إبراهيم بشير إبراهيم - محمد أحمد أو الذي أرتجّت له المدينة

كتب المؤلف :
في الصباح الباكر استيقظ (محمد أحمد) من نومه نشطًا ومنشرحًا، صلى الفجر حاضرًا في سرعة، ثم حمل جوال البلاستيك الذي صلى فيه تحت إبطه وغادر منزله في اتجاه فرن الرغيف في عجل حتى يكون من أول الواقفين في صف الرغيف الطويل.
كانت هذه أول الأخطاء الفادحة والقاتلة التي أرتكبها المؤلف ذلك الصباح العجيب. فهو أولا قد دفع ببطله إلى (الشارع) هكذا وحيدًا من دون أن يوقظ معه أي أحد من أبناء الحي العشوائي الرابض في أطراف المدينة القصية .فكيف يستطيع وحده أن يواجه مدينة بأكملها؟
الخطأ الثاني القاتل للمؤلف هو أنه بدلا من أن يتابع بطله في الطريق ويسير معه، قبع في حجرته مستمتعًا بالدفء، وتركه يسير في الطرقات وحيدًا ,ثم أخذ يسهب في صفحات الورق الأبيض واصفًا لنا ملابس (محمد أحمد) الرثة القذرة وعظامه البارزة النحيلة، وحذاءه المقطوع المهترئ والذي اجتهد في ترقيعه في الليلة السابقة قبل أن ينام، استعدادًا ليوم جديد من الكدح والعناء. كما أن المؤلف لم ينس أن يذكر لنا أن محمد أحمد، قبل أن يخرج من منزله وفي آخر لحظة وهو بقرب الباب عاد ثانية، وأخذ من تحت وسادته سكينة الذراع خاصته، ومجموعة من الأحجبة والتعاويذ التي يتفاءل بها دائما. وهذا الجزء من نص المؤلف نال تركيزًا خاصًا في التحقيقات التي جرت بعد ذلك ووضع تحته المحقق خطوطا عديدة حمراء سميكة، وأُعتبر دليلًا قاطعًا على سوء القصد والنية المبيتة سلفا للفعل الإجرامي عند محمد أحمد.
أنطلق محمد أحمد في شوارع المدينة بخطى حثيثة وسريعة ووجهته فرن الرغيف، أحس بلسعات برد الصباح تخترق جسده النحيل فجمع ثيابه عليه لعلها تعطيه بعض الدفء. عندما إقترب من الفرن أسرعت خطواته أكثر. وجد بالفرن مجموعة قليلة من الناس كانت قد سبقته إليه، وقف معهم في الصف فأحس بالدفء المنبعث من حائط الفرن من خلفه، اتكأ على الحائط بظهرة، وأرسل نظرة نحو البعيد وأمتلأ عقله بهموم كثيرة.
في هذه الأثناء لملم المؤلف القابع بحجرته لحافه عليه حتى يشعر بالدفء أكثر، وقلب في مراجعه الموجودة على الطاولة بقربه وأقتبس من أحدهما نصا يقول : "إن الكاتب في مواجهة البياض – بياض الورق – هو خالق يمارس عملية الخلق بحرية تامة. البياض مملكته وصلصال الخلق والابتكار والأبداع لديه. في البياض يعمل فكره وموهبته وفنه، ويمارس حريته فيوجد مخلوقاته ويبعث فيها الحياة والحيوية".
انكفأ المؤلف على ورقه، وغرق في (بياضه) الموهوم ، بينما وقف محمد أحمد أمام شباك الفرن واشترى كمية من الرغيف الساخن الطرئ. داهمت رائحة الرغيف خياشيمه فأخذ أنفاسا عميقة بأرتياح كبير وشعر بالدفء يكتنفه عندما ضم إليه جوال الرغيف، وهم بأن يأكل منه واحدة.
وواصل المؤلف اقتباساته.
قالت المحكمة للمتهم:
"أنت تقول أن الأنسان حر وخالق؟؟"
"إذن أن الأنسان لديك ليس عبدًا بل إله؟؟"
"عليك أن تنطق الآن بالشهادتين وإلا"..
"إذن أنت مرتد وكافر وزنديق .. هذا حكم المحكمة".
وأقتيد الشيخ السبعيني إلي حبل المشنقة معصوب العينين. بقدمه اليسرى دق على خشب المشنقة البارد. على قدم واحدة وقف وخلع فردة الحذاء اليسرى، ونفض عن قدمه التراب، وباليمنى أيضا فعل، ونفض عنها آخر ذرة تراب تربطه بهذه الدنيا الفانية، وفي مهابة اعتلى منصة الإعدام هادئا ومطمئنا أكثر من جلاديه. إلتف حبل المشنقة حول العنق المشرئب في جلال، ضاق الحبل ثم ضاق، فشعت على وجهه الصبوح ابتسامه".
في هذه الأثناء أخذ محمد أحمد يبتعد عن الفرن وهو يبتسم ابتسامه الرضا شاعرًا بالفرح والسعادة الغامرة. فجأة ظهر أمامه رجال الشرطة المدججون بالسلاح ففرت الابتسام من شفتيه في الحال، وتتالت عليه ذكرياته مع الجنود "والخاكي" والزي الرسمي للدولة .. الحاكم الإنجليزي المستعمر.. المفتش التركي، خفير العمدة في قريته .. خفير المستشفى اللئيم الذي منعه من رؤية زوجته التي تحتضر .. الشرطة التي أطلقت الرصاص على إبن أخيه الطالب في التظاهرة ..والجنود الذين ضربوه ذات مرة دونما سبب.."
ناداه الشرطي منتهرًا فتوجس شرا .. سألوه:
- لماذا تحمل كل هذه الكمية من الرغيف؟
- أنت تتاجر بقوت الشعب ياجشع.
جذبوا منه جوال البلاستيك المملوء بالرغيف الساخن فتشبث به بقوة وشدة. تشبث بالجوال أكثر ، فجأة دوت على خده صفعة عنيفة. لم يدِرَ لهم خده الأيسر ، بل تحركت يده اليمنى بسرعة وبدون تفكير إلى ذراعه اليسرى واستلت السكين من غمده .. في لحظة لمع نصل السكين في ضوء الفجر، ثم أخترف جدار "الخاكي" أمامه.. ومر بخاطره الأنجليزي والمفتش والعمدة والخفير والجنود والشرطة. انبعث من جدار (الخاكي) لون أحمر قان، وغزت خياشيمه رائحة الدم الطازج ، فإهتاج .. وتزايد هيجانه، فتناول من الشرطي الذي سقط أرضًا سلاحه وأطلق مجموعة من الطقات السريعة نحو (الخاكي) ، تهاوى جدار الخاكي بسهولة أدهشته. ولعلع صوت الرصاص مرة ثانية فأطربة صوته، فأخذ يطلق الرصاص في كل الإتجاهات وبلا توقف.
المؤلف ينزلق إلى نصه
عندما وصل المؤلف إلى هذا الحد من قصته، أطربه هو أيضا صوت الرصاص المنطلق بلا توقف, وشعر بنشوة غامرة. رمى قلمه على الطاولة ووقف في منتصف الغرفة وبدأ يدور حول نفسه يرقص على صوت الطلقات السريعة المتتالية. ومثل درويش مجذوب في حلقة الذكر وقف على قدم واحدة رافعًا يده اليمنى عاليًا وأخذ (يترجم) بالسرياني منجذبًا:
"حكومكسم ... حكومكسم .. حكومكسم"
وتطاير الزبد من فمه من شدة الهياج.
وحينما صار المؤلف في هذه الحالة، لم يعد صالحا بأي حال من الأحوال لإكمال قصته هذه لأنه دخل في النص. فتولت المدينة إكمالها بالطريقة التي تروق لها. فاستجلبت تعزيزات من قوات الاحتياطي المركزي ومكافحة الشغب، وقوات المظلات والصاعقة، والقوات الخاصة، والمدرعات والعربات المصفحة ضد الرصاص، ونشرت المزيد من التعزيزات من قوات المشاة المدججين بالسلاح في الشوارع والطرقات والحارات والأزقة الجانبية.
وأخيرًا ساد الهدوء المدينة ...

سجل المؤلف إعترافًا قضائيًا كاملًا بالجرم الذي إرتكبه وأقر بأنه إرتكب عدة أخطاء قاتلة في هذه القصة تجاه بطله.. ووعد بعدم تكرار هذه الأخطاء في قصة ثانية.
وعندما سأله المحقق عن معنى كلمة "حكومكسم" التي كان يرددها بلا توقف أثناء هيجانه قال أن معناها بالسرياني (الغضب الساطع) فاكفهر وجه المحقق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى