مين كعابنة (ابن البادية) - الديرة طلبت أهلها... ومن عاود على بلاده عاش.

#الديرة طلبت أهلها... ومن عاود على بلاده عاش.
هكذا شعرت وأنا أغادر رام الله عائدا إلى البادية، بعد يومين قضيناهما في رحاب #مؤتمر التحول الرقمي وفعالياته. يومان فقط، لكنها كانت كافية لأن تبدأ رياح الشوق تهب في داخلي؛ فهناك أماكن لا تحتاج إلى طول غياب حتى نشتاق إليها، يكفي أن تبتعد عنها قليلا حتى تشعر أن شيئا منك ما زال هناك، ينتظر عودتك.
وصلت إلى الموقف قرابة الثانية عشرة ظهرا، أبحث عن سيارة تقلني إلى البادية، وكانت سيارات يطا هي الأقرب إلى مرادي؛ فقرب يطا من البادية يجعلها بوابة العبور إليها، وبينهما طريق أعرفه كما أعرف ملامح الوجوه التي ألفتها.
وجدت السيارة، لكن السيارة لم تكن قد وجدت ركابها بعد!
كان فيها راكب واحد، والسائق ينتظر اكتمال العدد. أخذ الركاب يتوافدون قليلا رويدا، حتى بدا لي أن الرحلة نفسها تريد أن تعلمني منذ بدايتها شيئا عن الصبر.
صليت الظهر جماعة مع السائق، وبعد الصلاة قدم لي فنجان قهوة إكراما. كان للفنجان وقع خاص في نفسي؛ فالقهوة عند أهلنا ليست شرابا يعبر الحلق، وإنما لغة من لغات الترحيب والمودة.
فقلت في نفسي: هذا فنجان عهد، ولن أتركه ولو بقيت أياما في هذا الموقف!
جلست بعدها في مقهى الموقف، أطل من نافذته على الشارع. الناس تمضي في كل اتجاه، وكل وجه يحمل قصة لا أعرف منها شيئا. هذا إلى عمله، وذاك إلى بيته، وثالث ينتظر شخصا كما أنتظر أنا مركبتي.
فجاءني خاطر:
كم من هؤلاء مروا في حياتنا دون أن نعرف أنهم كانوا جزءا من حكايتنا؟
قد يكون هذا صديقا لصديق، وذاك أخا لرجل أعرفه، وثالث جمعني به مجلس أو طريق ثم افترقنا قبل أن نكتشف الخيط الذي يصل بيننا.
وهنا تدرك أن الناس ليسوا جُزرا متباعدة كما نظن؛ ثمة خيوط خفية تصل بعضنا ببعض، لكننا لا نرى إلا القليل منها.
حتى المحلات المتلاصقة على جانبي الطريق بدت لي كلوحة من الحياة؛ أبواب تفتح على أرزاق، ووجوه تدخل وتخرج، وحكايات تبدأ وتنتهي دون أن نعرف عنها شيئا.
ثم أخذت أراقب الحافلات وهي تمضي، فتذكرت الإبل.
تلك الإبل التي تمشي في الطريق الوعر بهدوء، لا تستفزها وعورة الأرض، ولا يحملها القلق على أن تفقد اتزانها. خطوة وراء خطوة، حتى تبلغ غايتها.
فقلت في نفسي:
ولماذا أنا مستعجل؟
ستأتي السيارة، وسنركب، وسنمضي، وسنصل.
وهكذا، بدلا من أن أعد الدقائق التي تأخرت، بدأت أرى الدقائق التي منحتني فرصة للتأمل. فالإنسان أحيانا يحتاج إلى ساعة لا يفعل فيها شيئا، حتى يرى أشياء كان يمر عنها كل يوم ولا يراها.
لقد اعتدنا أن نقيس الوقت بما أنجزناه، فنظن أن الساعة التي لم نعمل فيها قد ضاعت. لكن بعض الساعات لا تأتي للعمل، وإنما تأتي لنرى.
نرى الناس.
نرى الطريق.
ونرى أنفسنا.
وفي قرابة الساعة الثانية اكتملت المقاعد، وتحركت مركبتنا أخيرا.
وكان شوفيرنا من عائلة كريمة من يطا، يتميز بخفة الروح وروح الفكاهة. وما إن بدأ الحديث حتى شعرت أن الطريق، رغم بعده وحواجزه وأزماته، قد قصر.
وهنا استوقفتني فكرة:
لعل سائقي السيارات من أكثر الناس احتكاكا بثقافات المجتمع وطباع الناس.
فهم يتحركون باستمرار، ويلتقون كل يوم بوجوه جديدة، ويسمعون حكايات الركاب، ويرون اختلاف الناس والأمكنة. والحركة توسع مدارك الإنسان؛ فالماء الجاري يبقى زلالا متجددا، أما الراكد فيفقد شيئا من صفائه.
وكذلك الإنسان؛ كلما تحرك، ورأى، وسمع، واختلط بالناس، اتسعت نافذة نظره إلى الحياة.
وفي أثناء الحديث قال لي السائق جملة توقفت عندها طويلا:
«أنا سائق سيارة منذ أربعين سنة وثلاثة أشهر».
لم أتوقف عند الرقم وحده، بل عند ما وراء الرقم.
أربعون عاما وثلاثة أشهر من الطرق، والركاب، والصباحات، والمواقف، والحكايات. أربعون عاما أمضاها الرجل في مهنته؛ أخذت من شبابه، ورافقته في كبره، حتى صار العمل جزءا من سيرته، لا مجرد وسيلة للرزق.
وفي ذلك معنى نفتقده أحيانا: أن يحب الإنسان عمله، وأن ينتمي إليه، وأن يبقى وفيا له حتى يصبح جزءا من ذاكرته وهويته.
والأجمل أنه، بعد كل هذه السنين، ما زال يحمل المهنة بخفة الروح نفسها؛ وكأن السنين لم تثقل كاهله، وإنما زادته خبرة وحكايات.
ومضى الطريق.
وكلما ابتعدنا عن يطا واقتربنا من البادية، كان شيء في داخلي يستعيد عافيته. فالغريب أن المسافر قد يكون متعبا جسدا، لكنه حين يقترب من المكان الذي ينتمي إليه يشعر أن التعب يتراجع وحده.
وصلت إلى البيت قرابة الساعة السابعة مساء.
كان الطريق طويلا، وفيه من الحواجز والأزمات ما يكفي لأن يثقل على المسافر، لكنني وصلت وأنا في حيوية ونشاط، لا أشعر أن الساعات التي قضيتها في المركبة قد أنهكتني.
وعندها أدركت أن الطريق لا يتعبنا بطوله وحده؛ وإنما بمن يرافقنا فيه.
إذا كان الرفيق مريحا، خفيف الروح، طيب الحديث، مر الطريق ولو طال. وإذا كان ثقيلا على النفس، فقد تصبح أقصر المسافات أطول من عمرها.
ولعلها قاعدة لا تخص السفر وحده، بل الحياة كلها:
ليست العبرة دائما بطول الطريق، وإنما بمن يمشي معك فيه.
وحين وضعت قدمي في أرض البادية، شعرت أنني لم أعد من رام الله إلى البيت فحسب؛ بل عدت إلى شيء أعمق: إلى المكان الذي يشبهني، وإلى الوجوه التي أعرفها، وإلى هدوء الديرة بعد ضجيج المدينة.
وهنا صدق من قال:
«الديرة طلبت أهلها».
فبعض الأمكنة لا نسكنها فقط، بل تسكننا.
ومنها نتعلم أن الطريق لا ينبغي أن يختصر دائما، وأن الانتظار ليس ضياعا، وأن القهوة قد تكون بداية حديث، وأن السائق قد يحمل من ثقافة الطريق ما لا تحمله بعض الكتب، وأن الرفيق الطيب يستطيع أن يجعل من المسافة الطويلة مجلسا، ومن الطريق حكاية.
وأخيرا، فهمت معنى تلك العبارة التي ظلت ترافقني من أول الرحلة إلى آخرها:
«ومن عاود على بلاده عاش».
فليست العودة إلى الديرة مجرد وصول إلى مكان؛ إنها عودة الروح إلى موضعها.
ومضيت إلى بيتي، وقد أخذت من الطريق أكثر مما كنت أظن:
فنجان قهوة، ووجوها عابرة، وحديث سائق أمضى أربعين عاما وثلاثة أشهر خلف المقود، وفكرة عن الإنسان والحركة، ودرس في الصبر، ويقينا جديدا بأن أجمل الطرق ليست بالضرورة أقصرها...
بل تلك التي نصل في نهايتها إلى المكان الذي تنادينا روحه منذ غادرناه.

تعليقات

غالية ملحيس


الصديق العزيز أمين ما استوقفني في هذه التأملات أن «العودة» عندك ليست مجرد انتقال من رام الله إلى البادية، بل تبدو كأنها عودة إلى طبقة أعمق من الذات، إلى مكان لا يُستعاد بالجغرافيا وحدها، وإنما بالذاكرة وما تختزنه من إحساس بالانتماء والزمن. ولعل أجمل ما فيها تلك المفارقة التي تنشأ بين عالمين: رام الله بما تمثله من حركة ومؤتمر وحديث عن التحول الرقمي والمستقبل، والبادية بما تستدعيه من هدوء وجذور وذاكرة ومكان. لكنك لا تضعهما في مواجهة مباشرة، بل تتركهما يتجاوران داخل التجربة الإنسانية نفسها. وكأن السؤال يصبح: كيف يمكن للإنسان أن يمضي إلى المستقبل دون أن يفقد صلته بالمكان الذي جاء منه؟ وهنا أظن أن قيمة النص تتجاوز حكايته الظاهرة. فأنت لا تكتب عن المكان بقدر ما تكتب عن أثر المكان فينا، ولا عن الطريق بقدر ما تكتب عن المعنى الذي قد ينكشف لنا أثناء الطريق. ولذلك تصبح العودة نفسها فعلا للتأمل، لا مجرد حركة في الجغرافيا. واستوقفني أيضا تأملك في السائق وعلاقته بمهنته. فهذا التفصيل الصغير في ظاهره يفتح بابا أوسع للتأمل في الإنسان وعلاقته بما يفعل كل يوم. لم يكن السائق بالنسبة لك مجرد شخص يؤدي وظيفة، بل بدا جزءا من الحكاية ومن الطريق نفسه، يحمل خبرة متراكمة بالمكان والناس والمسافات. وفي زمن تُختزل فيه المهن أحيانا إلى أرقام وأدوار وظيفية، تذكّرنا هذه الالتفاتة بأن وراء كل مهنة إنسانا يصوغ مع الزمن علاقة خاصة بما يقوم به، وأن العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل يمكن أن يصبح معرفة بالمكان، وفهما للناس، وشكلا من أشكال الانتماء. وربما هنا تتجلى إحدى نقاط قوة النص: قدرته على التقاط تفاصيل يمر بها كثيرون دون انتباه، ثم تحويلها إلى نافذة للتفكير في معنى أوسع، معنى الطريق والعمل والعلاقات الإنسانية التي تتشكل في المسافات اليومية العابرة. ولفتني كذلك أنك لم تجعل من العودة تمرينا على الحنين إلى الماضي، بل جعلتها محاولة لفهم ما الذي يبقى من الماضي في حاضرنا، وما الذي نحتاجه من جذورنا ونحن ننفتح على عالم يتغير بسرعة. وربما لهذا تبدو الجملة الأخيرة في المقال أكثر من خاتمة، إنها تلخص معنى العودة كما قرأتها في المقال: ليست كل الطرق التي تقودنا إلى الأمكنة هي التي نبحث عنها، فبعض الطرق تقودنا أولا إلى أنفسنا. لهذا لم أقرأ النص بوصفه انطباعا عن رحلة، وإنما بوصفه تأملا في المكان والذاكرة والزمن، وفي تلك العلاقة الغامضة بين الإنسان والأمكنة التي يظن أنه غادرها، بينما تظل مقيمة فيه.


*****



تعليق عواد ابو زينة الحمد لله على السلامة عزيزي.

كتابتك عن المكان والطريق والسفر والرفيق مثيرة للاهتمام وللتساؤلات التي تثيرها وللتامل والتفكير والمناقشة لو كانت المجالس ممكنة لان البدو يقولون: العيون مغارف الكلام، للربط ما بين ما تسمع الأذن وما يصاحب الكلام من لغة البدن وما يفهم منها. ولكن علينا أن نقبل بالممكن ما دام المأمول موقوفا ولو إلى حين. لدى التوانسة قول شائع على لسان الجمل الذي كان بصمت يشاهد عرسا: لماذا لم تشارك في الرقص. يرد الجمل: "في الرأس شطيح كتير ولكن الرُّكٓب خايبة". ذلك حالي مع رحلتك من رام الله عبر يطا إلى البادية التي وقفت فيها عند مزيج متعدد من صور الحياة وما وراءها. 'في الراس شطيح كتير لكن الرُّكب خايبة. كل كلمة كتبنها منذ انطلاقتك من رام الله الى حيث وصلت جعلت من كل انسان ومن كل معلم ومن كل مشهد حياة حية ناطقة متحركة مصورة بعناية لتثير التامل والدرس وجعلت منها اختبارا للحياة وخيوطها الممتدة زمانا ومكانا. ورحلتك اثارت من الذاكرة ما بمكن ان أصفه بمعني له معنى. معنى المعنى، فقد عاد بي الزمن الى اكثر من نصف قرن حين كنت طالبا في الجامعة وكان احد اساتذتها من يطا، رحمه الله. رجل ضخم البنية، رجل كانت توحي لنا صخامة جسمه وخشونة صوته انه رجل جبلي بنته الطرق الوعرة في جبالها ووديانها ومتطلبات الخطاب فكان صوته خشنا واضح الخشونة عالي النبرة. يهمس فتظنه يرعد. . وكان رحمه الله قد تخصص في علم الصوتيات في بريطانيا وكان يعلمها لطلاب اللعة الانجليزية وكان آخر عهدي به حين كان يحاول مع رئاسة الجامعة الأردنية تاسيس مركز للصوتيات او اللسانيات في تلك الجامعة في اواخر ثمانينيات القرن الماضي، ولم اعرف لابتعادي بعد ذلك لاعمل في مكان بعيد، إن كان قد نجح في اقناع رئيس الجامعة بتأسيس المركز او لا، خاصة وان ذلك الرئيس كان قابض اليد ان تعلق الامر بالصرف على شأن اكاديمي. تلك الذاكرة اسنعادتها ذاكرتي وانا اراك تتحدث عن يطا ومن فيها وما فيها والذي لفت انتباهك وفكرك فيها، ذاكرة تكونت في ذهني من خيال ربط بين استاذ الصوتيات خشن الصوت وتخصصه وتدريسه حين كنا نحن العفاريت الذين لم يدرسوا المادة عنده نتساءل: هل فعلا ينطق الانجليز حروفهم كما ينطقها هذا اليطاوي وهو ينسب نفسه إلى يطا باللغة الانجليزية بنطق استحي أن أكتبه هنا؟ وهل تشبه أصوات الانجليز صوته؟ وهل تشبه يطا بريطانيا في شيء؟ هذا بعض الشطيح في الراس الذي اثارتة قطعة ولقطة فصيرة من رحلتك. في الرأس شطيح كتير لعل احدها الخيوط المرئية واللامرئبة التي تربطنا بالناس وبالامكنة وحتى بالازمنة والاحداث التي قد تتصل بنا او غير متصلة مباشرة. في الراس من مقالتك شطيح كتير ولكن الركب خايبة. هل اكتب عن هيمنة الطريق والبادية والمسير والسفر وتاملاته في كتابانك التي اطلعت عليها، وما اطلعت عليه قليل، ودلالات كل ذلك وألغازه والغوص وراءه لأصل الى البادية وابواب بيوتها المشرعة وفضاءاتها المفتوحة على الافاف والبعيدة لأطل على صوت المهباش يزعرد مرحبا باي طارق من بعيد او قريب ؟ ولو وقفت عند التفاصيل هنا وعند عشقك منقطع النظير وعند شوقك للبادية. شوق طفل بريء لأمه لقضيت بوما او بعض يوم وانا أكتب. ربما أستطيع أن ازعم بمعرفني عن اسرار شوقك البادية. هل سأكتب عن البادية التي صنعت فيك ذلك الشغف للكتابة والعناية بالتفاصيل والغوص فيما وراء السطح، ام أكتب عن الشبق للتساؤول والتعمق في الانسان والمكان؟ انت لست في البادية بل هي فيك "نحن من لحم بلادي وهي فينا". في الرأس شطيح كتير بس الركب خايبة. هل اكتب عن اسلوبك الجذاب وعن لغتك العذبة ام عن مفردانك المنتقاة لتعبر عن شخصية امتلكت ناصية اللغة فانطلقت الجمل سلسة على سجيتها طبيعية من دون صنعة او تكلف تغوص وراء المرئيات الى الاعماق خالصة من لغة الفلاسفة وتعفيداتها وان حملت افكارهم وتاملاتهم. في الرأس شطيح كتير لكن الركب خايبة ولان الركب خايبة اتوقف هنا والحمد لله على السلامة وتوفيقا من الله

*****




تعليق غانية ملحيس على تعليق عواد


Awwad Abu-Zaineh الصديق العزيز عواد أظن أنك لم تترك لأمين كثيرا مما يمكن أن يقال بعد هذا التعليق، لكنك فتحت له، في المقابل، أبوابا كثيرة لما يمكن أن يُكتب لاحقا. استوقفتني خصوصا عبارتك: «لست في البادية بل هي فيك». أظن أنها تلتقط شيئا جوهريا في كتابته. فالذي يقرأ نصوص أمين يكتشف تدريجيا أن البادية عنده ليست مجرد مكان يعود إليه، وإنما ذاكرة وطريقة في النظر إلى الإنسان والطريق والزمن والحياة. والأجمل أنك التقطت أيضا الخيط الذي يتكرر في كتاباته: الطريق، والمسير، والسفر، والانتظار، والعودة. وربما تكون هذه الثيمة الأوسع التي يمكن أن تجمع كثيرا من تأملاته، بحيث لا تعود البادية موضوعا للكتابة بقدر ما تصبح فضاء تتشكل فيه أسئلته عن الإنسان. أما عبارتك الطريفة والعميقة في آن: «في الرأس شطيح كتير، لكن الركب خايبة»، فقد وجدت فيها تلخيصا دقيقا لما فعلته كتابة أمين بك وبنا نحن القراء. فنص قصير عن رحلة عادية من رام الله إلى البادية استطاع أن يستدعي كل هذا العدد من الذكريات والأسئلة والخيوط التي تصل الإنسان بالمكان والزمن وبأناس ربما لم يلتق بهم أصلا. وهذا، في رأيي، أحد أجمل ما يمكن أن يحققه النص الأدبي: أن يبدأ من تفصيل صغير، ثم يفتح في ذهن القارئ مساحات لا تخطر له أثناء القراءة الأولى. وأظن أن أجمل ما يمكن أن يحصل عليه كاتب في بدايات تجربته هو أن يجد قارئا لا يكتفي بالإعجاب بالنص، بل يقرأه من داخله، ثم يفتح له أبوابا لم ينتبه إليها وهو يكتبه. ولعل هذا ما فعلته قراءتك هنا، لم تكتف بأن ترى ما كتبه أمين، بل رددت إليه نصه محملا بذكرياتك وأسئلتك وخبرتك، وأضفت إليه طبقة جديدة من المعنى. ونحن محظوظون أيضا بأن «المهاتر» لم تتوقف عند حدود النص الأول، بل بدأت تستدعي قراءات أخرى أكثر اتساعا. أما الركب الخايبة، فأظن أن من واجب أمين أن يترك لنا شيئا من «الشطيح» الذي في رأسك، وأن يواصل الكتابة حتى نعرف إلى أين يمكن أن تقودنا كل هذه الخيوط. دمتَ صديقا وقارئا لا يكتفي بأن يرى النص، بل يرى ما يمكن أن يولد منه.


***

رد عواد على غانية

Ghania Malhees الدكتورة غانية العزيزة تعجز كلماتي عن الشكر لهذا الاطراء غير المسبوق ولم احظ به من فبل واعتبره وسام شرف لي من استاذة نبيلة وقارئة مميزة صاحبة حضور فكري عميق. يطربني النص الصادق الطبيعي والعميق الذي يفتح باب الأسئلة غير المصنع . تقديري واحترامي مصحوبا بأطيب الامنيات


******

ردي على عواد

Awwad Abu-Zaineh الصديق العزيز عواد لا أظن أن ما كتبته كان إطراء بقدر ما كان اعترافا بقراءة مميزة تستحق التقدير. وأنت تعرف أن القارئ الحقيقي لا يكتفي بأن يقول للكاتب «أحسنت»، بل يضيف إلى النص سؤالا أو معنى أو نافذة جديدة، وهذا بالضبط ما فعلته في قراءتك لنص أمين. وأظن أن أجمل ما في تعليقك أنك لم تقرأ البادية بوصفها مكانا، ولا الطريق بوصفه مجرد رحلة، وإنما حاولت أن ترى ما وراءهما، وأن تربط النص بذاكرة المكان والإنسان والزمن. أما وصفك لي بـ«الأستاذة النبيلة» فهو كرم من كاتب مرموق أقدّره كثيرا ، لكنني أكتفي بأن أكون قارئة تحب النص حين يكون صادقا،ويستحق أن يُقرأ بعمق. تقديري الكبير لك، ودمت بهذا الحس الجميل الذي يجعل من القراءة نفسها كتابة أخرى

مودتي وتقديري
 
أعلى