أمل الكردفاني - العالم الخارجي - مسرحية من منظر واحد..

🎭 المسرح:

زنزانة مظلمة حيث كوة عالية بسياج حديدي ينفذ من خلالها ضوء باهت وعلى يسار المسرح باب حديدي

السجين- (مقرفص في ركن الزنزانة)..خمسة عشر سنة..اليوم كما أخبرني الحارس هو آخر ليلة لي هنا.. مائتان وخمسة وعشرون شهرا مضوا..السنة هنا سنة حكومية..تسعة أشهر فقط..الحكومة تسرق كل شيء حتى شهور السنة لم تسلم منها...(يقف ويتأمل الكوة البعيدة)..آه..عشت هنا بسلام كل هذه السنوات...نعم..تعرضت لبعض المضايقات خاصة من الحراس الجدد ثم بعد ذلك يعتادوا علي وأعتاد عليهم..بعض الأعمال لتوفير نقود لمصلحة السجون..ليست أعمالا شاقة..تنظيف المراحيض...وأيام الشباب تصريف بعض احتياجات الحراس الجنسية..لكن ليس أكثر من ذلك...لم أر وجهي في المرآة طوالي هذه السنوات لكنني (يتحسس رأسه) ..لكنني كلما تحسست رأسي كنت أجد شعره يخف ويخف..أعتقد أنني صرت أصلعا...(يبتسم) أتذكر كيف كنت قبل ذلك أربي شعري..أرتدي الشارلستون...وأضع نظارة الشمس كبيرة الإطار على عيني...يقال أن العالم تغير كثيرا في الخارج...هل هذا صحيح...يقال أن الموت أصبح أسهل...أخبرني زميل لي بذلك ثم غادر الزنزانة مدعيا أنه أصيب بالجنون...أخبرني بأنه سيفعل ذلك وأن علي ألا أخاف حينما يمثل دور المجنون...لم يقض في هذه الزنزانة سوى ثلاثة أشهر لجريمة النصب والاحتيال..ويبدو أنه استطاع النصب على الحكومة أيضا...لكن..لكن الغريب أن هناك من أصيبوا فعلا بالجنون بعد بضع سنوات من السجن هنا.. أتذكر ذلك النحيل...الفتى النحيل الذي جن فجأة...حاول خنقي أثناء النوم...كان يصيح: أنا المسيح الموعود..أنا المسيح الموعود...يا بطرس الخائن...وكنت أصيح محاولا الفكاك من قبضته: من بطرس هذا..أتركني يا مجنون...(يقهقه) آه كانت أيام... ماذا حدث معهم يا ترى....خرجوا إلى العالم هناك..وراء هذه الزنزانة.. في بداية مدة سجني كنت أسمع نهيق حمار...صحيح (بدهشة) لم انتبه لذلك..أين اختفى الحمار...هل مات..يبدو أن صاحبه كان يجيعه لذلك كان ينهق طوال الليل..الحمير تنام واقفة...كيف تتحمل أعصابها وعضلاتها ذلك...هل هي تنام واقفة فعلا أم أنني كنت أتخيل ذلك...لقد تربيت هنا... خبرتي لم تكن طويلة..ففي اليوم الذي بلغت فيه الثامنة عشر من عمري قتلت ذلك المسكين...لماذا قتلته..إنني لا أتذكر..في الواقع أتذكر.. ولكن..ولكن يبدو لي السبب غير منطقي أبدا..بل..بل مضحك جدا..استفزني عندما شتمني بفرج أمي...(يضحك) هل حقا كان هذا هو السبب...لا .. لا ... لكن..لكن ربما شكله... أنا لا أتذكر ملامح وجهه بدقة..لكنها كانت ملامح قبيحة..ما أتذكره أنه كان ضخم الجثة...لكن لا شيء أكثر من ذلك...حاول خنقي فلطمته بحجر شدخ رأسه...(يبدو غاضبا) أوووووو...ليس ذلك واضحا بالنسبة لي...على أي حال...على أي حال ليس ذلك مهما الآن...في المحاكمة ..نعم .. جاءوا بأربعة شهود.. هل هم أربعة..لا ..أعتقد أنهم كانوا أكثر من ذلك...أكثر بكثير..لأنني أتذكر أن القصص التي رويت عن الحادثة كانت كثيرة جدا...حتى أنني أنا نفسي لم أعد قادرا على تمييز الحادثة الحقيقية من بين باقي القصص.. محاكمة استمرت قرابة سنتين....سنتين أم سنة ونصف..أو .. أو ربما سنة وسبعة أشهر..تقريبا..ذكروا عدة روايات للجريمة داخل المحكمة فاختلط علي الأمر...في النهاية حاكموني عن رواية مختلفة تماما عن روايات الشهود...كان للقاضي الأول روايته وللثاني رواية مختلفة ولمحكمة النقض قصتها...وحتى عند تنفيذ الحكم روى لي مدير السجن قصة مختلفة عن قصص الآخرين...لا أعرف هل فعلا ضربته بحجر أم طعنته بسكين أم أطلقت عليه الرصاص...لا أتذكر .. لكنني في كل الأحوال مذنب.. ليس فقط لأن القانون يراني كذلك..بل لأنني..وبعد كل هذه السنوات ..لا أجد مبررا كافيا لقتلي للرجل...أو.. لعله كان كافيا في ذلك الوقت..لا يجب علي أن أحاكم نفسي قبل خمسة عشر عاما بمفاهيمي الراهنة...وفي كل الأحوال فلم أخسر شيئا بقدر ما خسره القتيل...ولم يخسر القتيل أكثر مما خسرته..هو أعلنت وفاته وأنا لم تعلن وفاتي..لكنني أيضا توفيت معه...أنا لا أعرف..ربما لو لم أدخل السجن..ربما كانوا قتلوني..وربما كنت تزوجت وأنجبت..وربما توفيت بسبب الطاعون..أو أصبت بعاهة مستديمة...كل الاحتمالات مفتوحة..لذلك لا يمكنني أن أحكم على حاضري...ما أعرفه أنني اندمجت في هذه الزنزانة..عشت داخلها بسلام.... أعمل قليلا وآكل ثم أنام..بعض التمارين الرياضية ..أخبرني طبيب السجن الشاب بضرورة ممارسة الرياضة...فمشيت داخل زنزانتي حتى أن الحارس صاح طالبا مني التوقف عن الدوران..لأنه أصبح يشعر بالغثيان من مشاهدتي وأنا أدور وأدور...ولي فيها ذكريات...نعم ذكريات لطيفة....و زملاء وضعوا بصمة حضورهم في قلبي..منهم ذلك السياسي الذي كان يجلس في ذات ركني هذا ويبكي.. كان يبكي بكاء مريرا لأنه وشى بزملائه فأعدموهم جميعا وحكموا عليه هو بسجن مخفف ثلاث سنوات.. غير أنه لم يكمل المدة ..بضعة أشهر وخرج ثم عينوه وزيرا...(يضحك) الحياة غريبة فعلا...هل هناك شيء لم يحدث فيها...هل فيها شر وخير فعلا أم أن كل مافيها مسرحية هزلية..تعلمت من حكايات زملائي الكثير وحصلت على الحكمة..أعتقد ذلك..فأنا لست أميا على أي حال...لقد أنهيت التعليم المدرسي..لم أكن متفوقا..ولو أنني أعتقد بأنني لم اكن بليد الذهن..كل مافي الأمر أن أيام الطفولة والمراهقة لم تتح لي فهم أهمية التعلم..أحد زملائي هنا قال لي أن الدراسة ليست مهمة في ذاتها..قال كلاما كثيرا...لقد أقنعني حينها بذلك لكنه بعد أن مات لم أجد كلامه مقنعا...لا أتذكر ماذا قال بالتحديد..ولا أريد أن أتذكر...أتذكر فقط جثته القصيرة السمينة...كانت منتفخ الأوداج معتدا بنفسه واثقا من ذكائه..قال بأنه يدير ملايينه من داخل السجن أفضل مما لو كان بالخارج...(يضحك) كانت أشهر وجوده معنا أشهر خير...لقد كان يغدق علينا بالطعام الفاخر والدخان...وأتذكر أنه كان يدخل أيضا زجاجات النبيذ المستورد الفاخر ويوزعها علينا بكرم شديد..كل ذلك بعلم مدير السجن...وما أن وجدناه جثته متجمدة في الصباح حتى توقف كل شيء كما توقف قلبه عن النبض...قال بأنه يحب المال..كان يأكل كميات مهولة من الطعام..وكان يتحدث أثناء الأكل بسرعة عن أهمية التمتع بنعم الحياة...يأكل ويأكل ويأكل...قال أن كل متع الإنسان لا تكتمل..بل تنتهي لتعاود لذتها من خلال الألم..وأن علينا أن نسعى لإشباعها بقدر المستطاع....كلامه أربكني كثيرا ولا أعرف لماذا بكيت حين قال ذلك وهو يأكل بتلك الشراهة...ثم بكيت وأنا أرى جثته الهامدة وعينيه المغمضتين في سلام...(صمت).....هنا في هذه الزنزانة...كنت كالإله..أراقب كل شيء بصمت وأتعلم من الآخرين...(يصدر صوت انفتاح رتاج باب الزنزانة فيبدو السجين فزعا..يحدق في الباب بخوف) يا إلهي...لا .. لا أريد الخروج...لا تكونوا قساة أكثر من هذا... بعد كل هذه السنين سيكون العالم الخارجي سجنا جديدا....يقال بأن كل شيء تغير في الخارج..لقد رأيت السجين الغني يأتي بأشياء عجيبة..كنت كلما حدقت فيها نظر نحوي وضحك ساخرا وقال بأن هناك أشياء كثيرة فاتتني في الخارج...أنتم لا تفهمون...سأكون في بلد غريبة علي تماما...عالم غريب....وربما تعرضت للسخرية والأستهزاء...ماذا أفعل في الخارج....وأي حرية تتحدثون عنها...الحرية هنا..هنا في هذه الزنزانة وليست في الخارج...في الخارج عالم قاس وله سطوته على الضعفاء أمثالي..ماذا سأفعل بحرية كحرية من يضيع في الصحراء....(يصدر صوت تحريك رتاج الزنزانة بقوة أعلى) ..لكن..لا أحد لي...منذ أن دخلت هذه الزنزانة ولم يزرني أحد...كان السجانون والمساجين هم أقاربي...هنا أصبحت كالسمكة في الماء...خمسة عشر عاما...كبرت فيها ..من عمر الثامنة عشر..وحتى الثالثة والثلاثين..من الغوغائية والطيش للهدوء...من الكبرياء للتواضع...من الشعور بأنني أعرف كل شيء إلى أنني لا أعرف أي شيء.. خمسة عشر عاما...عمر كامل يا سادة...فكيف تلقوا بي إلى الخارج هكذا...(يصدر صوت الرتاج مرة أخرى).. اللعنة.....آه.....(ينفتح باب على يسار المسرح...يشع نور من الباب ويغمر السجين...فيسقط رأسه على صدره ويسير نحو الخارج كما لو كان نائما)...
(ستار)

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
51
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى