مهند النابلسي - الأردن كتاب خطاب الجنون في الثقافة العربية خطاب الجنون في الثقافة العربية لمحمد حيان السمان: عن افق أكثر رحابة وجمالا

مهند النابلسي - الأردن
كتاب خطاب الجنون في الثقافة العربية
خطاب الجنون في الثقافة العربية لمحمد حيان السمان:
عن افق أكثر رحابة وجمالا

كيف سمحت السلطة المستبدة لهؤلاء الدراويش بالتصدي لها والسخرية منها، وحتى توجيهها بالشكل الذي يتكرر مرارا في هذا البحث النادر؟ فهل كانت عاجزة عن قمعهم أم أنه دهاء سياسي وحنكة فطنة فتحت المجال لصوت الجنون "ليصول ويجول"، ويعبر بحرية عما يجول في خاطره من "مكبوتات وتجليات" كنوع من صمام الأمان السياسي الذي يفرغ "شحنات القهر الاجتماعي" من حين لآخر، بحيث يظهر وكأنه تلقائي وعفوي!
لا تقصي الثقافة العربية-الإسلامية في جوانب من خطابها الكلاسيكي صوت الجنون عن منبر الكلام، بل على العكس من ذلك أفسحت له المجال الرحب ليدلي بالشهادة على عصره .
لقد كان هذا الصوت أداة من أدوات مناهضة المجتمع لعوامل القمع والاستغلال التي تعاني منها الفئات الاجتماعية الموجودة في حالة تعارض مع قوى الحكم والمرجعية الاجتماعية للسلطة .
إن صوت الجنون في الثقافة العربية–الإسلامية، هو شكل من أشكال السرد الثقافي الذي أنتجه المجتمع العربي تجاه وضع تاريخي تناحري طبقي .
عمل غير موسوعي مقارنة بإنجاز فوكو
غلاف كتاب خطاب الجنونوفي اعتقاد المؤلف أن أهمية صمت الجنون تكمن في كونه صوتا شعبيا جماهيريا ينسجم مع حركة المجتمع العربي-الإسلامي الوسيط في كافة مستوياته، وهو يعتبر هذا الكتاب محاولة في حقل بكر، فيما لقي نفس الموضوع في اطار الثقافة الأنجلو أميركية والفرنسية عناية عظيمة، حيث كان المجنون موضوع استلهام نفسي ولغوي للعديد من الأعمال العالمية، مثل "الصخب والعنف" لوليم فوكنر، ورواية "طار فوق عش الواقواق" لكين كيسي (التي تحولت لفيلم سينمائي)، بينما الدراسات العربية المماثلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، علما بأن الصدى الفكري المتوقع لكتاب السمان لم يثر رغبات جادة لدى الباحثين العرب لإثراء هذا الموضوع (كما كان يتوقع عند إصدار الكتاب).
وفي اعتقادي المتواضع أن الكاتب لم ينجز عملا موسوعيا يضاهي عمل ميشيل فوكو الشهير "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (2)، كما أنه وربما لعدم توفر نسخة مترجمة في حينه لكتاب فوكو الرائع، لم يستطع إجراء مقارنات صحيحة ودقيقة وعصرية لشمولية وتأثير الجنون في كافة مناحي الحياة والثقافة والحكم والفلسفة والإبداع، حيث يتناول فوكو في كتابه العلاقة الكائنة ما بين الجنون وبين العقل على مدار أكثر من أربعمئة سنة من التاريخ الأوروبي، أي منذ القرن السادس عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم. لكنه خص بالدرس الموسع العصر الكلاسيكي، أو ما عُرف بـ"عصر التنوير"، وبالتحديد القرنين السابع عشر والثامن عشر. إنه ذلك العصر الذي جاء بعد عصر النهضة مباشرة، ودخلت معه أوروبا في العقلانية المحضة أو الصارمة، ونحو تلك العقلانية وجه فوكو نقده وحفرياته المعرفية ومن جانبها المتعلق بالجنون في هذه المرّة (المرجع نفسه).
غلاف كتاب تاريخ الجنونلقد استند السمان لمراجع مشتقة من فترة التآلف الفكري والثقافي، والتي امتدت بين أواخر القرن الثاني الهجري –عصر الجاحظ- الذي ربما كان الرائد في مضمار استدعاء صوت الجنون إلى مشروعه الثقافي، وبين القرن الخامس الهجري -عصر الحسن النياسبوري- حيث برع الأول في التاكيد على مهارات "البلاغة والتكلم" للشخصية الجنونية، وبرع الثاني بتتبعه الواسع لجوانب الموضوع، مما انتج مشروعا متكاملا، يتضمن تراجم للشخصيات الجنونية في العصر الراشدي، مع تمهيد لغوي، وتأطير غني.
وقد عبر الباحث ميخائيل باختين ببراعة فائقة عن الحضور الشفاهي القديم لصوت الجنون، عندما قال: "فإننا لو ألقينا مرجاسا في هذه العصور فلن يصل هذا المرجاس لشدة عمق هذا القعر". كما أن المؤلف لجأ للنقل في معظم الأحيان، ولم يستطع أن يقارب أو يضاهي أسلوب فوكو، وخاصة موهبة الأخير اللافتة على التقصي البحثي وعلى إجراء ما يسمى "الحفريات المعرفية".
الإبداع "السينمائي" في إظهار صنوف النفاق والجنون
يبدو أن المخرج الأمريكي الشهير ميلوش فورمان (التشيكي الأصل) متخصص في إظهار حالات الجنون والادعاء والنفاق الاجتماعي (بأسلوب مدهش ونمط شبه سيريالي)، ابتداء من أحد أفلامه التشيكية القديمة (قبل نزوحه للغرب) ويعتبر آخر أفلام فورمان في تشيكوسلوفاكيا وأول أفلامه الملونة. ويحكي الفيلم (الذي رشح للأوسكار لعام 1967) قصة متطوعين في فرقة إطفاء في مدينة صغيرة ينظمون حفلتهم السنوية على شرف رئيسهم السابق، وتحاول لجنة مختارة من كوادر الحزب البيروقراطية اختيار ملكة جمال من بين فتيات بلدة تشيكية، ويظهر في هذا الشريط الكوميدي الممتع كل مساوئ النظام الاشتراكي السائد من سخرية وتظاهر وادعاء وفساد وكذب واحتقان جنسي مكبوت.
صورة من فيلمونال ميلوش فورمان جائزة الأوسكار بعد نزوحه للغرب عن تحفته السينمائية "طار فوق عش الواقواق". ويتلخص الفيلم في أن راندل الذي صدر عليه حكم بالسجن لمدة قصيرة يتظاهر بالجنون. ويتوقع أن يقضي فترة عقوبته المتبقية في حرية وراحة أكبر داخل مصحة عقلية. لكن ممرضة قاسية ومتسلطة تدير جناحه في المصحة وتخضع مرضاها بإذلالهم من خلال الانضباط المؤسسي. وقد صور الفيلم أوضاع و تفاعلات ومعاناة المرضى في مصحة عقلية بمحاكاة مذهلة، مما يؤدي لانهيار راندل، الشخصية التي أدى دورها الممثل جاك نيكلسون (الذي نال أول أوسكار له عن دوره الرائع) والذي يدعي الجنون أولا ويتعاطف مع المرضى، بل ويحرضهم ويقودهم ضد الطغيان والقسوة السائدة في المصحة، لينتهي الأمر بتعرضه لشحنات كهربية كبيرة تؤدي لفقدانه لعقله وجنونه.
والجنون من محاور فيلم عن حياة الموسيقار موزارت عنوانه "أماديوس"، فقد أدى الشعور الطاحن بالذنب لجنون الموسيقار ساليري (كبير حساد موزارت) وانعزاله في مصحة عقلية وهو يعاني من الهلوسات وتداعيات الماضي وإرهاصاته المؤلمة، وبالرغم من اللقطات السريعة للمرضى النفسيين والعقليين في المصحة إلا أنها كانت بالغة الدلالة والمغزى والإتقان، وخاصة في تزامنها مع تداعيات وهلوسات ساليري وهذيانه العصابي.
التفهم الحضاري "للجنون"
يؤكد ابن خلدون إمكانية العقل الاجتماعي لدى البهاليل، ويقول ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد":
وقد يأتي لهؤلاء المجانين كلام نادر محكم لا يسمع بمثله، فرب رمية من غير رام. ويلخص النياسبوري في كتابه عقلاء المجانين الحالات التي تستدعي التحامق: "من تحامق لينال غنى، ومن تحامق ليرضي وقتا ويطيب عيشا، وتحامق لينجو من بلاء وآفة".
لقد ظل المجنون محتفظا بكامل إنسانيته في الحضارة العربية-الاسلامية، وعومل بإنسانية وتسامح وما زال حتى يومنا هذا:
"وكان للمصابين بأمراض عقلية نصيب من الرعاية في المدن الإسلامية، فخصصت لهم أقسام في "البيمارستانات" الكبرى تسهر على علاجهم ورعايتهم".
ويقول طراد إن العرب سبقوا العالم إلى إنشاء مستشفيات للمجانين في القاهرة منذ القرن الثالث عشر، بل أن العرب هم اللذين نقلوا للغرب فكرة الاهتمام بالمجانين، ذلك أن مؤسسات من هذا النوع لم تظهر في أوروبا قبل القرن الخامس عشر.
ويعزو محمد حيان السمان هذا التفهم الحضاري لموضوع الجنون للنص القرآني "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ".
ولا بد هنا من الإشادة بطبيعة وعي المجتمعات العربية-الإسلامية تجاه موضوع الجنون، حيث يعكس تفهما ملحوظا بعكس الوعي الأوروبي-الكلاسيكي، الذي انغمس في مظهر الأوضاع المرعبة لمشافي الأمراض العقلية، والتي أفاض في الحديث عن بؤسها ووحشيتها ميشيل فوكو في كتابه "تاريخ الجنون" (المرجع رقم2)، وكما ظهرت في العديد من الأفلام الغربية، حيث ارتبط الجنون في العديد منها بالمس الشيطاني.
لقد تم استغلال هذا التسامح الحضاري تجاه الجنون، من اجل اتخاذ صوته وسيلة وحاملا لقول ما لا يمكن قوله من قبل سواه، دون التعرض لإشكاليات القمع والضبط والتابو الاجتماعي-السياسي القائمة في المجتمع العربي-الإسلامي، فهو يمتاز عن سواه بكونه يقع خارج شبكة المراقبة والضبط والعقاب التي يقيمها المجتمع تبعا لحيثيات الصراع والتطور، فيعلن: "ليس في الدنيا أجل مني: لا أحاسب في الدنيا، ولا في الآخرة".
الجنون المقدس
"ما أنت بنعمة ربك بمجنون" (القلم 2).
لقد لاحظ ابن خلدون أن إحدى الدلالات المعتمدة لصوت الجنون في الصدى الشعبي، هي سمة "القداسة والصدقية"، كما اكد ذلك المستشرق ادوارد وليم في كتابه "مسالك المصريين المعاصرين"، عندما وصف أثناء رحلته إلى مصر في القرن التاسع عشر:
"ومعظم الأولياء المعروفين في مصر مجانين أو مخابيل أو دجالين، يسير بعضهم في الشوارع عاريا كل العري، فيلقى من الناس كل الاحترام والتوقير" (أعتقد أنها مبالغة كعادة المستشرقين في التشويه والتعميم).
الجنون صورةويلقي الباحث أضواء هامة على سيكولوجية التأثير الجنوني، حيث يقول:
"فعلى أمواج الضحك الاجتماعي، وفي ثنايا رنينه تتلامح نغمة الإقرار والتسليم الدفين، بأن هذا الخطاب الذي فجر كل ذلك الضحك إنما يأتي موحى به ومنقولا في إيماءة جذب وكشف عن لوح قدسي عن تراتيل علوية، تتضمن الحقيقية ويرسلها الزمان السرمدي، أو الله نفسه لتلتقطها نفس المجنون الناطقة، الضعيفة التعلق بالبدن، والتي يخصها الله بما شاء من مواهب! ثم يتحدث عن "الفاعلية السحرية التحويلية" للوجود الجنوني التي ترتبط هنا بغاية محددة، هي إسقاط هيبة المتعالي، وتجاوز الخوف منه بالضحك عليه، حيث يظهر الضحك المرافق لنهايات الموقف الصعب، وسيلة وشكلا من أشكال الخوف الناتج عن تهديد السلطة."
وقد أشار ميخائيل باختين في سياق حديثه عن ثقافة الضحك في العصور الوسطى إلى أن "الضحك يدمر الخوف لأنه لا يعرف الكوابح والقيود، لذا فلغة الضحك لا تستخدمها السلطة اطلاقا"، لذا تظهر "التكشيرة" في عصرنا سمة عامة لملامح الطغاة والمسؤولين وأصحاب القرار، وقد تنتقل العدوى لعامة الشعب.
يظهر صوت الجنون كمنطق اجتماعي-تاريخي وأيديولوجي، كما يعكس تجسدات مختلفة لبطولة المجنون القائمة على كل من عناصر الإدانة والإنذار والتوسل والوعظ والسخرية والتنديد المستمر بمآل المجتمع والناس والسلطة.
عقدة العظمة: تنح عن الطريق
ويشير توماس أرنولد في دائرة المعارف الإسلامية قائلا:
"أما في العاصمة الجديدة فقد برزت تقاليد الحكم الفارسية، فكان الخليفة العباسي يجلس على العرش في أبهة وجلال يحيط به حرسه وإلى جانبه السياف شاهرا سيفه. وكان هذا التقليد الجديد سببا في ظهور الحاجة لوجود سمات مضادة في صوت الجنون، الاستعلاء الزهدي المقابل للاستعلاء البذخي-البيروقراطي، والتحذير المستمر والتهكم الواضح. وفي هذا السياق ينوه المؤلف بما ذكره الثعالبي:
"فكان أول ما ظهر من الظلم في أمة محمد عليه الصلاة والسلام قولهم "تنح عن الطريق"، فتعبر قصة دخول سعدون المجنون على المتوكل، عن رد الفعل التحذيري المليء بالتهكم: حيث يبادر بالقول "أنت المتوكل"؟ قال نعم، قال: "فلم سميت بالمتوكل ولم تتسم بالتواضع؟"
لقد ندد صوت الجنون (العادل) بمظاهر البيروقراطية المتعددة، ومنها احتجاب رموز السلطة السياسية والمؤسساتية وتعاليهم على الناس، وظهور منصب الحاجب والبواب. الغريب أن الغرور (التكبر والخيلاء) أو ما يسمى بالعامية "شوفة الحال" لم يعد يقتصر في مجتمعاتنا العربية العصرية البائسة على النخبة الحاكمة والمتنفذين وصانعي القرار، وإنما أصبح ذا طابع شمولي تجد آثاره ومفرداته الكريهة متمثلة في كافة مفاصل الحياة والمجتمع والأعمال، بالرغم من التبجح بالتواضع والبساطة.
في هذا السياق سأقتبس نصا معبرا من إحدى المقالات الرائعة للكاتب الأردني فهد الريماوي:
"يندر أن تجد ثريا أو سياسيا أو مهندسا أو محاسبا أو طبيبا أو ضابطا أو موظفا أو مثقفا يتسم بالتواضع، ويتصف بالتبسط، ويتحلى بالاتزان والكياسة ونكران الذات، فالكل مسافر في قطار الغرور، والكل مبحر على متن الغطرسة، والكل معبأ بأسوأ مفردات التكبر والادعاء والخيلاء"(3).
تعايش الذئاب مع الغنم
خذ الحكمة من أفواه المجانين
هكذا بدأ صوت الجنون حينما عرفته المصادر ناقدا-نذيرا، وفي حالة صدامية مع سلطة ظالمة، ويمكن الوقوف عند قصة رمزية جميلة وردت في عقلاء المجانين وفي "صفوة الصفوة" لابن الجوزي، حيث قال:
" فخرجت إلى الكوفة وسألت عنها، فقيل: هي مجنونة بين ظهرانينا ترعى غنيمات لنا، فخرجت فإذا بها قائمة تصلي وإذا بين يديها عكاز لها، وعليها جبة من صوف مكتوب عليها "لا تباع ولا تشترى"، وإذا الغنم مع الذئاب، فلا الذئاب تأكل الغنم ولا الغنم تخاف الذئاب".
وسالتها فقالت: إليك عني، فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي، فأصلح ما بين الذئاب والغنم ". كذلك لوحظ أن الراعية عليها جبة لا تباع ولا تشترى، وفي هذا تأكيد مجازي لصلاح الراعية من خلال إظهار زهدها، ورفضها الدخول في تجارة تبادلية، كرد فعل لرفض قيم الربح والخسارة.
كما ارتفعت منزلة المجنون فأخذ دورا قياديا في صلاة الاستقساء، حيث يحدث القحط بسبب ظلم الحكام، ويأخذ المجنون المبادرة لإعادة العلاقة بين الأرض والسماء.
صوت الجنون في فضاء المدينة
يمكن القول إن صوت الجنون (حسب رأي الكاتب)، هو صوت لقاحي بامتياز، غذته وأغنته روافد التطور الحضاري-السياسي للمجتمع العربي، فتكامل كشكل من أشكال المقاومات العديدة التي نشأت في خضم توالدات الحالة السلطوية، والإنتاج المستمر لنقاط ارتكاز السلطة! فقد ارتبطت بمرافق المدينة الإسلامية من قصور ومساجد وأسواق وبيمارستانات ومقابر، وحيث تتيح المسافة بين المدينة والمقبرة خارج الأسوار للمجنون، أن يتأمل ويحاكم من بعيد مسار الأمور ومآل المجتمع المديني من موقعه قريبا من فضاء الموت وملكوت الأبدية، وخارج العلاقات الحياتية اليومية.
الإبداع الأدبي للجنون
ولكي يمارس المجنون سلطته كمثقف مجاني، تقدمه المسارد شاعرا يلقي الشعر بديهة (بلا تفكير أو توقف)، متجاهلا علوم اللغة والآداب، مما يربك المثقف وتكشف دونيته الثقافية، مما يجعل القارئ اليقظ يتساءل: هل هذا جنون حقا أم تظاهر "ذكي" بالجنون؟ لكشف الزيف الثقافي للأدعياء وسبر أغوار حقيقتهم؟
ويتحدث عن حالات "التظاهر بالجنون" التي يسودها الزهد وتتجلى الحكمة من ثناياها، كما يلاحظ أن صوت الجنون يتقاطع بشكل واضح مع مواقف المتصوفة إزاء المال وقيم الربح والمتاجرة، حيث يقول سفيان الثوري: لا تنظروا إلى ظاهر ثياب التجار والسوقة فان تحتها ذئابا كاسرة.
ولو عكسنا ذلك عصريا على واقع المضاربين الكبار في سوق المال العالمي "وول ستريت" لقلنا بسخرية معبرة: أسماك القرش التي ترتدي ربطات عنق أنيقة. وقد استكمل موقفه المناهض لسلطة المال بالسخرية من التجار والضحك عليهم.
وأقول كيف سيكون الحال في عصرنا الراهن مع تضخم الثراء والبذخ والفساد وصنوف الصرف والاستهلاك والإنفاق الاستفزازي؟ ربما الأمر سيتجاوز الجنون والسخرية اللاذعة وسيتحول الأمر إلى احتقان شعبي عارم وثورة كما نشهد حاليا في ما يسمى ربيع الثورات العربية.
في اعتقادي أن محمد حيان السمان قد تحدث عن نموذج إبداعي زاهد، يتظاهر بالجنون حيث وجد في ذلك وسيلته الوحيدة للجهر بالرأي، ولمقاومة أو مواجهة عالم " سلطوي-لا إنساني قاس ومرعب"، واضفي لهذا آفة الفساد التي لم تكن بعد معروفة في صيغتها الأخطبوطية الراهنة، وكانت ردود الفعل الجنونية هذه وسائل علاج تهدف "لتليين هذا الكابوس السلطوي"، الذي تحول الآن لممارسات "مافيوزية" الطابع من قمع وقهر وتعذيب ومعاناة (وبشكل منظم وممنهج ).
فهل نجح صوت الجنون في فتح "نافذة أمل مشرقة " في أفق الإنسانية الطويل؟ ربما إلى حد ما، ولكني أعتقد أنه من المبكر جدا الإجابة عن هذا السؤال الجدلي في ظل ما نشهده منذ اكثر من عام من تغييرات وثورات وحراكات وأحداث وردود أفعال في عالمنا العربي، والأمر قد ينجلي عن نتائج قد يكون بعضها "مجنونا–سيرياليا " وكارثيا بحد ذاته، وخاصة في خضم الانفجار المعرفي–الإعلامي وانتشار وسائل الاتصال والإنترنت، ناهيك عن الممارسات الانتهازية والتلاعب والاصطفاف وعشق النفوذ والسلطان، والإتجار بالأوطان والعقائد والأيدولوجيات والأديان.
لننتظر إذن النتائج "المجنونة" لهذا المخاض الإنساني الهائل غير مسبوق في تاريخ المنطقة العربية.



= = = = =
الهوامش:
(1) محمد حيان السمان. خطاب الجنون في الثقافة العربية. الناشر: رياض الريس للكتب والنشر (1993).
(2) ميشال فوكو. تاريخ الجنون في العصرالكلاسيكي. ترجمة: سعيد بنكراد. عرض: عمر كوش.
(3) صحيفة المجد". العدد 517. شباط/فبراير 2007.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى