مقتطف إبراهيم قيس جركس - شرح كتاب فريدريك نيتشه [هكذا تكلّم زرادشت] -32- (عَنْ الفضيلة الواهبة/ الجزء الثاني)

[32]
(عَنْ الفضيلة الواهبة/ الجزء الثاني)

تتمّة

# الخطاب الثاني
============
نحن لا نعرف الأثر الذي تركه الخطاب السابق على تلاميذ زرادشت ومريديه، لكنّ الراوي العَليم يُعلِمُنا أنّ صوت زرادشت قد تغيّر. في هذا الخطاب، يعزّز زرادشت بعض مفاهيمه وأفكاره، على سبيل المثال، أنّه يجب أن يكون هناك تطابق بين أنشطة العطاء للتلاميذ و"الأرض" التي يطلب زرادشت من تلاميذه أن يخدموها. فهذه الأرض ليست الطبيعة في تناقضها نع الكائنات البشرية وثقافتهم.

هنا تمّ التأكيد مرّةً أخرى على مادية زرادشت: إنّ الثورة الثقافية باعتبارها استكمالاً للمشروع التطوّري للبشرية ليست عَمَلاً من أعمال التجديد الروحي المجرّد، بل تجري على خشبة مسرح هذا العالم الذي نعيش فيه: ((محطّة نقاهة لابد أن تغدو الأرض في يومٍ ما!)). بعد ذلك، تمّ تقديم مفهوم تاريخ الأخلاق: تاريخ من الوهم والأخطاء واحتقار الجسد، ((لَكَمْ كان هناك دوماً من الفضائل التائهة في طيرانها)) (من بين أمور أخرى: هذا المقطع يعني البحث عن مبادئ تأسيس متسامية ومتعالية).

مرةً أخرى، سيكون إنشاء فضائل جديدة _كما كانت عملية خلق القيم القديمة_ عبارة عن "تجارب" أصبحت لاحقاً يُنظَر إليها على أنّها أخطاء أو عوائق.. هذه الأوهام ليست مجرّد "أفكار"، بل غُرِسَت في أجسادنا. نحن نحمل داخل أجسادنا"ليس حكمة آلاف السنين وحدها هي التي تتدفّق في داخلنا _بل حمقها أيضاً)) وكل ذلك ((ينفجر بداخلنا)). بعبارة أخرى، ما أن تبدأ الأخطاء الميتافيزيقية والأخلاقية، فإنّها تصبح مُهَيمِنة من خلال خلق شكل من أشكال الحياة البشرية الذي يستوعب هذه الأخطاء ويعيد توجيه الدوافع/ والغرائز وتنظيمها بحيث لايمكن للعقل أن يعبّر عن نفسه بأي طريقة أخرى. على سبيل المثال يناقش نيتشه في كتابه "العلم المرح" كيف أصبحت فكرة المساواة البشرية جزءاً من نمط الحياة الحديث، حتى بالنسبة لأولئك الذين يعارضونها فكرياً: ((فخر عتيق: إنّ الفارق الدقيق القديم للتمييز يعوزنا، ذلك أنّ عَبْدَ العصور القديمة ينقص تجربتنا. إنّ إغريقياً نبيل المَنشأ يجد، بين سُمُوّ طبقته وهذا الهَوان الأخير، الكثير من الدرجات الوسطية ومن التفاوت حتى أنه لَم يَكَد يتبيّن شخص العَبْد أيضاً: أفلاطون نفسه لم يدرك ذلك تماماً. إنّ الأمر بالنسبة لنا، بخلاف ذلك، نحن المتعوّدون على مذاهب مساواة الناس، إن لم تكُن المساواة نفسها. إنّ كائناً حياً لايستطيع أن يتصرّف بنفسه، ةيفتقر لكل وقت فراغ_: أمر غير جدير إطلاقاً بالاحتقار في نظرنا: ربما كانت ظروف حيوية أمنَنا مخالفة تماماً وبشكل جذري لظروف القدماء، الشيء الذي أوجد الكثير من صنف العبودية هذا في كل واحدٍ منّا. إنّ الفيلسوف الإغريقي كان يحيا بالإحساس السري أنّه يوجد العديد من العبيد أكثر ممّا كان يُعتَقَد _يعني أن كلّ واحدٍ كان عبداً، ولم يكن أبداً فيلسوفاً: كان فخره يَنزَع بإفراط لفكرة أنّ الأكثر جبروتاً في الأرض ذاتهم يلفون أنفسهم من بين هؤلاء العبيد، أقربائهم. إنّ هذا الفخر بدوره غريبٌ عنّا وغير معقول: حتى قياسياً، افتقدت كلمة "عَبْد"، بالنسبة لنا، معناها المطلق)) [شذرة18]

أضِف إلى ذلك أنّ نيتشه كان مولَعاً بالفكرة البيولوجية الشائعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عن "التأسّلية Atavism" ["العلم المرح"، شذرة 10] وتعني ردّة وراثية أو عودة إلى طباع الأسلاف التي ابتعدت عنها الأنسال السابقة. وراثة الأفكار والتصرّفات المتحدّرة من الأجيال السابقة [المنهل].

إنّ تحليل الأنساب مطلوب للكشف عن التاريخ الخفي للقيمة. ويترتّب على ذلك أنّ التغلّب على الذات هو عملية فيزيولوجية حرفياً، والعديد من أخطر الأعداء موجودون في الداخل ((وَلَكَم هو خطيرٌ أن يكون المَرءُ وريثاً!)). يشرح نيتشه هنا المفهوم الرائع للتاريخ كمسرح للأحداث النفسية والفيزيولوجية، والذي تمّ تطبيقه ومتابعته كثيراً في نظريات الثقافة في القرن العشرين من فرويد إلى مابعد الفلسفة البنيوية الفرنسية. ويمكننا أن نحصّن أنفسنا ضدّ هذه المعاناة من التاريخ وشفاء أنفسنا "بالمعرفة". فبواسطتها ((يتطهّر الجسد، وفي المجاهدة من أجل المعرفة يرتقي العارف بنفسه)) بعبارة أخرى، كما أنّ العقل هو طريقة للتعبير عن الجسد ودوافعه وغرائزه، كذلك فإنّ تعديل العقل (المعرفة، والفهم، والتبصّر) قد يخدم بشكلٍ متبادل عملية تعديل الجسد وإعادة تنظيمه بما يتلائم مع إرادة القوة (هذه فكرة سيكوسوماتية). ويمكن أن يحدث ذلك بقدر ما يتمّ استيعاب المعرفة الجديدة أو تشرّب الأفكار الجديدة أو دمجها ضمن نظام دوافع الجسد وغرائزه، بقدر مايتمّ اكتساب "غريزة جديدة" [العلم المرح، شذرة11، "الشعور"] والتي يمكن بدورها أن تُرَوْحِنَ ذاتها بوصفها فضيلة جديدة.

هذه المعرفة ليست فكرية فقط، بل إنّها استكشاف للاحتمالات والإمكانيات ("ألف طريق")، ويقظة حسية تتناقض مع مجرّد الملاحظة والتجريب (تجريب أنماط الحياة). هذه كلّها مجموعات من الإجراءات التي تحاول إنشاء ممارسات يومية وأشكال اجتماعية وثقافية جديدة، وبالتالي فضائل جديدة. وهكذا، وعلى سبيل المثال، رأينا أنّ زرادشت يقدّم نصائح حول ممارسة العُزلة والصداقة والزواج والتي، عندما يتمّ تنفيذها بشكل صحيح وعَن فَهم، يمكن أن تتحوّل إلى تجارب تعزّز من تطوّر الإنسان. من المهم ملاحظة هذه الثقة الكبيرة في المعرفة (بشكل عام).

على الرغم من الغموض الذي يحيط بمفاهيم مثل إرادة القوة، والتغلّب/التجاوز، والارتقاء الجسدي، والعَود الأبدي، إلا أنّها مفاهيم متأصّلة ومتوازنة في جوهر شيء كفضول التنوير. وينتهي الخطاب الثاني بمناشدة "الشعب المختار" _ليس الله هو مَن يختاره هذه المرة، بل هو يختار نفسه بنفسِهٍ، من خلال الممارسات والعادات الاجتماعية الجديدة أو التي تمّ إعادة تقييمها وإصلاحها، وهو الشعب الذي "سوف يجاهد" من أجل تجاوز الإنسانية إلى مرتبة الإنسان الأعلى.
يتبع...
إبراهيم قيس جركس 2020

هذا النص

ملف
إبراهيم قيس جركس
المشاهدات
33
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى