مولود بن زادي - هل تستطيع اللغة أن تكون جسرًا للتقارب والسلام في الشرق الأوسط؟

إنَّ من أعظم المزايا التي خُصَّ بها الجنس البشري دون غيره من الكائنات قدرته الفائقة على التواصل مع الآخرين بصيغ وأشكال مختلفة. وليس من شك في أنَّ خير سبيل لبناء علاقة حميمة مثمرة مع فرد أو مجتمع ما القدرة على مخاطبته بلغته.

في الوقت الذي يتواصل فيه مسلسل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الدرامي القائم منذ منتصف القرن الماضي – يطبعه التعنّت والتوتر والانقسام والعنف - تشهد المنطقة ظاهرة عجيبة تتمثل في إقبال أعداد متزايدة من المواطنين الإسرائيليين على تعلم اللغة العربية. وقد أثارت الظاهرة انتباه الإعلام العالمي، وفي مقدمة ذلك الصحف الإسرائيلية الصادرة باللغة الإنكليزية التي سارعت إلى رصد الحدث. من هذه الجرائد يومية (جيروزاليم بوست) التي أشارت في أحد أعدادها إلى "زيادة إقبال الإسرائيليين على تعلم التحدث باللغة العربية أكثر من أي وقت مضى"، موضّحة أنَّ "عددا متزايدا من اليهود الإسرائيليين يأخذون دروسًا في اللغة العربية المنطوقة أكثر من أي وقت مضى، في الأطر الرسمية وغير الرسمية معا". ظاهرة الإقبال على تعلُّم "اللغة الخصم" لا تقتصر في الواقع على الإسرائيليين فحسب. إذ في المقابل، يُلاحظ إقبال عرب إسرائيل أيضا على تعلم اللغة العبرية لأسباب متعددة، من جملتها الحاجة إلى الانخراط في سوق العمل. مجلة (موزاييك) تشير إلى هذا الاهتمام، مؤكدة أنّ "عرب إسرائيل صاروا يتكلمون العبرية بشكل متزايد". زيادة إقبال الإسرائيليين على تعلم العربية وعرب إسرائيل على تكلم العبرية تدعونا حتما إلى التساؤل عن أسباب ذلك، وعن مدى صعوبة تعلم مثل هذه اللغات المعقدة. والتساؤل أخيرا عما إذا كان بإمكان اللغة أن تحقق - أو على أقل تقدير أن تساهم في تحقيق - ما عجزت عن تحقيقه المساعي السياسية والديبلوماسية لعقود طويلة وهو إحلال سلام دائم في مهد الديانات السماوية، هذه الأرض المقدسة الطاهرة التي ما برحت تنتابها أشباحُ العنف، وتمزقها خناجرُ الخلاف.



إلغاء المقام الرسمي للغة العربية

ظلت العربية لغة رسمية مشتركة لدولة إسرائيل إلى جانب العبرية منذ استقلالها 1948 إلى غاية عام 2018. فبعد ما يزيد عن 70 عامًا، أقصيت العربية من وضعها الرسمي بعد مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون الدولة القومية في 19 يوليو/تموز 2018 بأغلبية 62 ومعارضة 55 وبامتناع نائبين عن التصويت، بالتقليل من مكانة اللغة العربية في البلاد.

ردود الأفعال كانت سريعة وقوية حيث تعرّض القانون الجديد لانتقادات لاذعة من قبل الأقلية العربية في البلاد التي وصفته بالقانون "العنصري لأنه يمنح اليهود حقوقًا حصرية على العرب". من هؤلاء المحتجِّين المواطن العربي نجيب حداد، 56 عامًا، من الناصرة ذات الغالبية العربية في شمال إسرائيل، والذي قال لصحيفة الغارديان البريطانية، "في إسرائيل، نحن ننعم بالحياة الكريمة، وبفرص العمل، فضلا عن حرية الكلام. ولنا رجالنا في الكنيست [البرلمان]... لكنّ هذا القانون يعدُّ قانونا عنصريا." لكن، ثمة من يخالف نجيب حداد الرأي. فغالبًا ما يواجه أفراد الأمم الناطقة بأكثر من لغة مشاكل في التواصل والتآلف والانسجام حيث كثيرا ما يحتار المواطنون في اللغة التي يتحدثون بها مع مواطنيهم. فتعدد اللغات سلاح ذو حدين. فهو نافذة تطل على ثقافات متعددة وعوالم مختلفة. وهو أيضا سبيل نحو سوء الفهم والجدل والخصام والانقسام. وهذا، بلا ريب، ما حمل الإنسان منذ العصور الغابرة على السعي لبناء لغة مشتركة يتواصل بها أفراد المجتمع. يتجلى ذلك في تجربة الإغريق الذين أطلقوا على كل من لا يتكلم اليونانية اسم (بربري) المشين.



احتفاظ اللغة العربية بمكانة خاصة

لكن على الرغم من المصادقة على قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل المثير للجدل، فإن اللغة العربية ما زالت تتمتع بمكانة خاصة بموجب القانون الإسرائيلي. إذ ينص القانون الجديد على أن اللغة العربية ستحتفظ "بوضع خاص" و"لن تتضرر". وقد أشارت صحيفة "المونيتور" الإسرائيلية اليومية أن "الكنيست احتفل باليوم السنوي السابع للغة العربية في 25 كانون الثاني/يناير بفتح مناقشات خاصة في هذا الموضوع من خلال لجان مختلفة". حيث تم "تعريف أعضاء الكنيست بمبادرة جديدة أطلقها المدير العام للبرلمان جيل سيغال بإصدار أول قاموس للمصطلحات البرلمانية الأساسية باللغة العربية، وهو الأول من نوعه.".

واليوم، تحتفظ اللغة العربية بمكانة هامة في المجتمع. جدير بالذكر أنَّ التحدث باللغة العربية لا يقتصر على المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يمثلون خمس سكان البلاد والذين يتجاوز عددهم تسعة ملايين نسمة. فالعربية أيضًا لغة العديد من الآباء والأجداد اليهود الإسرائيليين، الذين هاجروا من البلدان الناطقة باللغة العربية.



حاجة الفرد إلى تعلم لغة المجتمع

إنَّ من أعظم المزايا التي خُصَّ بها الجنس البشري دون غيره من الكائنات قدرته الفائقة على التواصل مع الآخرين بصيغ وأشكال مختلفة. وليس من شك في أنَّ خير سبيل لبناء علاقة حميمة مثمرة مع فرد أو مجتمع القدرة على التحدث بلغته. وليس من شك في أنَّ السعي للتقرّب من الآخر من أسباب حثِّ الطلبة الإسرائيليين على تعلم العربية. وهو ما أكدته ميشال كوتلر وونش عضو حزب أزرق وأبيض عندما قالت، "من الضروري لأطفالنا أن يكونوا قادرين على التواصل والتفاعل مع العرب في إسرائيل والجيران في المنطقة". وقد شددت ميشال على ضرورة أن يتضمن تدريس اللغة العربية للطلاب الإسرائيليين كلا من العربية المنطوقة والمكتوبة، "مما يسمح لهم بالفهم والقدرة على التواصل مع جيرانهم العرب في إسرائيل والمنطقة، والمساعدة في مدّ جسور الثقافة واللغة وسدّ الفجوات الموجودة حاليًا". وفضلا عن القدرة على التواصل مع الآخر، فإن من مزايا تعلم اللغة القدرة على الولوج إلى عوالم الأمم المحيطة بنا. فاللغة، بعبارة أخرى، "خارطة الطريق للثقافة، تخبرك من أين أتى أفرادها وإلى أين يتجهون"، كما قالت الكاتبة الأمريكية الأكثر مبيعًا ريتا ماي براون. فتعليم اللغة العربية للطلاب الإسرائيليين يمكنهم من محادثة العرب بلغتهم والسعي لنشر الوعي بينهم ومساعدتهم على التعرف على تاريخ الإسرائيليين وثقافتهم، وهو بذلك ليس وليد الصدفة وإنما من باب المصلحة.



هل يستطيع الإسرائيليون تعلم العربية؟

إقبال الإسرائيليين على دراسة العربية يدعونا إلى التساؤل عن مدى قدرتهم على تعلم لغة بحجم لغتنا التي تعدّ من أصعب اللغات في العالم. فللعربية أبجدية مختلفة تمامًا عن الأبجدية العبرية. ويتغيّر شكل الحروف في العربية بناءً على موضعها في بداية الكلمة أو وسطها أو نهايتها. وقواعد اللغة العربية صعبة للغاية بسبب الكم الهائل من القواعد التي يجد العرب أنفسهم صعوبة في حفظها. لكن على الرغم من كل التحديات، العربية من أسهل اللغات للتعلم بالنسبة للإسرائيليين، إذ يمكن للمتحدثين بالعبرية الاستفادة من مزايا لا يملكها الناطقون بلغات أخرى على منوال نظرائهم الأوربيين. من هذه المزايا انتماء كل من العربية والعبرية إلى عائلة اللغات السامية، ما يجعلهما لغتين متشابهتين، لهما قاسم مشترك يتمثل في الكتابة من اليمين إلى اليسار. وفضلا عن الكتابة، تشترك اللغتان في كثير من المفردات وعدد من المفاهيم النحوية الشائعة وطرق النطق. هذه الخصائص المشتركة تمكّن الناطقين باللغة العبرية من تعلّم العربية بسهولة نسبية. وبوجود الكثير من القواسم المشتركة، لا يسعنا إلاَّ أن تتساءل عما إذا كان في وسع العربي بدوره تعلّم العبرية، ومن تعلم لغة قوم أمن مكرهم.



هل يستطيع العربي تعلّم العبرية؟

الإجابة المختصرة على هذا السؤال أنّ تعلّم اللغة العبرية في متناول الناطقين باللغة العربية لما للغتين من سمات مشتركة. وهو ما يؤكده مارك موستو، عالم الرياضيات المتقاعد ومبرمج الكمبيوتر، في الموقع الاجتماعي كورا المختص في الأسئلة والأجوبة، "العبرية أسهل بكثير للتعلم بالنسبة للأشخاص الذين يتحدثون العربية منه للأشخاص الذين لا يتكلمونها." ويضيف مارك الذي يتقن اللغتين العربية والعبرية معا، "في كلتا اللغتين تشتق الكلمات من جذور مؤلفة من ثلاثة أو أربعة أحرف. إلى جانب ذلك، فإن العبرية الحديثة تتألف من لهجة واحدة فقط، ولا توجد اختلافات كبيرة بين اللغة المكتوبة والمنطوقة. هذا ما يجعلها بالفعل أسهل بكثير للتعلم من نظيرتها العربية المؤلفة من مجموعة متنوعة من اللهجات المنطوقة، المختلفة اختلافًا كبيرًا بعضها عن بعض، والمختلفة أيضا عن اللغة المكتوبة". وحسب تقدير مارك موستو "المتحدث باللغة العربية الذي يبذل جهدًا معتبرا يمكنه أن يتعلم التحدث بالعبرية بطلاقة بما يكفي لإجراء المحادثات الأساسية في غضون بضعة أشهر".



اللغة وسيلة للتقارب

يقول السياسي والكاتب البريطاني توني بين، "كل حرب تمثل فشل الدبلوماسية." وفي ظل تعثر الدبلوماسية، يبقى السؤال هل يمكن أن تكون اللغتان الشقيقتان، العربية والعبرية ، أداة حيوية تساعد على سد الفجوة بين العرب والإسرائيليين وإحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط الذي يمزقه الصراع؟

عضو الكنيست الإسرائيلي ميشال كوتلر ونش لا تشك في ذلك ولو لدقيقة. ففي حديثها عن الحاجة إلى دراسة اللغة العربية في إسرائيل، قالت: "يمكن للدراسات العربية أن تجعل من مواطني إسرائيل 'جسرًا للسلام'. ميشال كوتلر ونش تصرّ على وجوب دراسة اللغة العربية في صيغتيها المنطوقة والمكتوبة، مضيفة: "سيسمح تعلم اللغة العربية المنطوقة والمكتوبة للطلاب اليهود الإسرائيليين بالفهم والتواصل مع جيرانهم العرب في إسرائيل والمنطقة، مما يساعد على سد الفجوات الثقافية واللغوية الموجودة."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى