كتبتُ عدة مرات عن قصيدة "ريتا والبندقة" ولكنني حرصت دائماً أن أتعامل معها كقصيدة، كنصّ أدبي، وليس كخلاصة لقصة الحبّ التي جمعت الشاعر في شبابه بحبيبته الإسرائيلية تمار بن عامي. كان هناك الكثير من الإشاعات حول هذه العلاقة ولكن الأهم أن درويشاً كتب قصيدتين لاحقتين عن ريتا، الأولى "ريتا .. أحبيني"، تعود إلى عام 1969 والثانية "شتاء ريتا" تعود إلى عام 1992، وبما يدل، من خلال هاتين القصيدتين، على أن الشاعر استخدم إسم ريتا اسماً لثلاث حبيبات مختلفات. أي أن الإسم ليس حكراً على تمار بن عامي.
لكن تعليق زياد خدّاش على منشوري بالأمس (أنظر التعليق الأول) جعلني أتذكر قول درويش مرة بأن أول إمرأة أحبته كانت يهودية. وأن الشاعر كتب قصائد أخرى عنها وإن لم يستخدم فيها إسم ريتا. ففي الديوان نفسه الذي يضم قصيدة "ريتا والبندقية" ("آخر الليل" 1967) هناك قصيدة "أغنية حبّ على الصليب" وهي ذات الثيمة نفسها، الحبّ المحظور.
أن تمار بن عامي احتفت بحبها لمحمود درويش حتى اليوم الأخير من حياتها فهذا أمر غير مستغرب. في النهاية حبيبها الأول صار أحد أهم شعراء العالم في القرن العشرين، فكيف لا تحتفي به وتفتخر؟ ولكن هناك أيضاً مسألة "الحبّ الأول" خاصة إذا لم يمت الحبّ موتاً طبيعياً.
لم يكن قول أبي تمام "وما الحبُّ إلا للحبيب الأول" من قبيل الإسراف المجازي. إنه حقيقة سيكولوجية. الحبّ الأول هو الحبّ البريء الخالص، شغف دون حسابات وحذر وتريث وارتياب. بخلاف الحبّ الثاني، إذا أفلح المرء أن يحبّ ثانية، فإن الحبيب يلقي بنفسه في لجة الحبّ الأول دون أية ضمانات تحميه من خطر فقدان محبوبه لأي سبب من الأسباب. لهذا فمن المحتمل أن خيبة الحبّ الأول قد تترك أثراً عميقاً على الحبيب بحيث تجعله عاجزاً عن الحبّ ثانية.
حبّ تمار لمحمود قد يكون حبّها الأول الذي لم يكن هناك حبٌّ بعده. فهي لم تخسره بسبب اختلاف هويتيّهما فقط وإنما خسرته أيضاً لأنه أمسى الحبيب الغائب، الحبيب الذي اختار أن يقيم في الغربة وآثر أن يكون غريباً. والذي يرحل ويعيش منتقلاً من بلد إلى آخر يجد ما يشغله عمن ترك خلفه، وربما ما يُنسيه من ترك خلفه أيضاً. أما الذي يبقى ففرص الإنشغال والنسيان تكون أقل وأضعف.
بحسب تعليق خدّاش فلقد احتفظت تمار بمئات الرسائل من درويش. والإحتفاظ برسائل الحبيب تعويض عن الخسارة أو تميمة لأجل عودة الحبيب الغائب. أما الحبيب فإنه لم يحتفظ برسائلها، أدار ظهره لكل شيء في الماضي وأمعن في الغياب.
أياً كانت الحقيقة، السلام لروح تمار ومحمود، حبيبان فصلتهما نار الحروب!
لكن تعليق زياد خدّاش على منشوري بالأمس (أنظر التعليق الأول) جعلني أتذكر قول درويش مرة بأن أول إمرأة أحبته كانت يهودية. وأن الشاعر كتب قصائد أخرى عنها وإن لم يستخدم فيها إسم ريتا. ففي الديوان نفسه الذي يضم قصيدة "ريتا والبندقية" ("آخر الليل" 1967) هناك قصيدة "أغنية حبّ على الصليب" وهي ذات الثيمة نفسها، الحبّ المحظور.
أن تمار بن عامي احتفت بحبها لمحمود درويش حتى اليوم الأخير من حياتها فهذا أمر غير مستغرب. في النهاية حبيبها الأول صار أحد أهم شعراء العالم في القرن العشرين، فكيف لا تحتفي به وتفتخر؟ ولكن هناك أيضاً مسألة "الحبّ الأول" خاصة إذا لم يمت الحبّ موتاً طبيعياً.
لم يكن قول أبي تمام "وما الحبُّ إلا للحبيب الأول" من قبيل الإسراف المجازي. إنه حقيقة سيكولوجية. الحبّ الأول هو الحبّ البريء الخالص، شغف دون حسابات وحذر وتريث وارتياب. بخلاف الحبّ الثاني، إذا أفلح المرء أن يحبّ ثانية، فإن الحبيب يلقي بنفسه في لجة الحبّ الأول دون أية ضمانات تحميه من خطر فقدان محبوبه لأي سبب من الأسباب. لهذا فمن المحتمل أن خيبة الحبّ الأول قد تترك أثراً عميقاً على الحبيب بحيث تجعله عاجزاً عن الحبّ ثانية.
حبّ تمار لمحمود قد يكون حبّها الأول الذي لم يكن هناك حبٌّ بعده. فهي لم تخسره بسبب اختلاف هويتيّهما فقط وإنما خسرته أيضاً لأنه أمسى الحبيب الغائب، الحبيب الذي اختار أن يقيم في الغربة وآثر أن يكون غريباً. والذي يرحل ويعيش منتقلاً من بلد إلى آخر يجد ما يشغله عمن ترك خلفه، وربما ما يُنسيه من ترك خلفه أيضاً. أما الذي يبقى ففرص الإنشغال والنسيان تكون أقل وأضعف.
بحسب تعليق خدّاش فلقد احتفظت تمار بمئات الرسائل من درويش. والإحتفاظ برسائل الحبيب تعويض عن الخسارة أو تميمة لأجل عودة الحبيب الغائب. أما الحبيب فإنه لم يحتفظ برسائلها، أدار ظهره لكل شيء في الماضي وأمعن في الغياب.
أياً كانت الحقيقة، السلام لروح تمار ومحمود، حبيبان فصلتهما نار الحروب!