا في لحظة يُختبر فيها معنى الجهاد، والصبر، والتضحية.
غير أنّ الإشكال - كما يطرحه المقال - لا يتعلّق بمكانة الجهاد في الإسلام، ولا بتقديم الدنيا على الآخرة، بل بكيفية تحويل النص الديني من أفقه المقاصدي والتحرري إلى أداة ضبط سياسي ومعرفي للواقع المعاصر. فالآيات الكريمة التي استُشهد بها نزلت في سياق تاريخي محدد، وكانت تخاطب جماعة تمتلك - رغم ضعفها - أفق الفعل والاختيار، وتتحرك ضمن صراع لم يكن إباديا إحلاليا شاملا، ولا خاضعا لنظام عالمي يعيد إنتاج العنف بلا سقف. بل إن الآيات نفسها تذكّر - في حادثة حُنين - بأن الكثرة، أو الحماسة، أو الثقة بالذات، لا تكفي وحدها، وأن سوء التقدير وارد حتى في لحظة الإيمان.
وهنا يلتقي النص القرآني، ولا يتناقض، مع أطروحة المقال:
المشكلة ليست في الجهاد بوصفه قيمة، بل في فصل الفعل عن شروطه التاريخية، والسياسية، والبنيوية، ثم استخدام النص لإضفاء معنى أخلاقي مطلق على نتائج لا يتحكم بها الفاعل أصلا. كما أن المقال لا يدعو إلى تفضيل “السلامة” أو “المصالح” أو “الحياة الخاصة” على الفعل المقاوم، ولا يُسقط من حسابه قيمة التضحية. لكنه يحذّر من تحويل الجهاد إلى معيار أخلاقي يُستخدم لاحقا لمحاكمة الضحية: من صمد “كما يجب” ومن أخفق، ومن ضحّى “بما يكفي” ومن قصّر. هذا النمط من القراءة - حتى لو استند إلى نص مقدس - قد ينتهي إلى تحميل المقهور مسؤولية مآلات العنف الذي فُرض عليه.
الأخطر، كما يلمّح المقال، هو أن يُستدعى النص الديني لا لفتح أفق التحرر، بل لإغلاق باب السؤال، سؤال البنية الاستعمارية، وسؤال ميزان القوة،
وسؤال العالم الذي يسمح بالإبادة ثم يطالب الضحية بـ” الامتثال الأخلاقي الكامل”. إن الدفاع عن الجهاد لا يقتضي تعطيل العقل، كما أن مساءلة العقلانية الأداتية لا تعني تعطيل الإيمان. بل لعل التحدي الحقيقي، في زمن الإبادة، هو حماية النص من التوظيف الذي يحوّله إلى غطاء رمزي لعنف لا يملك المقهور إيقاعه ولا التحكم به. بهذا المعنى، لا يعارض المقال النصّ الديني، ولا ينازعه مرجعيته، بل يحاول أن يمنع اختزاله إلى وظيفة تبريرية في صراع تتجاوز فيه آلة القتل كل منطق، وكل سقف، وكل معيار.
غانية ملحيس
 
هشام دبسي

د غانية تحيه لجهدك وجدية منهجك ورصانته

في مقالك الاخيرواستشهاداتك الداعمة لمقاربتك والأمثلة النقدية التي وردت أثارت لدي مرة اخرى ضرورة مقاربة مقولة العنف المسلح في الممارسة الفلسطينية وعلاقتها بخصوصية الحالة التي علقنا بها بصفتها. الاستثنائية مع الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل اعتقد، أن إجابتك لي تكررت في مقالك الجديد بتوسع ووضوح حيث أرى أنها إجابة أكاديمية لا تقارب فرادة الحالة الفلسطينية

في صراعها مع الاحتلال بشكل ملموس وبعلاقتها بمراكز صناعة القرار سواء في السلطة الفلسطينية اوالسلطة الحمسوية، وما زلت أطرح السؤال المركزي كيف يمكن تحييد القوة العسكريه- الأمنية الاسرائيلية والنموذج عندي يرتكز إلى تجربة انتفاضة الحجارة

هشام دبسي

2/2/2026
 
غانية ملحيس

ف
الأستاذ العزيز هشام

تحياتي وتقديري لقراءتك المتأنية، ولإثارتك سؤال العنف المسلح بوصفه سؤالا مركزيا لا يمكن تجاوزه في النقاش الفلسطيني. وأقدّر كذلك استحضارك لتجربة انتفاضة الحجارة كنموذج، لما حملته من طاقة جماهيرية ومعنى سياسي كثيف.

اسمح لي أن أوضح نقطة أظنها جوهرية في اختلاف المقاربة، ليس في تجاهل خصوصية الحالة الفلسطينية. فالقضية، كما أحاول تفكيكها، ليست في نفي الفرادة، بل في إعادة تعريفها: فلسطين حالة استثنائية فعلا، لكن استثنائيتها لا تكمن فقط في شكل المقاومة، بل في طبيعة العدو ذاته، بوصفه مشروعا استعماريا إحلاليا عنصريا يشكّل رأس حربة وظيفيا في نظام حداثي غربي مادي عنصري مهيمن، وليس مجرد قوة احتلال يمكن تحييدها بأدوات تكتيكية معزولة عن هذا السياق.

من هنا، يصبح سؤال «كيف نُحيّد القوة العسكرية - الأمنية الإسرائيلية؟» سؤالا إشكاليا إن طُرح بمعزل عن البنية التي تمنح هذه القوة معناها ووظيفتها. فإسرائيل ليست قوة عسكرية يمكن تحييدها كما تُحيَّد قوة تقليدية، بل عقدة متقدمة في شبكة هيمنة دولية، تُغذّيها وتحصّنها وتمنحها فائض القوة والإفلات من المساءلة.

أما انتفاضة الحجارة، فرغم رمزيتها وأهميتها التاريخية، فقد جاءت في سياق تاريخي مختلف، وجرى احتواؤها سياسيا عبر أوهام التسوية مع عدو نقيض، لا يعترف أصلا بالوجود الفلسطيني كذات سياسية. المشكلة هنا لم تكن في سلمية الفعل أو شعبيته، بل في إدخاله لاحقا ضمن منطق إدارة الصراع بدل تفجيره سياسيا، وهو ما مهّد لمسار أوسلو، لا لتحييد القوة الاستعمارية.

لهذا، لا أرى أن الإشكال المركزي هو في نوع الممارسة (مسلحة/غير مسلحة) بقدر ما هو في الإطار الذي تُقرأ وتُدار داخله هذه الممارسة: هل تُبقي الصراع في مستوى تقني قابل للاحتواء، أم تعيده إلى كونه صراعا وجوديا تحرريا يكشف طبيعة النظام الذي يحمي الاحتلال ويحتاجه؟

سؤالك مشروع، لكن إجابتي عليه لا يمكن أن تكون تقنية أو تكتيكية، لأن التجربة الفلسطينية نفسها أثبتت أن كل محاولة لتحييد القوة الإسرائيلية خارج تفكيك البنية التي أنتجتها، انتهت إما بالاحتواء أو بالتصفية. من هنا، لا أفصل بين نقد الممارسة، ونقد مراكز القرار الفلسطينية، ولا بين أشكال المقاومة وسؤال السياسة ذاته: كيف نمنع تحويل نضالنا، أيّا كان شكله، إلى متغير إداري داخل نظام يريد لنا أن نظل حالة تُدار لا قضية تُحسم؟

أقدّر هذا النقاش، لأنه يلامس جوهر المأزق الفلسطيني، لا أعراضه.

غانية ملحيس

3/2/2026
 
يحيى بركات

د. غانية،

وأنا أقرأ هذا النص، لم أشعر أنني أمام مقال يُفكّك خطابًا، بل أمام لغة تُعاد مساءلتها وهي تعمل.

النص لا يصرخ، ولا يخاصم، ولا يدافع عن أحد، لكنه يسحب الكرسي بهدوء من تحت مفاهيم اعتدنا استخدامها بثقة: العقلانية، حسن التقدير، تقليل الخسائر. فجأة نكتشف أن هذه الكلمات، حين تُنزَع من شرطها الاستعماري، لا تفسّر الإبادة، بل تُديرها لغويًا.

ما يميّز هذا المقال أنه لا يُخاصم النقد، بل يُغيّر موضعه. لا يحاكم الفعل الفلسطيني، بل يحاكم اللغة التي تُطالبه بأن يكون “عقلانيًا” داخل فضاء إبادي مغلق، مُجرَّد من السيادة والحماية والاختيار. هنا تتحوّل العقلانية من أداة تحليل إلى آلية ضبط، ويغدو الفلسطيني موضوع إدارة لا جماعة واقعة تحت الإبادة.

وأنتِ تكتبين، لا تنتقلين من مثال إلى مثال، بل تكشفين مسارًا واحدًا يتكرر بأسماء مختلفة: نقل السببية من البنية الاستعمارية إلى الضحية، وإعادة توزيع المسؤولية باسم الواقعية والحكمة. المقارنات التي استدعيتِها لا تعمل كتاريخ، بل كمرآة، تقول إن الآلية واحدة، وأن اللغة هي الجسر الأخطر بين العنف ومشروعيته.

هذا نص مزعج، لا لأنه حاد، بل لأنه بارد بما يكفي ليجعل القارئ يشك في لغته هو، لا في مواقف الآخرين فقط. نص يعيد العقلانية إلى مكانها الحقيقي: ساحة صراع معرفي، لا معيارًا محايدًا.

شكراً لهذا التفكيك الذي لا يبرّئ، ولا يزايد، بل يمنع اللغة من أن تكون شريكا صامتا في الإبادة.

يحيى بركات

3/2/2026
 
غانية ملحيس


الصديق العزيز يحيى بركات

أشكرك بعمق على هذه القراءة الدقيقة والحسّاسة، التي التقطت ما حاول المقال القيام به دون أن يعلنه صراحة: مساءلة اللغة وهي تعمل، لا وهي تُدان من الخارج. توصيفك بأن النص لا يفكك خطابا بقدر ما يكشف آلية اشتغال اللغة ذاتها هو توصيف أصاب جوهر المقاربة.

بالفعل، لم يكن المقصود الصراخ أو الاصطفاف أو الدفاع، بل سحب الاطمئنان من تحت مفاهيم بدت طويلا محايدة أو عقلانية، فيما كانت تؤدي وظيفة إدارية في تنظيم العنف وتقليل كلفته الأخلاقية.

العقلانية، حسن التقدير، تقليل الخسائر… كلها مفردات لا تفسّر الإبادة حين تُفصل عن شرطها الاستعماري، بل تُعيد إنتاجها بصيغة أكثر هدوءا وقابلية للتبرير.

ما أشرتَ إليه حول نقل موضع النقد هو في صلب الرهان: ليس محاكمة الفعل الفلسطيني داخل فضاء إبادي مغلق، بل محاكمة اللغة التي تطالبه بأن يكون “عقلانيا” وهو محروم من السيادة والحماية وأي أفق للاختيار. في هذا السياق، تتحول العقلانية من أداة فهم إلى آلية ضبط، ويُعاد تعريف الفلسطيني بوصفه موضوع إدارة، لا ذاتا سياسية تواجه مشروع محو.

وأوافقك تماما أن المقارنات لم تكن استدعاء تاريخيا بقدر ما كانت كشفا لآلية تتكرر: إزاحة السببية من البنية الاستعمارية إلى الضحية، وإعادة توزيع المسؤولية باسم الواقعية والحكمة. هنا تصبح اللغة هي الجسر الأخطر بين العنف ومشروعيته، لا لأنها تكذب، بل لأنها تقول نصف الحقيقة الذي يكفي لتعطيل السياسة.

أسعدني كثيرا توصيفك المقال بوصفه “مزعجا ببروده”، لأن الرهان كان بالفعل على هذا النوع من الإزعاج: أن يشك القارئ في لغته هو، وليس فقط في مواقف الآخرين، وأن تُستعاد العقلانية بوصفها ساحة صراع معرفي، لا معيارا أخلاقيا محايدا.

أقدّر هذا التفاعل الثري كثيرا، لأنه يوسّع النص بدل أن يشرحه، ويؤكد أن المعركة ليست فقط على المعنى، بل على الأدوات التي ننتجه بها.

غانية ملحيس
3/2/26
 
أعلى