عبد القدوس التجكاني - وقفة مع كتاب "مقال في الإنسان" لعائشة بنت عبد الرحمن (الفصلين الأول والثاني)

[SIZE=26px] [/SIZE]وقفة مع كتاب "مقال في الإنسان" لعائشة بنت الشاطئ:
أثار مفهوم الإنسان لغطا فكريا واسعا بين الفلاسفة و المفكرين، فاختلفت تحديداته باختلاف التوجهات و المرجعيات، فقال بعضهم الإنسان كائن يتميز بالعقل، و قال آخر الإنسان حيوان ناطق أو متطور ...، هكذا تباينت نظرة الفلاسفة إلى مفهوم الإنسان و ما يتعلق به من إشكالات كأصل الوجود وغايته، ويكفي طارح هذا الإشكال االفلسفيِّ أن يربطه بالفكر الإسلامي حتى يتبين كنه الإنسان ببرهان القرآن و حجة السنة.
تعدّ المفكرة المصرية عائشة بنتُ عبد الرحمان واحدة من بين مَن تحدثوا عن مفهوم الإنسان من منظور إسلامي من خلال كتابها" مقال في الإنسان - دراسة قرآنية" لتقربه من القارئ انطلاقا من تدبرها للقرآن الكريم
فكيف ينظر القرآن الكريم إلى الإنسان؟ وإلى أي حد استطاعت عائشة بنت الشاطئ أن تسهم بتدبرها هذا في إغناء الفكر الإسلامي ؟

قراءة في العنوان.
جاء عنوان الكتاب مركبا إسناديا من مبتدإ محذوف خبره "مقال " ،بعده شبه جملة متعلقة به، وكلمة مقال مصدر ميمي يدل على قول أو كلام إما مكتوبٍ و إما منطوقٍ، موضوعُه الإنسانُ، و يشير التركيب الوصفيُّ "دراسة قرآنية " بعد العنوان إلى طبيعة هذا المقال و خصائصه، مما يجعلنا نفترض أنه سيقدّم دراسة لمفهوم الإنسان في القرآن الكريم، وهذا ما صرّحت به الكاتبة في مقدمتها وهي تكشف عن الظروف التي عاشتها بعد وفاة أمها، لما اضطرت إلى ترك العاصمة، لتتجه إلى الانعزال عن العالم و لملمة الذات متسلحة بتدبر آيات الله، "وعكفت في عزلتي على القرآن الكريم ، وليس معي هنا زاد غيرُه، أستقرئ ما فيه من آيات عن هذا الإنسان، بكل قوته و ضعفه و هوانه ، وكل غروره، و أتتبع مشاهد رحلته من عالم المجهول إلى عالم الغيب..... إنها رحلتنا جميعا.." 1.

1- "هذا الإنسان".
استهلت الكاتبة مقالها بتصدير، أفردت له صفحة بعنوان " هذا الإنسان" مستعملة اسم الإشارة "ذا " للتعريف بالمشار إليه "الإنسان" متبعة إياه بسورة العلق،و لعل في هذا التصدير إيماء منها إلى انطلاقها من المجمل نحو المفصل في كشفها مغازي الآيات القرآنية.
فلم أشارت للإنسان بسورة العلق؟
وكيف فسرت هذا التعريف المقدم للإنسان؟
* الإنسان، والإنس، والبشر.
إن أول ملاحظة يجلوها الناظر من هذا العنوان هو الفواصل ، و واو العطف بين ثلاث كلمات ، انطبعت في أذهاننا على أنها تحمل معنى واحدا،لكنّ العلاقة العطفيّة بينها ، توحي بانتفاء هذا القاسم المعنوي المشترك ، وهو ما تؤكده الكاتبة بقولها "و كثيرا ما تجري معاجمنا و كتب مفسرينا على القول بهذا الترادف ،مع أن الحس اللغوي الأصيل للعربية يرفضه، و البيان القرآني هو الذي يجلو هذا الحس المرهف في ذروته نقائه و عز أصالته"2 .
إنّ في هذا الكلام إحالة على قضية الترادف اللغوي التي انقسم حولها العلماء بين قائل بوجود المترادف في اللغة، وبين منكر له،و يبدو أن الكاتبة ذهبت مذهب المنكرين له أمثال ابن فارس "ت 395" الذي صرّح " ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف و المهند و الحسام.
وقولهم في هذا أن الاسم واحد و هو السيف و مابعده من الألقاب صفات،....قالوا ففي قعد معنى ليس في جلس وكذا القول فيما سواه و بهذا نقول هو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن يحي ثعلب"3 .
نظرا لما ذكر آنفا، يمكن القول إن التكوين اللغويّ يسّر للكاتبة مهمة التفريق بين الإنسان و البشر و الإنس، وهي تتدبر، لتستقرئ مواضع ورود "البشر" في القرآن كله ، فتخلصَ إلى "أن البشرية هي الآدمية المادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وفيها يلتقي بنو آدم جميعا على وجه المماثلة التي هي أتم المشابهة"4.
أما الإنس فإنه ورد في كل الآيات -عددها ثماني عشرة آية- مقابلا للجن والغاية من المقابلة إضفاء صفة عدم التوحش ، لأن الجن في دلالته يحيل على الخفاء الذي هو قرين التوحش.
بعد بيان مفهومي البشر و الإنس أخذت الكاتبة تفسر معنى الإنسان المتميز بصفة الإنسانية التي تسمو إلى المرقى الذي يؤهله إلى حمل الأمانة، لأنه المتفرد بالعقل والعلم و البيان، و المعرَّض لفتنة الغرور بقوته في لحظات زهوه و الضعيف المستكين في أوقات المرض و النوائب.
أجملت الكاتبة نظرة القرآن للإنسان بعد تأملها المواضع التي ورد فيها ذكره،بداية بسورة العلق التي أشارت بها إلى الإنسان في أول الكتاب، لأنها تضمنت ملامحه العامة من خلال تكراره ثلاث مرات:
- الأولى تشير إلى خلقه من علق
-الثانية تشير إلى اختصاصه بالعلم
-الثالثة تشيرإلى طغيان الإنسان و غرورها.
إن هذه الخلاصات التدبّريّة تحيلنا إلى ما قاله عباس محمود العقاد في كتابه "الإنسان في القرآن" أثناء حديثه عن المخلوق المسؤول إذ يرى "أن مناط المسؤولية في القرآن ،جامع لكل ركن من أركانها يتغلغل إليه فقه الباحثين عن حكمة التشريع الديني أو التشريع في الموضوع ..فهي بنصوص الكتاب قائمة على أركانها المجملة :تبليغ و علم و عمل..." 5
إن تفرد الإنسان بالعقل و العلم و المسؤولية يوازيه أيضا تفردٌ بالطغيان والجحود،"فهذا المخلوق المسؤول يوصف دون غيره من الخلائق بالكفر و الظلم و الطغيان و الخسران و الفجور و الكنود ...لأنه دون غيره أهل للإيمان و العدل و الرجحان و العفاف "6.
لقد استطاعت عائشة بنت عبد الرحمن في هذا الاستهلال التعريفي مقاربة مفهوم الإنسان في القرآن الكريم بتدبر فاحص لآياته ،مكنها من رفع اللًّبس و الغبش عن الأذهان التي اعتقدت بعدم و جود بون معنوي بين الإنس والبشر و الإنسان، متخذة سورة العلق منطلقا تأمّليا، تستجلي منه ملامح هذا الكائن ،لتواصل سبر أغواره وهي تسرد قصته من النشأة إلى المصير.

2: قصة الإنسان " خلق الإنسان علمه البيان "
"فلنتابع التأمل في هذه القصة، من المبتدأ... إلى المنتهى7" .
هكذا مهدت الكاتبة لفصلها التدبّري الثاني،الذي ارتأت أن تجعله قصةَ استلهمت أحداثها من القرآن الكريم، مبتدؤها خلقُ الإنسان ،فأمرُه بالسجود لآدم ثم تعليمُه القرآنَ فالبيانَ ليحمل الأمانَة حتى يعمر الأرض مستخلفا فيها. وسنقتصر في هذه المحور على تأملها آية " الرَّحْمَنُ،عَلَّمَ الْقُرْآنَ،خَلَقَ الْإنْسَانَ،عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"، لأهمية البيان باعتباره أول إعجاز انبهرت به البشرية إبان مرحلة الدعوة قبل أن يقف العلماء مع مرور الأعوام مبهوتين أمام عظمة الإعجاز العلمي.
ابتدأت بنت عبد الرحمن حديثها عن الآية بالإشارة إلى لفظ البيان ،بوصفه معجزة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، و خصيصةً ميّز بها البارئُ سبحانه الإنسانَ عن الخلائق،ذاكرةَ الآيات التي تردد فيها ،مع بيان معنى جذرها اللغوي في سياقاته التي تدل على الإبانة والإفصاح و التعبير،لكنّها لم تغص في الدلالات التركيبية للآية ،لتبين المغزى من تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان تاركة السؤال قائما: هل هو تقديم تحكمه العلية أم الزمنية؟. هنا لابد من استحضار ما قاله المفسرون في ذلك قبل استكمال الحديث عن تميز الإنسان بالبيان، وحسبنا في كشاف الزمخشري "ت 538" مجيبا : "عدد عز و علا آلاءه فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه و أصناف نعمائه و هي نعمة الدين ،فقدم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها و أقصى مراقيها وهو إنعامه بالقرآن و تنزيله و تعليمه ....،و أخّر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين و ليحيط علما بوحيه و كتبه و ما خلق الإنسان من أجله ،....ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان.." 8.
انطلاقا من كلام جار الله الزمخشري، يتبين أن تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان في الآية الكريمة، مردّه العلية أي لفتُ انتباه الإنسان إلى العلة من خلقه ،وهي التعبد و تدبر القرآن الكريم ومعانيه بالعقل الذي وُهب إياه و بالبيان الذي تفرد به دون بقية الكائنات،ويمكننا القول إن صيغة فعّل في "علّمه البيان" تدل على التكثير و التدريج فالإنسان لم يخلق بلسان متحدث يجيد اللغة و البيان، و إنما يتعلمه شيئا فشيئا،فيبدأ بالمناغاة و نطق بعض الأصوت رضيعا إلى أن يكتسب بعد توالي الأيام لسانا ذا بيان ، يعبر به عن حاجاته و أحاسيسه ، ليتواصل مع غيره،فيتميز عن الحيوان بهذا البيان، وهنا تشير عائشةُ بنتُ الشاطئ إلى الفرق بين البيان و النطق الصوتي ، مؤكدة على أنه لايجوز وصف كائن غير الإنسان بالبيان مع جواز استعمال "النطق" في نعت الحيوان بشرط الإضافة كما في قوله عز وجل "وورث سليمان داود وقال أيها الناس علمنا منطق الطير و أوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين" ،وقد استشهدت في ذلك بقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن "النطق ..الأصوات المقطعة التي يظهرها اللسان و تعيها الآذان، ولا يقال للحيوان ناطق إلا مقيدا أو تشبيها كقول جرير:لقد نطق اليوم الحمام لتطربا " 9.
من خلال ما سبق، جاز لنا قول إن الإنسان كائن ناطقٌ بالبيان،والقصدُ بالبيان اللغةُ أي وسيلةُ الإفصاح والتعبير، كما عرفها ابن جني "أما حدها: فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ، هذا حدها"10 .
إن تميز الإنسان باللغة و البيان أتاح للفلاسفة و المفكرين وصفه بالكائن الثقافي اللغوي، لأن اللغة من تجليات الثقافة كما يقول كلود ليفستراوس،وهذا ينسجم أيضا مع تعريف أرسطو الذي يقول إن الإنسان كائن يمتلك اللوغوس –الخطاب البلاغي أو اللغة –"وعلى هذا الأساس، فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتوفر على اللوغوس الذي يمكنه من جعل الآخرين يفهمون ما هو مفيد و ماهو ضار " 11.
لم يفت عائشةَ بنتَ الشاطئ في إطار حديثها عن تمييز القرآن للإنسان بالبيان الإشارةُ إلى الجانب الفني و البلاغي لهذا اللفظ الذي يعد مناط الإعجاز و الإبهار، فربنا عز وجل اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا من قوم كانت الفصاحة مدعاة مجدهم وفخرهم،ليعجزهم بسحر بيانه، فاتهموه بالسحر و الشعر لحيرتهم فيما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل إن صناديد الكفر الذين كذبوه "ص" ، لم يملكوا إلا أن يعترفوا بعظمة هذا المنزًّل المعجِز، فهذا الوليدُ بن المغيرة واحدٌ منهم يقول لقومه بعد سماعه آيات من سورة "غافر" : والله إني سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجن ، وإن لحلاوة و إن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر و إن أسفله لمغدق، وإنه لا يعلو ولا يعلى عليه"،هكذا شهد الوليد *كما ورد في كتب السير- بعظمة بيان القرآن الكريم و جماله الذي حاول بعض السفهاء أن يأتوا بمثله كما فعل مسيلمة الكذاب الذي غررت به فصاحته وهو ينطق سجعه الشهير "الفيل و ما أدراك ما الفيل له خرطوم طويل..." ليصير هزأة يتضاحك به على مر العصور.
لقد فاح أريج الإعجاز منذ "فجر المبعث ، فرض القرآن إعجازه على كل من سمعوه من العرب على تفاوت مراتبهم في البلاغة ، وقد تحير المشركون في وصفه، وحرصوا على أن يصدوا العرب عن سماعه ، عن يقين بأنه ما من عربي يخطئه أن يميز بين هذا القرآن وقول البشر"12.
خاتمة
ختاما لما سبق يمكن القول:
- إن عائشةَ بنتَ الشاطئ استطاعت أن تقرب لنا مفهوم الإنسان في القرآن بتفصيل جميل،سافر بألباب القراء إلى عالم التأمل و التدبر في آيات تضمنت وصف هذا الكائن الذي خلق من علق ليكرم بنعمة العقل فيتعلم البيان حتى يحمل الأمانة عابدا ربه محيطا بوحيه المعجِزِ بيانُه و المُنَزَّلِ على سيِّد الورى محمد صلى الله عليه وسلم.
- إنّ هذا المنجز العلميَّ لعائشةَ بنتِ الشاطئ ،ينّم عن تكوين معرفيِّ رصينٍ، ألهمها جسارةَ التدبُّر في القرآن ، لتسبر أغوار الإنسان من خلال كلام خالِقٍه العالِم بأسراره و خباياه، بناء على فهمها الناتج عن تأمل فاحص أخذ قسطا غيرَ يسيرٍ من حياتها،لتثبتَ أنّ المرأةَ المسلمة قادرةٌ على الغوص في يمِّ العلم و المعرفة برؤية لا تقل مرقى عن ذلك الذي ارتقى إليه جهابذة العلم من الرجال.



الهوامش:
1عائشة بنت عبد الرحمن،مقال في الإنسان دراسة قرآنية،دار المعارف ط 2،ص7-
2المرجع نفسه ص11
3أحمد بن فارس،الصاحبي، ت أحمد صقر، دار إحياء الكتب العربية ، مصر ،دط،دت،ص 114
4- عائشة بنت عبد الرحمن،مقال في الإنسان دراسة قرآنية،دار المعارف ط 2،ص 11
5- عباس محمود العقاد، الإنسان في القرآن،نهضة مصر للطباعة، ط الرابعة 2005،ص 10
6-المرجع نفسه،ص 13
7- عائشة بنت عبد الرحمن،مقال في الإنسان دراسة قرآنية،دار المعارف ط 2،ص 19
8-أبو القاسم جار الله الزمخشري،تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل و عيون الإقاويل في وجوه التأويل ج 27، دار المعرفة بيروت لبان،ط 3 2009،ص 1069
9- عائشة بنت عبد الرحمن،مقال في الإنسان دراسة قرآنية،دار المعارف ط 2،ص 45
10- أبو الفتح بن جني ،الخصائص ،ج 1 عالم الكتب تح محمد علي النجار ، ص 33
11-ج ه غاديمير، الإنسان و اللغة، مجلة علامات ، العدد 22-2004 ، ص
12 عائشة بنت عبد الرحمن،الإعجاز البياني للقرآن ومسائل بن الإزرق،دراسة قرآنية لغوية وبيانية،الطبعة الثالثة دار المعارف،ص39
عبد القدوس التجكاني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى