تابعت هذا الحوار باهتمام خاص، ربما لأنني لم أتعرف إلى «الطوفان» بعد أن أصبح ثلاث مجلدات موضوعة على طاولة النقاش، بل عشت جانبًا من ولادته سؤالًا بعد سؤال، ومقالًا بعد مقال، وحوارًا امتد بيننا طويلًا، اتفقنا فيه أحيانًا، واختلفت زوايا رؤيتنا أحيانًا أخرى، لكننا كنا نعود دائمًا إلى السؤال الأصعب: ماذا نفعل بما يحدث أمامنا؟
لهذا أرى أن أهمية «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» لا تكمن فقط في أنه يضم 165 مقالًا تلاحق واحدة من أعقد اللحظات في تاريخنا الفلسطيني والعربي الحديث، ولا في أنه يوثق تحولات ثلاث سنوات عاصفة فحسب، وإنما في أنه يحتفظ بحرارة اللحظة التي كُتبت فيها هذه المقالات. نحن لا نقرأ تاريخًا أعيد ترتيبه بعد أن هدأت المعركة وعُرفت نتائجها، بل نقرأ عقلًا يحاول أن يفهم التاريخ وهو يتحرك أمامه. وهذه، في تقديري، قيمة معرفية وتوثيقية كبيرة ستزداد أهميتها كلما ابتعدنا زمنيًا عن الحدث.
لكن ما لفتني أكثر في نصك اليوم هو أنك لم تدافعي عن الكتاب أمام النقد، بل فتحتِ أبوابه له. وهذا مهم؛ لأن الكتاب الذي يريد أن يناقش حدثًا بحجم الطوفان لا يجوز أن يتحول هو نفسه إلى «سردية مغلقة». من حقنا الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة استعمار استيطاني إحلالي، وفي الوقت نفسه من واجبنا أن نسأل عن القرار والتوقيت والأدوات والحسابات والكلفة والنتائج. لا تناقض بين الأمرين. بل أرى أن نضج أي مشروع تحرري يبدأ عندما يصبح قادرًا على الدفاع عن حقه التاريخي، ومراجعة تجربته التاريخية في الوقت نفسه.
وهنا أصل إلى النقطة التي أعتبرها الأهم في الكتاب وفي الحوار الذي دار حوله: الطوفان فتح التاريخ، لكنه لم يصنع بعد المشروع القادر على استثمار هذا الانفتاح.
وهذا فارق جوهري.
فالحدث، مهما كان ضخمًا، لا يصبح مشروعًا سياسيًا بمجرد أنه هزّ العالم. والتضحية، مهما بلغت عظمتها، لا تنتج وحدها استراتيجية. والصمود، مهما كان أسطوريًا، لا يعفينا من سؤال السياسة: من يحمل كل ذلك إلى المستقبل؟
لقد أعاد الطوفان فلسطين إلى مركز العالم، وكشف الوجه الحقيقي لدولة الاحتلال أمام قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي، وعرّى ازدواجية النظام الدولي، وأسقط كثيرًا من اللغة التي أخفت طوال عقود حقيقة الاستعمار الاستيطاني. لكنه في المقابل كشف أيضًا مأزقنا الفلسطيني: لدينا شعب يمتلك قدرة هائلة على التضحية والصمود، بينما لا تزال بنيتنا السياسية أقل كثيرًا من حجم هذا الشعب ومن حجم اللحظة التاريخية التي صنعها.
ولهذا أتوقف طويلًا عند عبارتك: «الفرصة التاريخية تحتاج إلى حامل سياسي».
هنا، في رأيي، يبدأ الكتاب التالي الذي لم يُكتب بعد.
فالحامل السياسي لا يمكن أن يكون مجرد إعادة ترميم للبنية القديمة، ولا مجرد مصالحة بين قيادتين أو فصيلين، ولا إعادة توزيع للمقاعد والمواقع. الحامل الحقيقي يجب أن يعيد الشعب نفسه إلى قلب الفعل السياسي، وأن يعيد تعريف المشروع الوطني: ماذا نريد؟ كيف نصل إليه؟ من يمثل المجتمع؟ كيف تُصنع الشرعية؟ وكيف تتحول المقاومة من فعل ـ مهما بلغت أهميته ـ إلى جزء من استراتيجية وطنية شاملة تتكامل فيها السياسة والمجتمع والثقافة والاقتصاد والمعرفة والمقاومة بأشكالها المختلفة؟
لهذا أرى أن «الطوفان» مهم حتى لمن يختلف مع بعض استنتاجاته. وربما يكون مهمًا له أكثر؛ لأنه لا يقدم للقارئ خبرًا عن 7 أكتوبر، بل يدفعه إلى اتخاذ موقف فكري من مرحلة تاريخية كاملة.
وأعتقد أن أجمل ما خرجتِ به من جلسة عمّان هو الانتقال من الدفاع عن الكتاب إلى مساءلته. فبعد ثلاث مجلدات لم يعد السؤال: هل كان الطوفان حدثًا تاريخيًا؟ لقد أصبح كذلك بالفعل. السؤال الآن: هل يستطيع الفلسطينيون تحويل ما كشفه هذا الحدث، وما دفعوه من أثمان هائلة خلاله، إلى وعي جديد ومشروع جديد وقدرة جديدة على الفعل؟
لقد كتبتِ في الخاتمة أن الطوفان فتح بابًا ولم يكتب الصفحة التالية.
وأضيف من قلب حواراتنا الطويلة: أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُغلق الباب، بل أن يبقى مفتوحًا بينما نعجز نحن عن العبور.
فالتاريخ لا يكافئ الشعوب على حجم تضحياتها وحده، ولا يمنح الانتصارات لمن دفع الثمن الأكبر تلقائيًا. التاريخ يفتح لحظات نادرة يصبح فيها ما كان مستحيلًا بالأمس ممكنًا اليوم. أما تحويل الممكن إلى واقع، فتلك مسؤولية السياسة والوعي والتنظيم والإرادة والمجتمع.
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الأعمق لـ«الطوفان»: ليس كتابًا يطلب منا أن نتفق معه، بل كتاب يضع أمامنا مرآة لمرحلة كاملة، ثم يترك لنا السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
لقد دفع شعبنا ثمن فتح التاريخ... فهل نملك نحن القدرة على كتابة الصفحة التالية؟
محبتي وتقديري د. غانية، لهذا الجهد الفكري الكبير، ولشجاعتك في إبقاء الكتاب والأسئلة معًا مفتوحة للنقد والحوار.
يحيى بركات. كاتب سينمائي
****
يحيى العزيز
قرأت كلماتك بامتنان خاص، فلم تكن فقط شاهدا على تطور «الطوفان» قبل أن يصبح ثلاث مجلدات على طاولة النقاش، بل كنت شريكا في المسار الذي يجعل الفكرة أكثر نضجا كلما تعرضت للاختبار. ولذلك فإن قراءتك تعني لي شيئا مختلفا، فهي تأتي من معرفة قريبة بمسار هذا المشروع الفكري، وبالأسئلة التي حاولت مقاربتها، وبما ظل مفتوحا منها ولم يجد إجابته بعد.
أتفق معك في أن خصوصية كتاب «الطوفان» أنه كان، منذ المقال الأول، يتابع الحدث وهو يتشكل، وقد كنت حريصة على ألا أكتب الحدث بعد أن يستقر في الذاكرة، وإنما أن أكتب وأنا أتابع تحولاته، وأحاول أن أفهم ما يكشفه كل تطور جديد. ولذلك جاءت المقالات محكومة بظرفها الزمني، بما يعنيه ذلك من محدودية الرؤية أحيانا، ومن احتمال الخطأ في التقدير، لكنه يعني أيضا أنها تحفظ شيئا من طريقة التفكير في اللحظة نفسها، قبل أن تعيد النتائج اللاحقة ترتيب فهمنا لها. وربما لهذا أرى أن قيمة الكتاب لا تقتصر على ما يمكن أن يصيب فيه أو يخطئ، وإنما تمتد إلى كونه يسجل كيف كان يمكن قراءة هذه اللحظة التاريخية وهي ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.
وربما كان قبول الكتاب بأن يكون موضوعا للنقد امتدادا طبيعيا لهذا المسار، فالمرحلة التي دخلناها لا تحتمل رواية مغلقة ولا أحكاما نهائية. نحن بحاجة إلى مراجعة شجاعة لما حدث، ليس بهدف إصدار أحكام بأثر رجعي، وإنما لاستخلاص ما يمكن أن يساعد على بناء خيارات أكثر قدرة على التعامل مع المرحلة المقبلة. وفي تقديري، فإن قدرة المشروع التحرري على نقد تجربته ومراجعة خياراته ليست علامة ضعف، وإنما واحدة من أهم شروط قوته واستمراره.
وهذا بالنسبة لي ليس مجرد طريقة في التعامل مع الكتاب، وإنما مبدأ في التعامل مع القضية نفسها أيضا. فالدفاع عن الحق الفلسطيني في مقاومة الاستعمار لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة تمنع النقد، كما أن نقد الخيارات والقرارات والممارسات لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك في أصل هذا الحق. ولهذا حرصت في «الطوفان» على التمييز بين الأمرين، لأنني أرى أن الخلط بينهما يضعف النقاش ولا يخدم القضية.
فانفتاح التاريخ، كما أشرت بحق، لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على توجيه مساره. وهذا هو السؤال الذي أريد أن ينتقل إليه النقاش بعد «الطوفان»: ليس فقط ماذا كشف الحدث وماذا غيّر، وإنما من يمتلك القدرة على تحويل ما كشفه إلى فعل سياسي وتاريخي.
فالطوفان، بما أحدثه من تحولات، أعاد ترتيب موقع فلسطين في المشهد الإقليمي والدولي، وفرض إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت النظر إلى الصراع لعقود، وكشف حدود القوة الإسرائيلية وتناقضات النظام الدولي، كما كشف في الوقت نفسه حجم الفجوة بين قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والتضحية، وبين قدرة بنيته السياسية على استثمار هذه القدرة وتحويلها إلى مشروع وطني.
وهذه النقطة تحديدا أراها امتدادا طبيعيا لما حاولت الوصول إليه في نهاية «الطوفان». فإذا كانت الفرصة التاريخية تحتاج إلى حامل سياسي، فإن الخطوة التالية هي التفكير في طبيعة هذا الحامل، وما الذي ينبغي أن يحمله. ولا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون مجرد إعادة ترتيب للبنية السياسية القائمة أو معالجة بعض اختلالاتها، وإنما تحتاج إلى مراجعة أعمق لمفهوم المشروع الوطني ومرتكزاته، ولعلاقته بالشعب وبالمقاومة وبالسياسة وبالمجتمع.
وهنا تصبح أسئلة الشرعية والتمثيل والقرار الوطني، وكيفية وصل المقاومة بالمشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أسئلة تأسيسية لا تفاصيل لاحقة. فاللحظة التي انفتح فيها التاريخ تفرض، في تقديري، أن نعيد التفكير في الأدوات التي نريد أن نخوض بها المرحلة الجديدة، لا أن نحاول إدارتها بالرؤى والأدوات التي أسهمت في إنتاج عجز المرحلة السابقة.
ولعل قولك إن «الكتاب التالي لم يُكتب بعد» يعبّر بدقة عن هذه النقطة. فأنا لا أتعامل مع «الطوفان» باعتباره خاتمة لهذا المسار، وإنما باعتباره جزءا منه، والأسئلة التي فتحها تتجاوز حدوده، وتحتاج إلى أن تواصل طريقها في البحث والنقاش والمراجعة. وأوافقك في أن أهمية الكتاب لا تتوقف على ما إذا كان القارئ يتفق مع استنتاجاته، وإنما في قدرته على أن يفتح أمامه أسئلة تستحق أن يختلف حولها، وأن يعيد التفكير فيها من زوايا أخرى.
وهذا بالضبط ما كنت أرجوه من «الطوفان»: ألا يكون كتابا يطلب من القارئ أن يتبنى استنتاجاته، وإنما كتابا يدفعه إلى التفكير في المرحلة التي نعيشها، وإلى مساءلة ما حدث وما كشفه وما يمكن أن يترتب عليه. ولذلك فإن انتقال النقاش من الدفاع عن الكتاب إلى مساءلته هو، بالنسبة لي، أهم ما يمكن أن يحدث بعد صدوره.
أما السؤال الذي تطرحه حول قدرة الفلسطينيين على تحويل ما كشفه الطوفان، وما دفعه شعبنا من أثمان هائلة، إلى وعي ومشروع وقدرة على الفعل، فهو يتجاوز الكتاب نفسه، وربما هو السؤال الذي ينبغي أن ينشغل به الفكر والسياسة الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
فالتحدي لم يعد في إدراك حجم التحولات التي أحدثها الحدث، وإنما في امتلاك القدرة على قراءتها وتحويل ما تتيحه من إمكانات إلى فعل سياسي واجتماعي ومؤسسي.
وأقدّر كثيرا أنك التقطت هذا المعنى في خاتمة الكتاب، لأنني لم أقصد بالقول إن الطوفان «فتح بابا» الاحتفاء بالحدث، وإنما أردت التأكيد على أن دلالة ما حدث لا تكتمل بنتائجه المباشرة. وإنما ستتحدد بما سنفعله بعده، وبقدرتنا على تحويل ما انكشف إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى قدرة على الفعل.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أرى أن الحوار حول «الطوفان» يجب أن يبقى مفتوحا، لا بحثا عن قراءة نهائية للحدث، وإنما بحثا عن الأسئلة التي تفرضها المرحلة الجديدة. وما كتبته أنت اليوم يضيف إلى هذه الأسئلة سؤالا لا أملك له إجابة جاهزة: هل نملك القدرة السياسية والفكرية والتنظيمية على تحويل الإمكان التاريخي إلى فعل تاريخي؟
لكنني أعي تماما أنه ليس أمامنا خيار آخر. لقد فتح أهل غزة، بتضحياتهم الجسيمة، للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية وللمكونات الإقليمية الأصيلة بابا لدخول التاريخ، وعلينا جميعا، كفلسطينيين، وكأمة عربية، وكقوى أصيلة في الإقليم، مسؤولية توفير موجبات هذا الدخول
شكرا لك يحيى، على قراءة تجاوزت الكتاب إلى الأسئلة التي أريد أن يبقى مفتوحا عليها، وعلى هذا الحوار الذي كان دائما، بالنسبة لي، جزءا من عملية التفكير نفسها.
محبتي وتقديري
غانية ملحيس