قصة قصيرة

وقفنا أمام عنبر المستجدين .. في صفوف ثلاث .. ننتفض كالعصافير المبلولة من شدة البرد .. والأسنان تصطك .. يُسمع لها صرير.. والشويش " فراج" يلقى علينا التعليمات , في حزم , وقوة.. بصوت أجش - كل واحد منكم يتأكد من تمام مهماته.. ويضعها في "مخلاته " .. واتبعوني في صف واحد .. معكم خمس دقائق , من الآن...
سارت الشاحنات العسكرية القديمة ليلا ، قاصدة قرية الجبل الكبير ، دخلتها فجرا ، حاصر الجنود القرية من كل الجهات ، حصـاراً شديداً، حتى لا يفر أحد من سكـانهـا ، فتشوا القرية بيتاً بيتاً ، كوخاً كوخاً ، إسطبلاً إسطبلاً، وزريبة زريبة، أخرجوا الرجال إلى السـاحة التي تتوسط القرية، سجلوا أسماءهم في سجل...
أرجلهم طويلة .. تضرب الأرض بقوة.. لا يسافرون .. يحبّون النوم كثيرا .. عيونهم زرقاء فارغة .. جباههم مفلطحة عريضة .. يتاجرون بالسكر والويسكي المغشوش .. قلّما يبتسمون .. يمارسون الحبّ مع البحر والإسفلت والقار والصحراء . لهم نساء يبتسمن من مؤخراتهنّ وأكفالهنّ .. قلّما يجتمعون مع بعضهم إلاّ...
في السبع سنوات الأولى من حياته لم يكن لديه رصيف، فقد سكن والداه في منطقة شبه ريفية في أطراف المدينة لم ترصف ولم تسفلت شوارعها، يملأ التراب أجواءها صيفا وشتاء، ثم انتقلوا إلي عمارة حديثة في شارع نظيف وحينذاك بدأ الرصيف يظهر. صارت والدته توصيه دائما وهو يغادر البيت"سر على الرصيف". كان تلميذا في...
لا أدري كم مضى من الوقت وأنا داخل القطار .. أطل برأسي من النافذة المكسورة أرصد كل ما يدور من حولي , أتابع , أتأمل , أرقب على طريقة الاستقراء والتتبع كل شيء , مع شدة الملاحظة , أرسل عيناي على العمارات الخرسانية الشاهقة الممتدة علي جانبي الطريق تارة.. وأخرى مرصوصة تحتها , وأخرى على العربات التي...
كان صوت الفنان يصدح عبر المذياع: (حتى الطيف رحل وخلاني ما طيب لي خاطر).. الأغنية حزينة جدا ، وتضيف لها أوتار الطنبور بعدا آخر ؛ شعورا ما بالغربة داخل الوطن. ركاب الهايس كانوا يستمعون بصمت... وعندما حانت مني التفاتة عابرة شعرت بأنهم قد ينفجروا بالبكاء في أي لحظة... ربما لو عطس شخص سيحدث ذلك...
رأيتُ جدِّي صباح اليوم في كامل بهائه لدرجةٍ لم أعهده بها طيلة حياته، فآخر مرةٍ شاهدته؛ كان قلقًا بشأني حتى كاد أن يبكي لولا وقاره الموسوم به، زارني في مساء ممطر كأنما حلَّ من سفر، لابسًا ثوبه الطويل وطاقيته الأبيضان. لكنه بدا نظيفًا، كأنه لم يخط خطوة على الأرض التي حوَّلها المطر إلى كُتلٍ من...
أسرتنا تلهبها سياط العوز، وتدميها مخالب الحرمان، كان والدي يشرِق بماء دمعه كلما رأى ملابسنا الرثة البالية عجزت عن تغطية أجسادنا الهزيلة الضامرة، فيمضي حاسر القلب، كاسف البال، لقد كان يزاول مهنا شتى في اليوم الواحد، كنت أراه دائماً دائب السعي، كثير الحركة، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من غور إلى...
كان يزهو بالعلم الذي ثبت على حافة عجلته ، حين يداعب وجهه كلما حركته الريح. ويزهو اكثر وهو يتلقى كلمات فخر وترحيب ، لم تصل مسامعه منذ ولادته . فقد اطلقوا عليه القابا كثيرة كالذيب والبطل، واسد الساحة .. لذلك فقد حاول ان يبذل جهدا اضافيا كي يفي تلك الالقاب حقها . فراح يتوغل الى نقاط لم يصلها غيرة...
قالت الروح: أنا الخير والطيبة في كل واحد من البشر، أنا القرين. قالت المحكمة: أنا بالمرصاد للشر في بني البشر قال المجتمع: أنا غابة، والبقاء للأقوى قال الحلم: البقاء للأصلح، والأصلح هو الحب قال المجرم: أنا ضحية قانون الغاب. وقالت الروح والمحكمة، وقال المجتمع والحلم والمجرم بصوت مرتفع: سينتصر...
قادته قدماه إلى حيه القديم في فوجيرار ، في الدائرة الخامسة عشرة. رغب أن يلمّ إلمامة قصيرة، وأن يزور مدام أغوادو الإسبانية، حارسة العمارة. انتابته لوعة وشوق قديم وهفا قلبه إلى معاهد شبابه ونضارة أيامه..مر ببائعة الصحف العجوز، لطالما داعبها وداعبته..نظر إليها لكنه لم يجسر على مخاطبتها وهي في شغل...
كاتب عُموميّ.. وضع آخرَ لمساته على حذاء الزبون الذي يمدُّ رِجله أمامه في ترفّع. "ها قد حصلتُ على ما أقتل به هذا الجوع اللعينَ، ولو إلى حين!" قال في نفسه. رمى إليه الرَّجل بالدرهم واختفى، دون حتى النظر إليه. تلقَّف الدرهمَ وقلبه بين يديه. أشرق وجهه الشاحبُ بابتسامة خاطفة. وضع الدرهمَ داخل جيبه...
ذهبت مبكرا قليلا عن موعدي . قصدت نصبة شاي أم السعد ، واسترحت في ظل تكعيبة العنب الذي يغطي بقعة صغيرة . جلست على حجر أشرب الشاي وأرقب بطرف عيني موقف السيارات القادمة من غزة . المفروض أن تكون ريم هنا بعد نصف الساعة على الأكثر . الجو حار لم يكسره هواء بحر رفح الذي يسري من بعيد . في نقطة عالية من...
دخل حمزة إلى السوق يسير بين أمواج بشرية متلاطمة، يحمل تحت إبطه الأيسر أطباقا مزينة بخيوط ملونة بألوان العلم الوطني، تشكلت على حوافيها زهرات جميلة، وعلى كتفه الأيمن المائل قليلا نحو الأسفل رزمة من أشياء تقليدية، وهو يجول و يتنقل من مكان إلى مكان، ومن حين إلى حين يرفع صوته يبلغ الناس خبر وفاة...
أعياه الجلوس في المقهى وحيدا قبالة شاطئ البحر ، فنهض يمشي متثاقلا بجسم متهالك على رصيف كورنيش الشاطئ الطويل ، و الأسئلة، كأوراق الأكلبتوس ،تتقافز أمامه مسافة متر أو مترين . شدت ناظريه صورة الأمواج، تُلاحِق الواحدة منها الأخرى في دعابة الأطفال لتتكسر على الرمال في هدوء، و الشمس مائلة للمغيب تعانق...
أعلى