أ. د. عادل الأسطة - إلى روز: مثل تيريه فيجن

مؤخراً شاهدت فيلم "هُويّة الروح". لم أشاهده حين عرض للمرة الأولى، وقال لي كثيرون: خسارة أنك لم تشاهده. لا أدري ما الذي شغلني يومها. شاهدت المخرجة قبل العرض وأصغيت إليها، وسرعان ما بدأ العرض. إحدى المرافقات للمخرجة أثارت قبل العرض بلحظات السؤال التالي: لو كنتم مكان (تيري فيجن)، فهل ستثأرون أم أنكم لن تثأروا، وهل ستتسامحون كما تسامح؟
قرأ محمود درويش بصوته قصيدة (هنريك إبسن) (تيريه فيجن). أصغينا إليه وكان مشهد البحر أخّاذاً. هل استوعبنا روح القصة ونحن موزعون بين إصغاء ومشاهدة؟ كان صوت محمود درويش بارزاً طاغياً مدهشاً، ونحن دهشنا بين رؤية البحر والإصغاء إلى الإنشاد. كان البحر ساحراً والإنشاد مذهلاً، وما لم يرق لي هو المناظر المصاحبة لقصيدة درويش نفسه: "جندي يحلم بالزنابق البيضاء". مناظر مختلفة تماماً عن المناظر المصاحبة لقصيدة (إبسن). هل أنا على صواب حين أقول هذا؟ كأن بلادنا لا بحر فيها. كأنها صحراء النقب فقط، وكأن البحر هو بحر الشمال، ولا وجود للبحر الأبيض المتوسط. هل كان لقاء درويش بالجندي الإسرائيلي (شلومو ساند) تم في النقب؟ ألم يتم في حيفا؟ ربما أنا مخطئ، ولكن ليس هذا هو المهم. المهم هو سؤال المرافقة للمخرجة: هل سنثأر من قتلتنا أم أننا سنسامحهم؟ هل سنطبق مقولة: العفو عند المقدرة، واذهبوا فأنتم الطلقاء؟
الجندي في قصيدة درويش يحلم بالزنابق البيضاء، قتل وندم، وقرر ألا يقتل ثانية. قرر أن يهاجر إلى بلاد بعيدة. اكتشف أنه ضلل حين جيء به إلى فلسطين. هل من وجه شبه أصلاً بين الجندي الإسرائيلي وتيريه فيجن؟ لم يقتل الفلسطينيون اليهود. لم يستعمروا بلادهم. لم يذهبوا إليهم ليقتلوهم. اليهود الغربيون جاؤوا إلى فلسطين واستعمروها وهجّروا أهلها، فهل الجندي الذي قرر أن يعود من حيث أتى وإلى حيث جاء مثل (تيريه فيجن)؟ وهل يعد سلوكه سلوكاً متسامحاً؟ هل يغفر له قتله الضحايا؟ هل يغفر له سلوكه بعدم الاستمرار في القتل ما فعله؟ أين إذاً وجه الشبه بينه وبين (تيريه فيجن)؟ ثمة اختلاف، وثمة وجه شبه. ربما.
ولأنني كنت، وأنا أشاهد الفيلم، موزعاً على عوالم عديدة: عالم البحر، وعالم (تيريه فيجن)، وعالم الصوت؛ صوت الإنشاد، فقد بحثت عن قصيدة (هنريك إبسن) لقراءتها ثانية. ترجم القصيدة العراقي فاضل العزاوي، وراجعها وليد الكبيسي. وهكذا قرأتها مرة ومرتين وثلاثاً. نعم هكذا قرأتها.
الإنجليزي فيها صلف ومغرور وقاتل. مثل صورته في أدبنا بشكل عام. غاز ومستعمر لا رأفة في قلبه، وهكذا يعذب (تيريه فيجن) ويقوده إلى السجن، ليعيش هذا بعيداً عن زوجته وطفلته، وحين تنتهي الحرب ويعود إلى بيته، تكون الزوجة والطفلة قد ماتتا. ماذا تبقّى لهذا البحار الفقير من هذي الدنيا النكدة والصعبة والقاسية واللئيمة التي كان الإنجليز أسيادها؟ ماذا يفعل البحار الفقير المعدم وحيداً في هذا العالم وقد فقد أعزّ ما لديه؟
وتدور الدائرة. يلتقي (تيريه فيجن) بالجندي الصلف المغرور. يراه (تيريه) ويرى معه زوجته وطفلته، وقد كادوا يهلكون، فسفينتهم تنحرف ويجرفها التيار، ولا منقذ إلاّ (تيريه فيجن). هل سيثأر لطفلته وزوجته؟ هل سيتذكر سنوات السجن والعودة إلى بلاده كسيرا، العودة إلى حيث لا بيت ولا زوجة ولا طفلة، فقد دفنا في مدافن الفقراء؟ "أعاد الطفلة برفق/ مقبّلاً يدها برقّة" وكاد يهلك معهم، فالعواصف كانت شديدة" لكن تيريه مسّد بيده شعر الطفلة قائلاً: "كلاّ، من أنقدنا في مأزقنا ذاك/ هو هذه الطفلة الصغيرة".
مثل (تيريه فيجن) أجدني أقول: "ما أكثر ما فقدت، ما أكثر ما ربحت/ ربما كان وراء ذلك كله حكمة ما/ فليكن الشكر لله الذي جعلني أدركها".
أحياناً يكون الواحد منا مثل (تيريه فيجن). يفكر في أن يثأر، ثم يتراجع. هل كنتِ الطفلة ذات نهار؟ ربما. ربما.

كنفاني في ذكرى ميلاده
رفاقه يصرّون على أن أتكلم في ذكرى ميلاده الخامسة والسبعين. أقترح عليهم اسماً آخر ليتكلم عنه، فيصرّون على أن أتحدث أنا. لماذا؟ لست أدري، فما يقولونه لا يروق لي كثيراً. هو كاتب شهيد، وأنا كاتب فلسطيني. مجرد كاتب فلسطيني قد يكون قدّم شيئاً لخدمة الحركة الأدبية والثقافية. كاتب مزاجي يقول كلاماً لا يروق لكثيرين. هل أنا حقاً حفيده؟ هل أنا حقاً حفيد ناجي العلي؟ هل أنا من سلالة محمود درويش؟ الذين يحبون كنفاني يحبونني لأجله، والذين يحبون ناجي العلي يحبونني لأجله، والذين يحبون محمود درويش يحبونني لأجله.
ما هي صلتي بغسان كنفاني؟ حين استشهد كنت أنهيت امتحانات "التوجيهي". يعني حين أنجز ما أنجز لم أكن خططت كلمة واحدة سوى ما حفظته من مناهج المدرسة، ولن تمر أربع سنوات حتى أقرأ كل ما تيسر لي من أعماله؛ رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ودراساته، ولسوف أعمم أعماله على طلاب المدرسة التي علّمت فيها، في الثانوية وفي الإعدادية، ومن هؤلاء من غدا في فصيله علماً بارزاً، ومنهم من استشهد. أتذكر عماد وميسر والشهيد فيصل. من المسؤول عما آل إليه هؤلاء وغيرهم. أنا أم كتابات كنفاني التي عرفتهم عليها.
كان كنفاني يدرس في مدارس وكالة غوث اللاجئين، وغدا أكثر طلابه فدائيين، ومن قصصهم كتب بعض قصصه. هل كان مسؤولاً عن استشهادهم ومآلهم؟ ربما. هل أنا مسؤول عن استشهاد بعض طلابي أو دخولهم إلى المعتقل أم كتاباته؟
كل عام لا بد من محاضرة عنه، من ندوة، من حديث تلفازي ومن كتابة مقالة. أحياناً أقول: لو كنت ملتزماً مثله لفجرت مثله. ما الذي ربط اسمي باسمه حقاً؟ رفاقه أم كتاباتي عنه وتدريس له منذ غدوت أستاذاً في الجامعة. ربما حماني رفاقه مرات ومرات، ربما حماني رفاقه، لأنني أدرسه، من ضرب أو اعتداء أو فصل من وظيفة. في ذكرى ميلاده الخامسة والسبعين سأتحدث عن نقضه للفكر الصهيوني، وأعتقد أن هذا ما أضفته إلى الدراسات التي أنجزت عنه. هل حقاً أضفت إلى الدراسات عنه شيئاً؟ ربما.

أ. د. عادل الأسطة
2011-04-17

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى