سعيد فرحاوي - تماهيات الذات مع سراب الجلاد؛ بحثا عن روح تنقشها صور الماضي المتلاشي. مقاربة روحية مدادها دم لم يتوقف سيلانه..

مازال الجلاد حيا فينا ؛ مازال يستمتع بطفولتنا المغتصبة؛ يأكل رغيف الزمن بدون ان يستحضر ما تركناه على ابتسامة دمى تركناها بلا انتباه تكتب حقيقة وضعنا؛ تكشف عن تعاسة حظنا؛ ترتب نسيم الانسان فينا الذي مازال يتدحرج كل صباح يبحث عن امل ممكن؛ عن تطلعات مشروعة؛ وعن احلام اجلناها لعل الجلاد ينام بلا عودة فيتركنا نزين الابتسامات بإرادتنا.
سعيدة المنبهي كانت تعرف ذلك؛ كانت تعي جيدا ان اشعارها ستصلنا ونحن لم نولد بعد؛ لم نتشكل في حاضر يراقب مافات بنظرات حزينة. وهي كانت تعي انها ستغيب من زمنا لتمتطي الحمق الذي تعلمه الجلاد في مدرسة القمع؛ في سراب عقليات متعفنة صنعت للعذاب والاضطهاد؛ تتجلى بلا علمنا في نفوس شريرة خلقت لتفترس. نعم سعيدة تعلم جيدا انها ستصبح صوتا للريح؛ تتذوق اريجه جيدا؛ فتبتلع مرارته التي تبللته من كثرة الازدحام؛ من كثرة الاصرار؛ والاقرار بأن الحياة الاخري ممكنة في دوامة الاختيار الذي فرض عليها ان تموت وهي في ريعان شبابها؛ تموت هي لتعيش نحن؛ تنهي هي فنولد نحن من فوهة الشمس بالصيغة التي تريدها هي؛ وليس هم من فرض علينا الجحاب؛ ليس هم من صنع قرار موتها؛ من زرع الشوك في نظراتها المليئة بالحلم والحياة. امرأة تعرف جيدا صوت الريح؛ تعلم ضجيج الحياة؛ تسير كعادتها على ارض مبللة بالدموع؛ تكب لوحة البكاء والعويل وشظايا جسد ينقش صور الزمن الفائت بصوت يجعلها تتذكر؛ كل يوم؛ وحدها ؛ لغة الجلاد وهو يداعب شعرها؛ ينتظرها على بساط عمرها ليوقف سيرها؛ فيعيدها إلى البدايات الاولى التي جعلت منه وحشا يتلذذ ساعة الانتظار؛،
في ذكرى الشهيدة سعيدة المنبهي


( أشعار كتبتها الشهيدة وهي في زنازين الجلاد)

ريح بلادي
تعوي ..تصر.. تهب
على الارض المبللة (تكنسها)
ترسم اشكالا
تنقش صور الماضي
ماضي أنا... ماضيك أنت
ماضي كل واحد منا
صوتها يذكرني بسمفونية
تلك التي كنت تهمسها في اذني كل ليلة
قبل ذلك..منذ وقت بعيد
اليوم..هذا المساء.. هذه الليلة
بصمات الحياة وحدها تراود ذهني
والمطرالدؤوب
الريح العنيدة
يعودان ككل سنة
ويرجعان إليك مهما بعدت
فيذكراني بأن لي جسما
بأن لي صوتا
أرفعها قربانا إليك.
20 اكتوبر 1976
***
بعد الحكم الجائر
انتظردق الساعة
ساعة اللقاء والانتصار
منذ ما يقرب من سنتين
لا شيء غير الصمت
الكثيف المجلجل...
هكذا اشعل نجوم حياتي
الواحدة تلو الاخرى
ليظهر وجهك
في ضوء النجمة الحمراء
وأسهر ليتحطم الليل
لتتبعتر كل الاصوات
ولتنفجر الكلمة شرارة
وشمة الازمنة
مرخة
رفضا للاستغلال والاستيلاب
كلمة تثقب السور
والكثافة
كلمة حمراء ضد الديماغوجية
الهدر المصحر
كلمة كرسم هيروغليفي لقلبي
مخططة بريش الدم
كلمة شاعر
كلمة كالشفرة التي تسلخ
قامة مصاص الدماء..
في الزنزانة السوداء
في هذه الليلة الحالكة
في ليلهم الذي يطرده النهار
اتحول الى لحظة
وأصبح انتصارا
ابحث في العتمة
عن معلم** في الزمن
زمن العامل... الفلاح
كل الثوار
في يوم النور ذاك
سأرى صورتي في عينيك
وأنا عارية كفكرة
مكسوة كلبلاب
في يوم النور ذاك
سنكون قد رمينا من أيدينا
الأغلال البيضاء
في وجه الكلاب النابحة
13 غشت 1977
( ** معلم : بسكون العين وفتح اللام)
يوم الاربعاء
أم وطفلتها
في ذعر الإهمال
والسجانة
ضوء باهر
في ظلمة وحدتي
هذه الطفلة
هذه الام
تفصلهما القضبان
كل واحدة من جهة
لقاء نظرتين دون كلمات
الصغيرة تضرب الارض برجليها
وأنت منذ وقت طويل
منشغلة بشؤونك
الأطفال في مثل هذا السن
يظنون أن العالم ملك لهم
إنها تريد أن تكون كبطيخة
بين ذراعيك
إنها تجهل القضبان
عناق
لكن دموع الغضب
تسيل على وجهها الممتقع
إنها تشعر ببرودة القضبان الحادة
لماذا هذه القضبان
كأنها أول شيء يجب أن يرى
في الحياة
عناق
الطفلة... الأم
والقضبان
عندما تتبادل طفلة وأمها
قبلة
حتى لو كان ذلك من خلال القضبان الغادرة
يتجسد الحب
يغرد خفية
وفي الأفق يرتسم عالم الغد
الجبال... التلال
تركع لهما
بينما يعلو في الدروب البعيدة
في ممرات الأدغال
نشيد عبد الكريم والأممية
يا طفلتي
إذا ما بلغتني الشيخوخة
او الموت
إذا ما قطعوا رأسي...
لكي لا يرى السجن غدا
أطفال مثلك
فالعراقيل ستنتفي امامكم
ستفتح الأبواب
ستجد الشمس طريقها
إلى السجن
14 شتنبر1977
***
حلم في وضح النهار
هل تعلمين يا صغيرتي
لقد كتبت لك قصيدة
لكن لا تعاتبينني
إن أنا كتبتها بهذه اللغة
التي لا تفهمينها
لا بأس يا صغيرتي
عندما تكبرين
ستفهمين ذلك الحلم
الذي رأيته في وضح النهار
وستحكين بدورك
قصة تلك المرأة العربية السجينة
في وطنها
عربية حتى شعرها الابيض
وعيناها المخضرتين
يبدأ الحلم يا صغيرتي
عندما -أرى حمامة
والطيور التي تبني أعشاشها
فوق سطوح السجون
إنني أحلم ببعث رسالة إلى ثوار فلسطين
لا عبر لهم عن مساندتي
وحتمية النصر
أحلم بأن لي أجنحة
وكالحمام
كالخطاطيف
أعبر الأجواء
في طريقي الى اريتيريا
إلى ظفار
اليدان محملتان بالسلاح
والاس بالأشعار
أريد أن أكون مسافرة
على ظهر السحاب
ببدلتي الحربية
فأقاوم "بينوتشي"
في ادغال الشيلي
التي تغنى بها نيرودا
آه يا حلمي
أرى أفريقيا حمراء
ولم يبقى فيها اطفال جياع
أحلم بأن القمر سيسقط من أعلاه
(لينزع من العدو)
أحلم بالقمر سينزلني في فلسطين
انني اناضل من أجل نصرة
كل الشعوب المكافحة

26 شتنبر1977


* (ملحوظة: ترجم هذه النصوص إلى العربية الشاعر المناضل عبد اللطيف اللعبي)










تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى