الجيلالي العدناني - استعمالات السيرة عند رواد الأنثروبولوجيا التأويلية..

تهدف هذه المقالة إلى دراسة أشكال وخبايا اعتماد الكثير من رواد تيار ما بات يعرف بالأنثروبولوجيا التأويلية للتراجم والسير في تفسيراتهم وتأويلاتهم لأهم القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية. إن ما يثير انتباهنا بهذا الخصوص هو التوجه العام للأنثروبولوجيين المنتمين للمدرسة التأويلية إلى استعمال السيرة والترجمة لتفكيك الرموز ورصد الظواهر وتقديم التأويلات، على اعتبار أن “الإنسان ينسج المعاني كما تنسج العنكبوت بيتها”، كما يقول رائد الأنثروبولوجيا التأولية كليفورد غيرتز.

كما تهدف هذه المقالة إلى رصد نتائج المقاربات التي استعملت التراجم والسير في البحث الأنثروبولوجي، وكذا العراقيل التي واجهتها. لهذا سوف نركز على نموذج كليفورد غيرتز لنُبين كيف ولماذا اتخذ هذا المنحى في دراسة المجتمعات التقليدية، وفي أية ظروف تَبنّى مقاربته ثلة من المريدين أو الرواد الذين تأثروا به واقتفوا أثره، ونذكر منهم الباحثيْن ديل أيكلمان وعبد الله حمودي. هل شكلت الترجمة نموذجا معبرا عن حياة الإنسان المغربي، التي يمكن تعميمها على المجتمع بخصوصياته وهياكله، أم أن السيرة والترجمة لا تعدو أن تكون سوى وسيلة لتقليص الفارق الذي يفصل تمثلات الباحثين الأنثروبولوجيين الأجانب وواقع الإنسان والمجتمع المغربي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما موقع الباحث المغربي الذي يمكن وصفه بالعارف بخبايا مجتمعه، والذي، في نفس الوقت، يتقرب من النص-الترجمة إلى حد تعنيفه وإعادة صياغته في شكل لا يعكس في المقابل الواقع الذي أفرزه؟ كما أن الترجمة والسيرة هما من أهم وأبرز الإنتاجات التي ميزت الثقافة المغربية انطلاقا من القرن السابع عشر.

لقد اختلف الأنثروبولوجيون في تعاملهم مع السيرة، فهناك من درس تراجم وشخوصا لازالت على قيد الحياة مثل كيفين دواير، وكرابانزانو، وديل أيكلمان، وآخرون فضلوا دراسة سير شخصيات تاريخية فارقت عالمنا، مثل جاك بيرك، وكليفورد غيرتز، وعبد الله حمودي، الذين عالجوا تراجم الحسن اليوسي وعلي الإلغي. ويجب القول أن السيرة أو الرواية التي يقدمها الشخص الحي- موضوع الدراسة، تختلف عن رواية وسير الأموات التي يتقاسمها الأنثروبولوجي مع الأحياء. ويمكن القول إن سير الأموات تبقي في الأخير مرهونة بتاريخ وفاة الشخص التي تصبح في نفس الآن محددة لزمن رجعي يبدأ بالرواية الشفوية والأسطورة التي خلقت بعد مماته، وينتهي عند كتابات ومقولات الشخص- موضوع الدراسة. فهل تجمع تراجم الأحياء والأموات بشكل متساوي بين العناصر الزمنية الممثلة في ثالوث: الماضي والحاضر والمستقبل؟ فالشهادات التي خرجت من أفواه الرجال حول الإلغي ترصد الموت والمستقبل، وتتيح لهم فرص أكبر في غياب صاحب الترجمة بأن يراوغونا أو يكذبوا علينا؟ كما أن دراسة الأموات عبر نصوص تزخر بالحياة والحيوية يمكن أن تعرف تحريفات وتشويهات لا تتماشى وتفاصيل حياة المترجم له؟

وأخيرا ما هي التفاوتات التي طبعت استعمالات السيرة عند الباحثين التأويليين، وكيف ساهمت أعمالهم في فرز انسجامات أو اختلالات في دراسة المجتمع المغربي؟

1- أصول مسألة استعمالات السيرة عند الباحثين الأنثروبولوجيين

يعتبر الباحثون المنتمون للحقبة الكولونيالية، وبالخصوص أولائك الذين درسوا الحقول الدينية والاجتماعية، من الذين استعملوا بشكل منهجي السيرة الاجتماعية والثقافية. فقد كان النموذج الطرقي والصوفي من النماذج التي استعملت بكثافة، لتنضاف إليها سِير الملوك والسلاطين ثم الدايات والبايات والزعامات القبلية والعسكرية. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أعمال الباحثين الفرنسيين بخصوص الباشا التهامي الكلاوي أو الكندافي أو العيادي أو سيدي أحمد بن موسى. وبالنسبة للسلاطين، هناك نموذج السلطانين عبد العزيز وعبد الحفيظ، ثم نموذج السلطان محمد بن يوسف. وسنقتصر هنا على النموذج المغربي فقط الذي تتميز ثقافته بهيمنة جانب السيرة والترجمة على مجمل الكتابات التاريخية والمنقبية والأدبية. ويجب الإشارة إلى أن اهتمام غيرتز بترجمة اليوسي نابع من اتباعه ونهله من دراسة جاك بيرك، وأيضا لقناعاته الراسخة أو المتنامية بمدرسة التاريخ اليومي التي تعتمد التأويل والترجمة. كما أن نموذج اليوسي يعود إلى أدبيات أنتجت التراجم والجينيالوجيا كأحد أهم مكونات الثقافة المغربية انطلاقا من القرن السابع عشر على الخصوص. لماذا توجه رواد الحقبة الكولونيالية نحو الأدب المناقبي وتراجم المشاهير أو المغمورين من دائرة الولاية والصلاح؟ ثم لماذا ترتبط كل الأعمال، التي تناولت الترجمة والسيرة، بجينيالوجية خاصة لها صلة بأعمال الزملاء (غيرتز-حمودي) وأحيانا الأقرباء (جاك وأوغستين بيرك).


1.1- نموذج جاك بيرك

يمكن الجزم بأن استعمالات السيرة مرتبطة بشكل كبير بنوعين من القرابة: الدموية والروحية أو الثقافية. فنموذج جاك بيرك يعطينا فكرة عن هذه العلاقة التي تربطه بالأب أوغستين بيرك الذي نشر ترجمة أحمد بن عليوة (ت. 1934)، صوفي مستغانم، وهي الترجمة التي أعاد كتابتها الباحث البريطاني مارتن لينغ[1]. كما أن علاقة جاك بيرك بالترجمة، لا تعود فقط إلى هذا الشيخ الصوفي، الذي نسج على منواله دراسته حول شخصية الحسن اليوسي، وإنما ترتبط بشكل عميق بدراساته حول المجتمع القروي والحضري ونخبه انطلاقا من نصوص فقهية وقانونية، تناول من خلالها القضايا الهامة التي طبعت عصرهم وشحذت أذهانهم وهمتهم المعرفية. عموما، يساعدنا جاك بيرك كثيرا على فهم بعض طروحات كليفورد غيرتز واختياراته. يشير بيرك إلى مسألة مهمة، تتعلق ليس فقط بالترجمة الخاصة بشخص معين، بل بترجمة تجسد الإنسان المغربي بشكل عام. لذلك، فهو يركز على ضرورة فهم الإنسان المغاربي على ضوء فهمه وتعامله المعقد مع المشاكل أو المعطيات التي يفرضها المجال الجغرافي أو التنظيم الاجتماعي. لقد أبدى بيرك ملاحظات بهذا الخصوص حول المجتمع المصري في مؤلفه التاريخ “الاجتماعى لقرية مصرية فى القرن العشرين”، لذلك وجب التساؤل إن كانت قراءاته وتأويلاته حول الرمز وكيفية نسجه لدى الإنسان المصري قد اطلع عليها غيرتز؟ للإشارة فكتابه حول القرية المصرية، وكذا كتابه حول اليوسي قد صدرا تباعا سنتي 1957-1958 عند نفس الناشر: دار موتون لاهاي. فنموذج الولية الصالحة لالة عزيزة بسكساوة لا يمكنه أن يقدم مادة وترجمة غنية لدراسة تمثلات الإنسان المغربي، لذلك كانت شخصية اليوسي، العالم والمتصوف، النموذج الأمثل الذي يمكن أن يشكل موضوعا للدراسة.

لم تبق معرفة جاك بيرك بالمجتمع المغربي لصيقة بالعمل الإداري والسياسي الصرف، بل تجاوزته إلى صياغة مفاهيم ومحاولات لإيجاد مفاتيح تمكن من معرفة قضاياه. من هنا تكمن أهمية أعمال بيرك انطلاقا من مؤلفات وتراجم كل من المعداني ومؤلفه “تضمين الصناع”، أو الوزاني وكتابه حول النوازل التي تشكل تمهيدا حقيقيا لعمله الحسن اليوسي: مشكلة الثقافة المغربية، الصادر سنة 1958.

ويجب القول إن جاك بيرك أنتج أعماله بعد مراكمة كبيرة لمعارف دقيقة بلغات النص والميدان ومقابلات أو مراجعات تحت إشراف فقهاء وعلماء وفلاحين وزعماء احتك بهم أو طلب بشكل أو بآخر خدماتهم. لقد صدر كتاب بيرك حول اليوسي سنة 1958 مع أنه اشتغل عليه خلال مدة زمنية ممتدة بين حقبتي الاستعمار والاستقلال، في ظروف لم يكن قد حسم فيها مجموعة من القرارات الهامة المرتبطة بقضايا الحركات التحررية والاستقلالية في المغارب. ومع ذلك، من حقنا التساؤل إن كان صدور هذا المؤلف، سنتين بعد استقلال المغرب، يعتبر نوعا من المساءلة حول التوازنات الاجتماعية والثقافية في ظل الاستقلال، خاصة ما يتعلق بالمكون الأمازيغي الذي كان ما يزال مرهونا بما سمي بظهير 16 ماي 1930؟ ألا يمكن أن نرى في مضامين هذا المؤلف نوعا من المراهنة، من جديد، على المكون الأمازيغي، في ظل استقلال سياسي حققته الحركة الوطنية ذات الطابع العربي-الإسلامي المهيمن؟

1.2- هدية بيرك المسمومة لكليفورد غيرتز

من المقولات الشهيرة التي التصقت بالتاريخ المغربي هو أن الحكم السياسي رهين بسقوط المطر، وفي رواية مناقضة، بتوالي السنوات العجاف. لكن الأمر الذي لم ينتبه له العديد من الدارسين، هو أن تاريخ المغرب كتب من طرف جغرافيين أو مؤلفين تأثروا بالكتابات الجغرافية وجعلوا من التاريخ طبقات تحاكي زمنيا التحقيب والخصوصيات الجيولوجية[2]. وفي حالة ما إذا كان هذا الرأي خاطئا، فإن هذا التأثر قد يكون مباشرا عبر معاينة مكونات جغرافية المغرب واستقرائها. فمقولة المطر الذي يمكِّن من الحكم لا تبعد، من حيث المنطق، عن التمييز الذي تبناه كليفورد غيرتز بين الجاف والرطب، وإن كانت هذه المقولة مبنية على تمييز بين مناطق مغربية، لتستعمل بعد ذلك للتمييز بين النموذجين المغربي والإندونيسي.

لقد شكلت أعمال جاك بيرك ملتقى ومجالا لتفاعل العديد من الرؤى والنظريات التي أفرزها الحقل المعرفي الفرنسي، ثم المغاربي والزنجي. كما أن هذه الرؤى والأفكار تنتمي إلى فترات زمنية متباينة ومرتبطة برهانات علمية وسياسية مختلفة. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال نموذج ألفريد بيل، وإدموند دوتي، وميشو بيلير، مع استثناءٍ لجورج سبيلمان الذي يشكل نموذجا مغربيا صرفا على الرغم من أنه كان متأثرا بانعكاسات المنتوج الكولونيالي الجزائري على مرايا الحقل الديني والسياسي المغربي. فنموذج الحسن اليوسي، الذي حددنا جينيالوجيته عبر الإسطوغرافيا الجزائرية-المغربية، يرتبط بشكل وطيد بالمقاربة التاريخية-الجغرافية التي حدد معالمها رواد المدافعين عن التيار الثقافي الماقبل إسلامي، وعلى رأسهم فليكس غوتيي وإدموند دوتي وألفريد بيل. رغم الانتقادات التي وجهها جاك بيرك لهؤلاء، فإنه لن يتردد في تبني مضمون مقولاتهم المبنية بالأساس على فكرة مفادها أن الإسلام لم ينفتح فقط على الموروث المحلي الأمازيغي، بل خضع لعملية إعادة صياغة أعطته طابعا مغربيا تارة، أو أمازيغيا ووثنيا تارة أخرى. انطلاقا من هذه النقطة يمكن للقارئ أن يستوعب مقصودنا بالهدية المسمومة، والمتمثلة أساسا في انزلاق البنية التاريخية التي حبكها الجغرافيون والمؤرخون الكولونياليون إلى كتابات جاك بيرك وكليفورد غيرتز. وتتلخص خصائص هذه البنية في النقط التالية:

– عجز الدين الإسلامي عن التحويل الكامل للمعتقدات المحلية

– صمود الثقافة واللغة الأمازيغية دليل على هذا العجز

– المقابلة السرمدية بين الوثنية والإسلام عن طريق الطرق الصوفية والصلحاء

من هنا وجب التساؤل حول تشابه المجالات الجغرافية التي درسها جاك بيرك، وتلك التي درسها كليفورد غيرتز وديل أيكلمان وعبد الله حمودي وآخرون، والمتمثلة أساسا في كونها مناطق تتأرجح بين المجالات المعروفة باستقلاليتها السياسية أو بخضوعها الكامل للسلطة المركزية. لكن السؤال الذي يتوجب طرحه هو لماذا بقي جاك بيرك خفيا في منظومة غيرتز؟ وهل يمكن القول على أن استعمال مقولاته كمفتاح لفهم المجتمع المغربي، وأحيانا كمطرقة لتهشيم مقولات إرنست غيلنر الانقسامية، قد ساهمت في إخفاء جانب من مقولات بيرك داخل المنظومة الغيرتزية؟ إن مقالة جاك بيرك “ما هي القبيلة الشمال إفريقية؟” أعطت الكثير من الثقة في النفس لتيار الأنثروبولوجيا التأويلية، خاصة في هجمته الشرسة على النظرية الانقسامية، لكن من دون أن تحسم مسألة الوظيفة التحكيمية للأولياء وتجنبهم حمل السلاح والدخول في الصراعات القبلية. فإذا كانت البنية القارة مرتبطة بالطابع المسالم للأولياء، فإن الإضافة التي تقدمها الأنثروبولوجيا التأويلية والتاريخية هي أن الولي يتحول في فترات قليلة وظرفية إلى محارب.

2- ظروف تبنيها من طرف كليفورد غيرتز

لا يمكن ادعاء معرفة رصينة بالمتن الغيرتزي، خاصة عبر تداخلات مواضيعه وظروف إنتاجه، ولكننا سنحاول مع ذلك الحديث عن الإطار العام والأسباب التي دفعت بكليفورد غيرتز إلى تبني مقولات ألفريد بيل، ومقولات لا تختلف كثيرا عن روح المدرسة البنيوية نفسها. لقد سبق التذكير بأن المدة الزمنية التي قضاها جاك بيرك في دراسة كتابات الرواد من المغاربيين، ومن بينهم المعداني والوزاني واليوسي وابن خلدون، تفوق بكثير ما قضاه رواد المدرسة التأويلية في معالجة نفس القضايا أو تلك التي ترتبط بها. لقد عاش جاك بيرك حياته الخاصة والعلمية، وهو يتنقل من خيبة السوربون نحو الجزائر، ثم المغرب، حيث تنقل بمحض إرادته أو مكرها ما بين حد كورت وفاس وإمينتانوت والكوليج دي فرانس ومصر. وهو مسار ثلاثي، استمر لما يزيد عن 40 سنة، ما بين حقبة ما قبل تقديم وثيقة الاستقلال وبعدها ثم مرحلة الاستقلال. بل يمكن القول أن هذا المسار استمر وفق مواقف سياسية وأكاديمية جديدة أسالت الكثير من الحبر إلى حدود وفاته سنة 1995. في حين أن غيرتز الذي أصبح يتيم الميدان الإندونيسي منذ الانقلاب العسكري لسنة 1965 كان في صراع مع الزمن ليجد ميدانا بديلا في مكان آمن. ولم تتأخر فرصة إيجاد حل لمعضلة الميدان البديل هذا حين تلقى نصيحة من أحد الأصدقاء والباحثين، الذي أشار عليه بزيارة المغرب واستكشاف الميدان-الآمن[3]. يمكن أن نفهم بأن البحث عن الأمان رهين بخلق شروط موضوعية وآمنة لاستكمال مشروع البحث بعد انهيار أو تعليق المشاريع الإندونيسية في زمن الانقلابات والحرب الأهلية. لكن السؤال الذي يتوجب علينا طرحه هو ما مدى تأثير الميدان والظروف الآمنة على الانصياع نحو بلورة أنثروبولوجيا تحاول فهم الاستقرار السياسي في المغرب؟

إننا نشاطر القارئ إمكانية تساؤله حول العلاقة الممكنة بين شروط الأمان الخاصة بغيرتز وشروط الاستقرار السياسي الخاصة بالمغرب، وفي نفس الوقت نعرض عليه تساؤلا مهما حول أسباب انجذاب غيرتز نحو الحلقة الدائرية التي أسست لها الأنثروبولوجيا الكولونيالية. يتعلق الأمر بالحلقة التي مهدت لفكرة الدين كمنطلق للسلطة السياسية، وهي التي نسجت على منوالها فكرة الولاية والصلاح كمنطلق لكل سلطة سياسية، خاصة منذ القرن السابع عشر. إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الحلقة تعبيرا خفيا عن فكرة تشكل السلطة السياسية وعلاقتها بالعصبية الدينية لدى المفكر ابن خلدون؟ هذه المقولة الرائعة والخادعة في نفس الوقت، والتي نجد أصولها في كتابات الجغرافي والمؤرخ إميل فليكس غوتيي، تؤسس في نفس الوقت لمرحلة سياسية دقيقة، لكنها مزيفة على مستوى التأويل والبناء. لقد قدم جاك بيرك هدية مسمومة لمن لا يتقن استعمالها حين جعل من ترجمة الحسن اليوسي وسيرته مرحلةً مفصلية ولحظةَ مواجهة بين المنظومتين، الطرقية من جهة، والمخزنية أو السلطانية من جهة ثانية. إن الطرح البيركي، الذي قدم إضافة نوعية على مستوى فهم التاريخ الديني والسياسي المغربي، بات ملغوما بنظريات بيل وغوتيي في مرحلة أولى، ثم ماوس وبلوخ وڤيبر في مرحلة ثانية. يتوجب علينا إذن، في هذا المستوى، البحث عن السر وراء اعتماد كليفورد غيرتز مقولات من دراسات ألفريد بيل وجاك بيرك في منظومته، والتساؤل عن أسباب الأخذ بهما من دون التحقق من أصولها وحمولتها. يتعلق الأمر إذن بانخداع مركب، بل وثلاثي الأبعاد. ذلك أن الحضور الڤيبري في تأويلات جاك بيرك ساهم في إقناع غيرتز بالتبني الخفي لمقولات بيرك، ومن ثم لمقولات بيل وغوتيي وماوس، التي تنتمي إلى ثلاث حقب وأجيال. لقد انصهرت مقولات كل هؤلاء في القالب الذي بناه جاك بيرك، وتبناه بطرق مباشرة ومبطنة كليفورد غيرتز. ما هي إذن الدلائل الأخرى التي تؤكد مقولتنا أو مزاعمنا؟ إنه بإيجاز التبني غير المشروط لثنائية عرب-بربر، وبالخصوص كون أن مقولة غيرتز لا تعدو أن تكون سوى محاكاة متقنة للطرح الكولونيالي في صبغته التجديدية التي جاء بها جاك بيرك.

لقد حاول الأنثروبولوجيون المغاربة والأجانب فهم العلاقة القائمة بين الإنتاج البيركي والإنتاج الغيرتزي، لكن من دون أن يتوصلوا إلى شيء يمكِّننا من فهم هذه العلاقة الخفية. إنها علاقة مشوبة بالحذر والصمت المغطى بالإعجاب اللامشروط، خاصة حين تتم الإشارة إلى القرابة التي تجمع بينهما على مستوى أسلوب الكتابة والقدرة على استعمال الرموز وتأويلها، وكشف المضمرات والخفايا. وما يمكن قوله في هذا الباب هو أن الكتابات التي أنتجها دوتي وبيل وبيرك هي نصوص مرتبطة باستكشافات وأعمال ميدانية، في حين أن عمل غيرتز مرتبط أساسا بإعادة قراءة هذه الاستكشافات على ضوء حضور ميداني محدود زمنيا وتحليل مكثف (قد يكون تعبيرا عن صراع مع الزمن) للنصوص ومضامين الأسطورة والرمز. لكن الرواية الشفوية المحلية وتأويل رموز الثقافة كان مآلها ما توصل إليه المؤرخون والمستكشفون قبل بيرك نفسه: التقابل والتعارض بين رمزية الولي ورمزية السلطان، ومن ثم بين الثقافة الأمازيغية والثقافة العربية الإسلامية. فالفكرة الأساسية التي قدمها ألفريد بيل، وهي التقابل بين النصوصيين والروحانيين منذ الحكم المرابطي، جاءت واضحة في تحليلات غيرتز خاصة في كتابه الإسلام الملاحظ[4]. لقد حرص غيرتز على سجن هذه المقولة مستعملا تارة عبارات ألفريد بيل، وتارة أخرى عبارات من قبيل التعارض بين تيارين داخل الثقافة الإسلامية المهيمنة في المجتمع المغربي. ويمكن أن نلاحظ على أن مقاربة غيرتز تسعى إلى قراءة هذا التعارض بعيدا عن التعارض الصنهاجي المصمودي (نمط عيش الرحل والمستقرين)، وبالتالي القبلي كما هو حال المرحلة المرابطية والموحدية. وهذا دليل آخر يمكن الاستشهاد به لتفسير انقضاض غيرتز على مقاربة كتاب جاك بيرك: اليوسي أو مشكلة الثقافة المغربية، وهو المؤلف القريب جدا من مقاربة غيرتز المبنية على النظر الفكري والفلسفي وكذا هواجس الكتابة الأدبية وضوابطها. فما هي إذن تعاملات غيرتز مع سيرة اليوسي، وكيف يمكن لنا أن نقبل بها كمؤرخين؟ لقد بيَّنا في مقالة منشورة ضمن أعمال ندوة حول غيرتز نظمها ليونيل أوباديا والهواري عدي، كيف أصبح شخص الحسن اليوسي كالميت بين يدي غاسله (أو محييه) غيرتز، وإلى أي حد أصبح الحي يكلم الميت مع أن اليوسي ترك موروثا ضخما يعبر فيه عن أفكاره ومواقفه ومواقعه، والمتمثل في كتابيه الرسائلوالمحاضرات[5]. لقد أصبحت مقولات اليوسي ثانوية، ولم تتم الإشارة إليها إلا عبر مصادر ثانوية ومترجمة. كما أن التعامل مع الحقبة والأحداث التي عاشها اليوسي لم تعد سوى عناصر مكملة لحبكة الأسطورة، والمتطابقة مع تأويلات الأنثروبولوجي. ويمكن القول إن الأسطورة تساعد على تطويع الحدث والترجمة، وهي العملية التي لا يسمح بها المنطق التاريخي أو منطوق الوثيقة المهمشة في عمل غيرتز. يمكن للقارئ الرجوع إلى المقالة المنشورة التي نبهنا فيها إلى الاختلالات التي بنى عليها غيرتز تأويلاته القائمة على تعارض ثقافي وبنيوي بين شخصية السلطان وشخصية اليوسي. كما أن الاعتماد على اليوسي في كتابه الإسلام الملاحظ يتضمن مغالطات تاريخية وتوطينات مجالية اعتمدت على الأسطورة عوض الرجوع إلى الوثيقة التاريخية، وبالخصوص إلى شهادة اليوسي نفسه أو شهادات ورسائل السلطان المولى إسماعيل. وحسب لغة الفقهاء، الأنثربولوجيون، في الغالب، يفضلون التيمم بالرغم من وجود الماء.

لنمر إذن إلى الظروف والأسباب التي دفعت أتباع غيرتز أو الرواد من داخل مدرسته للوقوف على العوامل التي أدت إلى اعتماد السيرة والترجمة في أعمالهم.

3-استعمالات السيرة عند الأتباع

يمكن للقارئ أن يلاحظ بأننا نستعمل كلمتي السيرة والترجمة في نفس الوقت، ومرد ذلك إلى أن الأعمال التي نحن بصدد مناقشتها اعتمدت السيرة كمصدر ومتن، ونفس الشيء بالنسبة للأشخاص الذين أقحمتهم في الدراسة بشكل ثانوي وتكميلي. كما أن لقب الأتباع راجع إلى العلاقة القوية التي تجمع بين الشيخ المؤسس ومريديه، حسب تعبير إرنست غيلنر الذي لقب المدرسة التأويلية بالزاوية، والمتعاونين معها بالمريدين. يمكن أن نلاحظ على أن غيلنر نفسه له مريدوه، لكنهم لم يأخذوا عنه مباشرة، كما أن شيوخه، ومنهم إيفانس بريتشارد، أو مريديه، لا يربطهم دائما الميدان المغربي، على خلاف غيرتز، حيث عمل معظم تلامذته المتأخرين حول المجتمع المغربي، وأحيانا في مجال واحد كما هو حال مدينة صفرو أو قرية سيدي لحسن اليوسي. وحاول النجباء من المريدين، كما لو أنهم في سباق مع الزمن، تأكيد مقولاته واختلافاتهم مع بعض أفكاره.

1.3- نموذج ديل أيكلمان

نتخذ كتاب أيكلمان المعرفة والسلطة مدخلا لتناول هذا النموذج الذي يختلف من حيث المقاربة عن استعمالات غيرتز لترجمة اليوسي. فبخلاف غيرتز الذي ارتكز على نموذج تاريخي يرجع للقرن السابع عشر ونماذج من القرن العشرين، خاصة مع السلطان محمد الخامس والملك الحسن الثاني، سينطلق أيكلمان من دراسة ترجمة لشخصية من القرن العشرين عاشت خلال حقبتي الاستعمار والاستقلال، وهي شخصية القاضي والعالم عبد الرحمان المنصوري. مع الإشارة إلى أن الأنثروبولوجي مازال على قيد الحياة، وأن المترجم له توفي منذ مدة ليست بالقصيرة.

وتجدر الإشارة إلى أن كل الأنثروبولوجيين اللاحقين لم يعاودوا مغامرة غيرتز مع الزمن، إذ انحصرت كل السير المعتمدة في شخصيات لها امتدادات اجتماعية وثقافية إلى يومنا هذا، كما هو حال علي الإلغي الذي تناوله عبد الله حمودي، أو عبد الرحمان المنصوري الذي درسه ديل أيكلمان. تتمثل قوة عمل أيكلمان في المدخل النظري لمؤلفه الذي يشير فيه إلى من سبقوه في هذا الحقل وهي مناسبة لعرض مصادره ومراجعه وكذلك أهم أفكار وقضايا كتابه. كما تتمثل رصانة هذا العمل في الضبط التاريخي للمجتمع والمحيط الذي عاشه المنصوري، وكذا تاريخ العلاقة التي تجمع بين الدارس والمترجم له-موضوع الدراسة. وسوف لن يتوقف الدارس في حصر العلاقة على مستوى الثنائية، بل دخل في تفاعلات أخرى كما هو حال الدور الذي قامت به زوجته وزوجات القاضي اللواتي أثرن في مسار الدراسة ومستقبلها. لكن المثير في كتابة السيرة-السير هو الأخذ بعين الاعتبار لسِير الفاعلين والمؤثرين على المترجم والمترجم له. وهو الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن رصد التفاعلات مع شخصية لها بعدها الديني، بحكم انتمائها إلى الطريقة الشرقاوية، والسياسي بحكم حنكتها في التعامل مع سلطات الاستعمار ومع رواد الحركة الوطنية وكذا شخص السلطان والمخزن، مكَّن أيكلمان من رسم ورصد دقائق الأمور المتعلقة بتفاعل القناعات الدينية والشخصية والسياسية مع تحولات المجتمع وتقلبات الزمن وأهواله. ومهما يمكن قوله حول غياب بعض الشهادات الخاصة بقضايا مرحلة 1951-1956، أو مرحلة ما بعد الاستعمار، فإن أيكلمان الذي رصد حياة القاضي، وهو يسمع لأقواله أو يقرأ كتاباته وأحكامه أو يعاتب زوجاته أو جيرانه، كان قريبا من نبرات حياة المترجم له. بل ويمكن الحديث عن علاقة حميمية زائدة كانت مؤثرة في عملية الكتابات، بل وحتى في الاستعمالات المستقبلية للترجمة. لقد توافرت لأيكلمان فرص تمحيص أو تصحيح أفكاره أو أفكار القاضي عبر اعترافات أو شهادات المؤلف أو أقاربه أو جيرانه. وقد استمرت العلاقة بين الشخصين مدة طويلة بل وتوطدت بعد وفاة القاضي مع الأبناء، خاصة وأن الأنثروبولوجي لم يعد صاحب ترجمة بل أصبح ظلا للأب الراحل وصندوقا لذكريات خصبة يمكن أن يسردها عبر قوالب عديدة تفيد الذكرى. ولعل العلاقة الحميمية التي نسجها أيكلمان مع القاضي والعائلة جعلت منه طرفا حاضرا بقوة في ذاكرة الترجمة وفي المجال والذاكرة الخاصة بأبي الجعد وربما بقرية بزو. يمكن لهذا الأمر أن يدفعنا إلى القول أن أيكلمان تتوافر لديه كل الإمكانيات والإمكانات لإعادة كتابة ترجمة جديدة، وأن بإمكانه أن يقدم تراجم أخرى لنفس القاضي. ويمكن القول أيضا إن أيكلمان لم يعد بعد وفاة المترجم له ذلك الباحث الأنثروبولوجي مؤلف الترجمة، أو صاحب النتف التي أحسن صياغتها في قالب لم يكن يفهمه سوى الضالعين في العلوم الإنسانية خاصة قبل ترجمة عمله إلى اللغة العربية من طرف محمد أعفيف. فقد استطاع صاحب الترجمة أن يكسب، ليس فقط، ود العائلة بعد رحيل القاضي المنصوري، بل أصبح هو المترجم والمترجم له بحيث أن قوة العبارة والقلم منضافة إلى الحميمية المفرطة قد أدت إلى خلط الأدوار.

ها هنا يمكن الوقوف على نقط ضعف المقاربة التأويلية من حيث استعمالاتها للسير والتراجم. فرغم النجاح الذي حققته دراسة أيكلمان في محاورتها للأحياء واستنباطها للأفكار والأحكام وسيرورات الأمور، فإنها انتهت إلى نوع من الخلط بين نوايا الباحث وموضوع دراسته. فالنموذج الغيرتزي مع الحسن اليوسي أو الحسن الثاني الذي راح ضحية معادلة ومقابلة مع النموذج الإندونيسي ورموزه كاليكجا أو سوهارتو، لم يقدم نفس الضبط المعرفي الذي قدمه أيكلمان في دراسته لشخصية القاضي عبد الرحمان المنصوري. إلا أن ما يمكن استخلاصه هو أن عملهما معا انتهيا إلى خلط للأوراق والشخصيات لدرجة أن الميدان الآمن الذي سبق الحديث عنه تخللته اضطرابات في المقارنة بين إندونيسيا والمغرب أو بين الولي والسلطان، وهي اضطرابات لا يمكن فصلها عن شخص وشخصية غيرتز الذي أعاد إدخال ثنائيات جديدة في حقل المعرفة: الولي/السلطان، الجاف/الرطب، النصي/الروحي، الطرق الصوفية النقية/الطرق الشعبية الوسخة. لنتساءل في الأخير عن المسافة المعرفية التي تفصلنا عن ثنائيات الحقبة الكولونيالية: عرب/بربر، التصوف السني/التصوف الشعبي، الولي/السلطان إلخ…

2.3- نموذج عبد الله حمودي

لا يمكننا فصل دراسة عبد الله حمودي الشيخ والمريد عن مؤلفه الضحية وأقنعتها.وكلاهما يؤكدان الارتباط المعرفي والجينيالوجي مع المدرسة التأويلية، كما لو أن الانقسامية القبلية يتم تعويضها بالجينيالوجيا الفكرية. تأتي هذه الدراسة لتؤكد مرة أخرى على عدم جدوى المقاربات الوظيفية والبنيوية خاصة في نسقها الغيرتزي، مع أن الظرف يحتم علينا قراءة جديدة لإرنست غيلنر على ضوء التحولات الأخيرة التي تبشر بنهاية هيمنة البنيوية الوظيفية أو الأنثروبولوجيا التأويلية على حقل العلوم الاجتماعية، في ظل عهد يبشر بنهاية الزعامات، أو على ضوء الأرشيفات التي فتحت للقارئ المغربي والأجنبي، والتي ستمكننا من معرفة أكثر دقة لشروط إنتاج المعرفة في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية خلال الحقبة الكولونيالية وما بعدها.

إن دراسة الشيخ والمريد تؤسس لقطيعة مع الميدان، ليس على مستوى التنظير والتأويل الذي استفاد لسنوات طوال من البحث الميداني، سواء زمن الراحل بول باسكون أو ما بعد وفاة هذا الأخير وبداية تصدع الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا المغربية التي احتضنها معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة في شقيها النظري والميداني. المقصود بالقطيعة مع الميدان هو تبني نموذج التراجم، وكيفية التعامل مع النص من دون الرجوع للميدان ومدى تأثير ذلك على أهم خلاصات هذه الدراسة. كما أن القطيعة مرتبطة باعتماد نص الترجمة من دون تتبع للتطورات اللاحقة التي عرفتها منطقة وزاوية الشيخ المترجم له. كما أنه لم يتم الرجوع إلى مختلف المصادر والمراجع المرتبطة بصاحب الترجمة، وهو الشيخ علي الإلغي (ت. 1910).

يمكن أن نلاحظ منذ البداية أن عبد الله حمودي اعتمد على ترجمة قريبة منا زمنيا، ولكن تأويل مضامينها وتفكيكها يبقى مشوبا بالعديد من المخاطر. لقد قام حمودي بإعادة كتابة ترجمة، لم ينتجها كما هو حال ديل أيكلمان. من هنا يمكن القول على أن حمودي كان أقرب من غيرتز في التعامل مع الترجمة من حيث استعمالها وتأويلها، بل يمكن القول أنهما ساهما في إعادة كتابة سيرة علي الإلغي بالنسبة للأول، والحسن اليوسي بالنسبة للثاني، وهي سِير تحولت إلى خدمة الزاوية الغيرتزية عوض أن تخدم الزاوية الدرقاوية. فما هي إذن الظروف التي دفعت حمودي إلى استعمال ترجمة الإلغي، وكيف تعامل معها في مختلف المناسبات والتأويلات؟

لا بد من التذكير أن غيرتز اعتمد على رواية جاك بيرك وقراءاته لمسار اليوسي، كما اعتمد الروايات الشفوية المرتبطة بشخص الحسن اليوسي والسلطان مولاي إسماعيل. مع العلم أن غيرتز يشتغل وفق منظور ومفاهيم صاغها بنفسه أو اقتبسها من الدراسات الكولونيالية وغيرها. كما أنه اعتمد ترجمة عالم وصوفي لم يكن شيخا مؤسسا، على خلاف علي الإلغي النموذج المعتمد في دراسة عبد الله حمودي. نذكر كل هذا للقول أيضا على أن حمودي لم يكتب ترجمة بالمعنى المتداول، بل اعتمد نصا كتبه المختار السوسي، وهو ابن الشيخ الإلغي. ونضيف أن حمودي أعاد إنتاج شيمة الولي والسلطان من خلال أصلها الثقافي، الشيخ والمريد أو الزاوية والمخزن. سوف لن ندخل هنا في تسجيل ملاحظات وتحفظات عبَّرنا عنها في مقالة سابقة[6].

عرف الباحث بترجمة الإلغي وبمؤلفها من دون التركيز على رهان كتابة الترجمة داخل المجتمع السوسي، وكذا لدى الابن المختار السوسي، وهي في نظري رهانات بإمكانها أن تحرف حقيقة الأمور، خاصة ما يتعلق بولاية الشيخ وتحوله من مريد إلى شيخ، كما يؤكد ذلك عبد الله حمودي. إن موضوع الترجمة التي كتبت على منوال كتب المناقب تؤكد على الخوارق والإنجازات التي يمكن أن تختلف عن المسار الفعلي لكل شيخ مؤسس. كما أن الترجمة لا يمكن أن نفصلها عن المشيخة كما هو حال السجالات التي دارت بين مختلف فروع الشاذلية، وخاصة بين التجانية والدرقاوية. لقد تناولت النصوص السجالية إشكالية الشيخ علي الجمل الذي لا تتوافر فيه شروط المشيخة لأن شيخه غير معروف. كما أن النموذج التجاني لا يمكن أن يقدم خدمة لخطاطة الشيخ والمريد لكون الشيخ أحمد التجاني انفصل عن جميع شيوخه، ولو رمزيا، قبل أن يصبح شيخا مؤسسا. مع العلم أن فكرة الانفصال والتردد بشأنه سبقت مرحلة التأسيس بعشرات السنين. إضافة إلى كل هذا، فالمريدون الأوائل للتجانية لم يكونوا مبتدئين ومتدرجين حتى تنطبق عليهم الخطاطة. فأغلب مريدي التجاني كانوا يتجاوزون سن الأربعين وينتمون في الغالب إلى الناصرية والوزانية، وبالتالي فأغلبهم تخاصموا مع الشيخ المؤسس وغادروا مدينة فاس حتى قبل بناء الزاوية التجانية بمدينة فاس سنة 1803. والحقيقة أن التجاني لم يكن مربيا بل مستقطبا لمعظم الآخذين عنه، والذين كانوا شيوخا وتجارا وشخصيات تنتمي لعائلات ونخب ثقافية واقتصادية محترمة. فتراجم كل هؤلاء أوردها أحمد سكيرج ويمكن الرجوع إليها للتحقق من استحالة استعمالاتها في خطاطة الشيخ والمريد. ويعتبر المترجم لهم في هذا المؤلف من الأصحاب وليس المريدين، كما يؤكد ذلك الشيخ المؤسس أحمد التجاني، ويدل عليه عنوان كتاب سكيرج الذي ينعت المريدين بالأصحاب[7].

يطرح النموذج الدرقاوي، عبر شيوخه علي الجمل والشيخ المؤسس نفسه، إشكالا بخصوص الإرث والشرعية، وبالتالي لا يمكن أن يتخذ كنموذج في دراسة حمودي. ونفس الخصوصيات ميزت التجانية وشيخها المؤسس، ومريدي الزاوية المتأخرين أيضا، كما هو حال المؤرخ أكنسوس أو القاضي أحمد سكيرج اللذان رفضا التدرج والخضوع لاختبارات الشيوخ، إلى درجة أن هذا الأخير، أي سكيرج، ذكرنا في سيرته الذاتية حديقة أنسي للتعريف بنفسيعلى أنه أصبح شيخا واصلا على طريقة الملامتية والجذبة. وخصص سكيرج لسابقه الوزير أكنسوس ترجمة في كشف الحجاب يذكر فيها برفضه دخول الخلوة والخضوع لشيخ مربي. هل كان عبد الله حمودي على علم بهذه المعطيات التي لا تبشر بسلامة اتخاذ النموذج التجاني أو الدرقاوي نموذجا؟ كما أن ترسخ الزعامة الروحية داخل الوزانية والناصرية، على مستوى حفدة الشيخ المؤسس، تجعل من الفرع المؤسس نموذجا يحاكي نظام الحكم السياسي لدى الأسرة الشريفة الحاكمة، وبالتالي فهو يقصي من الزعامة العناصر المنتمية إلى أسر لا ترتبط بقرابة دموية بأسرة الشيخ المؤسس. ويجب القول على أن ضعف المنحدرين من أسرة أحمد التجاني أعطت لعناصر تجانية خارجية الفرصة في تأسيس فروع تيجانية بالمغرب والسنغال وموريتانيا. ويجب أن نفهم أن هذا التحول لا يرتبط بمسألة خضوع المريد وتدرجه نحو الزعامة. ثم لماذا الاعتماد على نموذج شيخ درقاوي من الجنوب مع أن السلسلة الدرقاوية تطرح العديد من التعقيدات بالنظر لتلاحمها مع النموذج الملامتي وسلوك المجاذيب. ومع ذلك فالعراقيل التي كان بالإمكان مواجهتها في تراجم أحمد التيجاني والعربي الدرقاوي أو ترجمة العربي الوزاني الموغلة في السياسة، والتي تحتاج إلى رصد مسار تحولها من الزاوية إلى المخزن، هي نفسها التي اعترضت تأويلاته في ترجمة علي الإلغي. وحتى لا نطيل في هذا الباب، نركز على إثارة الملاحظات التالية:

– أن القبيلة التي ينتمي لها الإلغي هي قبيلة مرابطية ظلت خاضعة، إلى حدود سنة 1933، إلى وصاية وحماية القبائل المحاربة، وخاصة قبيلتي مجاط وآيت حربيل (الأمغراس). وهي بالتالي قبيلة أمازيغية مرابطية خاضعة لقبيلتين أمازيغيتين محاربتين، تذكرنا بالنموذج البيضاني الذي تتقاسمه قبائل الزوايا وحسان. إن النموذج البيضاني على الرغم من كونه عرف انتشارا واسعا للطرق الصوفية فإنه لم يفرز سلطة سياسية مركزية ومبنية على تحول الزاوية إلى مخزن.

– كون شيخ علي الإلغي، وهو سعيد المعدري، كان مجذوبا، وبالتالي فمشيخته تبقى موضع تساؤل في ظل نفور الشيخ المربي من الزعامة السياسية أو حتى من الرغبة في إخضاع العباد.

– أن تعيينه علي الإلغي شيخا ليس صحيحا، وأن الترجمة التي كتبها المختار السوسي تتحدث عن كون الشيخ الحسين التاموديزتي هو وريث المعدري وليس الشيخ الإلغي.

– الإلغي أصبح شيخا مدرسا ومربيا، بل انفصل عن شيخه سنتين قبل وفاته، وبالتالي قبل الحسم في الخلافة.

– أن الخلافة المفترضة للإلغي تمت عبر رؤيا، في حين أن خلافة التاموديزتي كانت بإشارة مباشرة من الشيخ.

– وأخيرا، غابت رموز الرؤيا والتعيين عن التأويل الأنثروبولوجي، كما يقول بذلك رواد هذه المدرسة.

انطلاقا من هذه الملاحظات يمكن التساؤل حول السر الذي جعل من دراسة أيكلمان نسقا متكاملا شكلت فيه ترجمة القاضي المنصوري خيطا ناظما للعمل، في حين أن استعمالات غيرتز وحمودي لتراجم اليوسي والإلغي ميزها الانتقاء والإقصاء، بل والتحريف المبني على الإفراط في عملية التأويل أو إخضاع المعلومة والسياق. لقد لاحظنا في مقالة سابقة حول عمل كليفورد غيرتز وعبد الله حمودي غياب الضبط التاريخي والمجالي، ومن ثم الحدثي. فالشيخ المجذوب يصبح مربيا والخلافة تعود إلى غير أصحابها. كما أن الحسن اليوسي الذي يواجه السلطان مولاي رشيد خارج المدينة نجده في روايات غيرتز في مواجهة مولاي إسماعيل داخل المدينة أو قربها.

كل هذه المعطيات تفسر لماذا تميزت قراءتهما بعدم الضبط المجالي والكرونولوجي والتاريخي. كما أن ما يسمى بالأنثروبولوجيا التأويلية لا يمكنها إلا أن تكون أنثروبولوجيا وظيفية، على الأقل على مستوى استعمالاتها للتراجم وما تمثله من رمزية في الحقل الديني والسياسي المفترض فهمه وتحليله.

وأخيرا يمكن القول إن نموذج عبد الله حمودي واستعماله لسيرة الإلغي لا يختلف عن نموذجي غيرتز وأيكلمان على اعتبار أنه انتهى، هو الآخر، إلى تذويب المسافة بينه وبين صاحب الترجمة الذي لم يعد فقط نموذجا تم إخضاعه للتحليل، بل سلاحا تم استعماله في معارك الأنثروبولوجيا التأويلية ضد أعدائها المعلنين والمفترضين، كما لو أن التراجم تحولت لشخصيات يتقمصها المؤول ليصبح اليوسي، ذلك المعارض الأبدي، والقاضي المنصوري الذي تتجدد حياته باستمرار مادام أيكلمان على قيد الحياة، والإلغي كبطل يحقق الانتصار تلو الانتصار مع أن خطاطة الشيخ والمريد تعلنه فائزا حتى قبل النزال.

ونختم بأن الدراسات الأنثروبولوجية التي اعتمدت الترجمة والسيرة لم تتعامل معها بالحذر المطلوب، وكون الانتقائية أو البناء النظري المؤسس لأنساق فكرية غلبا على هذه الدراسات. لذلك وجب الحذر في التعامل مع السيرة التي يجب دراستها أو كتابتها عبر توظيف لكل مضامينها وتناقضاتها، وأيضا عبر التمييز ورسم الحدود والتداخلات بين المترجم والمترجم له، أو بين الدارس للترجمة والمترجم له، بالنظر للتفاعلات والتأثرات المتبادلة التي يمكن أن تحدث بينهما.


هوامش
[1] Augustin Berque, Cheikh Ben Alioua: Martin Lings, un saint musulman du XXesiècle, Paris, Villain et Belhomme – Editions Traditionnelles, 1973 (traduction du livre publié en anglais en 1961).

[2] انظر على سبيل المثال:

A. Bel, La religion musulmane en Berbérie. Esquisse d’histoire et de sociologie religieuse, Paris, Geuthner, 1938; G. Drague, Esquisse d’histoire religieuse du Maroc, Peyronnet et Cie, 1951; H. Terrasse, Histoire du Maroc, des origines à l’établissement du protectorat français, 2 vol., Casablanca, Editions Atlantides, 1949; E. Dermenghem, Le culte des saints dans l’Islam maghrébin, Paris, Gallimard, 1954

[3] C. Geertz, After the Fact. Two Countries, Four Decades, One Anthropologist, Harvard University Press, 1996, pp. 114-115.

[4] C. Geertz, Observer l’Islam, Paris, La découverte, 1992.

[5] فاطمة خليل، رسائل اليوسي، الدار البيضاء، دار الثقافة، 1981، جزءان.

[6] Voir Jillali El Adnani, « Des Saints à l’épreuve du pouvoir; histoire d’une sainteté et anthropologie d’une culture », Hespéris-Tamuda, vol. XXXI, 2008, pp. 61-100; Idem, 2007, La Tijâniyya (1791-1880) : les origines d’une confrérie maghrébine, Rabat, éditions Marsam, 247 p.

[7] أحمد سكيرج، كشف الحجاب في من تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب، بيروت، المكتبة الشعبية، 1988، 560 ص

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى