تمَّام طعمة - هوس جاك دريدا في الروح.. مراجعة كتاب "في الروح: هايدغر والسؤال"

قد يجهل البعض أنَّ الفلسفة كانت منذ زمن سقراط وما تزال حتى اليوم قنديلًا يشعُّ على بقية العلوم، إذ كانت غايتها الأساسية هي البحث عن الحقيقة أو البحث عن الحكمة بمعنى آخر، وهذا ما يدلُّ عليه معنى كلمة الفلسفة الأصلي وهو محبَّة الحكمة، فالفلسفة تحفر في ذهن الإنسان وتحرِّضه على الجري وراء حقيقةٍ قد يراها وقد لا يراها، وترتبط بمختلف أنواع العلوم مثل الدين والرياضيات والسياسة والتعليم والعلوم الطبيعية، ولا بدَّ لكلِّ قارئ يبحر بعيدًا عن شواطئ المعرفة أن يخوضَ أمواج الفلسفة العاتية، وهذا ما دفعني إلى اقتناء هذا الكتاب القيِّم ورقيًّا وقراءته رغم عدم تخصُّصي في الفلسفة، وقد يكون السبب الثاني هو محبتي للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا وفلسفته العميقة.

إنَّ هذا الكتاب له أهمية كبيرة في بلورة فلسفة جاك دريدا بعد ما طرأ عليها من تحولات جراء الأحداث التي عصفت بأوروبا وألمانيا على وجه التحديد، ويمكن تلخيص مضمون الكتاب في عدد من النقاط فيما يأتي:

• يؤكد جاك دريدا في هذا الكتاب أنَّ هايدغر لم يسأل مطلقًا نفسه ما هي الروح؟، ويؤكد أيضًا أنَّه لم يفعل ذلك تحت أي نمط أو تحت أية صيغة، ولم يجعل من السؤال عن الروح أحد الأسئلة الكبرى، وهذا ما يدلُّ عليه كتابه "مدخل إلى الميتافيزيقيا"، حيث لم يمسّ فيه هايدغر سؤالَ الروح لا من قريب ولا من بعيد، رغم حواراته الكثيرة التي دارت حول الوجود وأنماطِه.

• يشير دريدا تأكيدًا على ما ذهب إليه إلى أنَّ السؤال المطروح: "بماذا تدعى الروح؟"، هو عنوان كتاب لم يحاول هايدغر أن يكتبه ولم يفكر بكتابته ولا مرة، ولكنه كان يكتفي بإطلاق صفة "الروحيِّ" على مجموعة من الأفكار والمفاهيم الفلسفية التي ترجع إلى محاولاته الحثيثة في تفكيك الأنطولوجيا.

• يتطرق دريدا في كتابه إلى كتاب "الوجود والزمان" لهايدغر لتأكيد وجهة نظره تجاه تعامل هايدغر مع الروح ومعانيها وتفاصيلها، ويرى دريدا أنَّ معنى الروح في كتاب "الوجود والزمان" بقيَ غارقًا في الأنماط الأنطولوجية الغامضة، وترتبط كلمة الروح في ذلك الكتاب بكلمات عديدة لها معانٍ عامة لتكون متعارضة مع مفهوم الشيء.

• يرى هايدغر أن الروح ليست جسدًا، وهذا ما يؤكده دريدا، وأن هايدغر لم يسأل عن الروح نهائيًا لأنَّ طموحه الأكبر كان تحريرَ وإطلاق التحليل الأنطولوجي أو "الديزاين" وهو الوجود هناك في هذا العالم، ومعناه عدم حضور الشيء في المكان المألوف، بل على العكس من ذلك فإنَّه يتلبَّس مكانًا آخر مختلف عن أي شيء يمكن أن يسمى مكانًا.

• يذكر دريدا تصور هيجل عن التاريخ والروح، حيثُ يرى هيجل أنَّ التاريخ ما هو إلا تاريخ الروح نفسها وانفصالها عن الزمان، وبناءً عليه يرى هايدغر أنَّ تطور التاريخ هو سقوط الروح في الزمان، وهنا يطرح دريدا سؤاله حول كيفية سقوط الروح في الزمان ويتوسَّع في شرحها، ويشير إلى الخلاف بين هيجل وهايدغر حول التأويل المزدوج لمفهومي الزمان والروح.

• يؤكد دريدا بعد ذلك أن الروح إذا سقطت في الزمان فإنها تصبح نفيًا للنفي، وهكذا يجب أن تقدم نفسها، وهنا تصبح ماهية الروح عنده هي المفهوم نفسه، وهي تمثل شكل الفكر عندما تفكر بذاتها، وبمعنى آخر فهي تصور ذاتي أو قبض على اللا أنا وهو نفسه القبض على هذا الاختلاف في الوجود.

• يحاول دريدا أن يؤكد أن الروح عند هايدغر لا تسقط في الزمان كما كان يدعي هيجل، بل الروح تأخذ صفة زمانية أو بعدًا زمانيًا، وبالتالي فإن سقوطها يكون سقوط زمن في زمن آخر.

• يشير دريدا أيضًا إلى أنَّ مناقشة الشاعر تراكل التي أقامها هايدغر تعد من أغنى النصوص التي تركها هايدغر، وقد ذكر فيها صفات وأسماء الروح والروحي.

• أخيرًا فإنَّ جاك دريدا كان يأمل أن يكون قد حكم بالعدل في مسألة الروح عند هايدغر من جميع الجوانب التي تناولها بها.

إنَّ كتاب "في الروح: هايدغر والسؤال" من الكتب الغنية التي لا يستطيع القارئ أن ينهيها في وجبة واحدة بل لا بدَّ من قراءته على دفعات وجلسات تأملية هادئة، فقد كانت لغة التعبير فيه لغة فلسفية بامتياز وهي بحاجة إلى تأمل وتروي في قراءتها للوصول إلى الفكرة المنشودة، وأحيانًا تحتاج للبحث عن مفهوم معيَّن أو تعبير غريب، والأفكار المطروحة فيه أفكار عميقة جدًّا، تحفرُ في ذهن القارئ عميقًا وتوقظُ بركانًا من التساؤلات في رأسه وتحمله على التفكير أكثر من أي وقت مضى، والشيء المهم هو أن القارئ سوف يتعرَّف على أفكار العديد من الفلاسفة من مختلف العصور حول الروح وماهيتها في كتاب واحدٍ، ومن الجمل الجميلة التي بقيَت مزروعة في رأسي عندما تساءل جاك دريدا بماذا يمكن أن نسمِّي العالم أو نناديه فقال: "إنَّ العالم هو دائمًا عالم روحي"، وكانت هذه الجملة كافية لتزيد إعجابي بالكتاب وبجاك دريد معًا.

...
تمَّام طعمة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى