غانية ملحيس - فتح بين الثورة والسلطة: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للحركة. ورقة للنقاش العام بمناسبة المؤتمر الثامن لحركة فتح

غانية ملحيس
1/5/2026



ملخص تنفيذي
تتناول هذه الورقة النقاشية حركة فتح، ليس فقط لدورها الريادي في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولا لارتباطها بمواقع التمثيل والسلطة والقرار السياسي، بل لاقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن في لحظة تاريخية فارقة، تتسم بانكشاف عميق في البنية السياسية الفلسطينية، وتراجع اليقينيات التي حكمت المرحلة السابقة. ما يستدعي مراجعة نقدية جادة، وإعادة تعريف للوظيفة التاريخية للحركة ومستقبلها، ولمواجهة التحديات الوجودية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
تسلط الورقة الضوء على التحول التاريخي الذي أصاب الحركة منذ الانتقال من منطق الثورة إلى منطق السلطة، وما ترتب على ذلك من إعادة تعريف لدورها داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
وتنطلق من فرضية أساسية مفادها أن أزمة فتح لا يمكن اختزالها في أزمة قيادة أو تنظيم، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بالوظيفة التاريخية للحركة في سياق بنيوي استثنائي يتمثل في استمرار الاستعمار الاستيطاني وغياب السيادة الفلسطينية.
توضح الورقة أن الثورة والسلطة تمثلان منطقين سياسيين مختلفين: فالثورة تقوم على تغيير الواقع واستمداد الشرعية من الصراع، بينما تقوم السلطة على إدارة الواقع واستمداد الشرعية من الاستقرار. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود السلطة بحد ذاته، بل في اختلال التوازن بينها وبين منطق الثورة، بما يؤدي إلى تحول السلطة إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج الانفصال بين الفعل السياسي ومصادر شرعيته.
وتشير إلى أن تجارب حركات التحرر العالمية (فيتنام، الجزائر، جنوب أفريقيا) تؤكد أن الانتقال من الثورة إلى السلطة جرى في سياق إنهاء البنية الاستعمارية، أو تحقق درجات من السيادة، وهو ما لم يتحقق في الحالة الفلسطينية. فهنا، تشكلت السلطة داخل بنية استعمارية استيطانية إحلالية مستمرة، ما يجعلها حالة استثنائية لا يمكن قياسها بالكامل على النماذج التاريخية السابقة.
وتخلص الورقة إلى أن هذا الوضع أدى إلى نشوء “حالة هجينة” تجمع بين إدارة الواقع تحت الاحتلال وغياب السيادة، ما أعاد تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، حيث تراجعت النخب الثورية لصالح نخب إدارية، وتحول خطاب التحرير إلى خطاب إدارة واستقرار، وتغير معيار النجاح السياسي من تحقيق التغيير إلى منع الانهيار.
كما تبرز الورقة أزمة التمثيل الوطني الناتجة عن انتقال مركز السياسة من الشعب إلى الجغرافيا، بما أدى إلى تهميش ثلثي الشعب الفلسطيني داخل مناطق1948 والشتات. وإعادة تعريف القضية الفلسطينية بشكل جزئي. وفي ضوء ذلك، تناقش الورقة إمكان إعادة بناء حركة تحرر داخل سلطة، وترجح أن الحل لا يكمن في الاندماج أو الانفصال الكامل، بل في إعادة توزيع الوظائف بين السلطة، والحركة، والحامل، ومنظمة التحرير الفلسطينية ضمن مسار صراعي تدريجي.
وتختتم الورقة بأن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة إصلاح مؤسساتي، بل أزمة إعادة تأسيس للسياسة نفسها، حيث يتحدد المستقبل بقدرة الفاعلين على الانتقال من منطق إدارة الواقع إلى منطق إعادة إنتاج شروط تغييره، وإعادة تعريف العلاقة بين الشرعية والفعل السياسي داخل بنية استعمارية مستمرة.

الورقة الكاملة
فتح بين الثورة والسلطة: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للحركة. ورقة للنقاش العام بمناسبة المؤتمر الثامن لحركة فتح


مقدمة:
تنطلق هذه الورقة من حوار فكري وطني متواصل بين مجموعة من الكتّاب والمثقفين الفلسطينيين المنشغلين بالهم الوطني، داخل فلسطين وخارجها، في لحظة تُعد من أخطر مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث، خاصة في أعقاب حرب الإبادة التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقها من تحولات عميقة في بنية الصراع وموازين القوى.
وقد تركزت هذه النقاشات، على نحو متزايد، حول أزمتي حركتي حماس وفتح بوصفهما الفاعلين الأكثر حضورا وتأثيرا في الحقل السياسي الفلسطيني، مع تصاعد الدعوات إلى مراجعات نقدية تتجاوز تفسير الأزمة بوصفها نتيجة أخطاء سياسية أو أزمات قيادة.
وفي هذا السياق، برز في الآونة الأخيرة تركيز خاص على حركة فتح في كتابات عدد من الباحثين والكتّاب، ليس فقط لدورها التاريخي الريادي في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولا لارتباطها بمواقع التمثيل والسلطة والقرار السياسي، بل لاقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن في لحظة لا تنتمي إلى السياق التنظيمي الاعتيادي، بل تتسم بانكشاف عميق في البنية السياسية الفلسطينية، وتراجع اليقينيات التي حكمت المرحلة السابقة.
فلم تعد المسألة تتعلق بتجديد الأطر التنظيمية أو إعادة توزيع المواقع داخل الحركة، بل بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدور الذي تؤديه فتح اليوم، وبالموقع الذي تشغله داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد شكّلت فتح منذ انطلاقتها إطارا وطنيا واسعا تجاوز فكرة الحزب التقليدي، واستند إلى تمثيل جماعي لفلسطينيين موزعين بين المخيمات والمنافي والداخل المحتل، حيث استمدت شرعيتها من قدرتها على الجمع بين الفعل الوطني، وإعادة إنتاج الهوية الجامعة، وفتح أفق سياسي للتحرر.
غير أن التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية، خصوصا بعد اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الفلسطينية، لم تغيّر أدوات الحركة فحسب، بل أعادت تعريف وظيفتها ومجال عملها، بما يجعل من الضروري إعادة طرح أسئلة تأسيسية تتجاوز الاعتبارات التنظيمية المباشرة.

لماذا هذه الورقة؟
لا تأتي هذه الورقة بوصفها دفاعا عن حركة فتح أو إدانة لها، بل محاولة لطرح سؤال أعمق: هل تعيش الحركة أزمة قيادة وتنظيم فقط، أم أزمة وظيفة تاريخية؟
إذ تنحصر معظم النقاشات الفلسطينية حول فتح بين اتجاهين: خطاب يُرجع الأزمة إلى أشخاص أو أخطاء سياسية، وخطاب يستعيد الماضي بوصفه نموذجا مكتملا ينبغي العودة إليه. غير أن كلا الاتجاهين يبقيان داخل مستوى الوصف، دون مساءلة التحول الأعمق الذي أصاب بنية الحركة ووظيفتها.
أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، خصوصا مع اقتراب المؤتمر الثامن، هو: ماذا يحدث لحركة تحرر حين تدخل السلطة قبل تحقق التحرير؟ وهل ما تزال قادرة على إنتاج معنى جديد لوجودها، أم أنها تدافع عن معنى انتهت شروطه التاريخية؟

أولًا: أزمة فتح ليست أزمة أفراد، بل أزمة انتقال تاريخي
أزمة حركة فتح ليست مجرد أزمة قيادة أو فساد أو تشظ تنظيمي فحسب، فهذه جميعها مظاهر سطحية لأزمة أعمق تتعلق بتحول تاريخي أصاب الحركة منذ انتقالها من منطق الثورة إلى منطق السلطة.
في مرحلة الثورة، شكّلت فتح مشروعا وطنيا مفتوحا، استمد شرعيته من الكفاح الوطني، ومن تمثيل الشتات الفلسطيني، ومن إعادة إنتاج الهوية الوطنية الفلسطينية بوصفها هوية جامعة تتجاوز الجغرافيا، بما أسس لمجال وطني مفتوح على التعدد والتعبئة.
غير أن قيام السلطة الفلسطينية لم يقتصر على تغيير الأدوات أو البنية التنظيمية، بل أعاد تعريف وظيفة الحركة نفسها، بحيث انتقل مركزها من إنتاج الفعل الوطني التحرري، إلى إدارة الواقع السياسي للسلطة ضمن شروط الاحتلال.

ثانيًا: الثورة والسلطة ليسا الشيء نفسه
الثورة ليست سلطة مؤجلة، بل منطق سياسي مختلف. فهي تنطلق من سؤال: كيف نغيّر الواقع؟ بينما تنطلق السلطة من سؤال: كيف ندير الواقع؟
الثورة تستمد شرعيتها من الصراع، في حين تستمد السلطة شرعيتها من الاستقرار. الثورة تقوم على التعبئة، بينما تقوم السلطة على الإدارة.
الثورة تتحرك داخل أفق التحرير، أما السلطة فتتحرك داخل شروط الممكن. ومن هنا يبدأ التمايز بين المنطقين.
غير أن هذا التمايز لا ينبغي فهمه بوصفه تعارضا مطلقا، بل بوصفه علاقة جدلية داخل حقل سياسي واحد، إذ لا توجد ثورة بلا حد أدنى من التنظيم والإدارة، كما لا توجد سلطة بلا قدر من الشرعية المستمدة من الفعل الصراعي.
الإشكال لا يكمن في الانتقال من الثورة إلى السلطة بحد ذاته، بل في اختلال التوازن بينهما، حين تتحول السلطة إلى مركز مغلق يعيد تعريف السياسة بوصفها إدارة للواقع، ويقطع صلتها بمصادر الشرعية التي أنتجتها.
بذلك، لا تنشأ الأزمة من وجود سلطة مقيدة تحت الاحتلال، بل من عجزها عن إعادة تغذية نفسها من الفعل التحرري، أو عن إنتاج آليات تضمن استمرار هذا الفعل داخل بنيتها بدل انفصاله عنها.
وقد اتخذ هذا الاختلال أبعادا أكثر وضوحا في السياق الفلسطيني بعد عملية “طوفان الأقصى” في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب ابادة جماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية ما تزال تتواصل للعام الثالث على التوالي، وما رافقها من إعادة تشكيل عميقة لمعادلات القوة المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
فقد كشفت هذه المرحلة ليس فقط حدود الفعل السياسي القائم، بل حدود النموذج الذي حكم العلاقة بين الفعل والمقاومة والتمثيل منذ نشوء السلطة الفلسطينية، حيث برز انفصال متزايد بين كثافة الفعل المجتمعي من جهة، وعجز البنية السياسية عن استيعابه أو تحويله إلى مسار سياسي منظم من جهة أخرى.

ثالثًا: قانون التحول من الثورة إلى السلطة
تشير التجارب التاريخية لحركات التحرر إلى وجود نمط متكرر: فعند انتقال هذه الحركات إلى موقع الحكم، تبدأ عملية تحول تدريجي في بنيتها ووظيفتها، لا تحدث بالضرورة نتيجة خيانة أو انحراف، بل نتيجة تبدل طبيعة الدور السياسي نفسه.
يمكن تمييز هذا التحول، في صورته العامة، عبر ثلاث مراحل مترابطة:
1. تشكل النخبة الثورية:
في المرحلة الأولى، تنتج الثورة نخبة تتكون من مقاتلين، مثقفين، كوادر تعبئة، وشبكات قائمة على التضحية والعمل التنظيمي، حيث يكون معيار الشرعية مرتبطا بالفعل النضالي المباشر.
2. نشوء الجهاز الإداري:
مع الانتقال إلى موقع السلطة، يبدأ تشكل جهاز إداري وبيروقراطي، يتوسع فيه دور المؤسسات والتمويل والأجهزة الأمنية، وتظهر تدريجيا طبقة سياسية - إدارية ترتبط مصلحيا ووظيفيا بإدارة الواقع أكثر من ارتباطها بالفعل الثوري.
3. إعادة ترتيب الأولويات:
في هذه المرحلة، يتحول السؤال المركزي من: كيف ننتصر؟ إلى: كيف نحافظ على الاستقرار؟ وهنا لا يحدث تغيير سطحي في الخطاب، بل يبدأ تحول في البنية الحاكمة للفعل السياسي.
غير أن هذا التحول لا ينبغي فهمه كمسار آلي حتمي، فالبنية السياسية لا تُنتج النتائج بشكل مباشر، بل ترسم حدود الممكن داخلها، بينما تتحدد المسارات الفعلية عبر قرارات فاعلين سياسيين يتنافسون على تعريف اتجاه هذا الممكن وحدوده.
لذلك، فإن التحول البنيوي لا يُفهم باعتباره قدرا مغلقا، بل كساحة صراع داخلية بين فاعلين يسعون إلى إعادة توجيه المسار أو تثبيته أو تسريعه، ما يجعل العامل الذاتي عنصرا حاسما في تحديد شكل الانتقال ونتائجه.

رابعًا: تجارب حركات التحرر العالمية وحدود النموذج المقارن
لا تُقدَّم تجارب فيتنام والجزائر وجنوب أفريقيا هنا بوصفها نماذج معيارية قابلة للمطابقة مع الحالة الفلسطينية، بل بوصفها أنماطا تاريخية مختلفة لمسارات إغلاق لحظة التحرر، تُظهر أن انتقال حركات التحرر لا يتخذ مسارا واحدا، بل يتحدد وفق ثلاثة عناصر حاسمة: طبيعة الاستعمار، لحظة الحسم (عسكريا أو تفاوضيا)، وشكل الدولة التي تتشكل في مرحلة ما بعد التحرر.
غير أن هذه المقارنة لا يمكن فهمها بمعزل عن شرط بنيوي مشترك في هذه التجارب، يتمثل في تحقق درجة من السيادة السياسية، أو الوصول إلى تسوية تنهي البنية الاستعمارية المركزية، بما سمح بإعادة تموضع حركة التحرر داخل دولة مكتملة أو شبه مكتملة السيادة.
أما الحالة الفلسطينية، فتقع خارج هذا الشرط التكويني، إذ لم يسبق قيام السلطة الفلسطينية تفكيك البنية الاستعمارية، بل تزامن وجودها معها واستمر داخلها، ما جعل وظيفة السلطة مختلفة جذريا عن كل الحالات المقارنة.
ففي فيتنام، تحقق إنهاء الاحتلال الأجنبي في سياق حرب شاملة ضد الولايات المتحدة الأمريكية ضمن نظام دولي ثنائي القطبية، وحظيت بدعم الصين والاتحاد السوفييتي، ما أفضى إلى انتقال حركة التحرر إلى دولة مركزية ضمن سيادة مكتملة نسبيا، حيث جاء التحول من الثورة إلى الدولة بعد تحقق شرط الحسم.
وفي الجزائر، انتهى نموذج الاستعمار الاستيطاني المباشر بعد مقاومة ممتدة، بانسحاب القوة الاستعمارية وتأسيس دولة وطنية، رغم انتقال لاحق للصراع إلى داخل البنية السياسية للدولة، إلا أن لحظة التحرر تأسست على تفكيك النظام الاستعماري نفسه.
أما جنوب أفريقيا، فقد جرى تفكيك نظام الفصل العنصري، بعد مقاومة طويلة وفاعلة، عبر تسوية تفاوضية أعادت تعريف الدولة دون تفكيك بنيتها الاقتصادية بالكامل، بما جعل التحرر سياسيا جزئيا، لكنه تحقق ضمن انتقال واضح من نظام فصل عنصري إلى نظام دولة معاد تشكيله.
ورغم هذا التباين في طبيعة الاستعمار ومسارات الانتقال، فإن القاسم المشترك في هذه التجارب هو أن حركات التحرر لم تنتقل إلى موقع السلطة إلا بعد تحقق انفصال نسبي أو كلي عن البنية الاستعمارية المركزية، سواء عبر الحسم العسكري، أو الانسحاب المباشر، أو التسوية السياسية.

خامسا: الحالة الفلسطينية كاستثناء بنيوي
تكشف الحالة الفلسطينية انحرافا جذريا عن النمط التاريخي العام لحركات التحرر، إذ لم يحدث فيها انتقال من الثورة إلى السلطة بعد لحظة التحرير، بل تشكّلت السلطة داخل بنية استعمارية استيطانية إحلالية ما تزال قائمة ومتمددة، وأعادت إنتاج نفسها عبر أدوات متعددة، من بينها الاستيطان، والسيطرة الأمنية، والاقتصاد التابع، وتفكيك الجغرافيا السياسية.
وهنا لا يتعلق الأمر بخصوصية ظرفية أو اختلاف في الدرجة، بل بـاستثناء بنيوي يتمثل في أن السلطة لم تنشأ بعد نهاية الاستعمار، بل داخل استمراره، ولم تنتج سيادة سياسية، بل تحولت إلى جزء من إدارة شروط غيابها.
وبهذا المعنى، لا تُستخدم المقارنة مع التجارب التاريخية السابقة لإثبات أن الحالة الفلسطينية “تأخرت” عن النموذج، بل لإظهار أن النموذج نفسه لم يعد صالحا كمرجعية تفسيرية مكتملة، في ظل تحول شروط إنتاج السلطة ووظائفها.
فما هو استثنائي في الحالة الفلسطينية لا يقتصر على استمرار الاحتلال، بل يتمثل في التزامن البنيوي بين السلطة والاستعمار، بما أدى إلى إعادة تعريف وظيفة السلطة من أداة انتقال نحو السيادة، إلى أداة لإدارة واقع مقيد بشروط المستعمر والمانحين، ما أسهم في تكريس الاحتلال.
وعليه، فإن ما تكشفه المقارنة ليس مجرد اختلاف في المسارات، بل حدود النموذج المقارن ذاته، إذ بينما تعمل حركات التحرر الأخرى داخل منطق “ما بعد الاستعمار”، تتحرك الحالة الفلسطينية داخل منطق “الاستعمار الاستيطاني الإحلالي المستمر”، وهو ما يجعلها نموذجا متفردا في التاريخ قديمه وحديثه.

سادسًا: ما بعد الانسداد
في ضوء ما سبق، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد تعثّر في الأداء أو اختلال في العلاقة بين الفعل والتنظيم، بل تعبيرا عن انسداد أعمق يتصل بشكل السياسة ذاته كما تشكّل تاريخيا في الحالة الفلسطينية، أي بالبنية التي تنتج الفعل السياسي وتعيد توزيع الشرعية داخله.
ما نواجهه اليوم لا يتمثل فقط في غياب حامل سياسي قادر على تحويل الفعل إلى مسار، بل في تحوّل البنى القائمة إلى ما يشبه “فخا بنيويا” يعيد إنتاج الانفصال الذي وُجد أصلا لتجاوزه، عبر إعادة تدوير علاقات الشرعية والتمثيل دون إعادة تأسيس شروطها: شرعية تُحتكر ولا تُترجم، فعل يتكثف ولا يُنقل، وسياسة تُدار بدل أن تُصاغ.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم إمكان التغيير من خلال مركز قوة واحد، كما اشار المقال السابق، إذ تتوزع القدرة الفعلية على التأثير بين أربعة مستويات رئيسية: الفاعل المؤسسي (السلطة)، الفاعل التنظيمي (الحركات)، الفاعل المجتمعي (الشارع والشتات)، والفاعل الخارجي (الإسرائيلي والعربي والإقليمي والدولي). غير أن أيا من هذه المستويات لا يمتلك قدرة حسم منفردة، ما يجعل السياسة الفلسطينية قائمة على توازنات قوة غير مكتملة، تُنتج انتقالات أكثر مما تُنتج تحولات.
وما تكشفه هذه البنية لا يقتصر على عجز الحوامل السياسية القائمة عن أداء وظيفتها، بل يمتد إلى مساءلة أعمق لنموذج “الحامل السياسي المركزي” ذاته، إذ إن الأزمة لا تتعلق فقط بمن يمارس التمثيل، بل بشكل التمثيل نفسه كما تم افتراضه تاريخيا.
في الحالة الفلسطينية، لا يظهر الحامل السياسي المركزي بوصفه غائبا أو ضعيفا، بل بوصفه افتراضا نظريا لوحدة سياسية مكتملة داخل بنية استعمارية غير مكتملة. وكلما أُعيد إنتاج هذا الحامل، أعاد اختزال التعدد البنيوي للفعل الفلسطيني بدل تنظيمه، وأعاد إنتاج الانفصال بين الشرعية ومصادرها بدل تجاوزه.
وعليه، لا يعود السؤال مقتصرا على كيفية إعادة بناء الحامل السياسي، بل يمتد إلى مساءلة افتراضه ذاته: هل ما يزال ممكنا اختزال الفعل المجتمعي في مركز واحد دون إعادة إنتاج الانفصال الذي يُفترض أنه وُجد لتجاوزه؟
أما أفق الخروج، فلا يبدأ من استعادة ما كان، ولا من إعادة إنتاج الحامل بصيغته التقليدية، بل من إعادة تأسيس العلاقة بين الفعل والشرعية بوصفها عملية مفتوحة داخل المجتمع الموزع جغرافيا، لا ملكية مغلقة تُدار من الأعلى.
وعليه، لا يتحدد مستقبل حركة فتح - ولا النظام السياسي الفلسطيني عمومًا - بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على التحول: من موقع “الحامل المكتمل” الذي يحتكر الشرعية، إلى جزء من عملية مفتوحة لإعادة إنتاجها، حيث لا يُقاس النجاح بامتلاك المركز، بل بالقدرة على منع تحوله إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام والتشظي الذي وُجد أصلا لتجاوزه.
وفي هذا السياق، يمكن فهم السلطة الفلسطينية بوصفها تركيبا سياسيا استثنائيا: لا هي دولة مستقلة، ولا إدارة استعمارية مباشرة، ولا حركة تحرر، بل بنية هجينة تعمل تحت استعمار استيطاني إحلالي عنصري وظيفي لا بعد انتهائه، وتجمع بين وظيفة الإدارة، وغياب السيادة، واستمرار السيطرة الاستعمارية والتمدد الاستيطاني، وتقييد المجال الجغرافي، والاعتماد المالي والسياسي.
ويظهر هذا الطابع الهجين بوضوح في حالات مثل التنسيق الأمني، حيث تُمارس السلطة وظائف إدارية وأمنية في سياق لا تمتلك فيه سيادة فعلية على الأرض، أو الموارد، أو الحدود، أو المجال الجوي. ما يجعل جزءا من وظائفها مرتبطا بإدارة واقع الاحتلال نفسه، لا تجاوزه، وهو ما يضعها في موقع بنيوي مختلف عن أي نموذج دولة ما بعد الاستعمار.

سابعًا: كيف أعادت السلطة تشكيل الحركة؟
المشكلة لا تكمن في أن الحركة استخدمت السلطة، بل في أن السلطة أعادت تشكيل الحركة نفسها، عبر إعادة إنتاج بنيتها الداخلية ومحددات الفعل السياسي فيها. وقد تجلّى هذا التحول في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. تحوّل النخبة:
انتقلت النخبة السياسية من سياق ثوري قائم على العمل النضالي والتعبئة في الخارج والميدان، إلى نخبة يُعاد إنتاجها داخل البنية المؤسسية للسلطة. حيث أصبح التموضع في الأجهزة الأمنية والبيروقراطية والمالية هو المدخل الأساسي للصعود السياسي، بدلا من الارتباط بالفعل النضالي المباشر.
2. تحوّل اللغة السياسية:
تراجع خطاب التحرير والمواجهة لصالح خطاب الإدارة والاستقرار وبناء المؤسسات، بما يعكس انتقال مركز الفعل السياسي من تغيير الواقع إلى تنظيمه ضمن حدوده القائمة.
3. تحوّل معيار النجاح:
لم يعد النجاح يُقاس بمدى القدرة على التحرر وإحداث تغيير في موازين القوة، بل بمدى القدرة على منع الانهيار، وضمان استمرارية التمويل، والحفاظ على انتظام البنية القائمة، حتى في ظل غياب أفق سياسي فعّال.
ولا تتجلى إشكالية الحالة الفلسطينية في غياب القوة، بل في تشتتها البنيوي بين فاعلين يملكون أجزاء متفرقة من أدوات التأثير، دون أن يمتلك أي منهم القدرة على تحويلها إلى قرار سياسي جامع.

ثامنًا: أزمة التمثيل الوطني
أحد أخطر التحولات في الحالة الفلسطينية يتمثل في انتقال مركز السياسة من “الشعب” بوصفه وحدة سياسية جامعة، إلى “الجغرافيا” بوصفها إطارا محددا للتمثيل.
إذ باتت السلطة تمثل سكان مساحة جغرافية محدودة (حوالي 22% من أرض فلسطين التاريخية)، يقطنها ثلث الشعب الفلسطيني داخل الضفة الغربية وقطاع غزة (5.7 مليون)، في حين يعيش الثلثين خارج هذا الإطار الجغرافي، سواء داخل أراضي 1948(1.8 مليون) أو في المنافي ومخيمات اللجوء (7.5 مليون)
ويتجلى هذا التحول بوضوح في أن جزءا كبيرا من القرارات السياسية اليومية بات يُصاغ ضمن سياق جغرافي محدود داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تُستثنى عمليا الفضاءات الفلسطينية خارج هذا الإطار. وبهذا المعنى، تتجلى فجوة تمثيل بنيوية بين المجال السياسي الذي تُنتج فيه السلطة قراراتها، وبين المجال الاجتماعي والديمغرافي الأوسع للقضية الفلسطينية.
فبينما ترتبط السلطة بالجغرافيا وإدارتها، يرتبط الفعل الوطني التاريخي للفلسطينيين بالشعب بوصفه كيانا موزعا يتجاوز حدود المكان، ما يجعل أزمة التمثيل ليست أزمة تقنية، بل أزمة تعريف لموضوع السياسة ذاته: هل هو الأرض أم الشعب؟

تاسعًا: مكانة الشتات في المشروع الوطني
لا تقتصر أهمية الشتات في الحالة الفلسطينية على كونه يمثل نصف الشعب الفلسطيني فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى كونه أحد العناصر التأسيسية في بنية القضية الفلسطينية نفسها، بوصفها قضية شعب تعرّض للاقتلاع والتشتت عبر جغرافيات متعددة.
إذ يشكّل الشتات في هذا السياق أكثر من مجرد امتداد ديموغرافي، فهو يحمل أبعادا سياسية وتاريخية مركزية، من بينها ذاكرة الاقتلاع، وحق العودة، وإعادة إنتاج الهوية الوطنية خارج حدود الجغرافيا، بما يجعل منه فضاء عابرا للمكان لا يمكن اختزاله في موقع سكاني.
غير أن التحولات التي شهدتها البنية السياسية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة أدت إلى تراجع حضور الشتات في دوائر القرار السياسي والمؤسساتي، ما انعكس في انكماش المجال الوطني لصالح تمثيل أكثر ارتباطا بالجغرافيا المباشرة.
وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف ضمنية لموضوع القضية الفلسطينية، بحيث باتت تميل في بعض تمثلاتها إلى الاختزال في نطاق سكاني وجغرافي محدد، رغم أن بنيتها التاريخية تقوم على كونها قضية شعب تم اقتلاعه موزع جغرافيا، لكنه موحد في سياقه السياسي.
ومن هنا، فإن إعادة التفكير في المشروع الوطني الفلسطيني تقتضي إعادة النظر في العلاقة بين السلطة، ومنظمة التحرير، والحركة الوطنية، وتمثيل الشتات، بوصفها مستويات متداخلة في إنتاج التمثيل السياسي، وليست عناصر منفصلة أو بديلة لبعضها البعض.

عاشرًا: هل يمكن إعادة بناء حركة تحرر داخل سلطة؟
لا يُطرح هذا السؤال بوصفه سؤالا تنظيميا فحسب، بل بوصفه سؤالا نظريا لا يقتصر على فتح، يتعلق بإمكان استعادة وظيفة حركة تحرر داخل بنية أعادت تشكيلها. أي: هل يمكن لحركة تحرر أن تستعيد دورها في الفعل السياسي وهي تعمل داخل نظام أعاد تعريف أدواتها وحدودها؟
يمكن، في هذا السياق، تصور ثلاث احتمالات رئيسية:
1. الاندماج الكامل:
تحوّل الحركة إلى حزب سلطة بالمعنى الكامل، حيث تتماهى وظيفتها مع إدارة الواقع السياسي القائم.
2. الانفصال الكامل:
خروج الحركة من بنية السلطة وإعادة تموضعها خارجها، وهو خيار نظري ممكن لكنه شديد التعقيد من الناحية العملية.
3. إعادة توزيع الوظائف:
وهو الاحتمال الأكثر واقعية، ويقوم على الفصل النسبي بين الأدوار:
السلطة بوصفها أداة لإدارة الشأن العام داخل جغرافيا محددة، والحركة بوصفها إطارا للفعل السياسي التحرري، ومنظمة التحرير بوصفها مجالا للتمثيل الجامع.
غير أن هذا التصور لا يمكن أن يبقى في مستوى الطرح النظري أو التوفيقي، ما لم يُترجم إلى مسار تحولي واضح يحدد فاعليه وآلياته، إذ إن الإشكال في الحالة الفلسطينية لا يكمن فقط في تداخل الوظائف، بل في غياب القدرة على إعادة فصلها دون الوقوع إما في إعادة إنتاج الاحتكار أو في تفكك البنية السياسية.
ومن هنا، فإن الانتقال من الوضع القائم لا يتم عبر قرار إداري أو تنظيمي مفاجئ، بل عبر مسار تدريجي صراعي داخل البنية نفسها، يمكن تمييزه في ثلاث مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى: فك الالتباس السياسي
عبر تثبيت إدراك واضح بأن السلطة ليست الحامل السياسي للحركة، وأن إدارة السكان لا تختزل التمثيل الوطني. ولا يكتسب هذا الإدراك معناه من الخطاب، بل من تحوله إلى مرجعية عملية لإعادة تعريف الأدوار.
المرحلة الثانية: الفصل الوظيفي التدريجي
من خلال إعادة تعريف موقع الحركة كفاعل سياسي مجتمعي، لا كامتداد إداري للسلطة، بالتوازي مع تقليص التداخل البنيوي بين التنظيم ومواقع السلطة، خصوصا في المستويات الأمنية والبيروقراطية، بما يفتح المجال لاستعادة السياسة بوصفها إنتاجا للفعل لا إدارة له.
المرحلة الثالثة: إعادة تركيب التمثيل الوطني
عبر تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها إطارا وطنيا جامعا للكل الفلسطيني، يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية، ويعيد إدماج الشتات والداخل والمجتمع في عملية إنتاج القرار، بدل اختزاله في نخب مرتبطة بإدارة الواقع. وهنا لا يعود الحامل السياسي كيانا مغلقا، بل بنية مفتوحة تتشكل من تفاعل مستويات متعددة من الفعل ضمن مرجعية وطنية مشتركة.
غير أن تحقق هذا المسار لا يتوقف على إرادة القيادة وحدها، بل يرتبط أيضا بوجود أدوات ضغط وتنظيم من القاعدة الاجتماعية، تعيد إدخال المجتمع في معادلة إنتاج السياسة عبر الأطر المجتمعية النقابية والمهنية والشبابية، بما يمنع احتواء أي تحول داخل البنية القائمة.
وبهذا المعنى، فإن “إعادة توزيع الوظائف” لا تمثل حلا تقنيا، بل إعادة توازن في الحقل السياسي الفلسطيني، لا يمكن أن تتحقق دون صراع داخلي يعيد تعريف من ينتج القرار، ومن ينتج الشرعية، وكيف تتحول هذه الشرعية إلى فعل سياسي.
وعليه، فإن أي انتقال في توزيع الوظائف لا يحدث كقرار مؤسسي مباشر، بل كمسار صراعي داخل بنية متعددة المراكز، حيث تتنافس فواعل سياسية وتنظيمية وأمنية ومجتمعية على تعريف مصدر الشرعية وحدودها . وتتحقق إعادة التوزيع فعليا فقط حين تنجح قوى اجتماعية وتنظيمية في خلق توازن ضغط مزدوج من داخل البنية وخارجها، بما يفرض إعادة تعريف العلاقة بين القرار السياسي ومصدر إنتاجه.

حادي عشر: هل يمكن العودة إلى فتح الأولى؟
لا يمكن العودة إلى الماضي، فالحركات السياسية لا تعود إلى لحظاتها التأسيسية الأولى، لأنها تتغير مع تغير السياق التاريخي والبنية التي تعمل داخلها.
لكن هذا لا يعني الانقطاع الكامل عن البدايات، بل يعني أن ما يمكن استعادته ليس “الزمن الأول”، بل القدرة على إعادة تعريف الذات في ضوء شروط تاريخية جديدة.
فالعودة هنا ليست استعادة مرحلة مضت، بل إعادة إنتاج وظيفة سياسية مختلفة، تستجيب لتحولات الواقع بدل أن تستنسخ لحظة تاريخية لم تعد قائمة.

ثاني عشر: هل ما تزال حركة فتح تملك مشروعا تحرريا؟
لا يتمثل السؤال الحقيقي اليوم فيما إذا كانت حركة فتح ما تزال قائمة بوصفها تنظيما سياسيا، بل فيما إذا كانت ما تزال تمتلك مشروعا يتجاوز مجرد الاستمرار والبقاء. فالمؤسسات يمكن أن تستمر زمنا طويلا حتى في غياب المعنى، لكن المشروع السياسي لا يُقاس بالاستمرارية، بل بالقدرة على إنتاج معنى تاريخي.
حين تصبح الأولوية محصورة في حماية البنية القائمة، وإدارة التوازنات الداخلية، وتأجيل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمستقبل، فإن الحركة تتحول تدريجيا إلى ما يمكن وصفه بـ“مؤسسة بقاء”، أي كيان يضمن الاستمرار دون أن يعيد إنتاج غايته السياسية الأصلية.
أما في المقابل، فإن إمكانية استعادة المعنى لا تتعلق بالعودة إلى الماضي، بل بقدرة الحركة على إعادة تعريف علاقاتها التأسيسية: مع السلطة، ومع الشتات، ومع الفعل المقاوم، ومع المنظمة ، بما يسمح بإعادة صياغة موقعها داخل المشروع الوطني بدل الاكتفاء بإدارته بصيغته القائمة.

ثالث عشر: ما الذي يجب أن يناقشه المؤتمر الثامن؟
لا ينبغي أن ينحصر جدول أعمال المؤتمر في النقاش حول الأسماء والمواقع التنظيمية وتوزيع اللجان والانتخابات الداخلية للجنة المركزية والمجلس الثوري، بل يفترض أن يتجه نحو أسئلة أكثر تأسيسية تتعلق بطبيعة الحركة وموقعها ووظيفتها التاريخية. وفي هذا السياق، يمكن صياغة عدد من الأسئلة المركزية:
أ. ما تعريف حركة فتح اليوم؟
هل ما تزال حركة تحرر، أم أنها تحولت إلى حزب سلطة، أم أنها باتت إطارا تمثيليا، أم أنها تحاول إعادة تموضعها بوصفها حاملا وطنيا؟
ب. من تمثل الحركة؟
هل يقتصر تمثيلها على سكان مناطق السلطة، أم أنها ما تزال تدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني في كامل أماكن وجوده؟
ج. ما طبيعة علاقتها بالسلطة؟
هل ما تزال السلطة أداة في مشروع سياسي أوسع، أم أنها تحولت إلى مركز الفعل السياسي ذاته بما يعيد تعريف موقع الحركة ووظيفتها.

رابع عشر: من سؤال الإصلاح إلى سؤال الوظيفة
لا تكفي الدعوة إلى الإصلاح، فالإصلاح يفترض إمكانية ترميم البنية القائمة دون المساس بأسسها العميقة، بينما تشير الحالة الفلسطينية إلى أن الأزمة أعمق من ذلك، إذ تتعلق بطبيعة الوظيفة التاريخية نفسها.
عند هذا المستوى، لا يعود السؤال: كيف نصلح حركة فتح؟ بل: لماذا وُجدت حركة فتح أصلا، وما الذي يُفترض أن تكونه في اللحظة الراهنة؟
في هذا الإطار، لا يكتسب المؤتمر الثامن أهميته من كونه حدثا تنظيميا، بل من كونه لحظة قد تُعيد تعريف موقع الحركة داخل المشروع الوطني: هل ستواصل الدفاع عن معنى تاريخي استنفد شروطه، أم ستنجح في إنتاج معنى جديد لوجودها السياسي؟ وهو سؤال لا يتعلق بفتح وحدها، بل بحماس وجميع الفصائل والحركات، وببنية السياسة الفلسطينية كلها.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته العملية، يواجه إشكالا أعمق يتجاوز مسألة إعادة توزيع الوظائف داخل البنية القائمة، إلى مساءلة إمكانية استمرار هذه الوظائف أصلا ضمن السياق البنيوي القائم.
فوجود سلطة تعمل تحت الاحتلال، لا بعده، يخلق وضعا بنيويا تصبح فيه أي محاولة للفصل الصارم بين “التحرر” و“الإدارة” عرضة لإعادة إنتاج التداخل ذاته بأشكال مختلفة، لأن السلطة، بحكم شروطها الموضوعية (التمويل، الأمن، الجغرافيا، المصالح، والتنسيق)، تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج تقييد الفعل السياسي حتى عندما تُدار داخل بنيات موازية لها.
وهنا لا يعود السؤال محصورا في كيفية إعادة توزيع الوظائف، بل يتجه إلى مستوى أعمق: هل يسمح هذا السياق البنيوي أصلا بإعادة إنتاج حركة تحرر داخل نظام وظيفته الأساسية إدارة واقع غير مكتمل السيادة؟

خامس عشر: ما بعد الثورة والسلطة: سؤال إعادة التأسيس
لا تعود الأزمة الفلسطينية، في جوهرها، إلى خلل في الأداء أو انحراف أو قصور في القيادة فحسب، بل إلى انقطاع في وظيفة السياسة نفسها داخل بنية استعمارية استيطانية احلالية مستمرة. وفي هذا السياق، لم تعد حركة فتح - كما بقية الفاعلين - تواجه سؤال “كيف تُدار السلطة؟”، بل سؤالا أعمق: هل ما تزال السياسة الفلسطينية تُنتج مشروعا للتحرر، أم أنها تدير استمرارية واقع فقد شروط تحوله؟
إن ما انتهت إليه هذه الورقة هو أن الإشكال لم يعد قابلا للحل داخل حدود إعادة توزيع الأدوار بين الثورة والسلطة، لأن هذه الثنائية نفسها فقدت قدرتها التفسيرية الكاملة في السياق الفلسطيني. فالبنية القائمة لا تنتج سلطة مكتملة، ولا حركة تحرر مكتملة، بل حالة هجينة تُعيد إنتاج الانفصال بين الفعل والتمثيل، وبين الشرعية ومصادرها.
وعليه، فإن أي استعادة للمعنى السياسي لا تمر عبر “إصلاح” البنية القائمة، بل عبر إعادة تعريف شروط السياسة ذاتها: من مركزية الاحتكار إلى تعددية الفعل، ومن تمثيل مغلق إلى تمثيل مفتوح، ومن إدارة الواقع إلى إعادة إنتاج القدرة على تغييره.
بهذا المعنى، لا يتعلق مستقبل حركة فتح - ولا النظام السياسي الفلسطيني عموما – بقدرة الحركة على التكيف مع الواقع القائم، بل بقدرتها على طرح سؤال جديد جذري: هل ما تزال السياسة الفلسطينية أداة لتحرير ممكن، أم أنها أصبحت إطارا لإدارة استعمار مستمر بأشكال سياسية محلية؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية فقط، بل هي ما سيحدد إن كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تأسيس للمشروع الوطني، أم استمرارا لتآكل شروطه التاريخية.

تعليقات

محمد خالد

مقال د. غانية والعديد من الردود او الاشتباكات الفكريه معه تتقاطع وتكمل بعضها وتؤكد على نقاط مهمه منها:
# التغيير في فتح لم يكن طارئ ولا نتيحة حسابات داخليه فقط، بل كان نتاج تفاعل مجموعه عوامل داخليه وخارجيه غير متوازنه حيث غلبت محصلة تأثير العوامل الخارجيه على مقومات البناء الداخلي وبالتالي ادت للتحول الوظيفي وانفراط او تهلهل البتاء الداخلي.
# أن يعلق ما آلت اليه الاوضاع الفلسطينيه شعبيا ورسميا وتنظيميا وسياسيا لم يكن نتيجة تحول لحظي بدأ من نقطة اوسلو. بل كان تدرج "ممتنع" شيئا ما، على رأي المثل الشعبي " بدها تزوج وخايفه من الحبل". وهذا يرجعنا الى نقطة التحول التى بدأت في السبعينيات بتحول مشروع التحرير الى مشروع الدوله.
# شكلت الانتفاضة الشعبيه ١٩٨٧ طوق نجاة لإستعادة البوصله لإرجاع مصدر القرار السياسي للشعب عبر الفعل الجماهري الذي فاق قدرة قيادة التنظيمات على استيعابه، وأثار خوف قيادات الخارج بروز قيادات وطنية شعبيه في الداخل وان ينتقل مركز القرار إليها. كان هذا اسوأ تقدير لقيادة فتح والمنظمه التي اعتادت على الانشقاقات. فبدلا من الاستثمار في قيادات الداخل لتكون جزء مؤسسي فاعل من مؤسسة قيادة الشعب والقرار الرسمي، تعاملت معهم قيادة فتح كأشخاص بمستوى مخاتير وقنوات اتصال لا أكثر. وهذا انعكس عمليا بعد عودة ما بعد اوسلو، حيث تم تهميش قيادات الداخل الذين تم الحاقهم بأجهزة أمنيه تحت قيادات عائده في معظمها ابتعد عن العمل التنظيمي والمؤسسي لسنوات بعد خروج بيروت.
# التغير الوظيفي لدور فتح كان بإدراك تام ووعي على مستوى القياده التي دخلت وأدارت المفاوضات بحسن النوايا متجاهلة طبيعه الصراع ونوايا الكيان. كان حلم أو وهم الدوله يعمي العيون والابصار، رأينا المناضلين الذين استوزروا، واللذين لهثوا وراء كتب التعينات والمراكز وكأن وقت الغنائم حان، فنزل الكثيرون عن الجبل.
# اما اسوأ ما حصل وما زال يتغلغل فينا هو تغيير المعني والمفاهيم والتغير في العقل الجمعي الذي يبرر، ويتعايش ويداهن وهو يرى الاعوجاج والاستمرار في طريق الضياع مقابل ماذا.. راتب لا يأتي، ومسمى لا يغني من جوع، وتغني بالرصاصه الاولى، وكذلك الخوف من التغيير.
# إمكانية الاصلاح من الداخل وبحركه سريعه غير ممكن. فكل مفاصل القرار والمال والأمن في يد مجموعه ترى في أي تغيير خسارة شخصيه وخسارة لمصالحهم الذاتيه. كما أن قدرة من في القرارة على التغيير في حالة ارادوا ذلك غير موجودة لعدم وجود القاعده، والشرعيه الشعبيه، والشعبيه العمليه، فلا يكفي الاستناد للقول إن فلان كان سجين أو مقاتل أو ابن فلان وعلان.
# حالة عدم الثقه والانقسام التي نعيش ليست قدر لا يمكن الخلاص منه خصوصا على المستوى الشعبي. وهذا ما اثبتته التجارب ايام الانتفاضه الأولى والثانيه وحتى بعد الطوفان رغم كل الشوائب.
# يبدو الطريق طويلا لإحداث تغيير جدي وقادر أن ينعكس في مؤسسة القرار. لكن استمرار المبادرات المجتمعيه والعمل الجماهيري بكل أنواعه وعلى كل مستوى خارج وداخل فلسطين لا بد أن يشكل عملية تحول لتخلق شراره فاصله لتضعنا على المسار الصحيح. لكن نقطة البدء هي الفهم الصحيح لطبيعة عدونا وصراعنا، وأن النصر عملية صمود وتراكم، وأن الوضع العالمي ليس بالضروره لصالح الكيان كما كان لعقود إن أحسنا اغتنام الفرص ووحدنا الخطاب حول برنامج تحرري جامع مستند للحقوق الوطني دون مواربه او نقصان و غير مرتهن لكرم النظام الدولي ولا العربي الرسمي إن بقي منه شئ.
محمد خالد


==========


.1غانية ملحيس

شكرا لك يا محمد على مداخلتك، فهي في كثير من جوانبها تتقاطع مع ما حاولتُ طرحه في الورقة، خصوصا في فكرة أن التحول الذي أصاب حركة فتح لم يكن لحظة مفاجئة أو قرارا داخليا معزولا، بل نتيجة تفاعل مركّب بين عوامل داخلية وخارجية، وأن مسار الانتقال من مشروع التحرير إلى مشروع السلطة كان تدريجيا وتراكميا.
أتفق أيضا مع الإشارة إلى أن لحظة الانتفاضة الأولى شكّلت محطة مفصلية أعادت فرض الفعل الشعبي على المعادلة السياسية، وكشفت فجوة حقيقية بين البنية التنظيمية والشارع، وهو ما ظل تأثيره ممتدا حتى ما بعد أوسلو.
لكن ربما يحتاج النقاش هنا إلى تدقيق في نقطتين أساسيتين:
أولاً، كثير من التحليل يركّز على السلوك السياسي أو الخيارات القيادية (حسن النوايا، الوهم، الاندفاع نحو الدولة، أو حتى البحث عن المكاسب)، بينما تحاول الورقة أن تذهب أبعد من ذلك، إلى البنية التي جعلت هذا النوع من التحول ممكنا، بل ومستمرا، حتى لو تغيّرت الوجوه أو النوايا. أي أن المسألة ليست فقط “كيف فُهم أوسلو”، بل ما الذي جعل بنية الحركة والدور السياسي نفسه قابلا لهذا التحول أصلا.
ثانياً، الإشارة إلى “الإصلاح من الداخل غير ممكن” أو أنه مشروط بتوازنات القوة، صحيحة جزئيا من حيث التشخيص العملي، لكن الإشكال الأعمق هو أن السؤال لم يعد فقط عن إمكانية الإصلاح، بل عن طبيعة الإطار الذي يُعرّف ما هو “الداخل” أصلا، ومن يملك تحديده في سياق تتداخل فيه السلطة مع الحركة ومع الفعل الوطني.
فيما يخص دور المجتمع والمبادرات الشعبية، فهذا عنصر جوهري في أي إمكانية لإعادة إنتاج الفعل السياسي، لكن التحدي ليس فقط في استمرارها، بل في قدرتها على التحول من فعل احتجاجي أو موازي إلى جزء من إعادة تعريف بنية التمثيل نفسها، وليس فقط مجرد الضغط عليها من الخارج.
أخيرا، أعتقد أن النقطة الأكثر أهمية في النقاش كله هي ما إذا كنا ما زلنا نتعامل مع أزمة “مسار” يمكن تصحيحه، أم مع أزمة “بنية” تعيد إنتاج نفسها داخل كل محاولة إصلاح. وهنا تحديدا يبدأ الاختلاف الحقيقي في زاوية النظر، أكثر مما يبدأ في تشخيص الوقائع نفسها.
غانية ملحيس
 
. 2خالد عطية
ما تقدّمه د. غانية ملحيس في هذه الورقة يتجاوز كونه قراءة في واقع حركة فتح، ليصل إلى مستوى أعمق: مساءلة شكل السياسة الفلسطينية نفسها، وحدود النموذج الذي حكم إنتاجها خلال العقود الماضية.
القيمة الحقيقية في هذا الطرح لا تكمن فقط في تشخيص التحول من منطق الثورة إلى منطق السلطة، بل في تفكيك “الوضع الهجين” الذي نشأ عن هذا الانتقال داخل بنية استعمارية لم تنكسر، وهو ما يفسّر بدقة حالة الانفصال بين الفعل والتمثيل، وبين الشرعية ومصادرها.
ما يميّز هذه القراءة أنها لا تقع في التبسيط المعتاد: لا تُرجع الأزمة إلى أشخاص، ولا تختزلها في فساد أو سوء إدارة، بل تضعها في سياقها البنيوي، حيث تتحول السلطة من أداة مفترضة في مشروع التحرر إلى إطار يعيد إنتاج حدوده، وتتحول الحركة من حامل للفعل إلى بنية تدير نتائجه.
في هذا المعنى، يتقاطع هذا الطرح بعمق مع الأسئلة التي حاولنا إثارتها: ليس فقط عن دور فتح، بل عن إمكان السياسة ذاتها في ظل هذا الانسداد. غير أن ما تضيفه هذه الورقة هو وضوح الرؤية في نقل النقاش من مستوى “إصلاح الحركة” إلى مستوى “إعادة تعريف الوظيفة التاريخية”، ومن معالجة الأعراض إلى مساءلة النموذج.
كما أن طرح “إعادة توزيع الوظائف” بين الحركة والسلطة والتمثيل، رغم تعقيداته، يفتح أفقًا واقعيًا لا يسقط في وهم القطيعة الكاملة، ولا يستسلم لمنطق الاستمرار، بل يحاول العمل داخل التوتر نفسه، لا الهروب منه.
هذا جهد فكري نادر في زمن يغلب عليه التبسيط أو الاصطفاف، ويستحق أن يُقرأ بوصفه مساهمة جدية في إعادة فتح الأسئلة الكبرى، لا إغلاقها.
كل التقدير لهذا العقل الذي يشتغل على الأزمة من داخلها، لا من حوافها، ولا من مسافاتٍ آمنة تُجنّب صاحبها كلفة الاشتباك مع جوهرها.
خالد عطية


============


. 2غانية ملحيس
شكرا لك يا خالد على هذه القراءة التي كالعادة لا تكتفي بالتعليق على المقال، بل تعيد وضعه داخل سياقه الفكري الأوسع، وتلتقط منه ما يتجاوز الإطار المباشر إلى مستوى مساءلة بنية السياسة الفلسطينية نفسها.
ما يلفت في مداخلتك هو هذا الانتقال الدقيق من توصيف التحول داخل حركة فتح إلى مساءلة النموذج الذي حكم العلاقة بين الحركة والسلطة والتمثيل، خصوصا في ظل استمرار أثر اتفاق أوسلو، وما ترتب عليه من “وضع هجين” كما وصفت بدقة.
كما أن الإشارة إلى مسألة الانفصال بين الفعل والتمثيل، وبين الشرعية ومصادرها، تسلط الضوء على أحد أكثر الإشكالات تعقيدا في التجربة الفلسطينية المعاصرة، وهو ما يجعل النقاش يتجاوز حدود الأفراد إلى بنية إنتاج السياسة نفسها.
وأهمية هذا الطرح، في تقديري، أنه لا يسعى إلى إغلاق السؤال، بل إلى تعميقه: ليس في اتجاه القطيعة النهائية، ولا في اتجاه الاستمرار غير المشروط، بل داخل منطقة التوتر التي تفرض إعادة التفكير في الوظيفة والمعنى.
في هذا السياق، تبقى القيمة الأساسية لمثل هذا النوع من القراءة أنها لا تقدّم “حكما نهائيا”، بل تُبقي الأسئلة حيّة وقابلة لإعادة الفحص، وهو أكثر ما نحتاجه في هذه اللحظة.
كل التقدير لهذا الاشتباك الفكري الذي يشتغل على الأزمة من داخلها، ويعيد فتحها بدل تثبيتها في صيغة واحدة مغلقة.
غانية ملحيس
 
. 3- نائل التونسي
الدكتورة غانية ملحيس أجد أن ورقتكِ تلتقي بعمق مع ما يمكن اعتباره خلاصة المرحلة الفلسطينية الراهنة: لم تعد الأزمة أزمة أداء، بل أزمة معنى. غير أن قوة هذا التشخيص تفرض ضرورة موازية، وهي الانتقال من تفكيك الأزمة إلى اقتراح أفق عملي قادر على إعادة إنتاج الفعل السياسي، لا الاكتفاء بوصف انسداده.

أولًا: ما الذي أضافه المقال — وما الذي يجب البناء عليه؟
تنجح ورقتكِ في تثبيت ثلاث حقائق مفصلية يجب اعتبارها نقاط انطلاق لا خلاف عليها:

1. الأزمة بنيوية وليست تنظيمية، ما يعني أن أي إصلاح داخلي في حركة فتح (انتخابات، قيادات، محاسبة) لن يكون كافيًا، لأنه يعالج النتائج لا الأسباب.
2. التحول من الثورة إلى السلطة غيّر الوظيفة، ليس بوصفه انحرافًا فقط، بل كإعادة تعريف لدور الحركة نفسها.
3. الحالة الفلسطينية تمثل استثناءً تاريخيًا، وهي النقطة الأخطر، إذ تسقط معها كل النماذج المقارنة، ولا يعود ممكنًا استيراد حلول جاهزة.

هذه النقاط الثلاث أعلاه يجب تثبيتها كأساس لأي تفكير لاحق.

ثانيًا: النقطة المفصلية التي يجب تعميقها
رغم أن المقال أشار إلى “الاختلال بين الثورة والسلطة”، إلا أن المسألة أعمق من مجرد اختلال توازن.
الإشكال ليس أن السلطة طغت على الثورة، بل أن السلطة صُممت بنيويًا لتقييد إمكان عودة الثورة.

ماذا يعني ذلك؟
أن السلطة ليست حيادية، وليست أداة يمكن استخدامها بحرية، بل إطار مُشروط يعيد تشكيل الفاعلين داخله.
وهذا ما يفسّر:

* تحوّل النخبة
* تغيّر اللغة (من التحرير إلى الإدارة)
* أزمة التمثيل

بالتالي، لا يكفي “إعادة التوازن”، بل يجب تفكيك العلاقة البنيوية المقيدة.

ثالثًا: إعادة قراءة النقاط المفصلية في المقال

(5) الاستثناء البنيوي
هذه من أخطر نقاط الورقة، وتحتاج إلى استكمال:
إذا كانت السلطة قد نشأت داخل الاستعمار، فإن أي فعل تحرري داخلها سيبقى محدودًا ما لم يُعاد تعريف موقعها أو تقليص مركزيتها.

✦ (6) الانسداد السياسي
المقال يصف الانسداد، لكنه لا يحسم أسبابه بالكامل.
فالانسداد ليس فقط نتيجة تعدد الفاعلين، بل نتيجة غياب مركز شرعية حقيقي، وتحول كل فاعل إلى “جزء من التوازن” لا “قوة تغيير”.

(7) إعادة تشكيل الحركة
وُصف التحول بدقة، لكن آلية عكسه بقيت غائبة.
إعادة إنتاج النخبة الثورية لا تتم بقرار تنظيمي، بل عبر إعادة ربط الشرعية بالفعل الميداني لا بالموقع الوظيفي.

(10) إعادة توزيع الوظائف
وهو من أهم ما طرحته الورقة، لكنه يبقى ناقصًا ما لم يُقرن بآليات قوة تفرضه، لأن البنية القائمة تقاوم التفكيك، والسلطة تميل لابتلاع أي فصل نظري.

(15) إعادة التأسيس
هذه ذروة المقال نظريًا، لكنها تترك السؤال مفتوحًا: كيف تُعاد صياغة السياسة عمليًا؟

رابعًا: نحو حلول تكميلية (الجزء الأهم)

1. فك الارتباط الوظيفي مع السلطة (جزئيًا لا كليًا)
ليس المطلوب إسقاط السلطة، بل تقليص مركزيتها في تعريف المشروع الوطني، ومنعها من احتكار التمثيل، عبر فصل واضح بين مواقع الحركة ومواقع السلطة، وإنهاء ازدواجية “مناضل/موظف سلطة”.
2. إعادة بناء الشرعية من الأسفل
المشكلة أن الشرعية أصبحت “ممنوحة من النظام” لا “منتجة من الفعل”.
والحل يكون عبر تفعيل النقابات، الأطر الطلابية، الحراكات الشعبية، وشبكات الشتات، أي إعادة المجتمع كمصدر شرعية.
3. إعادة تعريف منظمة التحرير
كما أشرتِ، لكن مع ضرورة التوضيح العملي:
إعادة بنائها كمؤسسة تمثيل حقيقية، إدماج الشتات فعليًا، وفصلها عن هيمنة السلطة، لتعود إطار تمثيل الشعب لا إدارة جزء منه.
4. استعادة الوظيفة النضالية للحركة
ليس عبر الخطاب، بل عبر إعادة الاعتبار للفعل الميداني، ودعم أشكال مقاومة متعددة، وربط التنظيم بالفعل لا بالامتيازات، أي إعادة تعريف “من هو الكادر”.
5. كسر احتكار المركز السياسي
بدل الحامل المركزي، المطلوب توزيع الفعل السياسي، وقبول التعدد داخل المشروع الوطني، وبناء شبكات لا هرمًا واحدًا.
6. إعادة تعريف النجاح السياسي
بدل “منع الانهيار”، يصبح الهدف “توسيع مجال الفعل”، واستعادة المبادرة، وإعادة إنتاج الضغط على الاستعمار.

خامسًا: الإضافة الجوهرية على المقال
إذا كان طرحكِ يؤكد أن الأزمة هي أزمة وظيفة، فإن التكملة الضرورية هي:
استعادة هذه الوظيفة لا يمكن أن تتم داخل نفس شروط إنتاجها.
أي لا يمكن لحركة تحرر أن تستعيد دورها دون تغيير — ولو جزئي — في البيئة التي تقيدها.

الخلاصة التكاملية
مقالكِ ينجح بوضوح في تفكيك أزمة حركة فتح بوصفها أزمة تاريخية عميقة ناتجة عن تحولها من حركة تحرر إلى بنية سلطة داخل استعمار مستمر.
لكن استكمال هذا الطرح يقتضي التأكيد أن استعادة فتح لدورها لا تمر عبر إصلاحها من الداخل فقط، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الحركة والسلطة والمجتمع، وتحرير الفعل السياسي من القيود البنيوية التي أعادت تعريفه كإدارة للواقع بدل تغييره.

وبغير ذلك، ستبقى الحركة — مهما تغيّرت قياداتها — تدور داخل الإطار ذاته الذي أُنشئ أصلًا لضبطها، لا لتحريرها.
نائل التونسي



=============


. 3- غانية ملحيس

شكرا لك يا نائل على هذا التفاعل العميق والمفصّل الذي لا يكتفي بالتعليق على الورقة، بل يحاول تطويرها من داخل أسئلتها. وأعتقد أن نقاطك الخمس الأساسية تمثل محاولة جدية لإغلاق بعض الفجوات بين التشخيص و” الأفق العملي”، وهو ما يفتح مساحة حوار مهمة مع ما طرحته الورقة.
1. الاستثناء البنيوي
أتفق معك في تثبيت فكرة الاستثناء البنيوي، بل إن الورقة تنطلق أساسا من هذا الفهم، لكن مع فارق في التوظيف. في تعليقك تم تقديم الاستثناء بوصفه مدخلا لتعديل أدوات التفكير وإعادة صياغة الحلول داخل الإطار القائم.
فيما سعت الورقة إلى عدم استخدام الاستثناء كإطار تفسيري فقط، بل كعامل يُعيد تعريف “قابلية الحل نفسها”، أي أنه لا يغيّر الأدوات فقط، بل يضع سؤال: هل يمكن تطبيق منطق الحلول التقليدية أصلا في بنية استعمارية مستمرة؟
بالتالي، الاستثناء هنا ليس وصفا للحالة فقط، بل مساءلة لإمكان إنتاج نموذج مقارنة مكتمل.
2. الانسداد السياسي
تلتقي قراءتنا في تشخيص الانسداد، لكن الاختلاف يظهر في تفسير مصدره.
في طرحك، الانسداد مرتبط أساسا بتعدد الفاعلين وغياب مركز شرعية فعّال، ويمكن تجاوزه عبر إعادة تنظيم الحقل السياسي.
فيما اعتبرت الورقة، أن الانسداد أعمق من ذلك، فهو ليس فقط أزمة تعدد، بل أزمة في “نمط إنتاج الشرعية نفسه”، حيث تتحول كل الفواعل إلى عناصر داخل توازن قائم، لا إلى أدوات تغييره.
أي أن المشكلة ليست في غياب المركز فقط، بل في طبيعة العلاقة بين المركز والهوامش.
3. إعادة تشكيل الحركة
طرحك يركز على التحول من النخبة الثورية إلى النخبة الإدارية كمسار يمكن عكسه عبر إعادة ربط الشرعية بالفعل.
أما الورقة فترى أن إعادة التشكيل ليست فقط تحول نخبة، بل إعادة إنتاج كاملة لوظيفة الحركة داخل بيئة سياسية جديدة، حيث لم تعد الحركة “تتغير داخليا فقط”، بل أعيد تعريفها من الخارج أيضا عبر السلطة، التمويل، والعلاقة مع البنية الاستعمارية.
بالتالي، المسألة ليست فقط “كيف نعيد إنتاج الكادر الثوري؟”، بل “كيف يُعاد تعريف معنى الكادر أصلا؟”.
4. إعادة توزيع الوظائف
نقطة الالتقاء هنا واضحة، لكن الخلاف دقيق.
أنت ترى أن الفصل بين السلطة والحركة ومنظمة التحرير يمكن أن ينتج توازنا وظيفيا جديدا.
في الورقة، تم تقديم هذا الاحتمال نفسه، لكن مع تحفّظ أساسي: أن البنية القائمة لا تسمح بفصل مستقر للوظائف دون أن تعيد امتصاصه.
بمعنى آخر، إعادة التوزيع ليست قرارا هندسيا، بل مسار صراع داخل بنية تميل دائما لإعادة الدمج، حتى وهي تتفكك جزئيا.
5. إعادة التأسيس
نقطة الالتقاء الأهم بيننا، لكنها أيضا نقطة الاختلاف الأكثر حساسية.
في طرحك، إعادة التأسيس تعني الانتقال من إدارة الواقع إلى إنتاج شروط تغييره.
وفي الورقة، هذا التعريف مقبول من حيث المبدأ، لكن الإشكال يكمن في أن “شروط التغيير” نفسها أصبحت موزعة بين أطراف متعددة (سلطة، حركة، مجتمع، وفاعل خارجي)، ما يجعل إعادة التأسيس ليست لحظة أو قرارا، بل إعادة تركيب كاملة لحقل السياسة ذاته، وليس فقط لوظائفه.
أما بخصوص “الحلول التكميلية” التي طرحتها،
مثل فك الارتباط الوظيفي، إعادة بناء الشرعية من الأسفل، وكسر احتكار المركز، فهي في جوهرها تلتقي مع ما ذهبت إليه الورقة في الدعوة إلى تفكيك مركزية التمثيل وإعادة إدخال المجتمع كفاعل منتج للشرعية.
لكن الاختلاف هنا ليس في الاتجاه، بل في سؤال الإمكان: هل يمكن لهذه الإجراءات أن تنتج أثرا بنيويا دون أن تتحول إلى جزء من آليات احتواء البنية نفسها؟
في المحصلة، يمكن القول إننا نلتقي في التشخيص العام: أن الأزمة ليست تنظيمية، بل بنيوية، وأن السلطة ليست مجرد أداة، بل بيئة تعيد تشكيل الفعل السياسي.
لكن يبقى بيننا سؤال مفتوح - وربما هو جوهر النقاش كله: هل يكفي إعادة توزيع الوظائف داخل البنية القائمة لإنتاج تحول سياسي، أم أن طبيعة البنية نفسها تجعل أي توزيع جديد عرضة لإعادة الامتصاص والتدوير؟
هذا السؤال تحديدا هو ما تحاول الورقة إبقاءه مفتوحا، لا إغلاقه.
غانية ملحيس
 
.4- يحيى بركات


قراءة في ورقة د. غانية ملحيس:
حين تغيّر المكان… فتغيّرت الوظيفة

ورقة د. غانية ملحيس لا تبدأ من فتح وحدها…
تبدأ من اللحظة.
لحظة ثقيلة…
مليئة بما حدث… وما يتكشف… وما لم يعد ممكنًا تجاهله.
ثم تذهب إلى فتح…
لا كتنظيم فقط…
بل كمرآة.
مرآة… ترى فيها شكل السياسة الفلسطينية كلها.
هي لا تقول: هناك خطأ.
ولا تقول: هناك فساد.
ولا حتى تقول: هناك أزمة فقط.
هي تقول شيئًا أدق:
هناك تحوّل.
تحوّل… في وظيفة الحركة نفسها.
وهنا… يجب التوقف.
لأن الفرق كبير…
بين حركة تخطئ…
وحركة تغيّر موقعها دون أن تعترف بذلك.
غانية تدخل من باب بسيط… لكنه خطير:
الثورة… ليست سلطة مؤجلة.
جملة تبدو عادية…
لكنها تفكك نصف المشهد.
الثورة… تفكر كيف تغيّر الواقع.
السلطة… تفكر كيف تدير الواقع.
الثورة… تتحرك للأمام.
السلطة… تثبّت ما هو قائم.
والمشكلة…
ليست في وجود سلطة.
المشكلة… حين تصبح السلطة…
هي مركز كل شيء.
هنا… تضع إصبعها على الجرح الحقيقي:
فتح… لم تنتقل فقط من أداة إلى أداة.
هي انتقلت من وظيفة… إلى وظيفة أخرى.
من إنتاج الفعل…
إلى إدارة الفعل.
من قيادة المعنى…
إلى تنظيم الواقع.
وهذا لم يحدث بقرار…
بل لأن المكان تغيّر.
وهنا تأتي المقارنة…
ليس كاستعراض… بل كدليل.
في فيتنام…
الحرب انتهت… ثم جاءت الدولة.
في الجزائر…
الاستعمار خرج… ثم كُتب الدستور.
في جنوب أفريقيا…
النظام سقط… ثم أُعيد بناء الدولة.
في كل هذه التجارب…
السلطة جاءت… بعد أن تغيّر الواقع.
أما هنا…
السلطة جاءت…
والواقع لم يتغيّر.
الاحتلال بقي…
بل أعاد تشكيل نفسه.
وهنا… تصبح السلطة شيئًا آخر.
ليست دولة.
وليست حركة تحرر.
وليست حتى إدارة طبيعية.
بل حالة…
بين كل ذلك.
في هذه اللحظة… ندخل إلى مفهوم يحتاج أن يُفهم ببساطة:
الحامل السياسي.
من دون تنظير…
الحامل السياسي هو:
من يحمل هذا الشعب… إلى القرار.
من يستطيع أن يأخذ ما يحدث في الشارع…
ويحوله إلى موقف… إلى سياسة… إلى اتجاه.
في زمن فتح الأولى…
كان هذا واضحًا.
الفعل…
والقرار…
كانا في نفس المسار.
اليوم…
الفعل في مكان…
والقرار في مكان آخر.
وهنا… لا تعود المشكلة: من الأقوى؟
بل: من يربط بين الاثنين؟
غانية تشرح التحول… بهدوء.
لا تتهم…
بل تراقب.
النخبة تغيّرت.
لم تعد نخب ميدان… بل نخب مؤسسة.
اللغة تغيّرت.
لم تعد لغة تحرير… بل لغة إدارة.
ومعيار النجاح تغيّر.
لم يعد: ماذا أنجزنا؟
بل: هل منعنا الانهيار؟
وهنا…
تفقد السياسة معناها الأول… دون أن تعلن ذلك.
ثم تصل إلى نقطة حساسة جدًا:
التمثيل.
من يمثل اليوم؟
هل تمثل السلطة… الشعب؟
أم تمثل… المكان الذي تعمل فيه؟
هنا… تضع الجملة الأهم… دون أن تصرخ بها:
السياسة انتقلت…
من الشعب…
إلى الجغرافيا.
والفرق كبير.
لأن الشعب… أكبر من الجغرافيا.
أكبر من الضفة وغزة.
أكبر من الحدود التي تتحرك فيها السلطة.
وهنا… يعود الشتات…
ليس كحنين…
بل كمعنى.
كجزء من القضية…
لا خارجها.
غانية لا تهرب من السؤال الأصعب:
هل يمكن إعادة بناء حركة تحرر… داخل سلطة؟
تترك الاحتمالات مفتوحة.
اندماج…
انفصال…
إعادة توزيع وظائف…
لكنها لا تختار نيابة عن أحد.
وهذا مقصود.
لأنها تعرف…
أن الإجابة… ليست نظرية فقط.
هنا…
يبدأ التقاطع.
ما تقوله غانية… يلتقي مع فكرة واضحة:
المشكلة ليست في الأداء فقط.
بل في الموقع.
إذا كانت السلطة تعيد تشكيل الحركة…
فالسؤال يصبح:
أين تقف الحركة الآن؟
هل هي داخل السلطة…
أم خارجها؟
هل هي جزء من جهاز إدارة…
أم جزء من حامل سياسي أوسع؟
وهنا…
لا يكفي أن نقول “إصلاح”.
لأن الإصلاح داخل نفس الموقع…
يعيد إنتاج نفس النتيجة.
التجربة تقول شيئًا بسيطًا:
أي حركة تحرر…
حين تدخل السلطة قبل التحرير…
تتغيّر.
ليس لأنها تريد…
بل لأن شروط المكان تفرض ذلك.
وهنا…
يصبح السؤال الحقيقي:
كيف تعود إلى وظيفتها؟
وهنا…
لا يُقال ذلك كشعار… بل كخلاصة تجربة:
الحامل السياسي…
لا يمكن أن يكون داخل السلطة وحدها.
يجب أن يكون أوسع.
إطار…
يمثل الداخل والخارج…
الشعب… لا الجغرافيا.
وهنا… تعود فكرة منظمة التحرير…
ليس كاسم…
بل كضرورة.
كجسر…
بين الفعل… والقرار.
غانية فتحت الباب.
لم تُغلقه.
لم تعطِ وصفة…
بل أعادت تعريف السؤال.
وهذا… أهم ما في الورقة.
لأن السياسة…
حين تفقد قدرتها على طرح السؤال الصحيح…
تبدأ بالانتهاء.
أما هنا…
فالسؤال عاد.
بوضوح.
وبهدوء.
وبدون شعارات.
وفي المساحة التي فتحها هذا النقاش…
لم تبقِ الأسئلة داخل النصوص فقط…
خرجت إلى الناس.
هناك من رأى في هذه الورقة قراءة عميقة،
تذهب إلى ما هو أبعد من فتح…
لتسأل عن شكل السياسة الفلسطينية نفسها،
وعن هذا “الوضع الهجين” الذي جعل السلطة تدير الواقع… بدل أن تغيّره،
وجعل الحركة تدير النتائج… بدل أن تقود الفعل.
وهذا تقاطع مهم…
لأنه يقول إن الأزمة ليست في التفاصيل…
بل في النموذج كله.
لكن…
في المقابل…
هناك صوت آخر… لا يقل أهمية.
صوت يرى أن كل هذا النقاش…
أكبر من المؤتمر نفسه.
أن ما يجري…
قد لا يكون أكثر من إعادة ترتيب داخلية،
تدور حول الخلافة… لا حول إعادة تعريف الحركة.
وهنا يظهر الانقسام الحقيقي…
ليس بين أشخاص…
بل بين رؤيتين:
رؤية ترى أن هناك فرصة…
ولو صعبة… لإعادة المعنى.
ورؤية ترى أن ما يجري…
لا يتجاوز إدارة المرحلة… لا تغييرها.
وبين هذين الصوتين…
يقف السؤال كما هو:
هل ما زلنا نملك القدرة على الفعل؟
أم نعيد تفسير العجز… بلغة أعمق فقط؟
ومن هذا الباب تحديدًا…
تبدأ الرؤية.
المشكلة في فتح… ليست أنها ضعفت.
ولا أنها أخطأت.
ولا حتى أنها تغيّرت.
المشكلة… أنها لم تعد تعرف أين تقف.
هل هي سلطة؟
أم حركة تحرر؟
هل هي جهاز إدارة؟
أم حامل سياسي؟
هذا الالتباس… هو أصل كل شيء.
لا أرى أن فتح انتهت.
ولا أرى أن التاريخ يُشطب بهذه السهولة.
فتح ليست قيادة فقط.
ولا مؤسسة.
ولا مرحلة وانتهت.
فتح… هي ذاكرة شعب…
وتجربة نضال…
وقاعدة اجتماعية ممتدة…
وحضور في الوعي… قبل أن تكون حضورًا في التنظيم.
لكن…
هذا لا يكفي.
لأن الحركة التي تعيش على تاريخها…
تتحول ببطء… إلى مؤسسة تحمي نفسها… لا مشروعًا يغيّر الواقع.
الإصلاح… لا يبدأ من الأشخاص.
ولا من الانتخابات الداخلية.
ولا من إعادة ترتيب المواقع.
الإصلاح… يبدأ من المكان.
أين تقف فتح؟
إذا بقيت داخل السلطة…
ستبقى أسيرة شروطها.
والسلطة… بحكم طبيعتها…
ليست مكانًا لإنتاج التحرر.
هي مكان لإدارة الواقع.
وهنا يجب أن تكون الجرأة:
فتح… يجب أن تخرج من أسر السلطة.
ليس بمعنى أن تهدمها.
ولا أن تترك الناس دون إدارة.
بل بمعنى أن تعود إلى موقعها الطبيعي:
حركة تحرر… داخل حامل سياسي وطني…
لا داخل جهاز إداري.
الحامل السياسي… ليس اسمًا.
ولا مؤسسة قائمة بذاتها فقط.
هو الإطار الذي يمثل الشعب… كله.
ويحوّل ما يفعله… إلى قرار.
هذا الحامل… كان اسمه:
منظمة التحرير الفلسطينية.
لكن المنظمة… لم تعد تقوم بهذا الدور كما يجب.
ضعفت.
تراجعت.
وتحوّلت في كثير من الأحيان… إلى امتداد للسلطة… بدل أن تكون مرجعيتها.
وهذا… خلل خطير.
لذلك…
إصلاح فتح… لا يمكن أن يتم داخل فتح وحدها.
يجب أن يتم… عبر إعادة بناء منظمة التحرير.
إعادة بناء حقيقية…
لا شكلية.
مجلس وطني جديد…
يمثل الداخل… والشتات… وغزة… والضفة… و48… وكل تجمعات الشعب.
تمثيل حقيقي…
لكل القوى… بلا استثناء.
انتخابات حرة…
حيث أمكن…
وتوافق وطني… حيث يتعذر.
منظمة…
تعود لتكون:
المرجعية.
الحامل السياسي.
الجهة التي تُنتج القرار.
وفي هذه المعادلة…
تعود الأمور إلى مكانها الطبيعي:
المنظمة… فوق السلطة.
والسلطة… تحت رقابة المنظمة.
السلطة… جهاز إداري تنفيذي.
تدير شؤون الناس.
تُحاسَب.
ولا تُنتج القرار الوطني.
أما القرار…
فيجب أن يعود إلى مستوى أوسع…
يمثل الشعب كله.
وفي هذا السياق…
تعود فتح إلى دورها.
لا كسلطة.
ولا كجهاز.
بل كقوة رئيسية داخل هذا الحامل.
حركة تقود…
لكن لا تحتكر.
تشارك…
لكن لا تُقصي.
تفتح المجال…
ولا تغلقه.
وهنا نصل إلى نقطة حساسة:
الوحدة الوطنية.
ليست شعارًا.
ولا صورة.
الوحدة… لا تعني جمع المتناقضات داخل سلطة واحدة.
الوحدة… تعني وحدة الهدف.
وحدة المشروع.
وحدة الاتجاه.
وهذا لا يتحقق…
بالمحاصصة.
بل بإعادة تعريف المشروع الوطني نفسه.
أما المقاومة…
فهي ليست تفصيلًا.
ولا بندًا.
هي جزء من تعريف السياسة نفسها.
لكن المقاومة…
يجب أن تُربط بالقرار.
لا أن تبقى فعلًا منفصلًا…
والسياسة في مكان آخر.
وهنا…
تعود نفس المشكلة:
من يحمل هذا الفعل… إلى مستوى القرار؟
من دون حامل سياسي حقيقي…
كل شيء يبقى ناقصًا.
السلطة… تبقى إدارة.
والمقاومة… تبقى فعلًا بلا أفق سياسي.
والشعب… يبقى خارج المعادلة.
فتح…
إذا أرادت أن تعود…
لا تعود بالشعارات.
ولا بالبيانات.
تعود…
حين تعيد تعريف نفسها.
حين تقرر:
أن تكون داخل المنظمة… لا داخل السلطة.
أن تكون جزءًا من حامل وطني… لا بديلاً عنه.
أن تستمد شرعيتها من الشعب… لا من الاعتراف فقط.
هذا ليس طريقًا سهلاً.
هو صراع.
داخل الحركة…
داخل المنظمة…
داخل الواقع كله.
لكن…
لا يوجد طريق آخر.
إما أن تعود فتح إلى معناها…
أو تبقى تدير واقعًا… لا يخصها.
في النهاية…
السؤال ليس:
هل تستطيع فتح أن تبقى؟
السؤال هو:
هل تستطيع أن تعود؟
والعودة هنا…
ليست إلى الماضي.
بل إلى المعنى.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي


==========


. 4- غانية ملحيس

كعادتك يا يحيى لا تعلق على الورقة، بل تستكملها في مساحة أخرى. وتدفعها خطوة إلى الأمام، نحو موقع أكثر حسما.
لقد حاولتُ في الورقة أن أفتح السؤال، وأن أتوقف عند توصيف التحوّل وحدوده، فذهبت أنت باتجاه البناء على هذا التحوّل، واستخلاص نتائجه السياسية بشكل أوضح، وربما أكثر جرأة.
ما يلفت في قراءتك، أنها لم تتعامل مع الفكرة كتشخيص فقط، بل كمدخل لإعادة ترتيب العلاقة بين: الحركة، والسلطة، والحامل السياسي.
وهنا تحديدا، يحدث الانتقال من “فهم ما جرى” إلى “اقتراح ما ينبغي أن يكون”.
تتفق مع الفكرة الأساسية للورقة: أن هناك تحولا في الموقع والوظيفة. لكنك ترفض التوقف عند هذا الحد. بل تدفع بالسؤال إلى نهايته: إذا تغيّر الموقع، فهل يمكن إصلاح النتائج من داخله؟
وهنا تقدّم إجابته بوضوح: لا. وهذا تحديدا يمثل جوهر الإضافة، وينقل النقاش من مستوى “الإصلاح” إلى مستوى “إعادة التموضع”.
في المقابل، قد يفتح هذا الطرح أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل الخروج من أسر السلطة ممكن فعليا ضمن الشروط القائمة؟
وهل إعادة بناء الحامل السياسي (بالمعنى التنظيمي التعددي والمشروع الواحد الذي طُرح) مسألة قرار، أم مسار طويل ومعقّد يتجاوز الإرادة وحدها؟
قراءتك تفترض درجة من القدرة على الفعل، قد تكون موضع نقاش بحد ذاتها.
وهذا لا يُضعفها، بل يجعلها جزءا من نقاش ضروري.
لأن ما بين فتح السؤال، كما حاولت الورقة، والدفع نحو إجابة حاسمة، كما تقترح، تتشكّل مساحة التفكير الحقيقي. مساحة لا تبحث فقط في: ماذا حدث؟ بل في: ماذا يمكن أن يحدث، إن توفرت الشروط؟
ما يهم في قراءتك الثرية للورقة، ليس الاتفاق أو الاختلاف معها، بل أنها تعاملت معها كأرضية حوار، وليس كنقطة نهاية.
وهذا، بحد ذاته، ما تحتاجه السياسة اليوم: حوار وطني يفتح، ولا يغلق.
غانية ملحيس
 
5- محمد مشارقه

ملخص ورقة سجالية مع أفكار الباحثة السياسية الجادة د. غانية ملحيس.
فتح والوهم الأكاديمي: نقد في أزمة حركة لا تقبل الإحياء:
محمد مشارقة.
نقدم هذا التلخيص لورقة ساعيد المشاركة بها كاملة بعد النشر في موقع المركز. وهي ورقة سجالية مع ورقة د. غانية ملحيس المقدَّمة بمناسبة المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا لتفنيد جهدها الأكاديمي الجاد، بل لمواجهة الوهم الكامن في صميمه: وهم أن حركةً فسدت بنيوياً وتعفّنت قبل أن تُنجز مشروعها لا تزال قابلة للإصلاح والإحياء.
- تنطلق القراءة النقدية من جذر الأزمة لا من أعراضها. فالحركة الوطنية الفلسطينية ظلت منذ نشأتها في ثلاثينات القرن الماضي أسيرة ثلاثة مصادر فكرية لم تخرج من سطوتها: التيار القومي بتلاوينه، واليسار بمرجعياته، والإسلام السياسي بمطلقاته. وقد كان لهذا التخندق الأيديولوجي ما يبرّره في سياق الحرب الباردة، غير أن الحركة استمرت تستنشق من الرئات ذاتها بعد انتهاء ذلك السياق، فعجزت عن إنتاج مشروع سياسي حديث قائم على حسابات الحكم لا على حرارة الشعار.
- يطرح النص سؤالاً فلسفياً وسياسياً محرجاً تتحاشاه أدبيات النقد الفلسطيني: هل يستطيع المقاتل أن يبني دولة عصرية؟ والجواب الذي تقدمه تجارب حركات التحرر في العالم قاسٍ وموحّد؛ فمعظمها حين انتقلت إلى الحكم أنتجت أنظمة استبداد أو فساد أو حروباً داخلية، لأن شرعية النضال لا تتحول آلياً إلى أهلية الحوكمة، وفتح ليست استثناءً، بل هي نموذج هذه القاعدة في أشد صورها فجاجة.
- أما ورقة د. ملحيس، فرغم عمقها التحليلي في تشخيص التحول من منطق الثورة إلى منطق السلطة، فإنها تقع في الفخ الذي تحاول تشخيصه؛ إذ تُعيد إنتاج وهم قابلية الإصلاح بلغة أكاديمية رفيعة. فمقترحها بإعادة توزيع الوظائف بين السلطة والحركة ومنظمة التحرير يفترض أن المستفيدين من الوضع القائم سيُشاركون في تفكيكه، وهو افتراض يفتقر إلى أي سند تاريخي. كما أنها تتجنب مواجهة ما أنتجته فتح طوال ثلاثين عاماً من إدارة السلطة: فساداً بنيوياً، واحتكار تمثيل بلا إنجاز، وتنسيقاً أمنياً مع الاحتلال مقابل امتيازات نخبوية.
- الخلاصة أن الحل لا يكمن في التجديد، بل في الرحيل. فالمطلوب تشكيل حكومة مستقلة عن الفصائل ومنظمة التحرير لمدة خمس سنوات تتولى إدارة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات، فيما تُعيد الفصائل تأهيل ذاتها للتحول إلى أحزاب سياسية برامجية حقيقية تخوض المنافسة على أساس ما تطرحه من رؤى للمستقبل لا على ما تدّعيه من إرث نضالي. ثم تأتي انتخابات حرة تُجدّد التمثيل عبر صندوق الاقتراع لا عبر الوراثة التنظيمية.
- السؤال الذي يجب أن يطرحه المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس "كيف نُجدّد الحركة؟" بل "من أعطانا الحق في الاستمرار؟" والإجابة لا تأتي من داخل قاعات المؤتمر، بل من شعب بات يعرف الجواب ولا يُستشار فيه. الشرعية لا تُورَّث ولا تُستأجر من التاريخ، بل تُكتسب في كل مرحلة من جديد.
محمد مشارقة


=============
 
6- تعليق يحيي بركات على محمد مشارقة

ما تطرحه حادّ… ومهم…
لكن فيه نقطة تحتاج التوقف.
أنت تكتب وكأن المسار حُسم…
وكأن فتح أصبحت حالة منتهية يجب تجاوزها.
بينما الواقع… أكثر تعقيدًا.
فتح اليوم ليست كيانًا واحدًا مستقرًا…
ولا هي أيضًا ثلاثة كيانات منفصلة كما قد يبدو من الخارج.
هي ساحة صراع مفتوح:
بين فتح السلطة…
وفتح التيار الإصلاحي…
وفتح الكادر المغيّب أو المستبعد.
هذا ليس دليل نهاية…
بل دليل أن المعركة لم تُحسم بعد.
حين يُقصى المختلف… لا يختفي.
وحين يُدفع الكادر خارج الإطار… لا يصمت.
بل يبحث عن موقع… ويعيد إنتاج نفسه.
وهنا السؤال ليس: هل انتهت فتح؟
بل: من سيُعيد تعريفها؟
الذهاب مباشرة إلى فكرة “الرحيل”
يقفز فوق هذه الحقيقة:
أن الحركة ما زالت تُنتَزع… من داخلها.
وأن كل هذه الأطراف…
ما زالت تقول إنها فتح.
وهذا يعني أن الصراع ليس على البقاء فقط…
بل على المعنى.
قد نختلف في التقدير…
لكن اختزال المشهد في نهاية حتمية
يُغلق بابًا…
ما زال مفتوحًا في الواقع.
وهنا…
ربما يبدأ النقاش الحقيقي.
يحيى بركات
——————
 
. 7 تعليق خالد عطية على محمد مشارقة

قراءة الأستاذ محمد مشارقة تمثل طرحًا جادًا ومهمًا، خصوصًا في جرأتها على دفع النقاش إلى أقصى حدوده، وطرح خيار القطيعة بدل الإصلاح. وهذه مساهمة ضرورية في نقاش فلسطيني يميل غالبًا إلى إعادة إنتاج نفسه.
لكن، في تقديري، تكمن قوة هذا الطرح في التشخيص، بينما تكمن إشكاليته في الاستنتاج. فهو يلتقط بوضوح أزمة البنية داخل حركة فتح، لكنه يقفز إلى حكم نهائي بعدم قابليتها للإصلاح، وكأنها كتلة مغلقة بلا تناقضات أو إمكانات تحول.
الإشكال هنا ليس في فكرة القطيعة بحد ذاتها، بل في افتراض أن تجاوز البنية يمكن أن يتم خارجها بسهولة، أو أن البدائل يمكن أن تتشكل في فراغ. التجربة الفلسطينية، كما غيرها، لا تشير إلى أن انهيار بنية قائمة يؤدي تلقائيًا إلى ولادة بديل أكثر قدرة، بل قد يفتح المجال لمزيد من التفكك أو لإعادة إنتاج الأزمة بصيغ أخرى .
في المقابل، ما يميز طرح د. غانية ملحيس هو أنه لا ينطلق من وهم الإصلاح السهل، بل من إدراك تعقيد البنية وحدودها، ومحاولة التفكير في مسار تحولي داخلها، دون الوقوع في التبرير أو التسليم بها. أي أنه يتحرك في المساحة الأصعب: بين الاستمرار والقطيعة، لا في أحدهما.
كما أن فكرة “إعادة توزيع الوظائف”، رغم صعوبتها، تبدو أقرب إلى طبيعة الحالة الفلسطينية المركبة، حيث لا يوجد مركز واحد يمكن إسقاطه ببساطة، بل شبكة معقدة من الفواعل والمصالح تجعل أي تحول بالضرورة مسارًا تدريجيًا وصراعيًا.
باختصار، نحن أمام طرحين:
أحدهما يقدّم سؤالًا حادًا مع إجابة حاسمة،
والآخر يفتح السؤال على تعقيده ويحاول مقاربة شروط إمكان الإجابة.
وهذا، في تقديري، هو جوهر النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يُستكمل، لا أن يُحسم سريعًا بإجابات نهائية.

خالد عطية
 
أعلى