مقتطف هدى حجاجي أحمد - امرأة من زمن الحلم الضائع الفصل الجديد: حين التحقت هالة بركب اللغة، وبقي فتحي خارج الحكاية

امرأة
لم تكن هالة تعرف أن الإنسان قد يولد من جديد دون أن يغادر المكان الذي اعتاد الجلوس فيه، وأن بعض التحولات لا تحتاج إلى ضجيج الولادة، ولا إلى شهود يقفون حول سرير الحكاية، بل يكفي أن تنكسر في أعماقنا فكرة قديمة، حتى نفتح أعيننا على أنفسنا بملامح لم نألفها من قبل. كانت تجلس في مقعدها المعتاد، قرب النافذة التي تطل على الممر، تحيط بها الكتب والكراسات، بينما تتسلل أشعة الصباح إلى الفصل في خجل، كأنها تستأذن قبل أن تقترب من عالمها. لم تكن هالة يومها منشغلة بالدرس وحده، ولم تكن شاردة كما اعتاد زميلاتها أن يرينها؛ كان هناك شيء جديد يتشكل داخلها، شيء لا تستطيع تسميته، لكنه يمنحها إحساسًا غريبًا بأنها لم تعد الفتاة التي كانتها بالأمس.

منذ أن نُشرت قصتها في الجريدة، تغيرت نظرات بعض من حولها. صارت زميلاتها يتوقفن عند مقعدها ليسألنها عن الكتابة، وعن الكلمات التي تعرف كيف تجمعها لتصنع منها حكاية، وعن السر الذي يجعل اسمها يظهر في صحيفة يقرؤها الكبار. بعضهن كنّ يسألنها بإعجاب حقيقي، وبعضهن بدافع الفضول، وأخريات كنّ يخفين خلف ابتساماتهن دهشةً لم تخلُ من الغيرة. لم تكن هالة ساذجة إلى الحد الذي يجعلها تخلط بين كل هذه الوجوه، لكنها لم تكن راغبة في محاكمة أحد. كانت قد بدأت تفهم أن الإنسان لا يرى الآخرين دائمًا كما هم، بل كما تسمح له رغباته ومخاوفه بأن يراهم، وأن النجاح الصغير قد يكشف من النفوس أكثر مما تكشفه سنوات طويلة من المعاشرة.

في ذلك الصباح، اقتربت منها إحدى الطالبات، وجلست إلى جوارها دون استئذان، ثم قالت وهي تقلّب صفحات الجريدة التي أحضرتها معها: «أنتِ فعلًا اللي كاتبة القصة دي؟»

رفعت هالة عينيها عن الكراسة، وأجابت بهدوء: «أيوه، أنا اللي كتبتها».

تأملت الفتاة وجهها لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة لم تستطع هالة أن تفهم إن كانت إعجابًا أم استنكارًا، وقالت: «غريبة! أنا كنت فاكراكي بتكتبي خواطر صغيرة في الكراسة وخلاص».

ابتسمت هالة، لكنها لم تجب فورًا. كانت تعرف أن كثيرين يظنون أن الكتابة تبدأ وتنتهي عند الورقة التي يرونها، وأن الكلمات التي تصل إليهم لا تحمل وراءها ليالي طويلة من التفكير، ومحاولات فاشلة، وجملًا شُطبت لأنها لم تستطع أن تقول ما أرادته صاحبتها، وأفكارًا بقيت حبيسة الصدر لأنها لم تجد لغتها بعد. لم تكن تريد أن تشرح لها كل ذلك؛ فبعض الأشياء لا تُقال دفاعًا عن النفس، ولا تحتاج الموهبة إلى شهادة من أحد كي تصبح حقيقة.

قالت أخيرًا: «كل حاجة كبيرة بتبدأ صغيرة، حتى الحلم».

نهضت الفتاة بعد دقائق، ومضت إلى مقعدها، بينما عادت هالة إلى كراستها. غير أنها لم تستطع أن تواصل الكتابة. ظلت جملة زميلتها تتردد في ذهنها، لا لأنها آلمتها، بل لأنها جعلتها تدرك أن ما كان يومًا سرًا صغيرًا بينها وبين الورق بدأ يخرج إلى العالم، وأن العالم، حين يفتح بابًا لأحد، لا يمنحه بالضرورة الطمأنينة؛ قد يمنحه بدلًا منها عيونًا كثيرة تراقبه، وأسئلة لا تنتهي، وأحكامًا تُصدر قبل أن يعرف أصحابها شيئًا عن الحكاية.

أغلقت الكراسة، وأسندت يدها إلى ذقنها، ثم نظرت من النافذة. كان فتحي يقف في نهاية الممر يتحدث مع أحد المدرسين، يحمل دفتره تحت ذراعه، ويبدو منشغلًا بأمر لا علاقة له بها. ومع ذلك، ما إن وقع بصرها عليه حتى شعرت بشيء غامض يتحرك في داخلها. لم يكن خوفًا خالصًا، ولا ارتياحًا كاملًا، بل ذلك الإحساس الذي يوقظ فينا ذكرى قديمة لم نقرر بعد إن كنا نريد الاحتفاظ بها أم التخلص منها.

تذكرت يوم أخذ منها الكراسة، وكيف وقفت أمامه عاجزة عن استرداد ما يخصها، لا لأن الورق كان ثمينًا في ذاته، بل لأن ما كُتب عليه كان جزءًا من عالمها الذي لم تكن مستعدة لأن يراه أحد دون إذنها. تذكرت ارتباكها، والدموع التي حاولت إخفاءها، والطريقة التي ابتعدت بها عنه وهي تشعر أن شيئًا من ثقتها قد انكسر. وربما كان هذا هو السبب الذي جعلها تتحفظ كلما اقترب منها بعد ذلك، رغم اهتمامه بكتابتها، ورغم تلك المساحة الجديدة التي أخذت تنمو بينهما عبر الأسئلة والمناقشات.

لم تكن هالة تكره فتحي، ولم تكن تريد أن تعاقبه بصمتها، لكنها اكتشفت أن الإعجاب بعقل إنسان لا يعني أن تمنحه مفاتيح روحك، وأن احترامك لمكانته لا يسقط حقك في أن تقول له: هذا الجزء مني ليس متاحًا لك. كانت صغيرة السن، لكنها بدأت تتعلم أن الحدود ليست جدرانًا تُبنى لإبعاد الناس جميعًا، بل أبواب يملك صاحبها وحده حق فتحها وإغلاقها.

في تلك اللحظة، مرّت مها بجوارها، فلاحظت شرودها، وجلست إلى جوارها وهي تقول: «مالك يا هالة؟ من ساعة ما جيتِ وأنتِ ساكتة».

أجابت هالة وهي تحاول أن تبدو عادية: «بفكر».

ضحكت مها: «وأنتِ إمتى ما بتفكريش؟ لو التفكير عليه درجات، كنتِ خدتي مجموع المدرسة كلها».

ابتسمت هالة، ثم قالت: «تعرفي يا مها، أنا ساعات بحس إن الواحد لما يبدأ يكتب بجد، بيخسر جزءًا من راحته».

عقدت مها حاجبيها في استغراب: «إزاي يعني؟ مش المفروض الكتابة تريحك؟»

«هي بتريحني فعلًا، بس بتخليني أشوف حاجات كنت بمر عليها من غير ما أنتبه. كلمة عادية ممكن تفضل تلاحقني يومين، ونظرة من حد ممكن تخليني أسأل نفسي عن حاجات كتير. كأن الكتابة بتفتح عينيّ، وبعدها ما بعرفش أقفلهم تاني».

سكتت مها قليلًا، ثم قالت: «يمكن دي ضريبة الموهبة».

هزت هالة رأسها، وقالت: «مش عايزة أسميها ضريبة. أنا بحب الكتابة، ومش ندمانة إني بدأت، لكني خايفة في يوم من الأيام أكتشف إن الناس بقت تعرف عني أكتر مما أنا مستعدة أقوله، لمجرد إني كتبت جملة أعجبتهم».

نظرت مها إليها باهتمام، ثم قالت: «طب ما تكتبيش عن نفسك».

ابتسمت هالة ابتسامة حزينة: «حتى لما بنكتب عن ناس تانية، بيطلع جزء مننا من غير ما نقصد. يمكن الكاتب ما يعرفش يختفي تمامًا من وراء شخصياته، لكنه يقدر يختار إيه اللي يظهر وإيه اللي يفضل له وحده».

رن الجرس، وانفضّ الحديث، لكن كلمات هالة ظلت معلقة في ذهنها. فتحت كراستها مرة أخرى، وكتبت عنوانًا جديدًا في أعلى الصفحة، ثم توقفت. لم تكن تبحث عن قصة للنشر هذه المرة، ولا عن عبارة تلفت انتباه أحد. كانت تحاول أن تفهم ما يحدث لها، وأن تضع اسمًا لذلك الشعور الذي يجعلها ترغب في الاقتراب من العالم، ثم تخاف حين يقترب منها العالم أكثر مما ينبغي.

وفي أثناء الحصة التالية، دخل فتحي إلى الفصل، ووضع دفتره على المكتب، ثم ألقى نظرة سريعة على الطالبات قبل أن يبدأ الشرح. كانت هالة تتابع حديثه، تسجل بعض الملاحظات، وتبدو كأنها لم تفكر فيه منذ الصباح. لكنه لاحظ أن شيئًا تغير في طريقتها؛ لم تعد ترفع عينيها إليه بالفضول نفسه، ولم تعد تتعجل الإجابة عندما يطرح سؤالًا، حتى حين تكون تعرف الإجابة جيدًا. لم يكن في سلوكها ما يسمح له باتهامها باللامبالاة، لكنه شعر بأن مسافة صغيرة قد ظهرت بينهما، مسافة لا تُرى، ولا يستطيع أن يحدد متى بدأت أو كيف اتسعت.

توقف عن الشرح وسأل سؤالًا يتعلق بالدرس، فرفعت هالة يدها وأجابت إجابة دقيقة، ثم عادت إلى مقعدها دون أن تنتظر تعليقه. نظر إليها لحظة، وقال: «إجابة جيدة يا هالة».

أومأت برأسها في احترام: «شكرًا يا أستاذ».

كانت عبارتها عادية، لكن شيئًا في نبرتها جعله يشعر بأنها وضعت بينهما حدًّا لا يجوز تجاوزه. لم تكن جافة، ولم تتعمد إحراجه أمام الطالبات، لكنها لم تمنحه تلك المساحة التي اعتاد أن يجدها في حواراتهما حول الأدب والكتابة. تابع الدرس، غير أن ذهنه ظل يعود إلى ذلك التغير الصغير، محاولًا أن يجد له تفسيرًا.

بعد انتهاء الحصة، وبينما كانت الطالبات يجمعن كتبهن، طلب منها أن تنتظر لحظة. توقفت هالة قرب مقعدها، وأبقت كراستها بين يديها، بينما انشغلت مها بجمع أغراضها على مقربة منها.

قال فتحي: «كنت عايز أسألك عن القصة الجديدة. وصلتي فيها لفين؟»

أجابت بهدوء: «لسه بكتب فيها يا أستاذ».

«ولما تخلصي، ممكن أشوفها؟»

رفعت عينيها إليه. كان السؤال بسيطًا، لكن إجابته لم تعد بالنسبة إليها أمرًا عابرًا. تذكرت الكراسة القديمة، وارتباكها يومها، ثم قالت: «لو خلصتها وحسيت إنها مناسبة إني أشاركها مع حضرتك، هعرضها عليك».

لم يتوقع فتحي هذه الإجابة، أو ربما كان يتوقع منها حماسًا أكبر. صمت لحظة، ثم قال: «طبعًا، ده حقك. أنا بس مهتم باللي بتكتبيه، وعندي فضول أعرف إزاي بتفكري».

قالت هالة: «وأنا مقدرة اهتمام حضرتك، لكن مش كل حاجة بكتبها بتكون جاهزة إنها تتقري. ساعات بكتب علشان أفهم نفسي، مش علشان حد يفهمني».

كانت كلماتها مهذبة، لا تحمل اتهامًا مباشرًا، ومع ذلك شعر فتحي بأنها تشير إلى شيء يعرفه جيدًا. لم يكن بحاجة إلى أن تسمي الحادثة؛ فقد عادت إليه صورة الكراسة وهي تنتزع من يد نرمين، ووجه هالة وهي تطالبه بها، ثم ابتعادها عنه دون أن تنتظر منه تفسيرًا. أدرك أنه ربما تعامل يومها مع الأمر باعتباره مزاحًا عابرًا، بينما كان بالنسبة إليها انتهاكًا لمساحة خاصة لم يكن من حقه دخولها.

قال بعد صمت قصير: «عندك حق يا هالة. يمكن أنا ما فهمتش وقتها إن الكراسة بالنسبة لك مش مجرد ورق».

لم تجبه فورًا. كانت هذه أول مرة يسمعها اعترافًا واضحًا منه، لكنها لم تكن مستعدة لأن تعتبر الاعتراف وحده كافيًا لمحو ما حدث. قالت أخيرًا: «كلنا ساعات بنفهم الحاجات متأخر يا أستاذ».

ثم استأذنته وانصرفت مع مها.

ظل فتحي واقفًا مكانه، يتابع ابتعادها في الممر، وشعر للمرة الأولى أن اهتمامه بموهبتها لا يمنحه الحق في الاقتراب منها بالطريقة التي يريدها. كان عليه أن يتعلم أن يترك لها المساحة التي تحتاج إليها، وأن ينتظر إن اختارت أن تفتح له بابًا من عالمها، بدلًا من أن يحاول الوصول إليه بدافع الفضول أو الإعجاب.

أما هالة، فكانت تمشي إلى جوار مها وهي تشعر براحة خفيفة، لا لأنها انتصرت في نقاش، بل لأنها استطاعت أن تقول ما تريد دون أن ترفع صوتها، وأن تحافظ على احترامها لمعلمها دون أن تتنازل عن حقها في حماية نفسها. لم تكن تعرف إن كان فتحي قد فهم كل ما أرادت قوله، لكنها لم تعد ترى ضرورة لأن تشرح أكثر. لقد بدأت تدرك أن بعض المعاني لا تصل إلى الآخرين بكثرة الكلام، بل حين يختبرون بأنفسهم أثر ما فعلوه.

في طريق عودتها، توقفت أمام نافذة المكتبة، ورأت انعكاس صورتها على الزجاج. لمحت فتاةً تحمل كتبها إلى صدرها، وتمشي بخطوات هادئة، بينما يتحرك خلف ملامحها عالم كامل لا يعرفه أحد. ابتسمت لنفسها، ثم واصلت السير.

في ذلك المساء، جلست إلى مكتبها، وأخرجت كراستها الجديدة. لم تفتح الصفحة التي كتبت فيها آخر خواطرها، بل بدأت صفحة أخرى، وراحت تكتب عن فتاة تكتشف أن اللغة ليست مجرد وسيلة لتقول ما تشعر به، بل مكان تستطيع أن تحتمي فيه من أحكام الآخرين، بشرط ألا يتحول هذا المكان إلى سجن تختبئ داخله إلى الأبد.

كتبت عن الخوف من أن تُفهم خطأ، وعن الرغبة في أن يراها أحد كما هي، لا كما يتخيلها، وعن أولئك الذين يقتربون منا بحسن نية، لكنهم لا يعرفون أن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة، مهما كان صاحبها راغبًا في الدخول. كتبت طويلًا، ثم توقفت عندما شعرت أن الكلمات بدأت تبتعد عن الفكرة التي جاءت من أجلها.

رفعت رأسها نحو النافذة. كان الليل قد استقر فوق المدينة، وأصوات الحياة في الخارج تتراجع شيئًا فشيئًا. فكرت في فتحي، وفي ذلك الاعتراف المتأخر الذي صدر عنه، ثم أغلقت الكراسة برفق. لم تكن تريد أن تحكم عليه، ولا أن تمنحه براءة كاملة؛ أرادت فقط أن تترك للأيام فرصة لتكشف لها إن كان قد فهم حدودها حقًا، وإن كان يستطيع أن يحترمها دون أن يطالبها بتفسير دائم لصمتها.

وفي صباح اليوم التالي، دخلت المدرسة وهي تحمل كراستها تحت ذراعها. لم يكن في مشيتها تحدٍّ، ولم تكن تسعى إلى إثبات شيء لأحد. كانت تعرف أن طريق الكتابة طويل، وأن من يختار اللغة رفيقةً له لن يجد دائمًا من يفهمه، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يحافظ على صوته وسط الضجيج، وكيف يكتب دون أن يبيع أسراره لمن يصفقون لكلماته.

رآها فتحي من بعيد، فأراد أن يناديها، ثم تراجع. تركها تمضي إلى فصلها دون أن يستوقفها، ودون أن يسألها عن الكراسة التي تحملها. لم يكن ذلك تراجعًا عن اهتمامه، بل محاولةً أولى لأن يمنحها حق الاختيار.

أما هالة، فلم تلتفت إلى الخلف. كانت تعرف أنه موجود في الممر، لكنها أرادت أن تمضي هذه المرة دون أن تشعر بأن عليها تفسير خطواتها لأحد. وحين جلست في مقعدها، فتحت كراستها وكتبت أول جملة في فصلها الجديد: لم أعد أخاف أن يعرف الناس أنني أكتب، لكنني أخاف أن يظنوا أن الكتابة تمنحهم الحق في امتلاكي.

ثم وضعت القلم جانبًا، وتأملت الجملة طويلًا. لم تكن تعرف إن كانت ستحتفظ بها في كراستها أم ستنشرها يومًا، لكنها شعرت بأنها قالت شيئًا كان عليها أن تقوله لنفسها قبل أن تقوله للعالم.

كان ذلك هو التحول الحقيقي الذي بدأ يحدث داخلها؛ لم تعد الكتابة مجرد حلم تحاول الوصول إليه، بل أصبحت وسيلتها لتعرف أين تنتهي رغبات الآخرين، وأين تبدأ حياتها الخاصة. وبينما كانت المدرسة تستيقظ على ضجيج الطالبات وصوت الجرس، كانت هالة تكتشف أن اللغة قد تمنح الإنسان جناحين، لكنها لا تستطيع أن تختار له وجهته.

وكان فتحي، من بعيد، يتعلم درسًا لم يرد في كتب التاريخ التي يشرحها: أن بعض المسافات لا تُقطع بالاقتراب، وأن احترام الباب المغلق قد يكون أصدق من ألف محاولة لفتحه، وأن الإنسان لا يصبح قريبًا من روحٍ لمجرد أنه استطاع أن يقرأ كلماتها.

لم يكن أيٌّ منهما يعرف ما الذي ستصنعه الأيام القادمة، ولا إن كانت هذه المسافة ستضيق يومًا أو ستظل قائمة بينهما. لكن شيئًا واحدًا كان قد تغيّر؛ هالة لم تعد تخجل من كونها كاتبة، وفتحي لم يعد يستطيع أن ينظر إلى كراستها باعتبارها مجرد أوراق تحمل خواطر فتاة موهوبة.

لقد بدأت الحكاية تتسع، لا لأن أحدهما اقترب من الآخر أكثر، بل لأن كليهما بدأ يرى ما لم يكن يراه من قبل: هي رأت أن الموهبة تحتاج إلى حدود تحميها، وهو رأى أن الإعجاب لا يعفي صاحبه من احترام تلك الحدود.

وفي المسافة التي نشأت بينهما، بقيت اللغة وحدها مفتوحة؛ لا تعد أحدًا بالقرب، ولا تضمن لأحدٍ النجاة، لكنها تمنح من يملك الشجاعة فرصةً لأن يقول الحقيقة، ولو بعد حين.

تعليقات

زينب الحسيني - لبنان


قصة جميلة السرد ،وحبكة موفقة حمَّلتها الكاتبة ما تهدفه من رؤى وأفكار. أرى أن بؤرة النص تتعلق في
حرية الكاتب باختيار اللغة "مكاناً يحتمي فيه من تدخلات الآخرين الذين لا يعرفون أن الأبواب لا تفتح بالقوة، شريطة ألا يتحول هذا المكان إلى سجن انفرادي يختبىء فيه إلى الأبد" وقد وردت أفكار ورؤىً كثيرة
في القصة منها: أن على من يختار الكتابة أن يحافظ على صوته الخاص
وسط الضجيج اي ألا ينجرَّ وراء "عفوية الجماهير" ورغباتهم (هم) وألَّا يبيع أسراره لمن يصفقون لكلماته.

أراها محقَّة تماماً ، لأننا نعيش عصر "التفاهة" كما نعته الفيلسوف الكندي
ألان دونو (Alain Deneault)
عصرٌ يرفع الوضيع الهش، ويبخِّس
بما هو غالٍ قيِّم...
أما عن حبكة القصة فهي حبكة فنية منتقاة بعناية استطاعت أديبتنا أن تنسج من خلالها قصة حبٍّ ظل خفيَّا
كما أرادت له البطلة لأنها لم تكن متأكدة من إعجابها بأستاذها "فتحي" رغم انه عاد وصحح تصرفاته معها ، وفهم أن عليه أن يمنحها
(حرية الإختيار)
البطلة "هالة" تحمل رؤية الكاتبة مصرَّةٌ على "أن الكتابة لا تمنح الآخرين الحق في امتلاكها" وقد تركت خاتمة القصة بلا قرار حاسم في الارتباط ب"فتحي" تركته رهناً بتطور العلاقة بينهما.
القصة تحمل بعداً إجتماعياً وتفتح
للمتلقي مجالا رحباً للتأويلات والتساؤلات عن البحث الدقيق ودراسة العلاقة بتأنٍّ بين اثنين ينويان الارتباط بالزواج؛
لأن الزواج الناجح المستمر ، هو ذلك
الارتباط المبنيُّ على الحب والإعجاب
المتبادل المدعَّم بتوافقٍ بالحد الأدنى
على مساحة من حرية الاختيار والحركة بين الزوجين.
وللنص أكثر من قراءة ولكل متلق الحق
في التأويل مما يثري النص ويغنيه.
تحياتي وكل التقدير للاديبة المتألقة دوماّ هدى الحجاجي وتمنياتي لها بدوام التألق والنجاح.
 
أعلى