رائد الحواري - الحالة النفسية في قصة "جسدي بين صبرا وبسمة" لمحمود شاهين

المجموعة مكونة من ست قصص، روايات قصيرة، العبد سعيد، الخطار، النهر المقدس، نار البراءة، جسدي بين صبرا وبسمة، أم محمود أم الشهداء، وقد قمت سابقا بتناول الأربع الأولى، في مداخلات نشرت على الحوار المتمدن، والآن سنحاول التوقف عند "جسدي بين صبرا وبسمة، وأم الشهداء" في قصة "جسدي" يبين لنا القاص حالته النفسية كفلسطيني وما يحمله من ألم/حزن/قهر، فهو يستخدم صيغة أنا القاص من أول القصة حتى نهايتها، ومن خلال حديثه يمر على المحطات الألم/القهر التي تعرض لها: "عام1948 هو العالم الذي احتل فيه موطني، أما في عام 1986 فالجميع يعرفونه جيدا، فقد بات فيه معظم زعماء قومي أصدقاء لمن احتلوا موطني" ص115، هذه معضلة القاص، فالزمن طويل بالنسبة لعمر الإنسان، فهناك ما يزيد على الأربعين سنة وهو يعاني التشرد والخذلان، من هنا يستحضر "بسمة" المرأة التي ستمنحه الفرح، بحيث تخفف شيئا مما هو فيه من بؤس وقهر، من هنا يبدأ يستحضر "بسمة" وما يريده منها: "أية شروخ هذه بحق الكائنات؟ هل هناك قوة يمكنها أن ترمم هذه الشروخ الفظيعة في جسدي؟ لالا! لأهرب من شروخي كلها، ولأنتظر بسمة، بسمة الباسمة، بسمة الابتسامة، فرح يقف في مواجهة كل شروخي، شمعة منيرة في ظلام ليلي، أمل يطل دوما من خلف أسوار حزني" ص115، نلاحظ أن القاص يوازي بين ألمه: "شروخ/شروخي" وبين "بسمة" فقد تلفظ بألمه أربع مرات وببسمة ثلاث مرات، لكنه أقرنها بلفظين إضافيين، "الباسمة، الابتسامة" وهذا يأخذنا إلى أن القاص لا يتحدث ككاتب/كأديب، بل كونه إنسان حقيقي يعاني، لهذا ظهر ألمه بهذا الشكل.

وبما أنه تحدث (بوضوح) عن دور المرأة وما يريده منها وكيف يراها، نصل إلى حجم الضغط الواقع على كاهله، بحيث جعله يتحدث بهذه الصورة (الحقيقية) والمقنعة.

بداية القصة يأخذنا القاص إلى بيته وما في هذا البيت، والأثر النفسي الذي يمر فيه: "في الحادية عشرة ستأتي بسمة، لتنقذني من وحدتي وشروخي، من الصمت القاتل، من ملصقات صبرا وشاتيلا ويوم الأرض وتل الزعتر، و(الأياليل) السود التي تعج بها جدران بيتي" ص116، بهذا المشهد يكشف لنا القاص مآسي الفلسطيني التي مر بها، وهذا يؤكد صعوبة حالته النفسية، وضرورة خروجه مما هو فيه، فكانت المرأة "بسمة" هي المنقذ والمخلص والمحرر له، فقد جاء بصديقة قبل "بسمة" لكنها لم تتحمل مشاهد الموت المحيطة ب"محمود" قائلة: "ـ آسفة أنا لا أستطيع أن أشاركك سريرك ضمن هذه الأجواء، بيوت قيادتكم ليست هكذا، ألا يوجد مكان آخر لديك" ص117، يبين لنا القاص الهوة التي تفصل المواطن الفلسطيني عن قيادته، فالأول منتم وما زال يحمل آلامه كما حملها المسيح، بينما القيادة تعيش في بحبوحة وراحة نفسية وجسدية (ورفاهية) تجعلها تُقدم على أخذ المزيد من حاجتها الجسدية بعيداً عن الزوجة، فالقاص يذهب إلى الجنس لأنه يعاني ويحتاج إلى من يزيل ما فيه من ألم، بينما القيادة تُقدم على الجنس من باب الرفاهية والبطر، فرغم أن القاص والقيادة تقوم بنفس الفعل، إلا أن الأول يمكن استيعاب الأسباب التي جعلته يقدم على فعل محرم، بينما الثاني لا يمكن أن نجد له أية تبرير أو معاذير، من هنا نغفر للأول ونتجاوز عنه، وندين الثاني ونحمل عليه.

بعدها يأخذنا إلى فكرة القصة والتي تتمثل بانتظار "بسمة" حيث يتماثل هذا الانتظار مع حالة الفلسطيني الذي ينتظر النصر/العودة إلى وطنه وما زال ينتظر، ولا شيء يأتي أو يقربه من وطنه. بدأ "محمود" في انتظار قدوم "بسمة": "ثلاثة دقائق وتأت، هي لا بد في الطريق" ص118، لكنها لا تأت، وبما أنه يعاني من ضغوطات الواقع فقد أثرت على نفسه بحيث ما أن يرى أي فتاة حتى (يظن) أنها "بسمة: "ثمة فتاتان قادمتان، لا بد أن تكون إحداهما هي، ربما أتت مع صديقة لها" ص119، ومع هذا يذهب تخيله أدراج الرياح، ليبدأ بخلق أمل جديد: "شاهد فتاة ترتدي لباس الفتوة تقدم عبر الشارع، كنت مقتنعا تماما أنها ليست هي، ...ومع ذلك لم أقطع الأمل، ورحت التمس عذراً لها، لتردي لباس الفتوة، لم أجد عذراً، غير أنني لم أقطع الشك في أنها قد تكون هي" ص120، اللافت في هذا المقطع أن القاص يكشف حقيقة ما يعانيه، فهو (مريض نفسي) بسبب الضغط الذي يمر فيه، مما جعله (مضطربا) لا يستطيع حسم حقيقة ما يشاهده، مرة يحسم أمر الفتاة بأنها ليست "بسمة" ومع هذا يعود ليعلق آماله على أنها هي!!

يستمر القاص متعلقا بأمل وصولها، فما أن يرى أية فتاة حتى ينتشي رافعاً حلمه بحضورها: "مرت فتاة من تحت نافذتي... ثمة ساقان يلفهما بنطلون جينز، تقدمان تحت أشجار الرصيف،.. قد تكون هي" ص121، إذن "بسمة" لم تأت، وبما أن "محمود" يريدها ليتخلص مما علق به من ندوب الحياة، فقد أوجد لنفسه مخرجا من خلال تذكرها وكيف كانت له الدواء الشافي: "لم تأت بسمة، ومع ذلك تركت الباب مفتوحاً، ...أريدها أن تجد بابي وصدري مشرعين لها، ...صدرها المتدفق بخصب الحياة؟ سألتني يوما بهمس "لماذا تتأوه إلى هذه الحد وأنت تلقي رأسك على صدري؟ فهمست "كلما ألقيت رأسي على صدرك أحسست بالحياة تدب في جسدي الميت، إنني أتلذذ بطعم الحياة ونعمة الله" ص123، إذا ما توقفنا عند تكرار "صدري/صدرك/صدرها" نتأكد أن من يتحدث هو إنسان حقيقي بحاجة إلى الحب، إلى صدر، إلى حنان، لهذا تم التكرار، فالقصة وطريقة تقديمها تؤكد أن من يرو الأحداث هو شخصية حقيقية وليست متخيلة، فالقاص استطاع أن يجذب المتلقي ويقنعه بصدق وحقيقة ما يرويه من أحداث، وما يقدمه من مشاعر وأحاسيس إنسانية.

الواقع والرمز

القاص لا يتحدث عنه كونه إنساناً فحسب، بل عن كونه فلسطينياً أيضأً، لهذا نجده يستعيد ماضيه المؤلم متذكراً قسوة الأب: "أبي الذي كان يمتص الذبابة عندما تقع في صحن اللبن، ...أبي الذي قتل أحد إخوتي، أبي الذي حاول قتلي أكثر من مرة، ...أبي الذي جعلني أنزح من الضفة قبل أن ينزح منها أي فلسطيني.

.. آه يا أمي التي كان أبي يضربها أربع مرات في اليوم! آه يا أمي التي لم أرها منذ ستة عشر عاما، يا أمي التي ماتت دون أن أراها، ودون أن تراني، آه يا قطيعنا الذي كنت أرعاك، آه يا جبال القدس التي عشت على بطاحك أول فرحي وشقائي، آه يا حياة يا أول حب في الكبر، يا أول بسمة في حياتي، لماذا تقفزين إلى مخيلتي الآن وفي هذا اللحظات التعيسة في حياتي...هل ثمة ما هو أجمل من أن يكون الإنسان في القدس؟ " ص126،

رغم (واقعية) القصة إلا أننا يمكن أخذ صورة الأب القاسي إلى الرمزية، ونسقطه على السلطة التي حكمت الضفة قبل احتلالها، وهذه جمالية تضاف إلى القصة، وبما أن هناك ذكراً للقدس وجبالها، فهذا يعد حسنة تضاف إلى القصة التي تعيد تذكير القارئ بأهمية المكان وقدسيته.

ونلاحظ أن للمكان/للوطن أثر إيجابي على القاص، فرغم قسوة (الأب) وبطشه إلا أنه وجد أول فرح في حياته: "آه يا حياة يا أول حب في الكبر، يا أول بسمة في حياتي" فرغم الألم والقهر إلا أن المكان كان يعطي القاص شيئا من الراحة، كما أن وجوده ضمن عائلة، الأم/الأخوة، ساعدته على تجوز قسوة (الأب) ومنحته قوة على التحمل، وما الفرح الذي تمثل بحياة إلا تأكيداً على أن المكان قبل النزوح والهجر أفضل بكثير بما هو عليه بعد الهجرة.

وإذا ما توقفنا عند استخدامه: "يا حياة، يا أول بسمة" نتأكد أن هناك رمزية تتجاوز الأسماء والأحداث (الواقعية) التي جاءت في القصة، وإنها أبعد مما يظهرعلى السطح.

يعرفنا القاص أكثر على مراحل حياته بقوله: "لقد كنت فدائيا يا حياة، لا أحمل هوية الكيان، عدا أنني مطارد من عسكر الاحتلال" ص127، هنا يحاول القاص أن يقول إنه لم يستسلم للواقع، بل واجه واقعه بكل ما يستطيع، متخذا من العمل الفدائي وسيلة لتحرير وطنه، لكنه لم يصل لهدفه، وهذا يعود إلى ما قاله في البداية عن "الأياليل" لهذا نجده مسكون بالموت والمجازر: " ليس في حياتك إلا حقيقة واحدة ثابتة لا تتغير، إنها صبرا، وكل ما تبقى، كذب ضلال هروب، صبرا اختصار زمانك، صبرا اختصار حياتك" ص123و130، وكما انتظر الفلسطيني العودة إلى وطنه وقدوم النصر الذي لم يأت، انتظر "محمود" قدوم "بسمة" التي لم تأت ولن تأت، فهل يمكن أخذ انتظار "محمود" الفلسطيني إلى انتظار غودو؟ وهل الحالة النفسية التي يمر بها يمكن أن تعالج وهو مشرد وبعيد عن القدس وجبالها؟ وهل "حياة وبسمة" هي مجرد أسماء، أم أنها أبعد من ذلك؟

وإذا ما توقفنا عند الأسماء "محمود، بسمة، حياة" نصل إلى أن هناك تشابكاً بين الواقعية والرمزية، "محمود" بطل القصة هو السارد والمؤلف، "بسمة" التي تعني القليل من الأمل وا لفرح، وقد جاءت بعد الهجرة، زمن التشرد والبعد عن الوطن، بينما "حياة" التي تعني الفرح الكامل/المطلق، حيث هناك أسرة وكان القاص يعيش في الوطن، في القدس وجبالها.

رائد الحواري

********

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى