بعض الأسماء تبقى أسماء، وبعضها مع الأيام يتحول إلى معنى.
ومنذ مدة وأنا أتأمل في اسم الزويدين؛ اسم عشيرتي التي أنتمي إليها وأعتز بها، وأسأل نفسي: هل الاسم مجرد علامة نتوارثها، أم أن الناس مع مرور الزمن يمنحونه شيئا من صفاتهم، حتى يصبح للاسم معنى يتجاوز حروفه؟
#كيف نشأ الاسم؟ #ومن أين جاء؟ #ولماذا بقي حاضرا بين الأجيال؟
لا أملك رواية تاريخية موثقة أجزم بها في أصل تسمية الزويدين، ولا أريد أن أضع حكاية في مقام الحقيقة. لكنني أملك شيئا آخر: المعايشة.
#أنا ابن هذه العشيرة. عشت بين أهلها، وعرفت رجالها، وشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، ورأيتهم في العمل والواجب والفزعة، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تسجلها الكتب، لكنها تبقى في ذاكرة من عاشها.
#وبعد شيء من التعمق والتدقيق في أحوال أبناء الزويدين، ومراجعة ما عايشته بينهم من طباع ومواقف، وجدت أن للاسم نصيبا من أهله، وأن لأهله نصيبا من الاسم؛ فالاسم قد يبدأ حكاية، لكن الناس هم الذين يمنحونه معناه مع الأيام.
فإذا كان في اسم #الزويدين معنى الزيادة، فإنني أجد في أهله ما يجعلني أتوقف عند هذه الزيادة: زيادة في الهمة، والحركة، والمبادرة، والعمل، والإنجاز.
وأكثر ما يلفتني فيهم أن هناك قاعدة تكاد تكون حاضرة في حياتهم، وإن لم يجلس أحد ليكتبها أو يعلقها على جدار:
#لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.
هذه عندي ليست مجرد حكمة تقال، وإنما سلوك تراه في تفاصيل الحياة.
#راقب الزويديني وهو يعمل، ستجد أنه لا يحب أن يرى المهمة واقفة أمامه طويلا. إذا حضر وقت العمل عمل، وإذا حضرت الحاجة تحرك، وإذا جاء الواجب بادر إليه.
حتى مشي بعضهم له حكايته؛ يمشي وكأن وراءه موعدا لا يريد أن يتأخر عنه. لا أدري أهو استعجال أم عادة، لكنني أعرف شيئا واحدا: أن القوم لا يحبون أن تبقى الأمور واقفة.
وهذه السرعة ليست دائما سرعة أقدام، بل سرعة استجابة.
خذ العزاء مثلا.
إذا وقع مصاب، تجد أبناء الزويدين من أوائل الواصلين. وقد يصل بعضهم قبل أن يبدأ أهل المتوفى في تجهيز المكان، فيبدأون هم بتجهيز بيت العزاء، وبناء البركسات، وترتيب المكان، وإعداد ما يلزم لاستقبال الناس.
وكأن لسان حالهم يقول:
«أنتم أهل المصاب، ونحن أهل الواجب.»
#وهنا تصبح السرعة شيئا أكبر من سرعة الحركة؛ تصبح فزعة، وشهامة، وشعورا بأن الواجب لا يحتاج إلى دعوة.
#أن تصل قبل أن يطلب منك، وأن ترى ما يحتاجه صاحب المصاب فتقوم به، تلك في نظري إحدى أجمل صور الفزعة.
وفي الأعراس يظهر الطبع نفسه، ولكن في وجه الفرح.
تبدأ التحضيرات، فيتحرك الناس: تجهيز، وذبح، وطهي، واستقبال، وضيافة، ثم تنتهي الوليمة في وقت مبكر.
#قد ينتهي الغداء مع صلاة الظهر أو قبلها، وقد ينتهي العشاء قبيل المغرب بساعة...
ولا يعني ذلك أن الفرح ناقص، ولا أن الكرم قليل؛ بل ربما كان المعنى مختلفا: الفرح عندهم لا يعطل الحياة، والكرم لا يعني تعطيل الوقت.
يفرحون، ويكرمون، ويؤدون واجبهم، ثم يعودون إلى ما عليهم.
حتى مشوار المدينة له حكايته.
والقول الشعبي الذي يختصر كثيرا من هذا السلوك:
«من #سرى باع واشترى.»
يخرج الرجل لقضاء حاجته، ينجز ما ذهب من أجله، ثم يعود.
لا يذهب ليقتل الوقت، بل ليقضي أمرا.
وهذه الروح ليست بعيدة عن طبيعة الحياة في البادية.
فالحياة هنا لم تكن حياة انتظار. للأرض مواسمها، وللمطر وقته، وللمواشي حاجاتها، وللعمل ساعته. وما كان يؤجل بالأمس قد لا يبقى متاحا للغد.
من عاش هذه الحياة يتعلم، من حيث لا يشعر، أن الوقت ليس شيئا فائضا، وأن المبادرة ليست ترفا، بل حاجة.
فالذي يراقب المطر، ويتابع الأرض، ويرعى الماشية، ويعرف أن الموسم إذا مضى لا يعود، يتعلم أن يقول لنفسه: افعلها اليوم.
ولعل هذا ما يفسر جانبا من طباع أبناء الزويدين؛ فالبيئة لا تصنع الإنسان وحدها، لكنها تترك في عاداته شيئا منها.
#ومع ذلك، لا أريد أن أجعل السرعة فضيلة في كل شيء.
فالسرعة في العمل جميلة، أما السرعة في الحكم على الناس فقد تكون ظلما.
والسرعة في إنجاز الواجب محمودة، أما السرعة في اتخاذ القرار فقد تورث الندم.
#لذلك أرى أن أجمل ما يمكن أن نورثه أبناءنا من هذه الخصلة هو أن يعرفوا الفرق بين سرعة الحركة وبطء الحكم:
أن نسرع إلى الخير، ونتأنى في الخصومة.
أن نبادر إلى الواجب، ونتريث في القرار.
أن ننجز العمل بسرعة، لكن لا نحكم على الإنسان من موقف عابر.
فهنا تتحول الصفة من عادة عشائرية إلى معنى إنساني.
#ولست أقول إن #الزويدين وحدهم أهل همة، ولا إن هذه الصفات حكر عليهم. لكل عشيرة وقرية من قرى البادية خصالها الجميلة، ولكل جماعة ما يميزها.
#لكنني أكتب عن #الزويدين لأنني واحد منهم، ولأنني لا أكتب عن شيء سمعته من بعيد، بل عن شيء رأيته وعشته.
#أكتب عن رجل رأيته في عزاء قبل أن يطلب منه أحد، وعن رجال رأيتهم في الأعراس ينجزون واجبهم ثم يمضون إلى أعمالهم، وعن رجل خرج إلى المدينة فقال فيه المثل: «من سرى باع واشترى»، وعن أناس لا يطيب لهم أن تبقى المهمة معلقة أمامهم.
#ومن هنا بدأت أفهم الاسم بطريقة مختلفة.
قد لا أملك وثيقة تاريخية تقول إن تسمية الزويدين جاءت من صفة الزيادة التي أراها اليوم في أهلها، ولا يصح أن أخلط بين أصل الاسم وتأويله.
لكنني أستطيع أن أقول إن الناس مع الزمن قد يمنحون أسماءهم معاني جديدة.
#تتكرر المواقف، وتتراكم الصفات، وتتشكل الذاكرة الشعبية، فيصبح الاسم مرتبطا بصورة معينة في أذهان الناس.
#وهنا يصبح الاسم أكثر من تعريف.
يصبح ذاكرة، وتصبح الذاكرة صفة، وتصبح الصفة جزءا من الحكاية.
#وربما كانت «الزيادة» التي أراها في الزويدين اليوم ليست زيادة في العدد ولا في المال ولا في شيء مادي، وإنما في الهمة، والحضور، والمبادرة، وإنجاز ما ينبغي إنجازه.
#وهنا أعود إلى السؤال الأول:
#هل يصنع الاسم صفات أهله؟
لا أدري.
#لكنني أعرف أن أهله يستطيعون أن يصنعوا للاسم معنى.
#ولهذا أقول:
للاسم نصيب من أهله، ولأهله نصيب من الاسم.
هذه عشيرتي التي أفتخر بها؛ #الزويدين.
لا أضعها فوق غيرها، ولا أراها أفضل من سائر عشائر البادية، فلكل عشيرة مجدها وخصالها وحكاياتها.
لكنني أقول ما عشته وعرفته:
إنهم قوم لا يحبون أن تبقى الأمور واقفة.
ومن البادية، حيث تعلمنا أن الأرض لا تعطي الكسول، وأن الفرصة لا تنتظر المتردد، وأن بعض الأعمال إذا لم تفعلها اليوم فات وقتها..
سلام على الزويدين، أهل الهمة والعمل والإنجاز.
وربما اختصرت الحكاية كلها في هذه الجملة..
الزويدين... حين يصبح الاسم صفة..
ومنذ مدة وأنا أتأمل في اسم الزويدين؛ اسم عشيرتي التي أنتمي إليها وأعتز بها، وأسأل نفسي: هل الاسم مجرد علامة نتوارثها، أم أن الناس مع مرور الزمن يمنحونه شيئا من صفاتهم، حتى يصبح للاسم معنى يتجاوز حروفه؟
#كيف نشأ الاسم؟ #ومن أين جاء؟ #ولماذا بقي حاضرا بين الأجيال؟
لا أملك رواية تاريخية موثقة أجزم بها في أصل تسمية الزويدين، ولا أريد أن أضع حكاية في مقام الحقيقة. لكنني أملك شيئا آخر: المعايشة.
#أنا ابن هذه العشيرة. عشت بين أهلها، وعرفت رجالها، وشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، ورأيتهم في العمل والواجب والفزعة، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تسجلها الكتب، لكنها تبقى في ذاكرة من عاشها.
#وبعد شيء من التعمق والتدقيق في أحوال أبناء الزويدين، ومراجعة ما عايشته بينهم من طباع ومواقف، وجدت أن للاسم نصيبا من أهله، وأن لأهله نصيبا من الاسم؛ فالاسم قد يبدأ حكاية، لكن الناس هم الذين يمنحونه معناه مع الأيام.
فإذا كان في اسم #الزويدين معنى الزيادة، فإنني أجد في أهله ما يجعلني أتوقف عند هذه الزيادة: زيادة في الهمة، والحركة، والمبادرة، والعمل، والإنجاز.
وأكثر ما يلفتني فيهم أن هناك قاعدة تكاد تكون حاضرة في حياتهم، وإن لم يجلس أحد ليكتبها أو يعلقها على جدار:
#لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.
هذه عندي ليست مجرد حكمة تقال، وإنما سلوك تراه في تفاصيل الحياة.
#راقب الزويديني وهو يعمل، ستجد أنه لا يحب أن يرى المهمة واقفة أمامه طويلا. إذا حضر وقت العمل عمل، وإذا حضرت الحاجة تحرك، وإذا جاء الواجب بادر إليه.
حتى مشي بعضهم له حكايته؛ يمشي وكأن وراءه موعدا لا يريد أن يتأخر عنه. لا أدري أهو استعجال أم عادة، لكنني أعرف شيئا واحدا: أن القوم لا يحبون أن تبقى الأمور واقفة.
وهذه السرعة ليست دائما سرعة أقدام، بل سرعة استجابة.
خذ العزاء مثلا.
إذا وقع مصاب، تجد أبناء الزويدين من أوائل الواصلين. وقد يصل بعضهم قبل أن يبدأ أهل المتوفى في تجهيز المكان، فيبدأون هم بتجهيز بيت العزاء، وبناء البركسات، وترتيب المكان، وإعداد ما يلزم لاستقبال الناس.
وكأن لسان حالهم يقول:
«أنتم أهل المصاب، ونحن أهل الواجب.»
#وهنا تصبح السرعة شيئا أكبر من سرعة الحركة؛ تصبح فزعة، وشهامة، وشعورا بأن الواجب لا يحتاج إلى دعوة.
#أن تصل قبل أن يطلب منك، وأن ترى ما يحتاجه صاحب المصاب فتقوم به، تلك في نظري إحدى أجمل صور الفزعة.
وفي الأعراس يظهر الطبع نفسه، ولكن في وجه الفرح.
تبدأ التحضيرات، فيتحرك الناس: تجهيز، وذبح، وطهي، واستقبال، وضيافة، ثم تنتهي الوليمة في وقت مبكر.
#قد ينتهي الغداء مع صلاة الظهر أو قبلها، وقد ينتهي العشاء قبيل المغرب بساعة...
ولا يعني ذلك أن الفرح ناقص، ولا أن الكرم قليل؛ بل ربما كان المعنى مختلفا: الفرح عندهم لا يعطل الحياة، والكرم لا يعني تعطيل الوقت.
يفرحون، ويكرمون، ويؤدون واجبهم، ثم يعودون إلى ما عليهم.
حتى مشوار المدينة له حكايته.
والقول الشعبي الذي يختصر كثيرا من هذا السلوك:
«من #سرى باع واشترى.»
يخرج الرجل لقضاء حاجته، ينجز ما ذهب من أجله، ثم يعود.
لا يذهب ليقتل الوقت، بل ليقضي أمرا.
وهذه الروح ليست بعيدة عن طبيعة الحياة في البادية.
فالحياة هنا لم تكن حياة انتظار. للأرض مواسمها، وللمطر وقته، وللمواشي حاجاتها، وللعمل ساعته. وما كان يؤجل بالأمس قد لا يبقى متاحا للغد.
من عاش هذه الحياة يتعلم، من حيث لا يشعر، أن الوقت ليس شيئا فائضا، وأن المبادرة ليست ترفا، بل حاجة.
فالذي يراقب المطر، ويتابع الأرض، ويرعى الماشية، ويعرف أن الموسم إذا مضى لا يعود، يتعلم أن يقول لنفسه: افعلها اليوم.
ولعل هذا ما يفسر جانبا من طباع أبناء الزويدين؛ فالبيئة لا تصنع الإنسان وحدها، لكنها تترك في عاداته شيئا منها.
#ومع ذلك، لا أريد أن أجعل السرعة فضيلة في كل شيء.
فالسرعة في العمل جميلة، أما السرعة في الحكم على الناس فقد تكون ظلما.
والسرعة في إنجاز الواجب محمودة، أما السرعة في اتخاذ القرار فقد تورث الندم.
#لذلك أرى أن أجمل ما يمكن أن نورثه أبناءنا من هذه الخصلة هو أن يعرفوا الفرق بين سرعة الحركة وبطء الحكم:
أن نسرع إلى الخير، ونتأنى في الخصومة.
أن نبادر إلى الواجب، ونتريث في القرار.
أن ننجز العمل بسرعة، لكن لا نحكم على الإنسان من موقف عابر.
فهنا تتحول الصفة من عادة عشائرية إلى معنى إنساني.
#ولست أقول إن #الزويدين وحدهم أهل همة، ولا إن هذه الصفات حكر عليهم. لكل عشيرة وقرية من قرى البادية خصالها الجميلة، ولكل جماعة ما يميزها.
#لكنني أكتب عن #الزويدين لأنني واحد منهم، ولأنني لا أكتب عن شيء سمعته من بعيد، بل عن شيء رأيته وعشته.
#أكتب عن رجل رأيته في عزاء قبل أن يطلب منه أحد، وعن رجال رأيتهم في الأعراس ينجزون واجبهم ثم يمضون إلى أعمالهم، وعن رجل خرج إلى المدينة فقال فيه المثل: «من سرى باع واشترى»، وعن أناس لا يطيب لهم أن تبقى المهمة معلقة أمامهم.
#ومن هنا بدأت أفهم الاسم بطريقة مختلفة.
قد لا أملك وثيقة تاريخية تقول إن تسمية الزويدين جاءت من صفة الزيادة التي أراها اليوم في أهلها، ولا يصح أن أخلط بين أصل الاسم وتأويله.
لكنني أستطيع أن أقول إن الناس مع الزمن قد يمنحون أسماءهم معاني جديدة.
#تتكرر المواقف، وتتراكم الصفات، وتتشكل الذاكرة الشعبية، فيصبح الاسم مرتبطا بصورة معينة في أذهان الناس.
#وهنا يصبح الاسم أكثر من تعريف.
يصبح ذاكرة، وتصبح الذاكرة صفة، وتصبح الصفة جزءا من الحكاية.
#وربما كانت «الزيادة» التي أراها في الزويدين اليوم ليست زيادة في العدد ولا في المال ولا في شيء مادي، وإنما في الهمة، والحضور، والمبادرة، وإنجاز ما ينبغي إنجازه.
#وهنا أعود إلى السؤال الأول:
#هل يصنع الاسم صفات أهله؟
لا أدري.
#لكنني أعرف أن أهله يستطيعون أن يصنعوا للاسم معنى.
#ولهذا أقول:
للاسم نصيب من أهله، ولأهله نصيب من الاسم.
هذه عشيرتي التي أفتخر بها؛ #الزويدين.
لا أضعها فوق غيرها، ولا أراها أفضل من سائر عشائر البادية، فلكل عشيرة مجدها وخصالها وحكاياتها.
لكنني أقول ما عشته وعرفته:
إنهم قوم لا يحبون أن تبقى الأمور واقفة.
ومن البادية، حيث تعلمنا أن الأرض لا تعطي الكسول، وأن الفرصة لا تنتظر المتردد، وأن بعض الأعمال إذا لم تفعلها اليوم فات وقتها..
سلام على الزويدين، أهل الهمة والعمل والإنجاز.
وربما اختصرت الحكاية كلها في هذه الجملة..
الزويدين... حين يصبح الاسم صفة..