نامق سلطان - مثل غيمة بيضاء، سامي مهدي

( مثل غيمة بيضاء ) مجموعة شعرية صدرت حديثاً للشاعر نامق سلطان . وتضم هذه المجموعة ثماتياً وأربعين قصيدة ، وهي ثاني مجموعاته ، وكانت مجموعته الأولى قد صدرت في لندن عام 2016 بعنوان ( ترقيع الأمل ) .
ونامق سلطان من كتاب قصيدة النثر ، تمتاز قصيدته بقوة فكرتها ، ومتانة بنائها ، وكثافة لغتها وتقشفها وطرافة صورها ، وخلوها من الاستطرادات الجانبية والمفردات والصور الاعتباطية التائهة ، فهي ذات بناء محكم ونسيج متماسك وبساطة لا حذلقة فيها ، فتنساب عند قراءتها انسياب الينبوع ، وقد تتفاوت قصائد المجموعة في تحقيق هذه الميزات فيتفوق بعضها على بعض ، ولكنك لا ترى فيها شائبة إلا نادراً .
وقصيدة نامق سلطان على صلة حية ووثيقة بالواقع اليومي الإنساني , والشاعر غالباً ما يتناول وقائعه بنيرة تهكمية ساخرة ، ولكنها سخرية أقرب إلى الفكاهة والخفة والمزح ، رغم ما تنطوي عليه من حزن ومرارة في بعض الأحيان .
ولعل من أهم مزايا شعر نامق سلطان خصوصيته ـ فهو هو نفسه في أفكاره ولغته وصوره ونسيجه الشعري وتجاربه الشخصية ، ولا تلمح في كل ذلك أو خلاله ظل شاعر آخر أو تحس بقربه منه . وهو قد يذكرك بمحمد الماغوط أحياناً ، ولكن شعره وليد تجربة خاصة به تماماً ، نضجت فنياً وإنسانياً بتأن وهدوء وصمت ، وكأني به كان يراقب المشهد الشعري العام من موضعه ، وربما من عزلته ، ويتعلم منه ما يتعلم ( كلنا يتعلم ) . ولذلك لم ينشر سوى مجموعتين اثنتين رغم تقدمه التسبي في السن .
المنطق يقول : إن للشاعر كتابات شعرية مبكرة نشر بعضها وتوقف ، أو احتفظ بها ولم ينشرها لقلة ثقته بها ، حتى إذا نضجت تجربته ووثق بكتاباته نشر مجموعتيه . يقول في إحدى قصائده :
الكثير مما كتبته
تركته
إما لأنه مجروح
أو لأنه جارح .
.
الدفاتر القديمة
لا يشبهها شيء إلا البيوت القديمة
فكلاهما يحمل ذكريات جميلة
وكلاهما يؤوي فئراناً وعناكب . ( ما زالت السماء زرقاء / ص 80 )
أغلب الظن أن الشاعر يقصد بهذا شيئاً آخر غير ما ذهب إليه حدسي ، ولكن هذا هو واقع الحال على ما يبدو ، فنحن لا نعرف عن شعره إلا ما تأخر منه .
وعلى أية حال فإنني شعرت بالرضا والغبطة حين انتهيت من قراءة هذه المجموعة . وهذه إحدى قصائدها :
.
مثل غيم أبيض
.
منذ زمن بعيد
وأنا أدرّب رغباتي الصغيرة
كي تبقى صغيرة
مثل جراء في حديقة سيرك كبير
تهيمن عليه فيلة وأسود ذليلة
وأحصنة تخلت عن كبريائها
بينما جرائي تمرح
دون أن تثير انتباه أحد .
.
هي خفيفة مثل غيم أبيض
لا يسقط على الأرض أبداً
ولا يسد الطريق على الطيور
إذا ما أرادت أن تحلق عالياً .
.
هي معي حيث أكون
في هذا العالم
الذي لا يستقيم أبداً
لذلك لا أشعر بالضجر من الآخرين
الآخرون مشغولون بأشياء كبيرة
بينما أحاول أن أتعلم
كيف أمشي على الحصى
وأغني في الوقت ذاته
وأدرب نفسي على النسيان .
.
هكذا هي حياتي
فرح قليل
وحزن قليل
ورغباتي الصغيرة تسرح بينهما
مثل خراف في ربيعها الأول .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى