غانية ملحيس - من الإعاقة البنيوية إلى الفاعلية داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة د. إياد البرغوثي حول الدولة العربية

ملخص تنفيذي

يقدم هذا المقال قراءة نقدية تفكيكية لأطروحة الدكتور إياد البرغوثي حول تحول «الإعاقة البنيوية» إلى «إعاقة وظيفية» في الدولة العربية القطرية، بهدف الانتقال بالنقاش من التوصيف لضعف الدولة إلى تفكيك البنية التأسيسية التي أتاحت، في بعض الحالات، تحول الضعف إلى وظيفة سياسية تخدم بقاء الأنظمة، متجاوزا اختزال العلاقة في صيغ مبسطة كـ «نائب الفاعل».
يرى المقال أن النخب والأنظمة يمارسون «فاعلية داخل البنية» عبر التكيف مع القيود وتطوير شبكات مصالح، والاستناد إلى ترتيبات ريعية تفصل السلطة نسبيا عن دافعي الضرائب والمجتمع.
ولتجاوز مخاطر حصر التحليل في لحظة التأسيس الاستعماري، يُدخل المقال معيار «القدرة الوطنية التراكمية» لاختبار الأطروحة نقديا، مميزا بين مسارين تاريخيين للضعف العربي:
1. إنتاج الضعف الوظيفي: أنظمة ترى في القوة خطرا على بقائها فتسيّس الضعف وتديره.
2. فشل تراكم القدرة: أنظمة سعت (كالتجارب الناصرية والبعثية) لبناء قدرات مادية وعسكرية وتنموية، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى قوة تاريخية مستدامة، بفعل تداخل الاستبداد وتهميش المجتمع والصراعات القومية والبينية والضغوط الإقليمية والدولية، إلى جانب عجز المؤسسات عن تحويل هذه القدرات إلى قدرة مستمرة ومتجددة.
يخلص المقال إلى أن «اختطاف الدولة» لا يُعالج بتغيير السلطة مع إبقاء المجتمع خارج عملية الإنتاج السياسي، بل بتحول المجتمع من «مفعول به» يُدار إلى «فاعل» يشارك في تعريف المصلحة الوطنية وتوجيه السلطة عبر بناء اقتصاد منتج وأطر ومؤسسات وسيطة ومجال عام مستقل.
وبذلك، فإن الانتقال التاريخي الحقيقي لا يعني الهروب من البنية التاريخية الموروثة، بل امتلاك القدرة التراكمية المشتركة بين الدولة والمجتمع لإعادة تشكيلها من الداخل.


المقال الكامل: من الإعاقة البنيوية إلى الفاعلية داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة د. إياد البرغوثي حول الدولة العربية

يحاول الدكتور إياد البرغوثي في مقاله «الدولة العربية: من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية» الانتقال بالنقاش حول الدولة العربية من توصيف الضعف والهشاشة والتبعية إلى البحث في البنية التي أنتجت هذه الحالات، ثم في الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الضعف من حالة تاريخية إلى وظيفة سياسية تخدم بقاء النظام.
وتكمن أهمية هذه الأطروحة في أنها تصل مقاله السابق «النظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تُعَوَّم الكرامة» بمقاله الجديد. ففي المقال الأول يطرح البرغوثي سؤالا منهجيا حول احتمال أن يكون النظام العربي لا «يفشل» في إنتاج القوة، وإنما يعيد تعريف مصلحته بطريقة تجعل الضعف المنضبط والتبعية والعلاقات الخارجية جزءا من شروط بقائه. وفي المقال الثاني ينقل هذا السؤال إلى مستوى أعمق: إذا كان الضعف قد أصبح وظيفة، فما الذي حدث في اللحظة التي تأسست فيها الدولة نفسها وجعل انتقال الإعاقة من حالة بنيوية إلى وظيفة سياسية ممكنا؟
هذه النقلة مهمة؛ لأنها تجعل السؤال لا يتعلق فقط بما تفعله الأنظمة، وإنما بكيفية تشكل الدولة وعلاقتها بالمجتمع والأمة والخارج، وبالكيفية التي تحدد بها هذه العلاقات مجال الفعل السياسي وحدوده.
ومع ذلك، فإنني أرى أن أطروحة البرغوثي تحتاج إلى توسيع من زاويتين مترابطتين: الأولى تتعلق بطبيعة البنية التي نشأت داخلها الدولة،
والثانية تتعلق بموقع النظام والنخب والمجتمع داخل هذه البنية.
كما أن اختبار الأطروحة على نماذج عربية مختلفة يكشف أن العلاقة بين الضعف والقوة أكثر تعقيدا من أن تختزل في نموذج واحد.

أولًا: من «نائب الفاعل» إلى «الفاعل داخل البنية»
في مقاله السابق استخدم البرغوثي صورة «نائب الفاعل» لوصف موقع النظام العربي في علاقته بالقوى الكبرى. وكانت الفكرة أن النظام يقدم نفسه بوصفه فاعلا أصيلا، بينما قد يكون في الواقع يتحرك ضمن مجال تحدده قوى خارجية أكبر، فيتحول الفاعل الخارجي إلى فاعل مستتر، والنظام إلى فاعل ظاهر أو «نائب فاعل»، فيما يقع المجتمع في موقع المفعول به.
أما في مقاله الجديد، فيذهب البرغوثي خطوة أبعد، فيربط هذه الوضعية بلحظة نشأة الدولة العربية نفسها، ويرى أن الدولة القطرية ولدت في سياق اختل فيه موقع الأطراف منذ البداية: الخارج يحدد الملامح العامة، والنظام يتولى إدارة الدولة، والمجتمع يبقى خارج عملية التأسيس، بينما تتراجع الأمة إلى موقع خارج الفعل السياسي.
أجد في هذه الصورة قوة تفسيرية كبيرة، لكنني أتحفظ على تحويلها إلى علاقة ثنائية بسيطة بين فاعل خارجي ونظام محلي تابع.
فالنظام والنخب كما أشرت في قراءتي لمقاله السابق «من نائب الفاعل إلى فاعل داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة الدكتور إياد البرغوثي حول جدلية القوة والضعف في النظام العربي» ليسوا بالضرورة مجرد «نواب فاعلين». إنهم فاعلون بالفعل، لكنهم يمارسون فاعليتهم داخل بنية تاريخية لم يصنعوها وحدهم، وتحدد في الوقت نفسه شروط حركتهم ومجالات مصالحهم وحدودها. وهنا يصبح الفرق جوهريا.
فإذا كان النظام مجرد نائب عن فاعل خارجي، فإن تفسير سلوكه ينتهي تقريبا عند اكتشاف «الفاعل الأصلي». أما إذا كان النظام فاعلا داخل بنية، فإننا نحتاج إلى فهم كيف يتكيف مع هذه البنية، وكيف يستفيد منها، وكيف يعيد إنتاجها، وأحيانا كيف يحاول تعديلها أو تجاوزها. وهذا لا يعفيه من المسؤولية، بل يجعل المسؤولية أكثر تعقيدا. فالفاعل الذي يعمل داخل بنية يستطيع أن يختار، وأن يناور، وأن يبني مصالح، وأن يحول القيود الموروثة إلى مصادر قوة بالنسبة إليه.
ومن هنا أرى أن الانتقال من مفهوم «نائب الفاعل» إلى مفهوم «الفاعل داخل البنية» يسمح بقراءة أكثر تركيبا للدولة والنظام والنخب.
والسؤال المقابل يصبح: إذا كان النظام والنخب فاعلين داخل البنية، فمن هو المفعول به؟ هنا يحتل المجتمع موقعا مركزيا في التحليل.

ثانيًا: الدولة العربية ليست مجرد «أوسلو» موسعة
يضع البرغوثي اتفاق أوسلو في مركز تفسيره لنشأة الدولة العربية، باعتباره نموذجا راهنا يمكن من خلاله رؤية آلية تأسيس كيان سياسي عبر اتفاق بين قوة خارجية ونخبة محلية، مع تغييب المجتمع الذي يفترض أنه صاحب الحق.
لا شك أن أوسلو يقدم حالة شديدة الأهمية لفهم العلاقة بين قوة استعمارية، ونخبة محلية، وسلطة تنشأ في ظل اختلال هائل في ميزان القوة.
لكن إسقاط نموذج أوسلو مباشرة على نشأة الدول العربية القطرية يحتاج، في تقديري، إلى قدر كبير من التحفظ. فالاختلاف هنا ليس تفصيليا، وإنما يتعلق بطبيعة العملية التاريخية نفسها.
جاء أوسلو في سياق صراع على الأرض والسيادة والوجود بين المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في فلسطين وبين منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل السياسي للشعب الفلسطيني، وفي ظل اختلال هائل في ميزان القوة.
أما نشأة الدول العربية القطرية فكانت جزءا من عملية أوسع لإعادة هندسة المنطقة العربية بعد انهيار الدولة العثمانية وتفكك المجال السياسي الذي كان قائما قبل الحرب العالمية الأولى.
كانت العملية الاستعمارية هنا إعادة تشكيل للعلاقات بين شعوب ومجتمعات أصيلة عبر إعادة تنظيم الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والمجتمع والقانون والأمن، وإنتاج كيانات سياسية جديدة داخل نظام إقليمي أعيد بناؤه وفق موازين القوة الاستعمارية.
أوسلو يمكن أن يكون «عدسة» لفهم بعض آليات العلاقة بين الخارج والسلطة، لكنه لا يكفي بوصفه النموذج التأسيسي للدولة العربية القطرية.
وهذا التمييز مهم حتى لا نفقد أحد عناصر التحليل الأساسية: أن الدولة العربية لم تُنشأ ببساطة بواسطة اتفاق منفرد بين مستعمر ونخبة، وإنما تبلورت داخل عملية تاريخية طويلة من إعادة هندسة المجال العربي والإقليمي، ثم أعيد إنتاجها بعد الاستقلال بواسطة الدول والأنظمة والمصالح والمؤسسات التي نشأت داخلها.

ثالثًا: الدولة القطرية بين إعادة الهندسة الاستعمارية والفاعلية المحلية
نشأت الدولة العربية الحديثة، في عدد كبير من الحالات، داخل بنية استعمارية أعادت رسم المجال السياسي والجغرافي للمنطقة، وقسمته إلى وحدات سياسية منفصلة، وأعادت تنظيم علاقات الاقتصاد والمجتمع والأمن والقانون والحدود. ولم تقتصر هذه الهندسة على الحدود والبيروقراطية، بل شملت إرساء بنية اقتصادية تابعة أو ريعية تفصل موارد الدولة عن قدرتها الانتاجية، وعن مجتمع دافعي الضرائب، مما منح السلطة هامشا أوسع للاستغناء عن المجتمع وتعزيز بقائها.
لكن هذا لا يعني أن كل ما حدث بعد ذلك كان مجرد تنفيذ آلي لمخطط خارجي.
فالكيانات التي نشأت داخل هذا المعمار اكتسبت بمرور الوقت مؤسساتها وجيوشها وبيروقراطياتها وطبقاتها ومصالحها ونخبها، وأصبحت لها ديناميات داخلية لا يمكن تفسيرها بالكامل بالعودة إلى لحظة التأسيس. وهنا تظهر أهمية التمييز بين البنية الموروثة وإعادة إنتاجها.
فالاستقلال لم يكن بالضرورة قطيعة كاملة مع البنية التي سبقته، لكنه لم يكن أيضا مجرد استمرار ميكانيكي لها. ففي حالات عديدة تحولت إدارة البنية الاستعمارية إلى إدارة وطنية، ثم بدأت القوى المحلية نفسها بإعادة إنتاج أجزاء منها، وأحيانا تعديلها بما يتناسب مع مصالحها. وهذا هو المجال الذي تظهر فيه الفاعلية السياسية للنظام والنخب.
ومن هنا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من أنشأ الدولة؟ بل أيضا: ماذا فعل الفاعلون المحليون بالدولة التي ورثوها؟
وهل أعادوا تعريف وظائفها؟ وهل وسعوا قدرتها؟ وهل دمجوها بالمجتمع؟ وهل استخدموا مؤسساتها لبناء قدرة وطنية مستقلة؟ أم أصبح استمرار البنية الموروثة مصلحة لبعض القوى التي تشكلت داخلها؟

رابعًا: مشروع الشريف حسين والمفارقة القومية
وهنا يحتاج تفسير نشأة الدولة العربية أيضا إلى قدر من الحذر عند الحديث عن «المشروع العربي» الذي هُزم وحلّت الدولة القطرية مكانه.
فالثورة العربية الكبرى ومشروع الشريف حسين بن علي جاءا في سياق تفكك الدولة العثمانية والحرب العالمية الأولى، وتقاطعت أهداف الشريف الخاصة في إقامة كيان عربي واسع تحت قيادته مع أهداف القوى الغربية التي كانت تعمل على تفكيك الدولة العثمانية وإعادة ترتيب المشرق.
ومن ثم لا يصح التعامل مع مشروع الشريف حسين بن علي بوصفه ببساطة التعبير المكتمل عن مشروع قومي عربي كان يسعى إلى إقامة دولة قومية عربية حديثة على النموذج الأوروبي ثم أجهضه الاستعمار.
كان المشروع جزءا من تفاعل أكثر تعقيدا بين طموح سياسي محلي، وصراع إمبراطوري، وتفكك عثماني، وتدخل بريطاني وفرنسي، وصعود أفكار قومية عربية لم تكن قد اكتسبت بعد شكل المشروع السياسي الموحد الذي ستأخذه لاحقا.
وهذا التمييز مهم؛ لأنه يسمح لنا بفهم نشأة الدولة القطرية باعتبارها نتيجة تفاعل بين التفكك العثماني والتدخل الاستعماري والتفاعلات العربية الداخلية، وليس مجرد إحلال خارجي لدول مصطنعة مكان دولة عربية قومية مكتملة المشروع. وبذلك تصبح العلاقة بين الأمة والدولة أكثر تركيبا مما توحي به الثنائية المباشرة بين «أمة موجودة» و«دولة استعمارية مفروضة».

خامسًا: من لحظة التأسيس إلى قرن من التاريخ
ربما يكون التحفظ الأهم على أطروحة البرغوثي هو خطر أن تصبح لحظة التأسيس تفسيرا شاملا لكل ما جاء بعدها. فالولادة مهمة، لكنها لا تختصر العمر كله.
لقد مرت قرابة قرن على تشكل الدول العربية الحديثة. وخلال هذا القرن قامت ثورات وانقلابات وحروب وانتفاضات، وتغيرت الطبقات الاجتماعية، ونشأت جيوش ومؤسسات وبيروقراطيات، وتوسعت المدن، وانتشر التعليم، وتغيرت البنية الاقتصادية، وظهرت طبقات وسطى، ونمت الحركات السياسية والاجتماعية.
وبالتالي فإن الدولة العربية التي نراها اليوم ليست هي الدولة التي ولدت في لحظة الانتداب. إنها نتاج تفاعل مستمر بين البنية الموروثة والفاعلين الذين تحركوا داخلها. وهنا تصبح عبارة يحيى بركات في مقاله «حين يصبح المفعول به فاعلًا» بأن «الولادة تفسر الكثير، لكنها لا تفسر العمر كله» مدخلا مفيدا، ليس لنقض أطروحة البرغوثي، بل لتوسيعها. فالسؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: كيف ولدت الدولة؟
بل ينبغي أن يستمر إلى: ماذا فعلت هذه الدولة بتاريخها؟ وكيف تغيرت؟ ومن أعاد إنتاج بنيتها؟ ومن حاول تجاوزها؟ وما الذي تراكم داخلها من قدرة أو عجز؟

سادسًا: معيار القدرة الوطنية التراكمية
وهنا أقترح إدخال معيار أراه ضروريًا لاختبار أطروحة البرغوثي: معيار القدرة الوطنية التراكمية، الذي أشار إليه خالد عطية في مقاله «حين تحتاج المراجعة إلى مراجعة: من نقد البديهيات الفلسطينية إلى نقد البنية» وحاولت استكمالها بمقالي «من نقد البديهيات إلى تأسيس القدرة: قراءة استكمالية لمقال خالد عطية».
فإذا كان الهدف هو معرفة ما إذا كان النظام ينتج الضعف عمدا، أو إذا كان الضعف يتحول إلى وظيفة سياسية، فلا يكفي أن نرصد مظاهر التبعية أو التجزئة أو ضعف السيادة. ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا راكمت الدولة عبر الزمن؟
هل بنت مؤسسات؟ هل وسعت قدرتها الاقتصادية؟ هل طورت التعليم والمعرفة؟ هل بنت قدرة عسكرية مستقلة؟ هل وسعت التمثيل السياسي؟
هل عززت العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ هل زادت قدرتها على اتخاذ القرار المستقل؟ هل حولت الموارد والتضحيات والأزمات إلى قدرات تنتقل من مرحلة إلى أخرى؟
فالمرحلة التاريخية لا ينبغي أن تقاس فقط بما حققته في لحظتها، وإنما بما تركته للمرحلة التالية. ومن هنا يمكن صياغة معيار أكثر صرامة:
القدرة الوطنية التراكمية هي قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الموارد والخبرات والمؤسسات والتضحيات إلى قدرة أكبر على الفعل المستقل في المرحلة التالية. وهذا المعيار يسمح لنا باختبار أطروحة البرغوثي بدل الاكتفاء بتأييدها أو رفضها نظريا.

سابعًا: ماذا تكشف النماذج العربية المختلفة؟
وعند تطبيق هذا المعيار على نماذج عربية مختلفة، تظهر صورة أكثر تعقيدا من أن تفسرها أطروحة واحدة.
في بعض الحالات، نجد دولا اعتمد استقرار أنظمتها بدرجة كبيرة على علاقات خارجية، وعلى ضبط المجتمع، وعلى إبقاء المجال السياسي محدودا، وعلى التكيف مع أشكال الاقتصاد الريعي او الاعتمادي الذي يجني الموارد دون حاجة لبناء قاعدة إنتاجية أو عقد اجتماعي قائم على المساءلة. هنا تبدو أطروحة البرغوثي أكثر قدرة على التفسير: فقد لا يكون ضعف الدولة مجرد نتيجة للفشل، وإنما قد يتحول إلى جزء من توازن المصالح الذي يحمي النظام.
لكن نماذج أخرى تكشف العكس. فمصر الناصرية، مثلا، لا يمكن تفسيرها ببساطة من خلال نموذج النظام الذي لا يريد القوة. فقد شهدت محاولة لبناء قدرة وطنية في الصناعة والتعليم والمؤسسات والجيش، وتبنت مشروعا قوميا سعى إلى تجاوز الإطار القطري وإعادة تعريف موقع مصر عربيا ودوليا.
وبالمثل، فإن التجارب البعثية في سوريا والعراق حملت، رغم اختلافاتها العميقة، مشروعا معلنا لبناء الدولة وتعزيز الاستقلال والتصنيع وتوسيع مؤسساتها، وربط الدولة بمشروع قومي يتجاوز حدود القطر.
ومن منظور القدرة الوطنية التراكمية، تكشف هذه التجارب عن تراكم عناصر مهمة من القدرة في مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية. لكنها اصطدمت بتناقض أساسي: فبناء قدرة الدولة لم يترافق بالقدر نفسه مع بناء قدرة المجتمع على المشاركة في إنتاج الدولة والقرار.
فالاستبداد وغياب الديمقراطية وتضييق المجال العام حدّت من قدرة المشروع القومي على بناء علاقة سياسية واجتماعية متجددة مع المجتمع، وجعلت الدولة قادرة في بعض المجالات، لكنها أقل قدرة على إنتاج شرعية سياسية واجتماعية مستقرة وقابلة للتجدد.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: قد تستطيع الدولة أن تبني القدرة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تبني القدرة على إنتاج القدرة.
أي أن الجيش والصناعة والمؤسسات والتعليم يمكن أن تتطور، لكن إذا لم تتطور معها المؤسسات السياسية والاجتماعية التي تسمح بتجديد المشروع واستيعاب المجتمع، فإن هذا التراكم يظل هشا أمام تغير القيادة والأزمات والصراعات.

ثامنًا: مفارقة المشاريع القومية
تكشف الناصرية والبعثية أيضا عن مشكلة أخرى تتجاوز العلاقة بين النظام والمجتمع: العلاقة بين المشاريع القومية نفسها.
فالمشروع الذي أراد تجاوز التجزئة وجد نفسه داخل نظام عربي مجزأ، حيث تنافست الأنظمة على قيادة المشروع القومي، ودخلت الناصرية والبعثية في صراعات حادة، كما انقسم البعث نفسه بين مراكز قيادة متنافسة في سوريا والعراق. وهكذا تحولت المنافسة على قيادة مشروع الوحدة أحيانا إلى عامل إضافي في إضعاف إمكان بناء إطار عربي مشترك قادر على تجميع القدرات.
أي أن المشكلة لم تكن دائما غياب المشروع القومي، بل أحيانا عجز المشاريع القومية عن بناء علاقة تعاونية فيما بينها تسمح بتحويل القدرات القطرية إلى قدرة عربية تراكمية.
لكن هذه المفارقة الداخلية لم تعمل في فراغ. فقد تداخلت مع صراعات إقليمية ودولية، ومع استنزاف طويل بفعل الصراع مع المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، بما أداه من دور إمبريالي في إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، فضلا عن الضغوط والتدخلات الدولية التي واجهت محاولات بناء قدرات وطنية مستقلة.
ومن ثم فإن تفسير إخفاق هذه المشاريع لا ينبغي أن يُرد إلى الاستبداد وحده، ولا إلى التنافس بين المشاريع القومية وحده، ولا إلى التدخل الخارجي وحده، ولا إلى الصراع العربي ـ الصهيوني، وجوهره الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وحده؛ وإنما إلى تفاعل هذه العوامل بعضها مع بعض، بحيث عزز كل منها، في سياقات مختلفة، أثر العوامل الأخرى.

تاسعًا: من إنتاج الضعف إلى فشل التراكم: الدولة والمجتمع
وهنا تتضح قيمة المقارنة. فهناك فرق بين حالتين:
الأولى: نظام لا يرى في القوة المستقلة مصلحة، لأن بناءها قد يهدد ترتيبات بقائه، فيصبح الضعف نفسه جزءا من وظيفته السياسية.
والثانية: نظام يرى في القوة والاستقلال مصلحة، ويحاول بناءهما، لكنه يفشل في تحويل ما راكمه من قدرات، بسبب اختلال علاقته بالمجتمع، أو الصراع الداخلي، أو التنافس الإقليمي، أو الاستنزاف الخارجي، أو عجز المؤسسات عن تحويل هذه القدرات إلى قدرة تاريخية قابلة للاستمرار والتجدد.
الحالتان تنتجان ضعفا في النهاية، لكن مصدر الضعف ووظيفته مختلفان.
وهذا يعني أن مفهوم «الإعاقة الوظيفية» لا يصلح بوصفه تفسيرا عاما لكل الضعف العربي، وإنما يفسر بصورة أقوى الحالات التي يصبح فيها الضعف نفسه جزءا من آلية بقاء النظام. أما في الحالات الأخرى، فقد يكون الضعف نتيجة فشل في تحويل القدرة إلى تراكم، وليس نتيجة قرار بإنتاج الضعف.
وهنا نصل إلى العقدة الأعمق في أطروحة البرغوثي. إذا كان النظام قد اختطف الدولة، كما يقول، فإن استعادة الدولة لا يمكن أن تعني مجرد استبدال النظام بنظام آخر. لأن المشكلة قد تتكرر إذا بقي المجتمع خارج عملية إنتاج الدولة.
فالتغيير الحقيقي لا يحدث عندما يتغير شاغل الكرسي فقط، وإنما عندما يتغير موقع المجتمع من الدولة. وهنا يصبح السؤال: هل المجتمع مجرد مفعول به؟
أم أنه يستطيع أن يتحول إلى فاعل داخل البنية؟
وهذا التحول لا يتحقق بالهبات الموسمية، وإنما عبر بناء قدرة اجتماعية تراكمية: مجال عام مستقل، ومؤسسات وسيطة، ونقابات وأطر أهلية وفكرية، ومساحات للتفكير والتنظيم والمساءلة، وقدرة على تحويل المصالح الاجتماعية المتفرقة إلى مصالح عامة، ثم إلى فعل سياسي.
وبذلك ننتقل من مفهوم «المجتمع الذي يُدار» إلى مفهوم المجتمع الذي يشارك في إنتاج الدولة وتعريف المصلحة الوطنية.
وهذا هو المكان الذي تلتقي فيه أطروحة البرغوثي مع السؤال الذي طرحته في قراءتي لمقاله السابق: كيف ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل؟

عاشرًا: من الإعاقة إلى الفاعلية: إعادة تشكيل البنية من داخلها
لا أعتقد أن استعادة الفاعلية تعني انتظار إعادة بناء المنطقة من الصفر، أو التخلص أولا من كل البنى الموروثة. فالفاعل السياسي لا يبدأ من فراغ، وإنما يبدأ من بنية موجودة، بحدودها ومؤسساتها وموازين قوتها وعلاقاتها الدولية والإقليمية. ولذلك فإن الاعتراف بقوة البنية لا يعني التسليم بحتميتها.
فالفرق بين الفاعل والمفعول به ليس أن الأول يوجد خارج البنية والثاني داخلها، وإنما أن الفاعل يستطيع أن يستخدم الموارد المتاحة لتوسيع مجال حركته، وبناء قدرته، وتغيير بعض شروط البنية التي يتحرك داخلها. ومن هنا فإن الفاعلية داخل البنية ليست نقيضا لتغيير البنية، بل قد تكون شرطه الأول.
وتكشف التجارب التي حاولت بناء قدرة الدولة أن امتلاك المؤسسات والجيش والصناعة والتعليم والقدرات الاقتصادية والسياسية لا يكفي وحده لضمان استمرار هذه القدرة؛ إذ قد تعجز الدولة، في الوقت نفسه، عن بناء الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل قدرتها قابلة للتجدد والتراكم. فبناء قدرة الدولة لا يعني بالضرورة بناء قدرة المجتمع على المشاركة في إنتاج الدولة والقرار.
ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل أصبحت الدولة أقوى؟ بل ينبغي أن نسأل: هل أصبحت القدرة التي بنتها قابلة للانتقال إلى المرحلة التالية؟ وهل تحولت المؤسسات التي بُنيت إلى قدرة فعلية قابلة للاستمرار؟ وهل تحولت القدرة إلى استقلال في القرار؟ وهل تحولت الاستقلالية إلى قدرة على الفعل؟ وهل أصبح المجتمع شريكا في إنتاج هذه القدرة وقادرا على تطويرها ومساءلة السلطة التي تديرها؟
وهذا يعيدنا إلى العلاقة بين الدولة والنظام والمجتمع. فإذا كان النظام قد استطاع في بعض الحالات أن يحتكر الدولة، فإن استعادة الدولة لا يمكن أن تعني مجرد استبدال نظام بآخر. لأن المشكلة يمكن أن تتكرر إذا ظل المجتمع خارج عملية إنتاج الدولة وتعريف وظائفها ومصالحها. فالتحول الحقيقي لا يحدث بمجرد تغيير شاغل الكرسي، وإنما عندما يتغير موقع المجتمع من الدولة: من مجتمع يُدار ويُطلب منه الامتثال، إلى مجتمع يمتلك مؤسسات ومساحات للفعل والتنظيم والمساءلة، ويشارك في تعريف المصلحة الوطنية وتوجيه الدولة.
وبذلك يصبح المجتمع جزءا من القدرة الوطنية التراكمية نفسها، لا مجرد موضوع لسياسات الدولة. فالقدرة لا تكتمل إذا بقيت محصورة في مؤسسات الدولة وأجهزتها، وإنما تصبح قابلة للاستمرار عندما تتحول إلى قدرة مشتركة بين الدولة والمجتمع، تستطيع الأجيال اللاحقة أن ترثها وتطورها.
وعند هذه النقطة يتضح معنى «الفاعلية داخل البنية». فهي لا تعني التكيف مع البنية أو قبولها كما هي، كما لا تعني انتظار لحظة تاريخية يتم فيها التخلص منها بالكامل. إنها تعني امتلاك القدرة على العمل داخل البنية من أجل توسيع مجال الفعل، وتراكم القوة، وتغيير شروط البنية تدريجيا.

حادي عشر: من المفعول به إلى الفاعل
تكشف هذه القراءة أن أطروحة د. إياد البرغوثي حول «الإعاقة الوظيفية» تضيء جانبا أساسيًا من مأزق الدولة العربية، لكنها لا تستوعب وحدها تعدد المسارات التي أنتجت الضعف العربي. المشكلة ليست بالضرورة غياب القدرة، بل العجز عن تحويل القدرة الموجودة إلى قدرة مستمرة ومتجددة، وعلى إشراك المجتمع في إنتاجها وتوجيهها.
وهنا يعود السؤال الذي بدأ منه هذا المسار كله: كيف ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل؟
فربما لا يكون الانتقال التاريخي الحقيقي من «المفعول به» إلى «الفاعل» هو الخروج من البنية، وإنما امتلاك القدرة على إعادة تشكيلها.

تعليقات

1. الدكتور عبد المجيد سويلم

مناقشة موضوعية واضاءات مهمة
برأيي ان مفهوم الدولة العربية لا يغطي مساحة البحث لان الدولة في الخليج مثلا ليس هي الدولة في مصر او بعض بلدان المشرق، او حتى المغرب العربي
تشابه البنى والوظيفة وفلسفة نظام الخكم موجود، لكنه تشابه فقط، والتشابه لا يغطي سوى مساحت هذا التشابه، اما باقي المساحة فتحتاج الى ادوات اخري في التحليل
انا لا ارى اي موقع حقيقي لمسالة الامة هنا لاسباب منهجية يطول شرحها
احتراماتي لك وللدكتور إياد على هذه الجهود عالية القيمة
عبد المجيد سويلم



===========



الدكتور العزيز عبد المجيد سويلم

أشكرك على هذه الملاحظة المنهجية المهمة، وأعتقد أنها تفتح سؤالا ضروريا حول مستوى التحليل نفسه.
أتفق معك أن «الدولة العربية» ليست نمطا واحداً، وأن التشابه بين دول الخليج ومصر وبلدان المشرق والمغرب العربي لا يتجاوز في بعض الجوانب مستوى البنية العامة أو بعض الوظائف وفلسفة الحكم، بينما تختلف أنماط التكوين الاقتصادي والاجتماعي، وطبيعة الدولة، وعلاقة السلطة بالمجتمع، ومصادر الشرعية، وأشكال إنتاج الموارد والقوة اختلافًا كبيرا.
ولهذا ربما تكون النقطة الأدق هي أن مفهوم «الدولة العربية» يصلح بوصفه إطارا عاما للمقارنة وطرح الأسئلة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير الحالات المختلفة. فالتشابه يحدد مساحة يمكن أن نقارن داخلها، لكنه لا يلغي خصوصية كل حالة، ولا يغني عن أدوات تحليل أخرى تكشف اختلاف مسارات التكوين وإعادة الإنتاج.
وهذا في الحقيقة ينسجم مع ما حاولت الوصول إليه في المقال من خلال مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية». فأنا لا أتعامل مع الدولة العربية كحالة واحدة تنتج النتيجة نفسها، بل أحاول أن أسأل: ماذا حدث للقدرة في كل مسار؟ ماذا راكمت الدولة؟ ماذا بقي منها؟ وكيف أثرت علاقة الدولة بالمجتمع في إمكانية استمرار هذا التراكم؟
أما ملاحظتك حول «الأمة»، فهي أكثر إثارة بالنسبة لي، وربما تستحق نقاشا مستقلا. فأنا لا أتعامل معها في المقال بوصفها فاعلا سياسيا مفترضا، ولا أفترض وجود أمة عربية مكتملة الفعل السياسي ينبغي فقط أن نستعيد دورها. لكنني أجد صعوبة في إخراج المسألة القومية تماما من التحليل، لأن جزءا من تاريخ الدولة العربية الحديثة تشكل أيضا من خلال التوتر بين الدولة القطرية والمشروع القومي، وبين حدود الدولة ومجال الانتماء الذي تجاوزها.
ربما يكون السؤال المنهجي هنا ليس: هل الأمة فاعل أم لا؟ وإنما: متى تكون فكرة الأمة متغيرا تفسيريا، ومتى تصبح مجرد إطار خطابي لا يضيف شيئا إلى تفسير مسار الدولة؟
وهذا سؤال أظن أنه يستحق أن يُفصل عن افتراض وجود «أمة» كفاعل تاريخي جاهز.
ممتنة لك لأنك دفعت النقاش من مستوى الأطروحة إلى مستوى أدوات التحليل نفسها؛ وهذه إضافة أقدرها كثيرا.
غانية ملحيس
 
  • 2- الدكتور إياد البرغوثي

الشكر الجزيل للدكتورة غانية التي تذهب بنا دائما للغوص أكثر في المواضيع المطروحة.
بالطبع الأمر يحتاج إلى جهود "ذهنية" كبيرة لتفكيكه ومعرفة حقيقته... لي هنا ملاحظتين سريعتين
الأولى: أن الحديث عن الدولة المعاقة في المنطقة لا يعني أن كل دولها "معاقة"، وحتى إن كانت كذلك فدرجة الإعاقة مختلفة من واحدة إلى أخرى... وبالتالي اختيار النماذج تختلف حسب تلك الدرجة.
الثانية: ليس المطلوب من حديثنا عن لحظة التأسيس تفسير كل ما يتعلق بما جرى بعدها، لكن يفترض أن لا تغيب تلك اللحظة إذا أردنا فهم ما جرى بعدها.
هنا قد نفهم بعض التجارب المختلفة في سياق التطور وأثناء البعد عن لحظة التأسيس.. فالتجربة الناصرية مثلا قد تفيد ليس في كونها تجربة مختلفة للنشأة بقدر ما هي مفيدة لمعرفة ماذا يجري عندما يقرر طرف ما التمرد على شروط النشأة.
المهم الشكر مرة أخرى للدكتورة على اهتمامها المفيد بالتأكيد لفهم أكثر لأوضاع غاية في التعقيد.
أياد البرغوثي


============


الدكتور العزيز إياد البرغوثي

قبل أي تعليق على ملاحظتيك، أود أن أشكرك على مقالك الثري، الذي أتاح، في تقديري، إضافة نوعية إلى النقاش حول مفهوم الدولة العربية، ولم يكتفِ بتوصيف مظاهر الضعف والهشاشة، بل حاول النفاذ إلى البنية التي تشكلت فيها هذه الدولة، وإلى الكيفية التي يمكن أن تتحول بها بعض الإعاقات البنيوية إلى وظائف سياسية.
وأعتقد أن قيمة مقالك لا تتوقف عند ما طرحته من إجابات، بل في أنه أسس لهذا الحوار نفسه، وفتح المجال أمام قراءات وأسئلة إضافية تتجاوز التوصيف الأولي للمشكلة. لذلك كانت قراءتي التفكيكية محاولة للدخول إلى المساحة التي فتحها مقالك، لا لإغلاقها أو تقديم تفسير بديل مكتمل.
وأشكرك أيضا على ملاحظتيك، لأنهما تضيفان بدورهما طبقة مهمة إلى الحوار، وخصوصا ملاحظتك حول أن لحظة التأسيس لا تفسر كل ما جرى بعدها، لكنها لا ينبغي أن تغيب عنا إذا أردنا فهم ما جرى بعدها.
أتفق معك في ذلك، وربما كان الاختلاف بيننا في زاوية الاقتراب من المسألة أكثر منه في أهمية لحظة التأسيس نفسها.
فأنا لم أقصد في مقالتي أن أستبدل تفسيرا قائما على لحظة التأسيس بتفسير يلغيها، وإنما كنت أحاول أن أطرح سؤالا تاليا: ماذا فعل الفاعلون بما ورثوه من تلك اللحظة؟
فإذا كانت لحظة التأسيس قد وضعت شروطا وبنى وحدودا معينة، فإن التاريخ لا يتوقف عندها. يدخل الفاعلون المحليون إلى هذه البنية، ويتكيفون معها، ويعيدون إنتاجها، وقد يحاولون تعديلها أو التمرد على بعض شروطها. ومن هنا جاء عندي مفهوم «الفاعلية داخل البنية».
ولهذا توقفت عند ملاحظتك حول التجربة الناصرية تحديدا، حين قلت إنها قد تفيد ليس باعتبارها تجربة مختلفة في النشأة، وإنما باعتبارها تجربة تساعدنا على فهم ماذا يحدث عندما يقرر طرف ما التمرد على شروط النشأة.
أظن أن هذه العبارة تفتح بالضبط الجسر الذي كنت أحاول بناءه بين لحظة التأسيس وما جاء بعدها.
فالناصرية، بهذا المعنى، لا أراها «نقيضا» لأطروحتك عن البنية التأسيسية، وإنما اختبارا لقدرة الفاعل على الحركة داخلها وتعديل بعض شروطها.
وهنا تظهر لديّ مسألة أخرى. إذا افترضنا أن فاعلا ما استطاع بالفعل أن يتمرد على بعض شروط النشأة، وأن يبني مؤسسات أو جيشا أو صناعة أو تعليما أو قدرة اقتصادية، فهل يكفي ذلك للقول إنه نجح في تجاوز الإعاقة؟
هنا جاءت محاولتي لإدخال مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية».
فأنا لا أسأل فقط: ماذا استطاعت مرحلة تاريخية أن تبني؟ وإنما: ماذا تركت للمرحلة التي تليها؟
هل تحولت القدرات التي بُنيت إلى قدرة تاريخية قابلة للاستمرار والتجدد؟ هل أصبحت المؤسسات التي أنشئت قادرة على العمل بعد تغير القيادة والظروف؟ هل استطاعت الدولة أن تنقل ما راكمته إلى مستوى أعلى من الاستقلالية في القرار والفعل؟
وهنا أجد أن التمييز الذي أشرتَ إليه في ملاحظتك الأولى مهم جدا. فليس الحديث عن «الدولة المعاقة» حكما بأن كل الدول العربية متساوية في درجة الإعاقة أو في آلياتها أو نتائجها. بل إن اختلاف درجات الإعاقة واختلاف كيفية اشتغالها هو ما يجعل اختيار النماذج أمرا حاسما في الاختبار. ولهذا حاولت في المقال أن أميز بين مسارين مختلفين للضعف:
مسار تصبح فيه الإعاقة جزءا من وظيفة سياسية تخدم بقاء النظام، بحيث لا تكون القوة المستقلة مصلحة للنظام أصلا.
ومسار آخر تحاول فيه الدولة بالفعل أن تبني القوة والقدرة والاستقلال، لكنها لا تنجح في تحويل ما راكمته إلى قدرة تاريخية قابلة للاستمرار والتجدد.
وهذا التمييز، بالنسبة لي، لا ينفي أطروحتك حول الإعاقة البنيوية والوظيفية، بل يطرح سؤالا عن تفاوت مساراتها ومآلاتها.
ومن هنا أيضًا لم أتعامل مع التجربة الناصرية والتجارب البعثية باعتبارها مجرد نماذج «مختلفة» عن الدولة العربية التي تحدثت عنها، وإنما باعتبارها حالات مهمة لاختبار السؤال: ماذا يحدث عندما يحاول الفاعل أن يتجاوز بعض شروط البنية التي ورثها؟ وقد تنجح محاولة التمرد في بناء قدرات حقيقية، وهذا أمر لا ينبغي إنكاره، لكن نجاح بناء القدرة لا يعني بالضرورة نجاح بناء الشروط التي تسمح لهذه القدرة بأن تتراكم وتنتقل إلى المرحلة التالية.
وهنا أصل إلى ما أظنه الحلقة التي ربطت قراءتي بقراءة يحيى بركات. إذا كانت الدولة قد استطاعت أن تبني قدرة، فالسؤال التالي يصبح:
لمن تتراكم هذه القدرة؟ وهل تصبح قدرة مشتركة بين الدولة والمجتمع، أم تبقى قدرة تملكها المؤسسة وتحتكر قرار استخدامها؟
لأن الدولة قد تبني جيشا قويا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح شريكا في تحديد وظيفة هذه القوة. وقد تبني جامعة ومصنعا ومؤسسات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح قادرا على المشاركة في توجيهها أو مساءلة من يديرها.
وهنا أجد أن الانتقال من «الفاعلية داخل البنية» إلى «القدرة الوطنية التراكمية» ثم إلى سؤال «لمن تتراكم القدرة؟» يسمح لنا بمتابعة المسألة عبر مراحلها:
كيف تشكلت البنية؟
ماذا فعل الفاعلون داخلها؟
هل استطاعوا تعديل شروطها؟
ماذا راكموا؟
ولمن تراكمت القدرة؟
وهل استطاعت هذه القدرة أن تصبح قدرة مشتركة قابلة للتجدد؟
ولذلك أظن أن ملاحظتك حول الناصرية تفتح أمامنا سؤالا مهما جدا:
قد يكون التمرد على شروط النشأة ممكنا، لكن التحدي الأصعب هو تحويل هذا التمرد إلى مسار تاريخي مستدام.
وهنا ربما لا يعود السؤال فقط: هل استطاع الفاعل أن يخرج من شروط البنية؟
بل: هل استطاع أن يعيد تشكيلها من داخلها، وأن يترك لمن يأتي بعده قدرة أكبر على الفعل مما كانت لديه؟
وهذا، في ظني، يعيدنا إلى جوهر الحوار الذي أسسته بمقالك: من الإعاقة إلى الفاعلية، ومن لحظة التأسيس إلى التاريخ الذي تلاها، ومن بناء القدرة إلى امتلاكها وتوجيهها وتجديدها.
أشكرك مرة أخرى على المقال الذي أتاح كل هذا النقاش، وعلى ملاحظاتك التي أضافت إليه بدل أن تغلقه. وربما يكون أجمل ما في الحوار أن كل قراءة لا تنهي السؤال، وإنما تكشف طبقة جديدة منه.
غانية ملحيس

3.
 
3- الدكتور جمال عاشور

المقال الذي كتبته غانية ملحيس مهم لأنه لا يكتفي بمناقشة إياد البرغوثي، بل يحاول نقل النقاش من سؤال: لماذا الدولة العربية ضعيفة؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تتحول القيود التاريخية إلى مصالح سياسية، وكيف يمكن للفاعل أن يعمل داخل البنية بدل أن يبقى أسيرًا لها؟ .
أرى أن المقالين، البرغوثي وملحيس، يلتقيان عند جرح حقيقي، لكنهما ينظران إليه من جهتين مختلفتين.
البرغوثي ينظر إلى كيف اختُطفت الدولة.
ملحيس تسأل: كيف يمكن استعادتها؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين التشخيص والعلاج.
لكنني أضيف شيئًا ثالثًا:
لا يكفي استعادة الدولة من النظام؛ يجب أيضًا استعادة الدولة من وهم أن المجتمع مجرد جمهور.
فالسلطة التي تقول لشعبها:
«أنا أعرف مصلحتك أكثر منك»
تبدأ بإلغاء السياسة.
والشعب الذي يعتاد أن يسأل:
«ماذا ستعطيني السلطة؟»
بدل:
«ما حقوقي؟ وما مسؤوليتي؟ وكيف أشارك في صناعة القرار؟»
يبدأ بفقدان المواطنة.
وهنا يصبح الاستبداد أعمق من شخص الحاكم؛ يتحول إلى علاقة اجتماعية كاملة بين مانح وممنوح، بين راعٍ ورعية، بين سلطة ومجتمع مستهلك للامتيازات.
وأقسى ما في هذه العلاقة أن النظام لا يحتاج دائمًا إلى أن يقنع المواطن بأنه ضعيف؛ يكفي أن يقنعه بأن ما يحصل عليه من السلطة منّة، لا حق.
مع كل إعجابي بالبناء النظري، هناك خطر في الاتجاه المعاكس.
ملحيس تنتقد اختزال الدولة في لحظة التأسيس، لكنها قد تقع أحيانًا في اختزال آخر: اختزال الخلاص في المجتمع.

فليس كل مجتمع فاعلًا صالحًا لبناء دولة أكثر استقلالًا وعدالة.

المجتمع نفسه قد يكون منقسمًا طبقيًا وطائفيًا ومناطقيًا وقبليًا وأيديولوجيًا.
وقد تنتج مؤسسات المجتمع المدني نخبًا مغلقة.

وقد تتحول المعارضة إلى سلطة أخرى إذا وصلت إلى الحكم.
وقد يتحول «المجتمع» إلى شعار رومانسي يخفي السؤال الأصعب:
أي مجتمع؟ ومن يمثل المجتمع؟ ومن يحدد المصلحة العامة؟

لذلك لا يكفي أن نقول:
أخرجوا المجتمع من موقع المفعول به واجعلوه فاعلًا
علينا أن نسأل
كيف نبني مجتمعًا قادرًا على الفعل دون أن يتحول الفعل نفسه إلى استبداد جديد؟
وهنا تصبح الديمقراطية والمؤسسات والقانون والتعددية والمساءلة ليست كماليات، بل جزءًا من القدرة الوطنية التراكمية
إذا كان النظام يعيد إنتاج ضعفه لأنه يستفيد منه، فمن أين تأتي القوة المضادة؟
هنا تقول ملحيس:
المجتمع، المجال العام، النقابات، المؤسسات الوسيطة، المعارضة، الحقوق…
وهذا صحيح من حيث المبدأ.

لكن المشكلة أن هذه المؤسسات نفسها تحتاج إلى:

اقتصاد مستقل نسبيًا + تعليم + طبقة وسطى + قانون + موارد + ثقافة سياسية + مساحة عامة.
أي أننا ندخل في دائرة:

الديمقراطية تحتاج مجتمعًا قويًا،
والمجتمع القوي يحتاج مؤسسات،
والمؤسسات تحتاج اقتصادًا،
والاقتصاد يحتاج دولة فعالة،
والدولة الفعالة تحتاج مجتمعًا قادرًا على مراقبتها.

وهذا يعني أن الانتقال من المفعول به إلى الفاعل ليس قرارًا سياسيًا واحدًا.
إنه عملية تراكمية طويلة.

وهنا أرى أن مفهوم القدرة الوطنية التراكمية يمكن أن يصبح بالفعل الجسر بين أطروحة البرغوثي ونقد ملحيس.

السؤال الذي أراه أهم من
ليس:
من صنع الدولة العربية؟
ولا:
من أضعفها؟
بل:
من يملك القدرة على إعادة إنتاجها؟
لأن هذا السؤال ينقلنا من الماضي إلى المسؤولية.
الاستعمار ترك بنى.
الأنظمة أعادت إنتاج بعضها.
النخب استفادت من بعضها.
المجتمعات تكيفت مع بعضها.
والخارج استثمر في بعضها.
لكن التاريخ ليس آلة أبدية.
وهنا أختلف مع أي قراءة تقول ضمنيًا إن العربي محكوم إلى الأبد بموقع «المفعول به».
لا يوجد شعب يولد مفعولًا به. هناك أنظمة سياسية وبنى اجتماعية وتاريخية تجعل بعض الشعوب في موقع المفعول به، لكن الموقع نفسه قابل للتغيي
البرغوثي يشرح كيف تحولت الإعاقة من قيد تاريخي إلى وظيفة سياسية. وملحيس تحاول أن تمنع هذه الفكرة من التحول إلى قدر تاريخي مغلق، بإدخال مفهوم الفاعلية والقدرة التراكمية. وهذا هو الجانب الأكثر قيمة في قراءتها.
لكن المعركة الفكرية الحقيقية تبدأ بعد ذلك:
لا نريد دولة قوية فوق مجتمع ضعيف، ولا مجتمعًا قويًا بلا دولة، ولا دولة مستقلة شكليًا بلا قدرة، ولا قدرة مادية بلا مؤسسات قادرة على تجديدها.
نريد قدرة مشتركة بين الدولة والمجتمع؛ بحيث تكون الدولة قوية بما يكفي لحماية المصلحة العامة، ومقيدة بما يكفي كي لا تتحول إلى مالك للمجتمع.
باختصار: التاريخ قد يفسّر لماذا وُضعنا في مقعد المفعول به، لكنه لا يملك حق تحديد المقعد الذي سنجلس فيه إلى الأبد؛ فالفاعل الحقيقي ليس من خرج من البنية، بل من امتلك القدرة على تغييرها
د. جمال عاشور





============



الدكتور العزيز جمال عاشور

أشكرك على هذه القراءة العميقة التي دفعت الفكرة خطوة أخرى إلى الأمام، خصوصا في تنبيهك إلى أن استعادة الدولة من النظام لا تكفي إذا بقي المجتمع خارج السياسة، أو إذا تحولت استعادتها إلى إعادة إنتاج الاختطاف بصورة أخرى.
وأقدّر جدا تمييزك بين سؤال الدكتور إياد: كيف اختُطفت الدولة؟ وسؤالي: كيف يمكن استعادتها؟ وإضافتك السؤال الثالث: كيف نضمن ألا تتحول الاستعادة نفسها إلى استبداد جديد؟
وهنا أتفق معك أن «المجتمع» في مقالي ليس كتلة متجانسة ولا حاملا تلقائيا للمصلحة العامة. لذلك لا أقصد الانتقال من سلطة الدولة إلى سلطة المجتمع، بل من مجتمع موضوع للسياسات إلى شريك في إنتاج السياسة والمؤسسات والقوة الوطنية ومراكمتها وتوجيهها.
وهذا يجعل ملاحظتك حول الديمقراطية والقانون والتعددية والمساءلة إضافة مهمة إلى مفهوم القدرة الوطنية التراكمية. فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا راكمت الدولة والمجتمع من موارد ومؤسسات وقدرات؟ بل أيضا:
هل راكما القدرة على إنتاج مؤسسات تضبط القوة وتجددها وتمنع احتكارها؟
فقد تبني الدولة جيشا وصناعة وتعليما ومؤسسات، دون أن تبني القدرة على تجديد نفسها سياسيا. وقد يراكم المجتمع أشكالا من التنظيم والمبادرة، دون أن يستطيع تحويلها إلى مؤسسات عامة مستقرة.
لذلك أوافقك أن الديمقراطية والقانون والتعددية والمساءلة ليست إضافات خارج مفهوم القدرة، بل يمكن أن تكون جزءا من القدرة الوطنية نفسها إذا كنا نعني بها قدرة تاريخية قابلة للاستمرار والتجدد.
وأرى أن هذا يلتقي مع سؤال يحيى بركات: «لمن تتراكم هذه القدرة؟» ويضيف إليه سؤالك: «ما الذي يجعلها قدرة عامة، لا قدرة جماعة أو سلطة؟»
ومن هنا تصبح الفاعلية داخل البنية عملية تراكمية، وليس مجرد انتقال من موقع «المفعول به» إلى موقع «الفاعل». فالتحدي ليس فقط أن نمتلك القدرة، بل أن نبني المؤسسات والعلاقات التي تجعلها قابلة للتجدد، وتمنع الفاعل الجديد من إعادة إنتاج العلاقة القديمة.
ولهذا لفتتني كثيرا عبارتك الأخيرة:
«التاريخ قد يفسّر لماذا وُضعنا في مقعد المفعول به، لكنه لا يملك حق تحديد المقعد الذي سنجلس فيه إلى الأبد؛ فالفاعل الحقيقي ليس من خرج من البنية، بل من امتلك القدرة على تغييرها.»
وأضيف إليها: وربما يكون التحدي الأعمق أن نمتلك أيضا القدرة على حماية هذا التغيير وتجديده.

شكرا لك، لأنك لم تكتفِ بتأييد الفكرة، بل اختبرتها من الجهة التي كان يمكن أن تتحول فيها هي نفسها إلى اختزال جديد. وهذه إضافة نوعية للحوار.
غانية ملحيس
 
أعلى