إيمان أحمد إسماعيل - أسئلة ذات آلام متكررة.. شعر

يا صديقي
ماذا تدخر لحياتك القادمة

هل أحببت البنات بما يكفي؟
هل تمطيت بسرير الإلفة وأسدلت ستائر الحياة؟
هل شربت من مياه تلك البحيرةِ الصافية دون أن تفكر في أعداد البكتيريا والكوليفورمات الساكنة والمقيمة بها؟
هل ولدَتْك أمك مرتين؟
هل لفظَتْك حبيبتُك آلاف المرات، لكنك لم تضع سلاحك على الأرض ومازلت تحارب؟
هل أخْبَرْتَ الطفلة التي تتسول ببيع المناديل الورقية أن تذهب وإلى الأبد؟
هل أخبرت سائق التاكسي بأنك شاكرٌ وممتنٌ، لكنك لا ترغب في المزيد من الطعام؟
..........

وانتِ
يا أيتها المرأة الواقفة على تلٍ من السحاب المتحجر
متى ستنزلين من عليائك لتخبرينا – كمريم- أن للحياة مزالق وجيوب كثيرة لابد أن نتمشى بها حتى نَتَنَشّق معناها؟ وأن معناها الأسمى هو أن نعيشها؛ وأن عم علي يكبر كل يوم ليضحي أصغر سنا؛ وأن الدكتور بيري سيصبح في يومٍ ما أكثر نشاطا وحيويةً، لكنه لن يترك التدخين؛ وأنني سأتعلم تعاطي السجائر حينما أدخل في سجادة الموتى وأن صديقتي ستخطر الرجل الذي أحبَّته بأنه يليق بها، فقط عندما تموت جدتها السبعين وتنبعث من الموت كامرأةٍ شابةٍ في الزهرة والعشرين من عمرها؛ وأني سأعتنق البوذية بصورةٍ قاطعةٍ ونهائيةٍ حينما تلتحق أمي وذكرياتي وشجوني بالملأ الأكثر علوا وراحة – الملأ الذي يحمل ابتسامات.

.............

هل أخبرت صانعة الطعام بأن تعد الأشهى منه فقط؟ وهل كَلَّمَتْكَ أمك عن سر طبختها الماهرة التي تعجنها بيديها وتعصر فيها من حليب الحب والإلفة والذكريات. تلك الطبخة ذاتها التي لم تتقنها حبيبتك يوما. ذات الطبخة التي حاولت الأخيرة أن تصنعها فتعثرت وسقطت على كاحلها ثم كسرت ساقها وباتت تمشي عرجاء.

هل أخبرت الفتاة التي تضع على رأسها تاجا لا يراه سواها بأن الحياة أقل تعقيدا بكثير؟ وهل أخبرت الأخرى بأن صنعة الحياة تستحق منها التوقف والسؤال؟ سؤال الذات بكل تأكيد وليس الإكثار من سؤال الآخرين.

لا تفكِّر بالرحيل إذن.

.............

هلا توقفت عن إخبار الآخرين كيف يغسلون أيديهم بأفضل طريقةٍ وكيف يتناولون الشاي باليد اليمنى وليس باليسرى.
هلا توقَّفَت المدارس عن ابتداع جوائز وهميةٍ لمنافساتٍ أكثر تقاعسا ورجوعا عن روح الحياة الأولى وأكثر تباعدا عن مجتمعاتنا الأصلية بحجةِ "المدنية" و"التطور" والصعود إلى الفضاء.

لا تعُد دقائقك إذن، فلديك الكثير لفعلِه قبل أن ترحل.
.............

عجلة التنمية تمشي كيفما اتفق. والمزيد من النساء يتم اغتصابهن بصورةٍ منظَّمةٍ ومرتّبَةٍ جيدا بدون ارتكاب الكثير من الزَلاّت. هنالك المزيد من القتل الجماعي. والمزيد من أبخرة المصانع وذوبان الثلوج وترجرُج الكون من أرجائه السبعين وقرونِه التسعين وشعيرات استشعاره التي لا حصر لها ولاعد.

لا تفَكِّر بالذهاب إذن.
مازال هنالك الكثير.

..............

سنحرق المزيد من الأخشاب.
ونطلق الكثير من الأبخرة، حيث نصنع المزيد من السيارات والقطارات – شكرا للتكنولوجيا الصناعية.
سنفقد المزيد من الهكتارات المزروعة، بالقمح والذرة واللوبيا والقطن وننسى رائحة الطين وملمسه. كما سنغرق في الطين الصناعي ونحتسي اللبن الصناعي ونمارس الجنس الصناعي وترتدي النساء أثداء وشفاه صناعية ويرضع الأطفال حليبا مليئا بالسيليكون بدلا من أعشاب الحُبِ والصِدقِ والكاميليا والينسون.

...........

سنحفز المزيد من التسوناميات ونُغْرِق المزيد منا في صراعنا الدائم مع الطبيعة والحياة. سوى إن باولو كويلهو سيظل يكتب لي ولكم. ومريم ماكيبا ستظل تغني حتى بعد أن ماتت. وصوتُ المؤذن سيتردد عند الثالثة صباحا، يذكِّرُني بميقاتِ الصلاة ويزعجُ الآخرين. وستظل البنت التي من رواندا تؤكد لي بأنها إما أن وُلِدت مسلمةً أو جعلها أبوها تعتنق الإسلام في فترةٍ من فتراتِ حياتِها المبكِّرة – ولن يهمنى كثيرا. بل سيزعجني ذلك، حيث أراها تتقرب لمن هم مسلمين بالطريقة التي لا تناسبنى ولن أخبرها.

هلا تمهلت قليلاً إذن، فبالعالم المزيد من الآلام يريد أن يخبرك بها قبل أن ترحل.

...............

لاترحل قبل أن أخبرَكَ بإن إيقاعات الماريمبا هي التي تحيلني إلى مجذوب..................
وأنها تشبه صوت المياه
وأن صوت المياه الصافيةِ يشبه تغريد العصفور
وأن انسياب لحنها يذَكُّرنِي بالبلبل الليلي
وأن تغريد البلبل يتقطر كصَبِ الماء على كأسٍ غرير
وأن موسيقاه المتتابِعة تشبه تسارِعِ إيقاعات قلبي الهارب إلى الأبد
وأن قلبي كالأسد المتجول الصائل في مناحي البراري والوديان
يذرع البَرِيَّةَ ويتمشى نحو الخلجان
ثم يعود جائلا،
يتقَطَّر الماء،
يَنْصَبُّ في أكواب الماريمبا،
نشربه عسلا يشفي القلوب
ويصقل الوجدان.


21 أكتوبر 2009[/TD]




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى