يحيى بركات - من يملك باب الأمم المتحدة؟ إذا أغلقت واشنطن نيويورك أمام فلسطين… فلتذهب الجمعية العامة إلى جنيف

مرة أخرى تقف الولايات المتحدة على باب الأمم المتحدة، لا بوصفها دولة تستضيف منظمة دولية يفترض أن تكون ملكًا للعالم، بل كأنها تملك الباب ومن يعبر منه.

قررت واشنطن تمديد القيود على منح التأشيرات لمسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، بما يحول، للعام الثاني على التوالي، دون وصول الرئيس محمود عباس إلى نيويورك للمشاركة شخصيًا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى فصلًا آخر في العلاقة المتوترة بين القيادة الفلسطينية والإدارة الأميركية.

لكنه أكبر من ذلك بكثير.

لأن السؤال ليس: هل يستطيع محمود عباس دخول الولايات المتحدة؟

السؤال هو:

هل تستطيع الولايات المتحدة أن تقرر من يستطيع الوصول إلى الأمم المتحدة؟

هنا ربما علينا ألا ننظر إلى الأمام، بل أن ندير الكاميرا إلى الخلف قليلًا.

ثمانية وثلاثون عامًا.

نيويورك، 1988.

رفضت إدارة الرئيس رونالد ريغان منح ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة كي يخاطب الجمعية العامة.

وكان يمكن أن تنتهي الحكاية كما تنتهي حكايات كثيرة: احتجاج فلسطيني، بيانات عربية، تعبير عن الأسف، ثم البحث عن وسيلة أخرى لإيصال صوت عرفات إلى العالم.

لكن الأمم المتحدة فعلت شيئًا آخر.

قالت الجمعية العامة للدولة المضيفة إن عليها احترام التزاماتها.

وفي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1988 أصدرت القرار 43/48، وطالبت الولايات المتحدة بإعادة النظر في قرارها والتراجع عنه.

لم يكن التصويت هامشيًا.

151 دولة قالت نعم.

دولتان فقط قالتا لا: الولايات المتحدة وإسرائيل.

وامتنعت دولة واحدة.

لكن واشنطن لم تتراجع.

وهنا تغير المشهد.

عادت الجمعية العامة واجتمعت.

هذه المرة لم تقف طويلًا أمام الباب الأميركي المغلق.

اتخذت قرارها هي.

بموجب القرار 43/49 قررت الجمعية العامة أن تبحث «قضية فلسطين» في مكتب الأمم المتحدة في جنيف، بين 13 و15 كانون الأول/ديسمبر 1988.

وصوتت 154 دولة لمصلحة القرار.

دولتان ضده.

وامتناع واحد.

كانت الفكرة في منتهى البساطة، وفي منتهى القوة:

إذا منعتم عرفات من الوصول إلى الجمعية العامة، فستذهب الجمعية العامة إلى المكان الذي يستطيع عرفات الوصول إليه.

وفي الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر تغير المكان.

الكاميرا لم تعد في نيويورك.

جنيف.

قصر الأمم.

هناك وقف ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وتحدث إلى العالم.

لم يعد المكان مجرد قاعة.

أصبح جزءًا من الخطاب.

واليوم، بعد ثمانية وثلاثين عامًا، تعود الصورة بطريقة تكاد تكون أكثر غرابة.

رئيس فلسطين ممنوع مرة أخرى من الوصول إلى نيويورك.

ومن المبررات الأميركية المعلنة للقيود المفروضة على القيادة الفلسطينية اعتراض واشنطن على تحركات فلسطينية دولية، بما فيها اللجوء إلى المؤسسات والمحاكم الدولية والسعي إلى تدويل القضية خارج إطار المفاوضات المباشرة.

تأملوا المفارقة.

يقال للفلسطيني: اذهب إلى السياسة بدل القوة.

فيذهب إلى الأمم المتحدة.

فيقال له: عد إلى المفاوضات.

يذهب إلى محكمة العدل الدولية.

فيقال له: لا تدوّل الصراع.

يذهب إلى المحكمة الجنائية الدولية طالبًا المساءلة.

فيُعاقب.

يسعى إلى اعتراف دول العالم بدولة فلسطين.

فيُعاقب.

ثم يريد رئيسه أن يصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ليخاطب العالم.

فيُمنع من التأشيرة.

فأي طريق بقي للفلسطيني حتى يطالب بحقه؟

والمفارقة تصبح أشد قسوة عندما يكون من يستطيع الوصول إلى نيويورك والوقوف على منبر الأمم المتحدة رئيس حكومة صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، بينما يُمنع رئيس فلسطين من الوصول إلى القاعة، ومن بين ما تؤاخذ عليه واشنطن قيادته الفلسطينية أنها لجأت إلى المؤسسات الدولية نفسها.

لكن القضية هنا لا ينبغي أن تبقى احتجاجًا فلسطينيًا على قرار أميركي.

لأن التاريخ وضع أمامنا طريقًا آخر.

الغريب أن الفلسطينيين موجودون هذه الأيام في جنيف أصلًا.

بعثة دولة فلسطين لدى الأمم المتحدة شاركت، إلى جانب جنوب أفريقيا وماليزيا، في فعالية حول «وقف التواطؤ وضمان المساءلة»، تناقش مسؤوليات الدول تجاه استمرار الوضع غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، انطلاقًا من الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024.

أي أن جنيف موجودة أمامنا في الصورة.

والتاريخ موجود.

والسابقة موجودة.

والأمم المتحدة موجودة.

فلماذا نقبل هذه المرة أن تتحول فلسطين إلى صورة على شاشة؟

إذا أصرت الولايات المتحدة على منع رئيس فلسطين من الوصول إلى نيويورك، فلتطلب دولة فلسطين رسميًا من الجمعية العامة أن تفعل ما فعلته عام 1988.

أن تعيد فتح السابقة.

43/49.

وأن تنقل بحث قضية فلسطين إلى جنيف.

ليس احتجاجًا رمزيًا.

وليس مؤتمرًا فلسطينيًا موازيًا للأمم المتحدة.

بل جلسة للجمعية العامة نفسها، كما حدث قبل ثمانية وثلاثين عامًا.

وهنا تبدأ الصورة التي تستحق أن يراها العالم.

في نيويورك، تهبط طائرة بنيامين نتنياهو.

يتحرك الموكب في شوارع المدينة.

تغلق الطرق.

يدخل مقر الأمم المتحدة.

ويمشي نحو المنبر.

وفي مكان آخر من العالم تهبط طائرة الرئيس الفلسطيني في جنيف.

لا شاشة.

لا كلمة مسجلة.

لا رئيس يظهر من بعيد على جدار القاعة.

يدخل قصر الأمم.

وخلفه علم فلسطين.

ثم تبدأ الطائرات بالهبوط تباعًا.

وزراء خارجية.

رؤساء وفود.

ممثلون عن دول العالم.

تتحرك الكاميرا بين نيويورك وجنيف.

نتنياهو يقف على منبر الأمم المتحدة في نيويورك.

ورئيس فلسطين يقف أمام الجمعية العامة في جنيف.

هناك، الدولة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة سمحت للأول بالدخول ومنعت الثاني.

وهنا، دول العالم جاءت لتسمع من مُنع من الوصول إليها.

عندها لن يعود منع التأشيرة خلافًا صغيرًا بين واشنطن ورام الله.

ولن تبقى الحكاية: هل حصل محمود عباس على تأشيرة أم لم يحصل عليها؟

ستصبح القضية أكبر بكثير:

من يملك باب الأمم المتحدة؟

الولايات المتحدة؟

أم الدول التي صنعت هذه المنظمة؟

ومن يقرر من يتحدث أمام العالم؟

الدولة التي يقع المبنى فوق أرضها؟

أم الجمعية العامة التي يمثل أعضاؤها العالم؟

المسألة هنا لا تتعلق بمحمود عباس وحده.

ولا حتى بفلسطين وحدها.

غدًا يأتي رئيس آخر لفلسطين، وتبقى المسألة كما هي.

إنها تتعلق بحق دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة في الوصول إلى المنظمة، وبحق الأمم المتحدة نفسها في أن تسمع من تريد أن تسمعه دون أن تتحول تأشيرة الدولة المضيفة إلى مفتاح للمنبر الدولي.

ولهذا لا ينبغي أن يكون نقل الجلسة إلى جنيف حركة احتجاجية أو استعراضية.

فلتذهب فلسطين إلى جنيف وهي تحمل ملفها كله.

غزة.

الضفة الغربية.

القدس.

الاستيطان.

الأسرى والمعتقلين.

الأموال الفلسطينية المحتجزة.

قرارات الأمم المتحدة التي لم تنفذ.

وملفات المحاكم الدولية التي يعاقب الفلسطيني لأنه لجأ إليها.

وليقف رئيس فلسطين هناك ليقول للعالم إن شعبًا قَبِل خطة دولية لوقف الحرب في غزة رغم إجحافها بحقه، ثم شاهد الاحتلال ينفذ منها ما يريد ويترك ما يريد.

وليضع أمام العالم قرار مجلس الأمن الذي أقر تلك الخطة ويسأل:

أين قراركم؟

أين الدول التي أيدته؟

وأين الذين تعهدوا بضمانه؟

وليضع أمام العالم أيضًا ما يجري في الضفة الغربية: أرض تستولى عليها المستوطنات، وبيوت تحرق، وأشجار زيتون تقطع، وفلاحون يعتدى عليهم، وقرى تعيش تحت الخوف فيما يقف جيش الاحتلال حاضرًا بقوته وسلاحه.

وليقل للعالم إن الطريق إلى الدولة لا يبدأ بنزع سلاح شعب فيما جيش الاحتلال ما يزال فوق أرضه.

يبدأ بإنهاء الاحتلال.

وعندما ينسحب الاحتلال، وتقوم الدولة الفلسطينية بسيادتها، ويختار الفلسطينيون قيادتهم بإرادتهم، يصبح للدولة قانون واحد وسلطة واحدة وسلاح شرعي واحد.

وليحمل إلى جنيف أيضًا موعد الانتخابات الفلسطينية.

وليطلب من الأمم المتحدة والعالم ضمان حق الفلسطينيين في اختيار قيادتهم وممثليهم بحرية، وضمان ألا يستطيع الاحتلال منع المرشحين أو الناخبين أو المراقبين أو إغلاق مراكز الاقتراع، وألا تُستثنى القدس أو غزة من حق الفلسطيني في صندوق الاقتراع.

وليقل لشعبه من هناك:

اختاروا من تريدون.

حاسبوا من تريدون.

وغيّروا من تريدون.

فالشرعية لا يمنحها رئيس، ولا فصيل، ولا دولة أجنبية.

الشرعية يمنحها الشعب.

عندها لن تكون جنيف مكانًا بديلًا عن نيويورك فقط.

ستصبح المنبر الذي تضع فلسطين فوقه ملفها كاملًا أمام العالم.

وتصبح الصورة الأخيرة للمقال صورتين في وقت واحد.

نيويورك.

وجنيف.

في نيويورك يقف نتنياهو على المنبر.

وفي جنيف يقف رئيس فلسطين أمام دول العالم.

تبتعد الكاميرا قليلًا.

لم يعد السؤال من منهما يتحدث من المبنى الأشهر.

ولا أي مدينة انتصرت على الأخرى.

السؤال أصبح أكبر من الرجلين ومن المدينتين:

هل الأمم المتحدة هي المبنى القائم في نيويورك، أم الدول التي صنعت الأمم المتحدة؟

عام 1988 أعطت الجمعية العامة جوابها.

عندما أغلقت واشنطن الباب أمام ياسر عرفات، لم ينته الطريق عند الباب.

انتقلت الجمعية العامة إلى جنيف.

بعد ثمانية وثلاثين عامًا، ربما يكفي أن تفتح فلسطين ذلك الملف القديم.

43/49.

تنفض عنه غبار الأرشيف.

وتضعه من جديد على طاولة العالم.

ثم تقول:

إذا أغلقتم نيويورك أمام فلسطين… فسنلتقي في جنيف.

يحيى بركات
17/9/2026



FB_IMG_1789644291173.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى