أمل الكردفاني - صيرورة مسرحية

أريد أن اكتب مسرحية عبثية الآن..
لا أعرف عن أي موضوع..لكن لنبدأ ولننتظر التداعي الحر....

المسرح: (وصف المسرح شيء مهم في كتابة المسرحية، لكنني أرى ان هناك مغالاة كبيرة من الكتاب المسرحيين، فهم يتصورون- في كثير من الأحيان انهم يتعاملون مع سينما وليس مسرح، فيكثرون من تحديد مواصفات المسرح..) لذلك فلتكن هذه المسرحية بخشبة مسرح فقط.. يقوم الممثلون بأداء الأدوار بشكل إيهامي، بحيث يشرب مثلا من كوب غير مرئي، ويجلس على كرسي غير موجود، او يتكئ على طاولة غير موجودة وهكذا...
مع ذلك؛ فخلو المسرح من أي أدوات ليس فكرة إبداعية من بنات أفكاري، لكنني جعلت المسرح خالياً لسبب بسيط، وهو أن أترك مساحة أوسع للتداعي الحر. ربما أعود وأصف المسرح بشكل تفصيلي بعد نهاية المسرحية، أو ربما لا أفعل...

لا أعرف ما هي شخصيات المسرحية..دعوني أفكر قليلاً...في الواقع لقد استهلكت في مسرحياتي السابقة أغلب الشخصيات..المحامين والطباخين والمدرسين والقضاة وربات المنازل والراقصات..الخ...لذلك دعونا نبحث عن شخصيات جديدة كل الجدة، ولتكن مثلا...جيد..رائد فضاء...هل معه رائدة فضاء مثلاً؟ لا.. فليكن الجزء الأول بدون امرأة..حتى لا تنحرف المسرحية أو افكار القراء أو المشاهدين-بعد عمر طويل- إلى مفهوم مستهلك بشدة، كالحب، فلتكن مسرحية عبثية بالفعل، فلتكن تراجيدية، أو فلتكن عدمية، يائسة... فلتكن ما تكون...
في وسط المسرح الخالي طبعا، يرقد الرائد الشاب على بطنه، تحكمني في الأسماء ضوابط كثيرة، فلا يمكن أن استخدم الأسماء بشكل اعتباطي، لا يمكن أن استخدم اسماً عربياً أو أفريقياً وهذه الدول لم تبلغ شعوبها الوصول لقمة إيفريست ناهيك عن بلوغ الفضاء..، سيغالطني البعض، المهم أن بطل المسرحية يرقد على بطنه، ولنتركه بلا اسم:
الرائد: (ينقلب على ظهره) لا توجد جاذبية..كم هذا ممتع..(ينقلب مرة أخرى على بطنه) هذه المحطة الفضائية صامتة جداً...صامتة كغرفة امرأة عجوز...والأرض.. ها هي هناك زرقاء وبيضاء وبنية...جميلة..ليست جميلة فقط..بل .. بل إنها مخيفة...لا أعرف كيف تبدو تقليدية وشاحبة في الأسفل وشيطانية الجمال هكذا من أعلى...ماذا لو كنت قادماً من كوكب بعيد..كوكب صلد ..صخري..وجاف..كالمريخ..كيف كنت لأرى الأرض يا ترى...أحتاج للتبول..(ينقلب على ظهره ثم بطنه ثم ظهره)..ولكن..لا توجد جاذبية..يمكنني أن أتبول بأي زاوية كانت.. الفضاء الفضاء...كان بامكان الأرض أن تُكمل جمالها لو انعدمت فيها الجاذبية بحيث كان بإمكاننا فعل كل الأشياء بحسب ما نشتهيه.. منازل مقلوبة لأسفل واخرى مقلوبة لأعلى..ناس تسير ورؤوسها للسماء وأخرون يسيرون ورؤوسهم للأرض.. هل يبدو هذا فوضوياً قليلاً؟ ربما..ربما ليس جميلاً كما كنت أعتقد..ربما كانت الجاذبية الأرضية علامة للإنضباط..رفض للعبث..رفض للفوضى.. تأكيد على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الكائنات....لذلك..لا .. فلتبقَ الأرض كما هي عليه...عظيمة دائماً كأبطال أساطير التوراة الذين لم يرهم أحد من قبل...وربما هم أنفسهم لم يلتقوا بأنفسهم...بقايا من أحلام الأخمينيين الذين تشردوا بعد الهزيمة النكراء...حسنٌ.. الواقع الكئيب..والذكاء الأخميني الذي زور التاريخ وجعل الأكذوبة تقضي على الحقيقة..كما هو حال الأرض التي تحجب عنا حقيقة هشاشتها وهي عالقة في امتداد الكون الشاسع كطفل يتيم..اللعنة...إنني أهذي.. إنني.. إنني سأجن إذا بقيت في هذه المحطة الفضائية وحدي...ولكن...لقد تحملت سنتين وأنا هنا..لم ألتق بإنسان سوى مرة واحدة حينما تم إرسال رائد فضاء لعلاج عطب بسيط في المحطة...لقد عاد.. ولكن..ولكن وجوده لمدة أسبوعين فقط كان كعدمه..لقد كان يتكلم لغة لا أعرفها..وفوق هذا..كان لطخاً..متجهماً طول الوقت .. بل ومتعجرفاً وكأنما ليس مجرد مهندس متخصص في مسألة دقيقة كغيره من المهندسين...لم استفد شيئاً من حضوره.. لا.. لا لا لا...لقد استفدت قليلاً.. على الأقل شعرت بأن هناك كائن حي يقاسمني هذا الصمت ويؤكد لي وجودي..ولكن..ولكن ألم يؤدي وجوده هذا ثم اختفائه إلى تضخم شعوري بعد ذلك بالوحدة والوحشة والخوف.. قبل أن يرسلوه كنت متكيفاً مع وحدتي..ولكن...اللعنة... أريد كائنا معي...سأرسل رسالة فورية إلى الأرض...(يمقلب على بطنه، يضغط على أزرار حاسوب غير موجود ويتحدث عبر سماعة غير موجودة بالطبع) ألو..ألو..حوِّل.. الو..هل تسمعني؟...(ينتظر قليلاً فلا يسمع رداً) أين ذهبتم؟ (يزداد هلعه) ألو ألو.. (يقول بسرعة وخوف) هل من يسمعني..أرجوكم (ينقلب على ظهره ويشرع في البكاء)...

(سأكملها غداً..تعبت)

(نعود)

رائد الفضاء: إن خوذتي تخنقني..(يخلع خوذة وهمية)..إذا كان البشر لم يستطيعوا وربما لن يستطيعوا ملأ كل هذا الفراغ الكوني فمن سيقنعهم أنهم لا زالوا متوحدين أكثر مني.. يمكنني أن أتواصل مع البشر عبر الانترنت..(ينقلب على بطنه ويبدأ في معالجة حاسوب وهمي) سأدخل إلى غرفة دردشة..هذا حشد كبير..ماذا يقولون؟ أو ماذا يكتبون بالأصح، مليارات يكتبون بصمت أليس ذلك مدهشاً..إنهم فزعون من التواصل الصوتي..إن حضارتنا دمرت فطرتنا..أليس كذلك..أنظر لهذه الفتاة..إنها تكتب وتكتب وتكتب.. يبدو أنها تعيش حالة من السوداوية..مرحباً..(يبتسم) إنها تكتب رداً لي..جيد...نعم؟..أنا؟...عمري وسني؟..اربعٌ وثلاثون..أعمل رائد فضاء..(يقهقه) إنها تضحك..إنها لا تصدقني..وأنتِ ماذا تعملين..نادلة..نادلة في بار بملهى ليلي..مهنة لطيفة..سأحاول جذبها ببعض الكلام السوداوي..حسنٌ..لماذا تكتبين قصائد حزينة.. من؟ بوشكين؟!!! من بوشكين هذا؟!!.. لا اعرفه... صحيح لست مثقفاً شعرياً مثلك..إنني مهندس..صحيح ما تقولين يا عزيزتي..ليس بالضرورة أن اكون جاهلاً لمجرد أنني مهندس..لكن كلية الهندسة لا تعمل على تخريج مثقفين بل مهندسين...لا ..سأحذف هذا التعليق يبدو لئيماً...باعتباري رائد فضاء سأحاول كتابة قصيدة نثرية تعبر عن حزنك يا صديقتي...حسنٌ..خذي...(يغمض عينيه ويقول بصوت هامس) تبحثين عن أغنية ..تكون عميقة كجروحك ..إذاً استمعي لغناء الشفق عند الغروب .. ونواح الملائكة المسجونة تحت الأرض .. وأصوات صرير الاقلام التي تكتب تاريخ البشرية منذ عصر الجليد ..إن الكون يغني من حولك غناء العدم الخالد... تلك الغابات المظلمة الساكنة كروحك ...تلك النجوم المنعزلة في فضاء مظلم .. انصتي لهذا الكون .. انه يبكي بعمق جروحك ....(يبتسم) إنها تقرأ الآن..لا شك أنني اصطدتها..(ينظر لشاشة الحاسوب الوهمية بفزع) ما هذا؟!!! ...مجنون؟!!...قالت مجنون وغادرت...تافهة.. بنات حمقاوات...رد فعلها طبيعي فالفتيات عموماً يتعمدن إغاظة الراجال..إنهن يسعدن بمثل هذه التصرفات...(ينقلب على ظهره) آآآه...تعبت..التواصل مع البشر مقرف..ولكن..ولكن عدم التواصل معهم مرهق أكثر...أكاد أجن من هذه العزلة.. لا أعرف كيف يفضل الشعراء العزلة..العزلة لا تضيف أي حقيقة للمرء..قرأت قديما لفيلسوف فارسي انتقد العزلة..إنه يدعى مسكويه..وأنا اتفق معه...وربما لو جرب الحياة في الفضاء لأدرك أن الحياة في اخاديد الديدان الطينية أكثر سعادة من العزلة...(تصدر حشرجة فينقلب على بطنه) هة!!! .. الو ألو... هل تسمعني؟.. ألو
صوت سيدة: توقف عن إزعاجنا يا مشاغب..
رائد الفضاء: تعالي بدلاً عني وستعرفين أنني اكثر صبراً من السلحفاة..
صوت السيدة: (تضحك) لم أكن أعرف أن السلحفاة صبورة..(يتغير صوتها ويصبح جاداً) ولكن لماذا أزعجتني بهذه الرسائل الكثيرة..
رائد الفضاء: أين كنتِ؟..
صوت السيدة: كنت أطبخ..في الواقع كنت أنظف البطاطس واقطعه لشرائح..
رائد الفضاء: في قمرة توجيه المحطات الفضائية؟
السيدة: نعم..وما المشكلة؟..لقد إشتهيت بعض البطاطس المقلية بالزيت بطريقتي الخاصة..وبالفعل حققت أمنيتي..ثم بعد ذلك نمت قليلاً فأنت تعرف أن الليل طويل في الشتاء..
رائد الفضاء: أعرف أكثر من ذلك..فلا يوجد نهارٌ هنا..
السيدة: هذا مؤسف...ها..لماذا ازعجتنا ..لم تجبني..
رائد الفضاء: حسنٌ..كنت أشعر بالوحشة...الا يكفي أنني أسمع صوتك هذا وكأنه أجمل صوت سمعته في حياتي؟..
السيدة: أها.. إذاً فأنت مصاب باضطراب نفسي..هذا يستدعي رفع الأمر إلى رئاسة القسم...
رائد الفضاء: ليس إلى هذه الدرجة..على الأقل صوتك جميل بالفعل...
السيدة: أُقدِّر قولك ذلك..ولو كنت في الثامنة عشر من عمري لشعرت بالغبطة...
رائد الفضاء: هل كنتِ ستقبلين بي حبيباً؟
السيدة: بل كنت سأقول أنك مجنون وأغلق الميكرفون..
رائد الفضاء: اللعنة.. هذا ما حدث معي بالفعل...
السيدة: حقاً؟ .. حسنٌ..لقد كنت مراهقة من قبل ولدي خبرة ليست سيئة..
رائد الفضاء: (يقهقه) إذاً فهو قانون عام يسري على كل المراهقات..
السيدة: ليس كذلك...(تتحدث بغرور) الجميلات فقط... لا يغرنك ما أنا عليه اليوم وخاصة بعد زواجي..فالشُّبانُ كانوا يزحفون على ركبهم لينالوا ابتسامة رضى مني..
رائد الفضاء: أسعدتني تلك المعلومة فقد ظننت لوهلة بأنني مجنون بالفعل...
السيدة: لا .. لستَ كذلك...أنت طبيعي.. حسناً سأغادر إن لم تكن ترغب في شيء جدِّيْ..
رائد الفضاء: ألا يوجد أحد غيرك؟
السيدة: لا.. إلا إذا كنت تريد الحديث مع عامل النظافة..
رائد الفضاء: لا مانع لدي..
السيدة: أنت مجنون حقاً.. سأناديه ليحدثك إن كان راغباً في ذلك..وداعاً..
رائد الفضاء: وداعاً..
(ينقطع الصوت)

(..وبعد تشغيلي لموسيقى هادئة، ورد لخاطري تسمية هذه المسرحية مسرحية العزلة، رغم أن هذه الكلمة مستهلكة حد الابتذال، فهي تبدو معبرة عن تلك الفكرة العميقة التي تولدت في خاطري بدون إعداد لها...ليس بالضرورة أن يكون الفنانون والأدباء والفلاسفة هم وحدهم من يعانون من العزلة ، العزلة التي يمكن اعتبارها عزلة تفرضها عليهم عقولهم المضطربة، فلا مانع من أن يكون مهندسٌ ورائد فضاء يعاني هو الآخر من العزلة القسرية، لكنه متزن نفسياً؛ فلأكمل الكتابة ولأرَ إلى أي مصب سينتهي بنا مطاف هذه المسرحية)

رائد الفضاء: ألو ألو..
(تصدر حشرجة من المذياع ويأتي صوت مضطرب لرجل عجوز)
العجوز: ألو ألو..
رائد الفضاء: ألو نعم....
العجوز: ألو..ألو...
رائد الفضاء: هل تسمعني؟
العجوز: ألو ألو نعم أسمعك..ألو ألو..
رائد الفضاء: مرحباً..قالت لي المراقبة أنك عامل النظافة...
العجوز: ألو ألو.. نعم أنا عامل النظافة ألو ألو..
رائد الفضاء: وأنا رائد الفضاء..
العجوز: ألو ألو هل أنت فعلا في الفضاء الآن ألو ألو..
رائد الفضاء: نعم أنا الآن في المحطة الفضائية..
العجوز: ألو ألو مدهش حقاً ألو ألو..
رائد الفضاء: حقاً هو مدهش..اسمع..ليس بالضرورة أن تقول ألو ألو كل مرة...يمكنك أن تتحدث مباشرة عما يجول في خاطرك..
العجوز: ألو ألو حسنٌ سيدي ألو ألو
رائد الفضاء: كما أخبرتك ليس بالضرورة أن تردد ألو ألو..
العجوز: أل... أها..حسنٌ..
رائد الفضاء: هل الأرض نظيفة كما ينبغي؟
العجوز: جداً...نظيفةٌ جداً..
رائد الفضاء: هذا جيد...
العجوز: ألا توجد أوساخ في الفضاء؟
رائد الفضاء: توجد بكثرة..
العجوز: (بدهشة) كيف هذا؟
رائد الفضاء: في الواقع هناك مخلفات كثيرة كبقايا تفجيرات الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية .. في الواقع إنها تهدد حياة كل رواد الفضاء..أحيانا نضطر للبقاء داخل كبسولات الحماية لفترة من الزمن حتى تمر المخلفات..هل تصدق يا سيدي أن شريحة بحجم رأس الدبوس يمكنها أن تكون قاتلة..
العجوز: مدهش..
رائد الفضاء: وهناك أيضا نفاياتنا كرواد فضاء..أنت تفهمني طبعاً.. نحن نضع نفاياتنا في حاويات ونلقي بها في كبسولات أيضاً.. الفضاء متسخ يا سيدي ويحتاج لملايين من عمال النظافة ومع ذلك فلن يكون ذلك بذي جدوى..
العجوز: مدهش حقاً..
رائد الفضاء: ماذا تفعل الآن؟
العجوز: أتحدث معك سيدي..
رائد الفضاء: أقصد هل لديك عمل...لا أريد أن اشغلك عن عملك..
العجوز: أوه... ربما سأذهب لألحق بعيد ميلاد حفيدتي..(يضحك بصوت متقطع وخفيض) لقد أكملت عامها العاشر..
رائد الفضاء: جميل.. لا يمكنني تعطيلك .. أرجوا ان تبلغها مباركتي لها..
العجوز: حسنٌ..سيدهشها أن أبلغها تحيات رائد فضاء..
رائد الفضاء: سأسجل فيديو أهنؤها فيه..يمكنك أخذه من المراقبة عندما تعود..
العجوز: (بجزل) شكراً شكراً..
رائد الفضاء: على الرحب..
العجوز: وداعاً..
رائد الفضاء: وداعاً..
(ينقطع الصوت)
رائد الفضاء: (ينقلب على ظهره) يجب أن اسجل لها التهنئة الآن..(يرفع كاميرا وهمية أمام وجهه) صغيرتي الأميرة....آه..لقد نسيت أن أسأله عن اسمها...هذه مشكلة كبيرة..فذكر اسمها هو ما سيؤكد لأصدقائها أن رائد الفضاء يقصدها هي بالتحديد...(ينقلب على بطنه ويفتح المايكروفون الوهمي) سأتصل بقمرة المراقبة...ألو..ألو...هل تسمعني..حوَّل..ألو ألو... للأسف لا يوجد أحد.... (ينقلب على ظهره) في السابق كان هناك مئات من المراقبين على مدار الساعة أما اليوم فلا أحد يكترث لوجود أحمق ملقىً في الفضاء وحيداً لمجرد أنه يحصل على مرتب كبير.. في الواقع حتى المرتبات تم تخفيضها..أصبح هناك استعداد لدى كل المجانين من البشر ليحلوا محلي.. ماذا يتصور هؤلاء؟ إنهم يعتقدون أن الهروب من واقعهم المرير أجمل من الغرق فيه...إنهم يائسون..يائسون جداً وإلا لماذا يقبل إنسان سعيد البقاء منعزلا عن الأرض والبشر وغارقاً في الظلمة الحالكة..يراقب كوننا شاسع الضخامة حتى لكأنه قادر على ابتلاع كل شيء.. رباه كيف تعيش الآلهة في هذه الوحشة والتعاسة لتكتب أقدار الكون والبشر والحيوانات والحشرات والنباتات والجمادات.. ربما ما كانت لتفعل ذلك لو أنها عاشت على الأرض بدلاً عن الفضاء...لقد أصبحت أهذي... أحتاج للحديث المستمر مع أي بشري..هذه العزلة ستفضي بي إلى الجنون..(ينقلب على بطنه)..ألو..ألو..أرجوكم...لا تفعلوا ذلك بي..(يكتم بكاءه) أرجوكم.. إنني أعاني.. أرجوكم..فليكلمني أي شخص.. لن أتحمل...لن أتحمل أكثر من ذلك...ألووو ألووو..أين انتِ؟؟؟ أرجوك..ردي عليّ.. (ينقلب على ظهره ويبكي) كيف يتحملون كل ذلك..ربما لو لم ألتقِ بذلك الرجل لما شعرت بمعنى العزلة...لقد امضيت السنتين السابقتين دون أن أعاني كما يحدث الآن..يا إلهي...
(تصدر قشعريرة؛ فينقلب رائد الفضاء على بطنه)
رائد الفضاء: (بلهفة) ألو ألو....ألو ألو..
السيدة: أوه .. كم أنت مزعج..
رائد الفضاء: أريد العودة إلى الأرض فوراً..إنني أعاني من اكتآب حاد..
السيدة: (يبدو على صوتها القلق) حسنٌ ولكن لن يتم هذا قبل شهر آخر..
رائد الفضاء: لن أتحمل ساعة أخرى..أعيدوني فوراً (ينفجر باكياً) أرجوكم أرجوكم..
السيدة: (تبدو جزعة) سأتصل أولاً بالطبيب ليتحدث إليك وفي هذه الأثناء سأجري إتصالاتي بالرئاسة..
(ينقطع الصوت ويستمر رائد الفضاء في البكاء... تصدر حشرجة ويأتي صوت الطبيب)
الطبيب: مرحبا سيدي..
رائد الفضاء: مرحبا سيدي..
الطبيب: هل تبكي؟
رائد الفضاء: نعم..أنا أعاني من الإكتآب..
الطبيب: تحتاج أولاً للبقاء تحت مصباح قوي لتخفف من انعدام ضوء الشمس..
رائد الفضاء: الأضواء متوفرة مع ذلك لا زلت أشعر بالفزع..
الطبيب: فزع أم اكتآب..
رائد الفضاء: (يصرخ) الإثنان..أعاني من الإثنين..أشعر بأنني سأموت..سأموت .. سأموت..
الطبيب: هل لديك أدوية لعلاج الاكتآب..
رائد الفضاء: لدي صيدلية جيدة..لقد تناولت العديد من الأدوية دون جدوى..يجب أن أعود إلى الأرض فوراً..لم أعد قادراً على تحمل هذه العزلة.. أنا إنسان ولست نواة خلية(ينفجر بكاءً)..
الطبيب: هل تشعر بميل للانتحار..
رائد الفضاء: لا..(بغضب) ما هذه الأسئلة بحق الجحيم؟..
الطبيب: لا تغضب يا سيدي..يجب أن اسألك هذه الأسئلة الروتينية لأن وضعك في الفضاء ليس كوضع غيرك من المرضى على الأرض..
رائد الفضاء: أنا لستُ مريضاً..
الطبيب: أدرك ذلك..ولكنني لا أجد كلمة مناسبة غير ذلك..فلا يمكنني أن أصفك بزبون مثلاً فأنا لست حلاقاً..وأنت لست شخصاً عادياً.. مع ذلك فأنت وإن لم تكُ مريضاً لكنك تعاني من إضراب بسيط..سنحاول تدارك الأمر..
رائد الفضاء: أنت لا تفهمني..أنا غارق في التعاسة...
الطبيب: منذ متى لم تتحدث مع بشري؟
رائد الفضاء: تحدثت قبل دقائق مع عامل النظافة ومع المراقبة..وتحدثت إلى مراهقة في غرفة دردشة على الانترنت..
الطبيب: تحدثت إليهم بالصوت؟
رائد الفضاء: نعم..ولكن.. ولكن ما عدا الفتاة المراهقة..
الطبيب: حسنٌ...ألم تشعر بتحسن وأنت تتحدث معهم...
رائد الفضاء: لا.. لم يحدث ذلك..
الطبيب: لماذا؟ ماذا قالوا لك.. هل قالوا لك أشياء غير طيبة..
رائد الفضاء: لا.. لا.. ولكن.. نعم..الفتاة المراهقة وحدها قالت أنني مجنون..
الطبيب: والمراقبة؟
رائد الفضاء: لم تكن راغبة في الاستمرار في الحديث..
الطبيب: وعامل النظافة؟
رائد الفضاء: لم يكن يفهم شيئاً من حديثي...كنا في واديين مختلفين...مع ذلك..فلقد نسيت أن أسأله عن اسم حفيدته...كان من المفترض أن أسجل لها فيديو أهنؤها فيه بعيد ميلادها العاشر..
الطبيب: حسنٌ دقائق..سأعود إليك بعد ثوانٍ قليلة..
(ينقطع الصوت..ثم يعود صوت الطبيب)
الطبيب: إن اسمها فاطيما..
رائد الفضاء: حقاً؟.. شكراً لك.. سأسجل لها الفيديو الآن...(ينقلب على ظهره ويرفع كاميرا وهمية أمام وجهه).. أميرتي الصغيرة فاطيما (يبتسم بسعادة) هذا أنا رائد الفضاء..هل ترين كيف أسبح في الفراغ..هل ترين هذا القلم الذي يسبح في الفراغ..هذا لأنه لا توجد جاذبية أرضية هنا في الفضاء.. كل عام وأنت بخير يا صغيرتي...أرجو أن ترسلي قبلة عندما تردي على تسجيلي هذا.. إلى اللقاء..(ينقلب على بطنه ويكتب على الحاسوب الوهمي)..آه.. هناك رسالة..رباه إنها من الفتاة المراهقة..هالوو.. نعم يا عزيزتي.. لقد عدتِ للمجنون مرة أخرى؟...أها..نعم أنا فعلا رائد فضاء..حقاً فأنا لا أمزح..يمكنك رؤيتي عبر الكاميرا..نعم افتحيها..هل ترينني الآن.. أوه كم أنتِ جميلة..عفواً.. إنني بالطبع لم أتعمد إخبارك بوظيفتي هذه فلست ممن يحبون إدهاش الفتيات الجميلات.. أها.. إذاً فلقد أعتقدتِ أنني كنت أكذب عليك.. (يقهقه).. لست مجنوناً؟.. أشكرك على إعادة أهليتي العقلية لي من جديد..آه.. لا لا لا.. لستُ وسيماً..إنني عادي جداً...
الطبيب: سيدي.. هل تسمعني..؟
رائد الفضاء: آه لقد نسيت أنك معي على المايكروفون..
الطبيب: لا بأس..ويبدو أنك استعدت قليلاً من عافيتك..
رائد الفضاء: استعدتها فعلاً.. ولا أعرف لماذا..
الطبيب: هاهي المراقبة .. تفضلي سيدتي..
السيدة: (تسأل بقلق) هل أنت بخير؟
رائد الفضاء: نعم بالتأكيد...أعتذر لك ولكنني أتحدث عبر الانترنت مع شخص آخر...
السيدة: حسنٌ لقد صدر قرار بإعادتك إلى الأرض خلال أسبوع..هل تستطيع تحمل ذلك؟
رائد الفضاء: خبر طيب وأستطيع تحمل ذلك.. وداعاً..
السيدة: يا لك من غريب الأطوار..وداعاً..
رائد الفضاء: (يكتب على الحاسب الوهمي).. هلو عزيزتي..نعم كنت أتحدث فقط مع قمرة المراقبة..سأعود بعد أسبوع...نعم خبر جيد..هل يمكنني أن ألتقيك على الأرض..حسناً.. سأذهب للنوم ونلتقي غداً في نفس المواعيد... وداعاً يا عزيزتي..
(ينقلب على ظهره)..كم هو يوم سعيد...الطفلة فاطيما ستفرح بالفيديو.... سأنام الآن...(ينهض على قدميه ويقف منتصباً.. يجمع قدميه..يطأطئ رأسه ويغمض عينيه ثم يصدر عنه صوت شخير)..
...
يبدو أن المسرحية قد انتهت نهاية سعيدة على غير ما كنت أتوقع..ورغم ذلك فهي تبدو لي نهاية بسيطة ولكنها إلى حد ما تفي بالغرض.. أي كونها ليست سطحية.. فالحب يهزم كآبة العزلة....نهاية لا بأس بها..
وداعاً...

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
37
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى