ثناء درويش - قراءة في ديوان شعر "أمشي وفي قلبي غزال" لــ مها هنيدي

في سهوب "الحبّ" ومفاوز "الوطن" وتلال "الناس" يعدو غزال قلبها، فيما تمشي الهوينا بخطوات ما بعد الستين.
ومن قال أن الشاعر يكبر، ما دامت غزلان قلبه أبداً تقصد الغدران وتنهل من لطيف البيان؟!
بل هي خدعة الزمن تحاول أن تغطّي على غناء العنادل بأنين المفاصل وعلى عين البصيرة بانحسار البصر.
فانظروا للمها التي أجّلت عمراً حلمها، بعبارة زئبقية عن ديوانها أنه "قيد الطبع"..
وانظروا لنبوءة أبيها في صباها بأن تكون ك "مي زيادة" تعاندها بالإهمال والتأجيل، إلى أن تصبح طاقة الحياة المحفّزة عند أمّها على كرسيها المتحرّك دافعاً ليعلو رنيم نشيدها إلى أن يصل إلينا.
سيصعب على القارئ التمييز تماماً تأريخ القصائد التي كتبتها عبر أربعين عاماً وزمن كتابة كلّ نصّ من حيث نضج اللغة، فميزة لغة مها أنها شبيهة بالروح التي لا تمرّ كالجسد بمراحل الطفولة والصبا والنضوج..
لكنما تَعمُّدها مثلاً الحديث عن الخريف أو التطرّق للعمر أو ما طرحته السنين الأخيرة من تداعيات في الوطن يجعلنا نستشفّ حداثة بعض قصائدها..
وفي الحالين لن نرى في شعرها إلا غزالاً وثّاباً بعينيه الجميلتين في مراتع الخصب والبهاء.
تستهلّ مها ديوانها بقصائد الحبّ، والحبّ عندها رقيق أنيق مُشتهى تقول فيه:
"لا قمةٌ إن رحتَ باقيةٌ
ولا من معتلين
إن متّ متنا أجمعين"ص٣٤
لكنها معه كم تخطئ الحساب لأنه العصيّ على المراوغة والنسيان، فلا الترحال ينفع ولا الهروب للنوم ولا حتى الموت.. ولعلّ في نصيحة امرأة مجرّبة حكيمة عين الصواب:
"أمران لن تنسي بدونهما
هما شكلان للنسيان
فلتتذكّري
أولاهما
شرخ عميق في حنايا الذاكرة
ثانيهما
حبّ جديد يا ابنتي
حبّ جديد يا ابنتي لو تعلمين
سواهما نكران" ص٦١
وفي "ثلاث قراءات للحبّ"
وفيما هي تضع النقاط على الحروف
تكون في أول قراءة عاشقة على السجيّة
وفي ثانيها الخوف من اختلال موازين الحساب فتلجأ للغيب والعرّاف لاستجلاء القادم
وفي القراءة الثالثة نرى التسليم بإرادة السماء لعلّ فيها المستراح
ثم تقرّر كنتيجة:
"أضع النقاط على الحروف
كما يريد العقل
أم أجري وراء نبوءة العرّاف
أو حكم السماء
كلّ سواء
كلّ سواء
فالعشق يلبسني وأحمله
كما شاء الطريق
وكيف أشاء" ص٣٩
في الباب الثاني لديوان الشعر حديث عن الناس يمازحه حديث عن النفس، ودرّة الديوان وأيقونته قصيدة "أمّي" التي تمسّ كلّ واحد فينا في العمق في اجترار ذكرياتنا مع أمهاتنا.
قصيدة تحسّ أنها بقيت مفتوحة بلا نهاية في إعجاز أمّ عاجزة على كرسيّها:
"أمّي على كرسيّها
بدأت تقول وما أحيلى ما تقول
الشعر تسطره يد مشلولة
خجلت أناملنا المنمّقة اعتداداً أن تطول"
ثم تلوح لنا نجمة الزهرة في "أمشي وفي قلبي غزال"
تتجلّى روح مها التي تسمو فوق عقارب الزمن وتعاقب الفصول، رغم آلام الجسد الحرون، في دعوة مفتوحة للحياة، وما أجملها من دعوة:
"وأنا الصبيّة ابنة الستّين
يسري في العروق دم جديد
وأنا الصبيّة لا أزال
أمشي وفي قلبي غزال
ويمرّ في خلدي شريط الذكريات
من قال أن القلب مات"٨٦
هنا مها في صعود وتماهي مع دورة الوجود ومشاكستها الحكيمة للريح في فرادة تميّزها قلباً وقالباً، بحيث يحتاج سبر روحها ليس لقراءة في عجالة وإنما لحديث من غير كلام.
ختام البوح وطن..
وطن مشتّت بين "يريدون" وحصان حرون يزلزل صدرها أصيل الصهيل .. يأبى ما يريدون.
اكتفت مها بثلاث قصائد وحقّها أن تكتفي، أمام قاني دم الوطن النازف على البياض في خريطة لا يضلّ من اتبعها.

شكراً صديقتي لجمالك وهديّتك، واختصاصي بإرسال روحك لي، فإني الأمينة عليها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى