د. أحمد الحطاب - أمواتٌ لهم تأثيرٌ على حياة الأحياء!

قد يبدو عنوانُ هذه المقالة غريبا بعض الشيء. لكن إذا توغَّلنا في أعماق المجتمع وسبرنا خباياه، سنجد أن هذا العنوانَ له ما يُبرِّره. ونتيجةً لهذا التَّوغُّل والسَّبر، سنجد أن المجالَ الديني هو الذي يمكن لأمواتُه أن يكونَ لهم تأثيرٌ على حياة الأحياء. لكن المجال الديني الذي يكون فيه الدينُ محطَّ إدراك سطحي أو نتيجةً لتقليد أعمى لا صِلةُ له بالعقل وبالحِكْمَة وبالصواب… فكيف يستطيع أمواتٌ أن يُؤثِّروا على حياة الأحياء؟

الأمواتُ هم أشخاص تعوَّد الناسُ على وصفِهم ونعثهم ب"الأولياء والصالحين". هؤلاء الأشخاص، بعد وفاتهم، تُقام حول قبورهم أضرحةٌ يزورها كثيرٌ من الناس. أما الأحياءُ، فهم الأشخاصُ (رجالٌ وخصوصا النساء) الذين يتردَّدون على هذه الأضرحة سعياً إلى "التَّبرًّكِ" بهؤلاء الأولياء والصالحين، أو بعبارة أخرى، سعياً إلى الانتفاع ب"بَرَكَتِهم". والبركة، كما يُدركُها المتردِّدون والمتردِّدات على الاضرحة، هي شيءٌ لامادي أو إشعاعٌ مباركٌ أو فألُ خيرٍ يصدر، باستمرارٍ، عن الأولياء والصالحين حتى بعد موتِهم. ولهذا، نرى المتردِّدين والمتردِّدات يقومون بطقوس غريبةَ الأطوار لتنفُذَ البركةُ من الأولياء والصالحين إلى أجساد وجوارح هؤلاء المترددين والمترددات. فمنهم مَن يُعانق ويُقبِّل قبورَ الأولياء والصالحين. ومنهم مَن يُقبِّل جدرانَ الضريح أو أي شيء يحتضنه هذا الضريح. ومنهم مَن يظن أن تقديمَ القرابين (جمعُ قُربان) للولي الصالح هو الوسيلة التي تضمن مرورَ البركة من هذا الولي إلى مَن يرغب في الحصول عليها.

والبركة المرغوب فيها تُعتبَر، من طرَف المترددين والمترددات على الأولياء والصالحين، علاجاً للعديد من الأمراض وحلاًّ للعديد من المشكلات الاجتماعية والصِّحية كفُقدان الشغل وطلب الرزق وعدم الإنجاب والرغبة في الزواج (من طرف النساء على الخصوص) واستقرار الحياة الزوجية وإبعاد الحسد والعين…

ما تجدر الإشارةُ إليه هو أن الأولياء والصالحين، إن كانوا فعلا أولياء وصالحين، هم ناسُ يستحقون الاحترامَ والتَّقدير نظرا لتقرُّبهم من الله ولتديًّنهم الصافي ولاستقامتهم وحبَّهم لفعل الخير ولاعتبارهم من طرَف كثيرٍ من الناس كقدوات يُحتدى بها. لكنهم، في نهاية المطاف، يبقون بشرا ولا يجوز، على الإطلاق، تقديسُهم أو اعتبارُهم كمصدر للمعجزات. فرقٌ كبير بين ما يستحقون من احترام وتقدير وبين تقديسهم واعتبارهم كبشرٍ فوق عاديين. وهنا، لا بد من توضيح مهم جدا.

يتمثَّل هذا التَّوضيح في كونِ تَّمجيد وتَّشريف الأولياء والصالحين أشياءً من صُنعِ المترددين والمترددات على الاضرحة بينما أغلب الأولياء والصالحين كانوا زُهَّاداً ومتواضعين همُّهم الوحيد هو التَّقرُّب من الله وفعل الخير. وهذا يعني أن كل ما يُحاك من خرافات وأكاذيب ومعجزات حول هؤلاء الأولياء والصالحين هي من صُنعِ المترددين والمترددات على الأضرحة أو من صُنع مَن لهم مصلحةٌ في انتشار مثل هذه الخرافات والأكاذيب.

وهذا هو ما لايقبله عقلٌ سليمٌ يًدرك التَّديُّن إدراكاً عقلانيا ومُتبصِّراً. غير أن غالبيةَ المترددين والمترددات على أضرحة الأولياء والصالحين يخلطون بين التَّديُّن الصحيح وتقديس البشر. بل إنهم يعتبرون تقديسَ الأولياء والصالحين جزأً من التَّديُّن بينما هو نوعٌ من الشِّركِ بالله. الأولياء والصالحون لا قدرة لهم على شفاء الأمراض ولا في حلِّ العديد من المشكلات الاجتماعية. قد يساهمون، بفضل حِكمتهم وتبصُّرهم، في حلِّ البعض من هذه المشكلات، لكنهم يظلون بشرا لا حولَ ولا قوَّة لهم مثلهم مثلَ سائر البشر. أن يكونوا أولياء وصالحين، فهذا شيءٌ يهمُّهم وقد يشفع لهم عند الاقتضاء. وخير خدمة يقدِّمونها للناس، أثناء حياتهم، هي الموعِظة والإرشاد والتوعية الدينية. أما بعد موتهم، فأحسن خدمةٍ يقدمونها للناس هي أن يُصبحوا قُدوةّ لمن أراد أن يتَّعظَ.

الأمراض لها علاجُها وخير علاج يبدأ بمعرفة أسبابها. ومعرفة الأسباب تقود إلى مواجهة هذه الأمراض والقضاء عليها. ومعرفة أسباب الأمراض لا علاقةَ لها بالتَّديُّن. هذا الأخير هو سبيلٌ للتَّقرُّب من الله وعبادته ونيل رضاه بينما معرفة أسباب الأمراض هي من اختصاص البحث داخلَ المختبرات العِلمية. والعِلم سخَّره الله لعباده ليُعمِّروا الارضَ. وإعمارُ الأرض لا يمكن أن يتساكن مع انتشار الأمراض والاوبئة. والعقل الذي ميَّز به الله سبحانه وتعالى البشرَ عن سائر مخلوقاته هو المُطالب بإيجاد حلولٍ لكل ما يعترض حياتَه من مشاكل سواءً كانت صحية أو اجتماعية. الأولياء والصالحون وعلماء الفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد… يلتقون في كونِهم خُدَّامَ المجتمع. الاولون ينشرون الدين ويُعلِّمون الناسَ حسنَ التَّديُّن لاجتناب الخلط بين هذا التَّديُّن وتقديس البشر بينما العلماء الآخرون يسهرون على تطوُّر المجتمع وتقدمه وسلامة العيش فيه.

ولا داعيَ للقول أن تمجيدَ وتشريفَ البشر إلى حد التَّقديس علامةٌ من علامات التَّخلُّف الفكري والاجتماعي. تخلُّفٌ ناتج عن تفشي الأمية والجهل في المجتمعات. وتفشِّي الأمية والجهل ناتجٌ عن فشل السياسات العمومية في بناء الآنسان الواعي والمتفتِّح والمتحرِّر فكريا واجتماعيا. والجهلُ والأمية يتم استغلالُهما استغلالا فاحشاً من طرَف المشعوذين والمهرِّجين للسيطرة على عقول الناس والنَّصب عليهم وجعلهم يثقون في الخرافات والمعجزات والأكاذيب التي تُحاكُ حول الأولياء والصالحين. فلا غرابةَ إذن أن يكونَ للأموات تأثيرٌ على حياة الأحياء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى