حميد العنبر الخويلدي - النَّصُّ يتنزّلُ على دفعتيْنِ ، الرّكن المنسي ___نص حداثوي للشاعرة السورية ريما آل كلزلي

الرّكن المنسي
___نص حداثوي للشاعرة السورية
ريما آل كلزلي

رجلٌ يتأمّلُ في اللّوحةِ
وامرأةٌ تجلسُ في ركنٍ منها
تنظرُ نحو الغيم طوالَ الوقت
وتهمس للصّفصاف بما لا يفهمهُ سواهُ
عصفورٌ يتنقّلُ بين الأغصانِ وحيدًا يبحثُ
عن شيءٍ ما
مازال الرّجلُ يجوسُ بعينيهِ الحقلَ
ويعودُ يمشّطُ ما أبصَرَ
والمرأةُ مازالت في الزّاوية المُعتمةِ في
ركنٍ يتوارى
عن عين الرّجلِ المهجوسِ
بأنثاهُ
ويمشّط حقلَ الوردِ
وعلى صفحةِ روحهِ يتدلّى الرّمانُ
تندلقُ حبّاتٌ حمرُ الألوانِ
يحدّق في سربِ الوزّ وفاكهة الأغصانِ
فيلمعُ في عينيه بريقُ الوَجدِ
وفرحةُ طفلِ الأيّام
هو يبحثُ عنها في كلّ مكانٍ
عن عنقود الضّوء المتلألئ
كالمرجانِ
في عين الرّجل الغائصِ
في اللّوحةِ
ترتجف الرّوحُ لمرآه نضيدًا عنقود الرّمان
يوقنُ أنّ مسارَ الرّحلةِ بات قريبًا
جدَّ وشيكٍ
ما أجملَ حبّاتِ العنقودِ المتدلّي
وهدايا الرّمانِ
لكنَّ العاشقَ مازالَ يفتّشُ
عمّن تجلسُ في الرّكن المعتمِ
أملًا في الإمساكِ
بوهجِ الّلحظة من زمنٍ آبقٍ
لامرأة الرّكن المنسيِّ
وعنقودِ الرّمان.
.................

★ نص نقدي مقابل

النصُّ ينزلُ دُفْعَتَيْن
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ان تتخيلَ الصورةَ وتخلقَها قبلَ أن تستدعي
ٱُطُرَها من الألفاظ لتحملَها ، هذا يجعلنا أن نقول إنّ الصورةَ يخلقُها المبدعُ مرّتين ،
_ الاولى في نفسه جرّاءَ خيالاته المنفعلةِ ، _والثانيةُ في لغتِه المستدعاةِ تقديراً لحمل
الكتلِ التصويرية ابّان الاكتمال، ولأجل إتمام المخلوق
برأينا أنّ الشاعرة ريما تعاملت مع هذا النص
بهذا الناموس التنظيري ،
ولنضيف شيئاً مهماً يوسعُ علينا الفكرةَ ،
كلُّ هذا مؤكداً في كينونة ذات الشاعر تجريداً ،
ومثلُهُ يجري وبنفس الفعل عند المتلقّي
، فالتّلَقّي خَلْقٌ آخرٌ كذلك حتميٌّ ، ينزل عليك
واقعاً محدثاً في كلِّ الأوقات والاحايين، إذ تتحسّس أنّ نصّاً جديداً يجتذبُكَ ، ينقلُكَ بالوهلة من مكانيّتِكَ إلى مكانيّته عنوةً ، وهذي نسميها
دهشةَ الجمال أو صدمتَه ، هنا يُصار إلى تنازلِكَ عن كتلتِكَ التي أنت فيها والتي هُدمت عنك ، إلى كتلة النصِّ ، فتنخلق وحدةٌ جديدةٌ من الادهاش والتمعُّن الجديديْنِ ، تجري عندها ضبط المحدّداتِ الاعتبارية في السعة الثانية للجمال التفسيري أو المضاف مايستدعيه النقدُ فلعلّ التلقّي أول النقد المعرفي ،
السيدة ريما تعاملت هكذا رغبةً في المراد منها ، لصنع هذا الجمال ، محمولون معها كل المتلقّين اينما كانوا حيثما وجدوا ، والى حيث يعمرُ النصُّ ويجوب زماناتِه ويبقى،
لخولةَ اطلالٌ ببرقةِ ثهمدِ
تلوح كباقي الوَشم في ظاهر اليدِ
هذا مطلع لمعلّقة تاريخية ، وعلى مااعتقد أنه لطرفة ابن العبد
، نعم كان يكتبُ في وقتها مجروحَ الشوق والوجدان وبهمِّه وحَزَنِه ،
كتبَ وكما فسّرنا اعلاه ، ونقول أننا كنا محمولين معه جميعاً ولازلنا حاملاً لنا وهو في الغابرين من خلال النص ، فلقد كان العالِمُ الفلانيُّ وكان الناقد والمختصّ والمُتَتَبّع وكل من له علاقة
اعتبارية في الوجود ، كنا في رغد كنف النص ، هنا النص وبهذا الاعتبار له القدرةُ أن يحمل الوجودَ بتطوراتِه الفيزيائية والكونية
على حد نظرتنا ،
السيّابُ رحمه الله حملَنا جميعا معه ولازال حاملاً لنا وللموجود كلِّه في نتاجاته، حيث كتبَ حيث اتممَ فنحن مغمورون مع الفنان نعم يشعرُنا وقد نكون نستشعرُه ،
السيدة الكلزلّي تشعرنا حتما وهي تكتب ، استشعارين ، الاول استشعار التباهي في الخلق الجميل أو تباهي الشهرة النفسية والعقلية، كأنها على مسرح أمامنا او مسرح الفضاء .
والثاني الاستشعار الوجودي الكلّي استشعار العمق،
المرحوم الجواهري يقول اكتب وجمهوري في راسي هذي مصداقية علم نُثبِتُ به منظورَنا النقديَّ هذا .إذ انطلق هو من لحظة
بسيطة على المسرح مثلا وهو يلقي ويصفقون له إعجاباً ، انما نحن من لحظة عمق نتفلسف بها عساها تأتي لنا بصحيح
نافع ، هو تحري أو توخي ، لانفرض عليكم أفكارنا انما هي مودةٌ وتعاط ،
( رجلٌ يتأمّلُ في اللوحة..
وامرأةٌ تجلسُ في ركنٍ منها ..
تنظرُ نحو الغيم طوالَ الوقت ..
وتهمسُ للصفصافِ بما لايفهمُه سواهُ ..
عصفورٌ يتنقّلُ بين الأغصان وحيدا
يبحثُ عن شيٍ ما ..
مازال الرجلُ يجوسُ بعينيه الحقل ..
ويعودُ يمشّطُ ماابصرَ ..
والمرأةُ مازالت في الزاوية المعتمة
في ركن متوارٍ عن عين الرجل المهجوس
بانثاه ..)
رجلٌ وامرأةٌ وهاجسٌ وصور وعوالم تذكّرية
تخيّليّة ، كأنّك في واقع ومكان يجريان ، نعم
يجريان الوجود يجري ،
فأين منا فكرتنا تلك .طبعاً أنا وكلُّ مَن تلقّى العملَ هذا ( امرأة الركن المنسي )
كانت لنا أيْنيّتان واحدةٌ هي وجودنا والثانية
وجودنا الاعتباري المحمول في نفس ريما الشاعرة التي جذبتنا عبر النتاج لقد عبرنا جميعاً لها وهي
تكتب ، او قد كانت تطبخ أو تخيط زراراً مقطوعاً لها في فستان ، في لحظة دخولها وحلولها في الموجودات الفنية وهي تكتب.
ريما تستشعرنا كحبّاتِ ندىً تنزلُ على مجسّاتٍ منها نفسيةٍ قد تعرف بعضنا وقد تتهوّمنا تهويماً ضبابياً ، ولكنّنا موجودون لِدْنيّاً معها .وبمثل ماذكرنا -المبدعُ حمّالٌ للوجود - المبدعُ عاهلٌ منذ أودعَ اللهُ سبحانه به وديعةَ الموهبة وأعطاه بريرةَ الخَلْق الفني الابداعي .وميّزَه عن غيره ، حيثُ الخطاب الإلهي سبحانه مع المؤمنين نعم هو مع المبدعين ثبّتت السماءُ كلَّ مباديء الوقت ليس مع العاديين ، ابدا مع المبدعين .اوّلهم الانبياء والاولياء .
المبدعون هم المسؤولون يومها حتماً ، عن كلِّ شاردةٍ وواردةٍ ، أن تكن شاعرا مبدعاً انت مسؤولٌ أمام الحقّانية.فقلْ وأمرْ بما يجب .
ولاتَخَفْ او تَخْفِ .

حميد العنبر الخويلدي
حرفية نقد اعتباري
العراق
حميد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى