د. ندى مأمون إبراهيم - يونس..

زجاجة الماء المكسورة الملقاة على الطريق جرحت إصبع قدمه الصغير ... آلمه الجرح، لكنه لم يبال لذلك النزف البسيط في إصبعه... لقد اعتاده... واعتاد جروحا متكررة في أقدامه الحافية... جفاف يديه ذات الشقوق العميقة ... وقلبه الصامت ... ركل الزجاجة بقدمه العارية... لكنه عاد سريعا، والتقطها عن الطريق ... خاف على أقرانه المهملون مثله على قارعة الطريق من جرح جديد... جلس على حافة الرصيف يقلب خرقة القماش البالية في يده ... في انتظار أن تضيء إشارة المرور لونها الأحمر ... وشعره المبعثر الحائل اللون من وهج الشمس يزيد ضيقة من حر الظهيرة... صوت والدته يرن في أذنه... تذكر يا يونس نحتاج اليوم ما لا يقل عن ثلاثين جنيها ثمن علاج أختك الصغيرة... اثنا عشر عام هي كل عمره الغض قضى معظمها عند إشارة المرور الملعونة يسابق إلى السيارات بأقدام حافية وخرقته المبللة في يده ليلتقط من أصحابها بضع نقود معدنية...أو ابتسامة شفقة بلا طائل ...
كره ألوان إشارة المرور الثلاث... أحمر ... أخضر ... أصفر ...
هذه الألوان قيدته، لم ينطلق في الحياة سوى بين رصيفين يحجزان شارعا ضيقا ..هو وأقرانه المبعثرين في الشارع - كزرع مهمل لم يجد من يسقيه- يكابدون النهار بأكمله ... ثم يعودون معاً ببضع نقود وأحلام مؤجلة إلى زقاق مظلم عشوائي... لا روح فيه.
كان هو أكبرهم... واتفق جميعهم أن يكون قائدهم... هم يحبونه... كان كثيرا ما يقتسم معهم شطيرة يجدها مهملة في ركن الطريق... كثيرا ما تخلى عن دوره في مسح سيارة ليمنحها لرفيق لم يوفقه الحظ في جمع نقود معدنية ... يونس كان رجلا، قائدا بفطرته رغم سنه الصغيرة ...
هذا اليوم بالذات لم تجد السيارات طريقها إلى الشارع ... أعمال طريق قطعت شريان الحياة في المدينة... لم تمر سوى سيارتين مسرعتين لم تعطياه أملا في جمع مطلوبه ... حمى (التيفود) تنهش جسد أخته الصغيرة... دموع أمه عظيمة هو لا يريد أن يخذلها... والنهار ينقضي، ويودع الشمس...
متجر المجوهرات الفخم على بعد أمتار من الإشارة... كان كثيرا ما تبهره لمعان تلك المجوهرات المصفوفة بعناية لكنه لم يكن يتمناها... هذا المساء هو مرغم على لمس تلك الجواهر، ليس من أجله ... بل من أجل عائلته...
وضع خرقته في جيب بنطاله المهترئ، وسارع الخطى تجاه ذلك المتجر... كان يسمع صوت أقرانه يناديه... لكنه كان يرافق شيطانه... دخل المتجر ليتسول، وكان يعلم في قرارة نفسه أن صاحب المتجر الحليق ذو الحلة الأنيقة سوف يطرده ... دفعه ذلك الحليق إلى الخارج كما توقع ... لكن يد يونس كانت أسرع إلى خاتم ياقوت يلمع فوق طاولة زجاجية... الحليق لم يلاحظه... لكن ضمير يونس فعل ... بادر في تأنيبه مع أول لمسة للخاتم ... هذه المرة يونس لم يستمع إلى ضميره ... بل كان يواسي نفسه يقول لها :
أنا أفعل الواجب ... أقبض ثمن بؤسي وقلة حيلتي عنوة من الحياة .
عند المغيب... افتقدته أمه... لم يعد هذه المرة مع أقرانه... والسماء تهيئ الغيوم لإنزال المطر... سألت نفسها : متى تعود يا يونس؟
بدأت حبات المطر تتساقط بغزارة، وتحيل ذلك الزقاق الضيق إلى بركة من طين ... لملمت أطراف ثوبها، ودلفت إلى سقيفتها تستطلع أنين صغيرتها المحموم..لكن يونس لم يعد.
بعد نصف ساعة ومع اشتداد المطر ...تنبهت أمه إلى صوت أنين ..لم يكن أنين صغيرتها ...كان أنينا لا تخالطه الحمى ... بل كان يخالطه الندم ...أطلت برأسها من السقيفة ... لتجده واقفا تحت المطر... رافعا رأسه إلى السماء يستقبل الماء الغزير ليخالط دموعه... وأدركت ما فعله ... كانت تلك عادته منذ الصغر ... كلما أخطأ أو أذنب ... سارع إلى الماء ليصبه على وجهه وجسده بغزارة حتى تبتل دواخله ... كان يطلب شفاء خطاياه بالماء ليتبرأ منها، هكذا كان يستغفر منذ الصغر. سحبته أمه إلى حضنها، وسألته في حنان : أين ذنبك يا يونس؟
بكى في حضنها المبلل من فعل المطر ... ودس يده في جيبه ليخرج خاتم الياقوت اللعين ... أدخلته أمه إلى داخل السقيفة ... وفرشت سجادة صغيرة ... وهي تمسح دموعه التائبة بيدها ... قالت له... هنا يا يونس يغيب ذنبك، وتفك قلة حيلتك ... اسجد يا يونس طويلا ...ياقوت قلبك يحتاج أن يصقل، وأن يلمع من جديد...سامحني يا صغيري.كان الطلب أكبر من أن تتحمله ....

تلك الليلة الماطرة بغزارة كانت متبوعة بنسيم بارد مسح على جبين أخته الصغيرة فأضاع الحمى.

في الصباح الباكر ... على ركن الرصيف كان ذلك الحليق يفتح باب متجره الفاخر بزهو، وعند طرف الباب لاحظ لمعان خاتم الياقوت ملقى على الأرض ... التقطه متعجبا ... وهو يظن أنه أسقطه سهوا .... وعلى الرصيف الآخر...كان يونس ذا الأقدام الحافية... كعادته ...يتلقى ابتسامة شفقة صفراء من قائد سيارة فارهة يثنيه عن مسح زجاج سيارته الفاخر بخرقة بالية.

<تمت>...

**************************
د. ندى مأمون إبراهيم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى