محمود سلطان - القاضية المستشارة د. نهى الزيني... روائية وقاصة وكاتبة مقال صحفي

القاضية المستشارة د. نهى الزيني ـ هي روائية وقاصة وكاتبة مقال صحفي ـ يبدو لي أن ما تكتبه، لا يبعد كثيرًا عن هيبة القاضي وحكمته وتعففه عن الثرثرة.
الزيني "مقلة" في إنتاجها كأنها مستغرقة في نظر قضية حساسة من العبث إصدار حكم "سريع" بشأنها.
الكتابة عندها "حُكمُ" بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالة ومغزى، وليس ترفًا أو ما يدعيه البعض "متعة الكتابة".
في عام 2019 تعرضت الزيني لحملة صحفية قاسية، بعدما صدرت روايتها "بلا وطن" والتي قدمت فيها بانوراما شائقة ومفارقة لعلم الاجتماع السياسي المتكلس داخل الكهنوت الجامعي الأسمنتي والخرساني.
الحملة على الزيني زعمت أن الرواية وثَّقت تحيزها الأيديولوجي لصالح أحد أطراف الصراع على السلطة منذ سقوط الملكية وإلى ما بعد ثورة يناير.
أظنُّ أن بعدها حُجبت الرواية في صمتٍ وبلا ضجيج ـ بطريقة ناعمة ـ عن الأسواق المصرية، فيما وجدت متسعًا لها في المكتبات العربية كما علمتُ من أصدقاء لي يعملون في المملكة العربية السعودية.
منذ أيام صدر لـ"الزيني" مجموعتها القصصية "كلبٌ يقطف الزهور" عن دار الشروق المصرية. لفت انتباهي الإهداء المثقل بحمولة حزينة ومؤلمة من الحكمة يمنح معنىً آخر للموت : "متى نموت؟ وهل نموت عندما تتوقف قلوبنا.. ؟!"
تقول الزيني: "بل حين لا نجد لنا مكانًا في الذاكرة. وذيلتها بـ" من وصايا الأرواح التي لم تدفن".
لخصت من خلالها الإهداء.. إلى كلِّ غزاوي ينتظر دوره كهدف في ميدان رماية عدو همجي وبربري لا يعرف للإنسان حرمة ولا كرامة.
أذكر أنني كتبتُ على غلاف مجموعتي القصصية الثالثة "رأيتُ أميرًا سلجوقيًا": أنني درست الموسيقى ـ قبل عملي بالصحافة محترفًا ـ واكتشفتُ خلال سنوات عملي أن الجملة المكتوبة مثل الجملة الموسيقية لا أكتبها إلا إذا شعرت بإحساسها نسقًا ومعمارًا وجمالاً. واستقر في رأيي أن أية ممارسة كتابية تخلو من جمال اللغة ـ هي عندي ـ مثل براد حفظ جثث الموتى.
وكان البنيوي الفرنسي "رولان بارت ـ توفي عام 1980 " يقول: "السلطة متعددة مثل الشياطين".. كنت أقرأ عبارته ثم أضحك: فليست بالضرورة هي سلطة الغطرسة عند السياسيين.. وإنما أيضا سلطة الإبهارعند الشعراء والأدباء والصحفيين.

جمال اللغة من جهة، وسلطة الإبهار من جهة أخرى، ظفرت بهما وأنا أطالع المجموعة القصصية لـ نهى الزنيني.
الزيني كأنها كانت هناك. مع مَنْ تحت الأنقاض. تسمع صراخ الأطفال. ووقع الهرولة واستغاثات المُسعفين وصراخ المصابين ومَنْ بين الموت والموت.
التفاصيل كاملة بلغة مختزلة دقيقة. سطور مكتوبة ولكنها تضجُ بالحركة نسمع من خلالها أزيز طائرات الموت وأصوات القنابل وانهيار المباني ومشاهد الهروب من الجحيم.
الزيني كانت في القاهرة، ولكنها كانت هناك بروحها الشفافة توثق المأساة وكأنها إحدى الناجيات. تتأمل بذهول تفاصيل ما جرى بدقة كأي فلسطيني قضى عامين وهو تحت القصف الذي لم ينقطع لحظة:
"لا أحد سوى الركام وبعض القطط الجائعة التي ضلت طريق النزوح وأشجار تشبه العجائز تنحني كلما هبت ريح المسيرات"
عندما قرأت "كلب يقطف الزهور" تذكرت الروائية ومعلمة الكتابة الإبداعية "جين آش وورث" التي وصفت القصة القصيرة بأنها تجربة مختلفة وإنها جرعة مركزة، . يكمن سر قوتها في الإيجاز والاختصار. وأنه يجب أن يكون كل شيءٍ على الصفحة دقيقاً ومدروساً، لأن كل شيء مترابط.
وفي رأيي ـ وفي رأي من جرب التجربتين (القصة القصيرة والرواية) ـ أن نصف المتعة تكمن في التحدي؛ فلا شيء يضاهي متعة حشر فكرة مثيرة، وصراع، وخاتمة في صفحات قليلة.
لهذا السبب عاد العديد من الكُتّاب المرموقين، مثل ستيفن كينغ وسالي روني، إلى كتابة القصص القصيرة مرارًا وتكرارًا - فإتمام قصة قصيرة يُعد إنجازًا مُثيرًا، حتى بالنسبة للروائي كما تقول القاصة الأمريكية سافانا كوردوفا.
تأمل معي تجسيد هذه التقنية بشكل مذهل في مجموعة نهي الزيني في "يوميات حرب الإبادة":
صباح العيد تقابل الجاران:
ـ "عيدُك صمود"
ـ "عيدُك شهادة"
في المقطع الذي يليه :
في الصفحة الاولى من دفتره المدرسي كتب الإسم "آدم"
في الصفحة الثانية : "العمر خمس حروب"
في الصفحة الثالثة.. سقطت قذيفة.

عندما قرأت هذه المقاطع وقع في ظني أن محمود دريش لم يترك من بعده من يحمل جينات نزعته الإنسانية بكل ما فيها من براعة تخطف القلوب خطفًا، غير نهى الزيني. تقول الأخيرة:
في المنظمة الدولية:
وقفوا دقيقة صمت احترامًا للضحايا..
ثم استخدموا الفيتو ليستمر الصمت مائة عام.

تقول " كارين مكارثي وولف" وهي محكمة مسابقات شعرية: إن علاقة "قصيدة النثر" بالسرد مثيرة للاهتمام. إذا أردتَ كتابة قصيدة سردية - ذات بداية ووسط ونهاية، ضمن قواعد البنية السردية - فمن غير المرجح أن تكون قصيدة نثرية. سيكون من الأفضل لك كتابة قصة قصيرة جداً. فشكل القصيدة النثرية لا يُستخدم لغرض سردي.
بيد أن نهى الزيني، صممت مبنى إبداعيا "احتج" ـ بدون قصد ـ على هذا القاعدة التي أرستها "وولف". ويبدو أن موضوع قصص الزيني "مأساة غزة" استدعت روح الشعر بعفوية تتسق مع المشهد بكل ما خلفه من زعزعة ثقة العالم في إنسانيته .
لذا اكتست نصوص الزيني بما يشبه قصيدة النثر بل إني أزعم بأنها تفوقت بدون قصد على كل من احترف كتابة هذا النوع من الشعر بمن فيهم الآباء المؤسسون ، مثل شارل بودلير (1821-1867) الذي "سد نفسي" على هذا النمط منذ قرأت قصيدته "كن ثملاً".
تقول الزيني:
"صباح عيد غزة.. يشبه الليل
كأن الشمس تخشى النهوض
وحين تُشرق لن تشرق على مدينة
بل على أطلال."

وتقول في موضع آخر:
في كل بلاد الدنيا يأتي العيد .. ويعود.
أما في غزة فالعيد ينُتزع ويقاوم
وتبقى الصلاةُ .. وإن علي انقاض جامع صيحة حياة
ارتفعوا فوق الانقاض
ومن قلب الدمار تعالى صوت صبي يافع " الله أكبر الله أكبر"
فجاوبته عشرات الحناجر تهز الركام..
كأنها القيامة من بعد الموت
ومن بعيد أقبل طفل صغير.. مهرولاً
بفردة حذاء وحيدة وجدها وسط الردم
نفض عنها التراب ووضعها في قدمه اليمنى..
ثم انطلق يعدو نحو المصلين صائحًا بنبراته الرقيقة:
"استنوني.. بدي صلي".
تسخر الزيني ببراعة من تبلد المشاعر واستخفافها وبالجلود التي فقدت إحساسها رغم بشاعة ما ينقل على الهواء مباشرة :
"بثٌ حي من غزة..
طفلة تبحث عن أمها تحت الركام
وفي الشريط الإخباري أسفل الشاشة:
"طقس معتدل في نهاية الأسبوع .. مناسبٌ للنزهات".. !!

لا شك في أن نصوص "الزيني" تغري على الإطالة .. غير أني أعلم أن الإنترنت خصم كثيرًا من صبر القارئ على أن يطالع المقالات الطويلة . فيبقى أن أشير ـ هنا ـ إلى أن مجموعة الزيني القصصية تستحق جائزة إقليمية وعالمية عن جدارة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى