إبراهيم محمود - فلسطينيون "مسرحية في ثمانية مشاهد"..

المشهد الأول
(نقطة ضوء بالكاد تضيء رأساً على خشبة المسرح، حيث العتمة تستغرقها. ومن خلالها ينبعث صوت يختلف إيقاعاً.. هوذا رأس الكاتب)

هذه العتمة توتّرني. لا أدري منذ متى وهي تضغط علي. حاولت مراراً أن أخفف عبئها علي دون جدوى. كأنها فهمتني جيداً، إذ كلما حاولت الخروج إلى النور تطبق علي.
( ينقطع الصوت، ثم ينبعث من جديد، شجياً )
لا أستطيع وصف طريقتي للكتابة عما يجري. يصعب علي رؤية ما أسطّره عما يحدث. هناك ما كان قبلي، وقد باح لي بمعاناته.. صوته كان جرحاً نازفاً. وربما كان هناك من هو أقدم منه، ولا بد أن يكون كذلك. ربما سيكون آخر من بعدي، في ضوء ما يجري. الجميع يشتكي العتمة، ويشكو صعوبة الكتابة، وما إذا كانت مقروءة أم لا .
( يسود صمت مطبق، ويرجع الصوت بين منخفض ومرتفع )
يقولون لي ممنوع عليك أن تنير ما حولك. إنهم لا يسمحون بذلك. سيكون هناك أذى كبير. لقد اعتدنا العتمة. إنما لماذا الوضع كذلك؟ أي عقوبة جهنمية هذه التي تجعلنا ننام في العتمة، ونستيقظ في العتمة، ونأكل في العتمة، ونشرب في العتمة، يكلّم بعضنا بعضاً في العتمة ؟
( صوت رياح قوية يُسمَع ، لبعض الوقت ، ويعود الصوت مجدداً)
هذا هو الحال. هذا الصوت القوي ، أشبه بأصوات انفجارات. لكنه صوت رياح قوية، يتردد صداه في الجوار، كما لو أنه يحاول خلع الأبواب والشبابيك، وإقلاق من في الداخل أكثر. لا أذكر يوماً عشناه دون سماع هذا الصوت. الذين عاشوا قبلنا تحدثوا عن الصوت نفسه.. إنه يلازمنا.
( دبيب أرجل على الخشبة، وأنفاس متقطعة. سيكون اسمه الصوت القائم )
هناك من يتكلم، انتبه وأنت تتكلم، عليك بالتزام الحدود. لا يهمني من تكون. حذار من التعدي على الحدود.
صوت يتحشرج في الجوار: الحدود، الحدود، الحدود.. إلى متى ستذلنا هذه الحدود؟
الصوت القائم: طالما هي قائمة ستذلنا.ألم تسمع بسياسة التكيف مع الحدود؟
الصوت المتحشرج: لا بد أن خطأ ما وراء هذا الذي يجري.
الصوت القائم: إنه خطأ وحيد، ولكنه مزمن، واعتدناه وهو ساري المفعول إلى الآن، ولا يظهر أنه سينتهي عما قريب .
الصوت المتحشرج: أليس من أحد يستطيع تسميته كما هو؟
الصوت القائم: عليك أن تسألهم هم. هم يعرفونه أكثر. أليس كذلك وأنت كنت تتكلم بداية؟
صوت الكاتب: يعرفونه، ولكن، نحن أيضاً على علم به. إنه تاريخ طويل ..
الصوت القائم: ها أنت تقترب من حقل الألغام . حذار من التسميات. دعنا في العتمة أفضل.
صوت الكاتب: ولكنها لا تدعنا وشأننا. لا يعقل أن نستمر هكذا. لا يعقَل.. لا يعقَـ..!
الصوت القائم: انتبه ، سيلعنك التاريخ، إذا خالفت المحظور..!




المشهد الثاني
( أصوات مسموعة في العتمة، كأنها تنبعث من جهاز تسجيل)
صوت 1: علينا أن نكون في كامل يقظتنا
صوت 2: أيكفي ذلك للشعور بالأمان؟
صوت 3: علينا ألا نعتدّ بأنفسنا كثيراً
صوت نسائي: هذا الدم إلى متى سيستمر في النزيف؟
صوت 1:مادام هناك أعداء كهؤلاء يهددوننا في الحياة, سيكون هناك دم، ولكنه مراق باسم الحرية.
صوت 2:يعني أن نكون في حالة حرب دائماً ؟
صوت 3: هناك من يتبرمون من هذا الوضع .
صوت نسائي: إذا كانوا أعداء، فنحن أيضاً أعداء بالمقابل
صوت 1" محتداً ": لا تتأثروا بدعاياتهم الكاذبة. نحن نعرفهم جيداً .
صوت2: ونحن أيضاً نعرفهم، إنما ليس كما تتصورون أنتم. لقد تعبنا مما يجري
صوت 3: ننام في حالة حرب، ونصحو في حالة حرب. وبعد؟
صوت نسائي: أنا عن نفسي. لم أعد أسمّي ما أعيشه حياة، والخطر في كل مكان .
صوت 1" بنوع من التهديد ": يكفي ما تحدثنا فيه.. علينا أن نتحمل حباً بمستقبل أبنائنا .



المشهد الثالث
( صوت بالكاد يُسمَع في العتمة )
إنه عمر كامل. وليس من أمل بأن الآتي قريب. ها لقد أصبحت عاجزاً عن الرؤية. عشرات من السنين، وعيني على زناد البندقية. جسمي امتلأ جراحات.. إيه أيها العمر
( صمت، ثم يتردد صوت " شادي " لفيروز " والمقطع الذي يقول):
ويوم من الأيام ولعت الدني
ناس ضد ناس علقوا بهالدني
وصار القتال يقرب على التلال
والدني دني

وعلقت على اطراف الوادي
شادي ركض يتفرج
خفت وصرت انده له
وينك رايح يا شادي
انده له وما يسمعني
ويبعد يبعد بالوادي
ومن يومتها ما عدت شفته
ضاع شادي
( يرتفع الصوت قليلاً )
أنا كنت شادي، وكما مات شادي، وعلى شادي أن يبقى. إنما أين القوة التي تسنده ؟
( هناك صوت نسائي يبكي )
إنهم موجودون بنا. بكاء النساء لا ينقطع. هناك أطفال جوعى دائماً. هناك خوف دائماً. هناك وعود بلا حساب دائماً. لكن العتمة اللعينة هذه تلفنا من الجهات كافة. يصعب علينا أن نرى وجوه بعضنا بعضاً. لقد نسينا رؤية الوجوه. ليس علينا إلا أن نتوعد ونتحدى. وننال البركات، ممن؟ ما أكثرهم هؤلاء الذين يعدوننا بالنصر القريب. إنما نواجه الموت اليومي، وفي كل لحظة.
( ينقطع الصوت. ويُسمع صفير الرياح وهو يزداد شدة. يعود صوت الرجل. بينما يسمَع بالمقابل صوت امرأة تبكي )
هذه الرياح لا تسمح لنا بالخروج. تمنعنا من رؤية الطريق. من السير دون مخاوف. تلف بيوتنا. بصعوبة بالغة نتحرك. بصعوبة بالغة نتدبر قوتنا اليومي.





المشهد الرابع
( مجموعة أصوات سابقة )
صوت 1: سننال منهم. لن ينال منا التعب. الحق معنا .
صوت 2: لقد كتبت قصيدة، أقول فيها:
تعبت أنفسُنا منا
تعبت الأرض منا
تعبت السماء منا
تعب الزمان منا
تعبت...الـ
صوت 1: من تعنيهم جبناء، متخاذلون، يساومون أعداءنا .. ما عاش التعب
( يرفع بندقية عالياً، وفي العتمة، ويشد على الزناد، تخرج طلقة )
( صوت 2 مرتعباً )
ماذا فعلت؟
صوت 1: فعلت ما كان علي فعله
( العتمة تشتد. في الخارج، تُسمع أصوات صاخبة. هدير مدافع. الأرض تهتز. صرخات نساء وأطفال. وأصوات غير مفهومة )
صوت 3: أرأيت ماذا فعلت رصاصتك؟
صوت 1: انتظر ماذا ستفعل قنابلي، ألغامي، قوتي الكاملة. أنا الشعب كله.
صوت 2: وقتلانا وجرحانا ؟
صوت 1: أنت لا تعرف قيمة الحرية. لا تعرف عدوك. لا تعرف نفسك. لا تقل قتلانا وجرحانا. هذه كلمات العدو: إنهم شهداؤنا وضحايانا. و
صوت نسائي: وهؤلاء إلى متى سيستمرون؟ إلى متى سنبصر النور؟
صوت 1: مادام العدو يهددنا سنبقى هكذا
ثم: نجوع ونعرى.. نعصر الصخرا
صوت 2: يا للرومانسية الثورية المستهلكة .
صوت 3: علينا أن نكون واقعيين. هذه الرومانسية الثورية تنال منا يومياً.
صوت 1: أمثالكم يزيدون في قوة العدو




المشهد السادس
( الصوت الذي يتردد، صوت الكاتب )
هذه الكتابة أتعبتني.. وسط هذه العتمة. المعاناة مضاعفة. أقول لهم: من الصعب الاستمرار هكذا.. قرأت التاريخ كثيراً.. أمعنت في الجغرافيا كثيراً.. هناك حرب تقود إلى حرب.. كتابتي التي أسطّرها ليس فيها سوى الذين يموتون يومياً بأسباب ليست طبيعية.. هم أيضاً يدفعون الثمن غالياً. هم أيضاً يموتون.. هم أيضاً يعانون من العتمة.. والذين يتباهون يخدعون أنفسهم .
( صمت لبعض الوقت، ثم يتابع الكلام )
لا بد من مسلك آخر.. من صوت آخر.. من البحث عن طريقة أخرى.. لوضع حد لما يجري..
يتدخل الصوت القائم: أمثالك يجب ألا يتفوهوا بكلمات فارغة كهذه.. أنتم تمثلون شعباً .
صوت الكاتب: الشعب؟ أي شعب؟ أين الشعب؟ ألم تسمع بالذين خرجوا مضطرين من ديارهم وهي تُقصف؟ ألم تسمع صرخات النساء وبكاء الأطفال؟ حتى العراء لم يعد موجوداً.
الصوت القائم:إنهم أعداؤنا الذين لا يريدون لنا الخير والسلام ..
صوت الكاتب: هم أعداؤنا، ونحن أيضاً أعداؤهم ..
الصوت القائم: لكنهم أعداء وعنصريون.. ويتوعدوننا دائماً ؟
صوت الكاتب: وهم كذلك يعتبروننا مهددين لحياتهم ونريد محوهم من الوجود .
الصوت القائم:كأنك تقول ما يريد هم قولَه ؟
صوت الكاتب: نحن في العتمة.. وبيننا أكثر من جدار.. نسمعهم يومياً.. نلتقي ببعضنا بعضاً.. ولكننا لا نلتفت إلى بعضنا بعضاً.. كيف يكون ذلك؟
الصوت القائم:السؤال موجه إليهم، هم الذي يغزوننا، هم الذين يحتلون أرضنا.. ويهددوننا في حياتنا؟
صوت الكاتب: وهم يرددون هذا الكلام نفسه .
( صمت، ثم يرتفع صوت الكاتب موجهاً إلى الصوت القائم )
أتسمع ما يجري.. اسمع
صوتان يُسمُعان عن قرب:
صوت أول: أنت
صوت ثان: أنت
صوت أول: أنا
صوت ثان: أنا
صوت أول: إلى متى
صوت ثان: إلى متى
صوت أول: إنهم هم
صوت ثان: إنهم هم
صوت أول: يا للعنصرية البغيضة
صوت ثان: يا للعنصرية البغيضة
صوت أول: وماذا بعد
صوت ثان: وماذا بعد
صوت أول:يا للأحمق السفيه
صوت ثان: يا للأحمق السفيه
صوت أول: سحقاً
صوت ثان: سحقاً
صوت أول: الكلام لا يفيد
صوت ثان: الكلام لا يفيد
( عودة صوت الكاتب مع الصوت القائم )
صوت الكاتب: ماذا يتوجب علي أن أكتب؟
الصوت القائم: أنت من يجب عليه أن يعلم بالمطلوب منه. وما سمعته، لا يُعتد به. العالم معنا. ونحن نمثل الحرية والدفاع ضد الاستبداد والاحتلال والطغيان و..
صوت الكاتب: أكتب ما أراه أنسب، وليس ما هو موجود.. وما سمعناه، عبارة عن حالة يأس، ولزوم البحث عن مخرج.
( لحظة صمت )
صوت الكاتب: وهم يقولون أيضاً إن العالم الحر معنا ضد التخلف والإرهاب وأعداء الحرية .
الصوت القائم: هناك دعايات مغرضة.. الفلسطينيون باقون إلى الأبد..
صوت الكاتب: نعم، الفلسطينيون باقون، ولكن ماذا تقول في هذه العتمة؟ في هذا الجدار السميك الذي يمنعنا من رؤية الحياة الفعلية، من رؤية بعضنا بعضاً؟
الصوت القائم:استمرارنا في الحياة حتى الآن يعني أن النصر سيكون حليفنا ..
صوت الكاتب: مغمغماً: والموت اليومي.. ماذا نقول فيه؟





المشهد السابع
( صوت مفرد واهن )
آه يا شادي، أين أنت؟ لقد كرهت العتمة منذ صغري.. وها هي موجودة إلى الآن.
أنا في حيرة من أمري.. أعرفهم جميعاً.. لقد عشت معهم.. قاتلنا معاً كثيراً.. تعرضنا لإصابات كثيرة.. جسمي كله يجمل ندوباً شهادة على أنني عشت حروباً كثيراً. خضت معارك كثيرة.. دمّر بيتي كثيراً.. فقدت أولادي.. وهأنذا وحدي.. أولئك ماذا يريدون. لماذا يحبّون سفك الدماء إلى هذه الدرجة؟ وإلى متى سنستمر في دعوى أنني نقاوم الأعداء؟ ونحن مبعثرون هنا وهناك..
( ينقطع الصوت لبعض الوقت، ثم يرجع )
أريد أن أتكلم، أن يسمعني أحدهم. هذه العتمة أكرهها. لست متخاذلاً، ولكنني لم أعد أطيق التنفس وسط هذه العتمة.. أولئك يغيرون علينا بطائراتهم، بدباباتهم، بأسلحتهم المختلفة بحجة واهية.. دماؤنا مراقة دائماً.. يا لهذا العمر البائس المتبقي؟!



المشهد الثامن
( مجموعة الأصوات )
صوت 1: هناك خلافات بين الأعداء أنفسهم.. سوف نتعبهم كثيراً.. ليعرفوا من نحن..
صوت 2: دائماً نشير إلى الأعداء.. لماذا لا نشير إلى بعضنا بعضاً؟
صوت 1: لأنهم يمثلون تهديداً لحياتنا في كل شيء.
صوت 3: أكون معك.. أكون معه.. أكون مع نفسي.. نحن أيضاً ندفع الثمن غالياً .
صوت نسائي: نحب الحرية.. نحب الحياة.. ولكن التفكير في اتجاه واحد، لم يعد مجدياً .
صوت 1: أخشى أن تكونوا ضعفتم.. وبقي عليكم أن تدافعوا عن أولئك الأعداء ؟
صوت2: ما تفكر فيه غير وارد..
صوت 1: إذاً، لماذا هذا التراخي؟
صوت 2: ليس تراخياً، إنما رؤية ما يجري.. وهذه العتمة التي تحول بيننا ورؤية أنفسنا بالذات.
صوت 3: هناك شيء ما لا بد أن يحصل
صوت 1: إياك أن تسمّيه، وهو أن نجالس الأعداء !
صوت 2: إنما أن نجالس أنفسنا ونصارح بعضنا بعضاً، لعل العتمة هذه تخف..
صوت 3:ما يهم، هو كيفية التخلص من عبء هذا الجدار وهو سبب وجود هذه العتمة .
صوت 1:بمقدار ما يكون الجدار مزعجاً ومقلقاً لنا، إلا أنه يزيدنا صموداً وتحدياً.
صوت 2: وهذا الخراب اليومي.. الخوف اليومي.. كابوس الحياة اليومي؟
صوت 1: هوذا ضعفك وضعف من يشكو العتمة بالطريقة هذه
صوت 3: لن تكون العتمة علامة فارقة لنا دائماً.. لا بد من مواجهة هذه الحالة..
صوت 1: قلوبنا تبصر في الظلام.. ثمة قضية مقدسة عليكم أن تؤمنوا بها، وألا يصيبكم الوهن.
صوت نسائي: التفكير في الحياة.. هل يعني الاستسلام للعدو.. إنما النظر في اتجاه آخر..؟
صوت 2: هذا هو المطلوب التوقف عنده ..
صوت 3: التفكير في النور خارج السور، ليس دعوى مساومة مع الأعداء..إنما مراجعة حساباتنا وما كنا عليه ماضياً، وما نحن عليه راهناً ..
صوت 1: تريدون النظر في اتجاه آخر؟ خذوها إذاً
( يرفع بندقيته عالياً وهو يضغط على الزناد، تخرج طلقة ويتردد صداها مدوياً في المكان )
خشبة المسرح تهتز.. صرخات وعويل في الخارج..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى