عبد الغني سلامة - تحليل نفسي لعقلية المؤامرة

يعتقد المؤمنون بنظرية المؤامرة بوجود قوى شريرة خفية، لا شغل لها سوى حياكة المؤامرات تحت جنح الظلام، واستهداف شعوب العالم بمخططاتها ودسائسها، أو تخريب العالم! وهؤلاء «الشريرون» يتمتعون بذكاء غير عادي، ولديهم إمكانيات مادية ضخمة، وأموال لا تنضب، ولديهم تكنولوجيا متطورة لا نعرفها تماماً. وفوق ذلك هم منظمون، ودقيقون، لا يتركون شاردة ولا واردة، وبوسعهم رسم خرائط العالم، والتخطيط لمستقبل الدول والشعوب ولقرون قادمة، كما سبق أن حاكوا مؤامرتهم قبل قرون عدة، والتي ما زالت فاعلة ومؤثرة إلى يومنا هذا!
الإيمان بوجود مؤامرة، ومن ثم إسناد كل الأحداث إليها، أمر في غاية البساطة، لا يحتاج تفكيراً مضنياً، ولا يتطلب تحليلاً عميقاً؛ فهو من ناحية يريح الدماغ من عناء التفكير، ومن ناحية ثانية يحاكي العواطف، ويلبي حاجات مكبوتة في أعماق النفس، مثل الرغبة في الانتقام، أو تركيز مشاعر الكراهية والغضب باتجاه نقطة محددة، وإلقاء اللوم على جهة معينة، وتحميلها كامل المسؤولية، وبالتالي فهي مريحة للنفس لأنها تعفيها من أعباء المسؤولية، ومن تبعاتها، ومتطلباتها.
وفي الغالب تنتشر نظرية المؤامرة عقب الأحداث الكبرى (كالحروب ومعاهدات الصلح والاتفاقيات الدولية)، أو عند اكتشاف ظاهرة طبيعية يصعب تفسيرها، أو عند الحديث عن أشياء يصعب فهمها. وهنا يجد أصحاب المخيلة الواسعة فرصتهم لخلق قصص خرافية يبهرون بها المستمعين؛ لأن المستمع غالباً تعجبه المقولات غير المألوفة والصادمة.
المشكلة أن نظرية المؤامرة تنتقل بين الناس بسهولة ويسر كعدوى اجتماعية، وما يساعدها في ذلك وقوع أغلب الناس في مغالطة منطقية تدعى «مغالطة التحيز التأكيدي»، أي تبنّي المقولات والتفسيرات التي تؤكد قناعاتهم السابقة، ورفض أي تفسير آخر.
من يسردون الأحداث ويحللون الوقائع، ويتنبؤون بالمستقبل استناداً إلى نظرية المؤامرة، هم عادة يفعلون ذلك؛ لأنه يشعرهم بالتميز والتفوق. فهم أذكى من غيرهم لأنهم اكتشفوا خبايا المؤامرة.. ويمنحهم ذلك إحساساً بالمتعة والرضا والقوة وهم يسيطرون على المجالس، ويستحوذون على انتباه المستمعين؛ لأن هذا الطرح يعطيهم أفضلية ويمكّنهم من السيطرة على المتحاورين واحتكار الحديث، وقمع الآراء الأخرى التي ستبدأ بالتحليل والتفنيد والتمحيص والتدقيق بعقلية علمية باردة.
وفي حقيقة الأمر، من يعتقدون بنظرية المؤامرة هم عادة أقل ذكاء، وأقل معرفة. وكلما ارتقى المرء بعلمه ودراساته قلّ إيمانه بنظرية المؤامرة، ولذلك، من النادر جداً أن تجد عالم فضاء يؤمن بنظرية الأرض المسطحة، أو طبيباً متخصصاً يروج لنظرية «مؤامرة كورونا»، أو «مؤامرة اللقاحات»، أو محللاً سياسياً يُرجع أسباب الحدث إلى «الماسونية»، أو عالم اجتماع يفسر هزيمة جيش بسبب غانية، أو سقوط دولة بسبب شخص واحد، أو عالم مناخ لا يؤمن بحقيقة التغير المناخي ودور الإنسان التخريبي فيه.
ومع ذلك ستجد حملة شهادة دكتوراه، أو شخصيات وقيادات يُفترض أنها متعلمة ومتخصصة، يروجون لنظرية المؤامرة. وهؤلاء عادة شعبويون يهمهم إرضاء الشارع، وكسب الإعجابات، وأصوات الناخبين، أو هم مدفوعون من السلطة الحاكمة؛ لأن السلطة تاريخياً تستفيد من شيوع نظرية المؤامرة، فذلك يخدمها في تصنيف المعارضة في خانة الأعداء والمتآمرين، ويفيدها في إشاعة وصناعة الرعب، وهي آليات متبعة للتحكم في الشعوب، وقمع الاحتجاجات وإسكات أصوات المعارضة.
بعض المؤمنين بالمؤامرة يعتقدون أن كل شيء يحدث من حولهم سببه مؤامرة شيطانية، تستهدفهم شخصياً (وهذا قد يعني أنهم مصابون بوهم التفوق أو داء العظمة)، لذا، فالجميع متحدون لاستهدافهم. وفي هذه الحالة فإن «الآخرين» من وجهة نظرهم ليس الأعداء فحسب؛ بل الحكومة، المخابرات، وكيل الوزارة، مدير عام المؤسسة، صاحب الشركة، شرطي المرور، جابي عدادات المياه، الجيران.. حتى اجتماع زوجته مع حماته سيعدها مؤامرة!
خطورة عقلية المؤامرة أنها تستدعي أنواعاً من الدفاع «النفسي» غير الواعي، وغير العقلاني، وبالتالي إنكار الأسباب الحقيقية، وهذا يعني ضياع الحقيقة، وتضليل النفس قيل تضليل الآخرين. والمشكلة الأخرى أن التفكير التآمري يحوّل صاحبه إلى شخص منهزم واستسلامي. فالعدو (أو الآخر) من وجهة نظره متفوّق عليه بدرجات، وقوته خارقة، وعقليته شيطانية، وإمكانياته غير محدودة، وبالتالي لا يمكنه هزيمته، وليس أمامه إلا التكيف معه، ومسايرته والخضوع له.
وهنا ستقوده عقلية المؤامرة إلى مستوى ثانٍ، فطالما أن العدو قاهر ولا قِبل له به، وكل شيء جاهز، بل هو عبارة عن مسرحية معدة مسبقاً، ولا قدرة له على تغيير شيء، بالتالي فإن التغيير أو مواجهة هذا الواقع، أو هزيمة هذا العدو، ستحتاج إلى قوة خارقة تضاهي قوته. وعادة سيستدعي أبطالاً من التاريخ، أو عليه انتظار المستقبل إلى حين قدوم هذا البطل الخارق، أو انتظار معجزة.
ومن ناحية ثانية، بدلاً من فهمه الأسباب الموضوعية (التاريخية والاجتماعية والاقتصادية وتأثير العوامل الذاتية وغيرها) لأيّ ظاهرة، سيقوم بإسناد كل شيء إلى شخص واحد (الزعيم)، أو جهة محددة (الحكومة)، فهي المسؤولة عن الخراب، وهي المسؤولة عن الإصلاح. وفي الحالتين هو خارج الحسابات، وخارج دائرة التأثير، وغير مطالب بأي فعل. وهذا من بين أهم أسباب عزوف الجماهير عن المشاركة السياسية.
وتكريس هذه العقلية يؤدي إلى تعميق الشعور بالدونية والإحساس بالعجز، والمبالغة والتهويل في وصف قوة وقدرات الآخرين (الأعداء) تعتبر من بين أهم أسباب الهزيمة النفسية، والتي هي أخطر من أي هزيمة عسكرية.
كل ما سبق لا يعني أن العالم خالٍ من المؤامرات، أو أنه لا توجد قوى شريرة، تخطط وتنفذ، فالتاريخ وإن كان مليئاً بالمؤامرات، إلا أنه ليس مؤامرة كبرى متصلة.

عبد الغني سلامة
2022-03-16





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى