زياد الحكيم - الأدب والوجودية

تعود اصول الوجودية الى كتابات الفلاسفة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. وعلى رأس هؤلاء فردريك نيتشه ومارتن هايدغر وسورين كيركيغارد. والوجودية جملة فضفاضة من الاراء الفلسفية التي تسعى الى معالجة المشكلات المتأصلة في الوجود الانساني. وفي مقدمة هذه المشكلات احساس الانسان بان الكون والحياة لا معنى لهما ولا غاية.

واذا كان الامر كذلك فانه يتعين على الانسان ان يجد معنى لوجوده. واشتهر الفكر الوجودي بانه فكر تشاؤمي وعدمي لانه يعتبر ان الحياة عبثية وان الانسان بحاجة الى ان يعمل فكره في البحث عن معنى للوجود. وبامكاننا ان نتفهم اسباب هذه السمعة. فالبعض يعتقد ان سعي الانسان الى خلق معنى لوجوده هو سعي عبثي لا طائل من ورائه. ليس هذا فحسب، بل ان البعض اتهم الفكر الوجودي بانه يعتبر الانسان كائنا ضائعا يعاني من الوحدة والقلق والخوف. ولكن الواقع هو انه لا شيء في الفكر الوجودي يمكن اعتباره انتقاصا من قيمة الانسان او الواقع. بل ان الفكر الوجودي يعتبر انه لا حدود لقدرة الانسان – اخلاقيا وفكريا – على احداث تغيير مهم في العالم. واذا لم يحدث هذا التغيير فان الوجود الانساني سيكون عبثيا على نحو كامل. وبعبارة اخرى، لا يكفي ان يكون الانسان موجودا في هذا العالم. بل يجب ان يكون شيئا فعالا فيه. واذا لم يحدث هذا فان الحياة ستكون فعلا بلا معنى ولا هدف. من هنا نجد ان الفكر الوجودي قادر على ان يكون وسيلة ايجابية في مواجهة الواقع.

وتعتبر كتابات سورين كيركغارد الاساس الذي بنى فوقه المفكرون والفنانون الذين جاءوا بعده الفلسفة الوجودية. وكان كيركغارد فيلسوفا هولنديا مهتما بعلم النفس وعلم الاخلاق. وانصبت اهتماماته الرئيسية على معرفة ردود الفعل البشرية في الازمات والخيارات التي تمنح الحياة الانسانية شكلها ومعناها. ودرس طبيعة الايمان في مواجهة الخسارة والخوف.

وتأثر عالم الفن تأثرا كبيرا بالفكر الوجودي منذ بداياته في القرن التاسع عشر. وكان لفن الرواية والسينما فيما بعد اسهامات مهمة في الفلسفة الوجودية. واعتقد الوجوديون ان بامكان الادب ان يقوم بدور مهم في التعبير عن فلسفتهم ونشر افكارهم. وبما ان الفلسفة الوجودية لا تشكل جملة متماسكة من الافكار فان الادب المهتم بها ليس له اسلوب واحد. ففي هذا الادب اساليب تختلف من كاتب الى آخر. ولكننا نستطيع ان نتبين فيه خطوطا مشتركة.

في الادب العالمي صنفت اعمال فيدور دوستويفسكي في عدد من الحركات الادبية المختلفة لانها تكشف عن سمات وخصائص كثيرة مختلفة. ومع ان هذه الأعمال تتحدث عن بيئات روسية في الاساس الا ان الشخصيات فيها تواجه ازمات محددة تتجاوز الحدود الثقافية وتتحدث عن مشكلات مشتركة يواجهها البشر في العصر الحديث. وتقدم لنا رواية (الجريمة والعقاب) مثالا معمقا لما يمكن ان يكون عليه الحال عندما يشوه بعض مبادىء الفكر الوجودي مما يؤدي الى تفسخ اخلاقي ودمار شخصي. فالبطل في الرواية - راسكولنيكوف – يسوغ لنفسه قتل مرابٍ جشع بان هذا القتل يساعده على توظيف المال المسروق في عمل خيري. وهذا التفكير الذي يتبناه انسان تائه والذي لا يقره المجتمع هو - كما يبين دوستويفسكي - محكوم عليه بالافلاس والفشل. يضاف الى ذلك ان راسكولنيكوف يحاول ان يقنع نفسه بان في قبضته قدرة فوق-بشرية ويعتبر ان بعض الناس يولد وهو يمتلك الحق والامتياز للعمل خارج قوانين المجتمع واخلاقياته. ولكن هذه الفلسفة تنهار في آخر الامر ويبقى راسكولنيكوف وحيدا في مواجهة الخوف الامر الذي يبرز الاخطار المترتبة على أنانية الانسان.

وألبير كامو كاتب وجودي آخر، بالرغم من انه رفض هذا التصنيف. وهو يصور اشخاصا في صراع مع اوضاع وانظمة لا سيطرة لهم عليها. ففي رواية (الغريب) يرتكب البطل جريمة قتل. وهو يفتقر الى مشاعر انسانية حقيقية فلا يشعر بالذنب او الندم نتيجة الجريمة التي يرتكبها. ولا يشعر بالحزن على وفاة والدته. ولكنه يشعر بالعزلة والقلق والاحساس بالتفاهة في نظام اجتماعي وسياسي خارج عن سيطرته.

ويعالج صمويل بيكيت في مسرحه جملة من الافكار والفلسفات المستمدة من حقبٍ عدة في تاريخ الادب والفلسفة. فالخشبة في مسرحه مجهزة بحد ادنى من الاثاث، وشخصياته تبدو غريبة وغير مكتملة. وهو يرفض المسرح التقليدي، فالصراع الذي يقدمه في مسرحه يشعر الجمهور بكثير من الاحباط. فلا يعرف اشخاصه الى اين هم ذاهبون. ولا هم يعرفون لحياتهم اي معنى او هدف. ولذلك فهذه الحياة صعبة الى درجة رهيبة، ومحبطة، ومشوهة. ومسرحيات بيكيت اشبه بمرآة تعكس جنون الوجود الانساني المعاصر.

ويعتبر جان بول سارتر اشهر المفكرين الوجوديين في القرن العشرين. وكان الوحيد الذي رفض تسلم جائزة نوبل عندما فاز بها. وقد وظف حياته في خدمة القضايا الانسانية والاجتماعية. وتتميز مساهماته الادبية بالعمق والشمولية بالرغم من قلتها. وفي رواية (الغثيان) يعالج سارتر قصة انطون روكانتان وهو اكاديمي على وعي كبير بتفرد تجربته حتى ان الاشياء – وحتى الناس - اصبحت خارج اهتمامه بالرغم من محاولات جادة لايجاد معاني لها. وبذلك يحقق حرية كاملة ومع الحرية الكاملة عزلة كاملة. وفي الرواية الحرية الكاملة شيء فظيع ومرعب. والغثيان هو ما يشعر به البطل عندما يواجه حقيقة وجوده. وفي الحياة اعتبر سارتر هذه الحرية حافزا للعمل. واعتبر الانسان الحر مسؤولا مسؤولية كاملة عما يقوم به من عمل.

وكما دخلت الوجودية التيار الفلسفي والادبي بسرعة خرجت منه بسرعة وفقدت شعبيتها. ذلك ان الوجودية لم تكن فلسفة متماسكة، بل كانت - كما قلنا - جملة من الافكار والاراء المتعارضة المتشابكة. ورفض كثير من المفكرين والادباء ان يصنفوا على انهم وجوديون. وغدا واضحا ان تبني الافكار الوجودية في الفنون المختلفة أفقد هذه الفنون معناها وجدواها، وراح المفكرون يبتعدون عنها شيئا فشيئا. ويتبنى الادب المعاصر العديد من الافكار والفلسفات المختلفة الى درجة ان الفلسفة الوجودية خفت صوتها في خضم الاصوات المتعالية المنافسة. ومع ذلك فان بعض الروائيين والفنانين يعتقدون ان الوجودية لاتزال قوة حاضرة في الادب المعاصر بفضل اعمال كافكا وسارتر التي تحظى بشعبية بين بعض القراء.

[email protected]
لندن - بريطانيا
  • Like
التفاعلات: محمد فائد البكري

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
61
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى