أ. د. عادل الأسطة - غسان كنفاني وثيودور هرتسل: صراع الخطابات

هل قرأ غسان كنفاني رواية (ثيودور هرتسل): "أرض قديمة ـ جديدة" التي أشار إلى أنها ترجمت إلى العربية، وذلك في كتابه "في الأدب الصهيوني"؟
في روايته "عائد إلى حيفا" يذكر كنفاني من الروايات الصهيونية التي درسها في كتابه، وهي عديدة، يذكر رواية (آرثر كوستلر) "لصوص في الليل" فهذه هي التي قد تكون شكلت لليهودي القادم إلى فلسطين، وهو (ايفرات كوشن)، فكرة عن فلسطين: فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ولكن الواقع كان غير ذلك، فحين وصل (ايفرات) إلى فلسطين وأقام في حيفا شاهد حرباً تجري، فمع من كانت تلك الحرب إن كانت البلاد بلا سكان؟ وسواء أقرأ كنفاني "أرض قديمة ـ جديدة" أم لم يقرأها، فإن الروايات التي درسها كنفاني "اكسودس" و"لصوص في الليل" و"نجمة في الريح" وغيرها، قد خرجت من معطف رواية (هرتسل)، وهكذا يكون خطاب أبطال كنفاني الفلسطينيين في صراع مع خطاب الرواية الصهيونية بشكل عام.
هل أخطأ الدارسون الذين قالوا إن "عائد إلى حيفا" هي رواية أفكار؟ تحفل الرواية عموماً بخطابين متعارضين هما الخطاب الصهيوني والخطاب الفلسطيني الذي يدحضه. وهكذا فإن أعمال كنفاني أعمال تصلح لأن تدرس حين يدرس المرء صراع الخطابات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إن سعيد. س بطل "عائد إلى حيفا" ـ وهو قناع لكنفاني ـ حين يرد على دوف، إنما يمثل الخطاب الفلسطيني في رده على الخطاب الصهيوني.
بل إن ما يقوله سعيد. س لزوجته صفية التي ترى حيفا بعد 1967، بعد غياب 20 سنة عنها، هو في جانب منه دحض للفكرة الصهيونية التي أظهرها (هرتسل) في روايته: فلسطين أرض خربة ومستنقعات وجزء من الشرق البائس، وحين يعود إليها اليهود ستغدو جزءاً من الغرب الحضاري. عشرون سنة تكفي لأن تتحول فلسطين إلى قطعة من أوروبا لا تقل جمالاً وتطوراً عن فرنسا وسويسرا وألمانيا. فماذا قال سعيد. س لزوجته التي أبدت اندهاشها مما رأت؟ "أنت لا ترينها، إنهم يرونها لك".
"لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفوراً، .... ذلك جزء من الحرب. إنهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقياً. عليكم أن تقبلوا أن تكونا خدماً لنا، معجبين بنا.. ولكن رأيت بنفسك: لم يتغير شيء.. كان بوسعنا أن نجعلها أحسن بكثير...".
ربما بدا صراع الخطابات في الرواية أوضح أكثر حين يتجادل سعيد. س مع ابنه خلدون الذي غدا دوف، فما قاله الأخير هو ما تعلمه. إنه الفكر الصهيوني مجسداً. غداً تمر الذكرى الحادية والأربعون لاستشهاد كنفاني والصراع هو الصراع. مات (هرتسل) وجاء (نتنياهو)، فهل ثمة فرق بينهما؟ واستشهد كنفاني وما زالت كتابته تقرأ، فماذا كان سيكتب عن الفرق بين (بنيامين ثيودور هرتسل) و(بنيامين نتنياهو) لو بقي حيا؟

2 ـ بنيامين ثيودور هرتسل وبنيامين نتنياهو:
وأنا أقرأ الترجمة العربية لرواية (بنيامين ثيودور هرتسل) الوحيدة "أرض قديمة ـ جديدة (الترجمة العربية 1968، وصدور الرواية بالألمانية 1903) غالباً ما ذهبت إلى أن (هرتسل) أكثر تقدمية من (نتنياهو).
كأنني ألجأ إلى ما لجأ إليه النقاد الماركسيون حين فسروا أعمال (بلزاك) الفرنسي و(كافكا) التشيكي.
كان (بلزاك) ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية الفرنسية (ق19)، وكان في مقالاته السياسية يدافع عنها، وحين كان يكتب رواياته كان يصور حياتها وبيوتها وبذخها وسلوكها وتصرفاتها. وحين كان النقاد الماركسيون يقرؤون رواياته كانوا يرون أنها تفضح تلك الطبقة، وهكذا كانت الروايات ذات محتوى إيجابي تقدمي، قياساً للمواقف السياسية المتخلفة ـ وفق الرؤى النقدية الماركسية.
وكان (كافكا) محبطاً ضجراً سوداوي النظرة إلى الحياة، ولم يحيَ حياة أسرية هادئة، فقد كتب رسالة إلى أبيه يفصح له فيها عن سلوكه الشائن في تعامله معه، إذ فضل أبوه الأخ عليه.
ولم يكن (كافكا) ماركسياً، أيضاً، ليكتب من منطلق ماركسي، فيرى العالم عالمين: العالم الرأسمالي المتغوّل، والعالم الاشتراكي العادل، وحين كتب (كافكا) روايته "أمريكا" وقصته الطويلة "التحول/ المسخ" وغيرها، صوّر بشاعة العلاقات الإنسانية في المجتمع الرأسمالي، دون موقف مسبق واعٍ. وقد رأى النقاد الماركسيون في أعماله فضحاً للعلاقات الإنسانية في المجتمع الرأسمالي. هل كان (كافكا) سيذهب معهم ويوافقهم على تفسيرهم لو امتد به العمر حتى مؤتمر (براغ) (1964) حيث قرؤوا أعماله فيها في حقبة الاشتراكية، هو الذي عاش في (براغ) قبل حقبتها الاشتراكية؟
(هرتسل) الذي صور في روايته حياة اليهود في المنفى، ولاحظ أنهم يختلفون فيما بينهم، فثمة يهود فقراء معدمون، وثمة يهود أثرياء، ولاحظ، أيضاً، معاناة اليهود في المجتمعات الأوروبية، حيث اعتبرت كلمة يهودي شتيمة، وحيث منعوا من ممارسة الكثير من المهن، وفضل عليهم غير اليهود، (هرتسل) قرر أن يجد حلاً لمشكلة هؤلاء اليهود في المنفى، وهكذا فكر في تأسيس الدولة اليهودية وإعادة اليهود إلى فلسطين: الأرض القديمة ـ الجديدة، وعمل على هذا. هل أراد (هرتسل) إقامة دولة يهودية؟ ثمة كتاب له عنوانه "الدولة اليهودية"، ويقول العنوان إنه يريد دولة يهودية، لكن ماذا تقول الرواية؟
في فيينا يتعرف (فردريك ليفنبرغ) إلى الطفل اليهودي الشحاذ (ديفيد لوتفيك)، ويزور عائلته في بيتها، فيرى الفقر والبؤس والعوز، وهكذا يتصدق (فردريك) على العائلة ويحسن إليها فيغدو المتبرع المفضال، ويحث العائلة، لاحقا، على الهجرة إلى فلسطين، حيث أرض الآباء والأجداد، وهناك تفيض الأرض لبناً وعسلاً، ويمكن أن تقيم العائلة في بيت صحي، وتكد وتعمل وتعيش من وراء عرقها، لا من إحسان المحسنين وتفضل المتفضلين، وهذا ما يتم، إذ تتغير أحوال هذه العائلة رأساً على قدم، وتغدو عائلة تملك منزلاً صحياً ونظيفاً، لا عائلة تقتسم الغرفة الواحدة مع ثلاث عائلات أخرى، تعاني من تهديد المؤجر بالطرد إذا لم تدفع ما عليها من إيجار.
في منافسة انتخابية بين (ديفيد لوتفيك) وصهيوني آخر هو السيد (غايار)ـ ويكون هذا متعصباً، لا يتحدث (ديفيد) عن دولة يهودية تضطهد الآخرين وتتعالى عليهم وتحتقر دياناتهم وتهدم أماكن عبادتهم. وأرجح أن كلام ديفيد هو كلام (هرتسل) نفسه الذي تأثر بالفلسفات السائدة في القرن التاسع عشر، حيث أملت جهات كثيرة بمجتمع إنساني يحترم فيه الإنسان لكونه إنساناً، لا لديانته. (ديفيد لوتفيك) يرحب بالتعايش مع الآخرين ويستقبل المسيحي (كينغر هوف/ كورت) في بيته، كما يستقبل من أحسن إليه في النمسا: (فريدريك ليفنبرغ)، وفوق هذا يقيم علاقة طيبة مع رشيد بك العربي الذي ينتمي إلى فلسطين.
وتؤكد روح الرواية احترام أماكن العبادة وتعايش الأديان، فالكنيس إلى جانب الكنيسة إلى جانب المسجد، والقطارات الكهربائية التي يجلبها وينشئها المهاجرون اليهود الأوروبيون ستصل إلى بيروت ودمشق وشرق الأردن، فلا حواجز ولا جدران ولا سياج فصل عنصري. إن ما يرمي إليه أحد المؤسسين هو إقامة شركة تعاونية تعمل لصالح الإنسان، دون النظر إلى دينه.
وأنا أقرأ الترجمة العربية للرواية تذكرت (بنيامين نتنياهو) وإصراره على إقامة دولة يهودية، ودعوته الرئيس أبو مازن للاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وتذكرت أننا غير قادرين على الوصول إلى حيفا ويافا والقدس، أيضاً. هل من ضرورة للإشارة إلى جدار الفصل العنصري؟ ولا أدري متى، آخر مرة، قرأ فيها (نتنياهو) الرواية ليرى أن من دعا إلى تأسيس الدولة لم يرد دولة دينية صافية. هل كان (هرتسل) ـ وما زال ـ أكثر تقدمية من رئيس الوزراء السيد بيبي؟




أ. د. عادل الأسطة
2013-07-07





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى