طارق الطيب - العلم شهيق والفن زفير

فى مدرستى فى مصر فى أوائل الستينيات؛ مدرسة الإمام محمد عبده الابتدائية المشتركة فى عين شمس، كانت لدينا حصص ممتعة ضمن المنهج الدراسى: حصة للموسيقى وأخرى للرسم وثالثة للألعاب ورابعة للزراعة. كانت هذه الحصص هى الأكثر متعة لنا، على عكس حصص الحساب والمحفوظات والدين، فالحساب كانت حصة إرهاق الذهن وتعدد الأخطاء، نسمع فيها وصفنا من الأستاذ أو الأبلة طوال الوقت بكلمة (حمار)، وحصة المطالعة والمحفوظات التى كانت ترهق الكثيرين فى القراءة والإجابة عن الأسئلة، تتردد فيها كلمة (بليد)، أما حصة الدين فكنا نتعرض فيها للتقريع الأشد والتوبيخ بكلمات مثل: (بغل، إبليس، بَجَم، مقطف، جحش)، إضافة إلى حمار وبليد، مع ترهيب مزعج من عذاب النار وأخبار جهنم لمن لم يحفظ السور والأحاديث عن ظهر قلب. * حصة الزراعة كانت حصة خاملة، لم نتعلم فيها الفرق بين البرسيم والملوخية، كانت دائماً لأى أستاذ مشغول فى حصته الأساسية، يأتى لدقائق ويطلب منا تنظيف حوش المدرسة من أوراق الشجر؛ على اعتبار أن هذا النشاط مرتبط منطقياً بالزراعة. أما حصة الألعاب، فكانت حصة جادة بالفعل، الأبلة سعاد كانت شخصية محبوبة من الكل ودارسة للرياضة، طلبت منا فى أول حصة أن نشترى ملابس رياضية كاملة لحصتها (فانلة وشورت وشوز)، فرحنا فرحاً لا حدود له ونحن نزف لأهالينا الممتعضين هذا النبأ العظيم. حصة الموسيقى: لم يجرؤ أستاذها أن يطلب منا شراء أدوات موسيقية أقلها قيمة تظل فوق قدرات أهالينا. اكتفى بالبيانو الضخم فى غرفة الموسيقى، يعزف هو عليه بمفرده أو يُحوّل الحصة لأناشيد وأغنيات للأطفال وسط جوقة أصوات متنافرة، لكنها كانت حصة تبهجنا وترضيه هو بالانهماك مع البيانو حتى يكاد ينسى هذا الجيش «المسرسع» من خلفه! أما حصة الرسم فقد كانت مريحة، رغم أننا لم نتخلص من موضوع الحرب ورسم انتصارنا على العدو الإسرائيلى؛ رسمت ضرب إيلات عشرات المرات، مع كمية لا بأس بها من الأعلام، وانتصرت على الورق أيضاً مرات ومرات، وفى حالات السلم لم يخرج الموضوع عن الرسم فى موضوعين فقط: الأعياد وحديقة الحيوان، دون أن يعلمنا الأستاذ كيف نرسم، بل كان ينتقد رسومنا الساذجة ويصفها أحياناً بأنها غبية! * أعتقد الآن أن هذه الحصص الجميلة قد ضاعت للأبد فى كثير من المدارس بدلاً من أن تتطور، والأسوأ أننى سمعت أن هناك من ينادى الآن بحذف الفنون الجميلة من المدارس والجامعات باعتبارها زائدة أو لا قيمة لها. من يطالب بهذا لا يدرى أنه يستأصل جزءاً مهماً وأصيلاً من توازن الشخصية، وأن هذا الخلل فى تلقى الفن لا بد أن يخلق فى أزمنة لاحقة خللاً مماثلاً فى أحاسيس الناس وفى الفهم والتفاهم بينهم. ومن ناحية أخرى، تتحول تدريجياً العملية التعليمية بمجملها ما بين نوعين من التعليم؛ تعليم خاص بمصروفات عالية يتركز فى الغالب على تعليم اللغات الأجنبية، دون أن نحبب تلاميذنا فى لغتنا العربية الجميلة، والأسباب أيضاً منطقية ومفهومة؛ فمن ذا الذى يرغب فى إرسال أولاده وبناته إلى مدارس عامة -وهى النوع الثانى- يعانى الأساتذة فيها من ضحالة المرتبات وشظف العيش فلا يرغبون فى التدريس، ناهيك عن شكل المدارس والفصول والإمكانيات البائسة التى قد تقتل حتى الموهوبين. إضافة إلى الخطر الأكبر الذى يكمن فى خلق شرخ تعليمى يمحو انسجام المجتمع. * الحالة الأوروبية أيضا رغم تطورها الكبير تتجه فى السنوات الأخيرة إلى النيل من حصص الفنون لصالح حصص البرامج المعلوماتية والكمبيوتر، وهذا توجه غير حميد؛ فإذا كان العلم هو الشهيق فالفن هو الزفير، لا يمكن أن تشهق فقط طول الوقت دون زفير أو العكس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى