صابر رشدي - «ظل السراب» مجموعة القاصة المصرية شادن شاهين: القصة القصيرة واستعادة الكتابة عن النبلاء والطيبين

تصاعد في السنوات الأخيرة نجم القصة القصيرة، عائدة إلى الصدارة مجددا، كنوع أدبي له تقدير خاص لدى كثير من القراء والمتابعين، بعد ما تم التكريس للرواية، والإفراط في تدليلها على نحو غير مسبوق، وتكثيف المتابعة النقدية، وتهافت دور النشر عليها، كسلعة مضمونة الربح والمكسب السريع، دونما كبير اهتمام بالجودة، أو بالصياغة الفنية المحكمة. فالجوائز تنتظر الجميع، الجيد، والرديء. حدثني عن الأعمال التي علقت معك من تلك الروايات التي فازت بجوائز ذائعة الصيت. قليل جدا!.. بالطبع، لست ضد الرواية، فأنا واحد من عشاقها، مهتم بها على نحو كبير، لكني ضد ابتذالها، وسقوطها من علٍ، على سن أقلام غير الموهوبين، الذين يفكرون بشكل سطحي في مسائل كبرى لا تحتملها قواهم الإبداعية، أعني هؤلاء أصحاب الأعمال العقيمة، والمواهب الضحلة.
القصة القصيرة عمل مزاجي، حميم، يتغذى على المشاعر الداخلية بدرجة كبيرة، وعلى الشعر، والتكثيف، والإيجاز. تفتيت العالم إلى جزئيات صغيرة، مشاهد، ولحظات. عناصر ينبغي أن ينطلق معها القاص بأدوات معدة جيدا، حتى يتمكن من التعامل بحساسية وإتقان. نوع أدبي لا يحتمل الفشل، أو الترهل، أو نسيان الحكاية، والدخول في تشعبات فرعية، وأحداث جانبية، تبتعد بالقارئ عن الحدث الأصلي. لا بد من السيطرة التامة، حتى لا ينفلت خيط السرد، وينهار النص بأكمله. لها عدد معين من الصفحات، إذا تم تجاوزها فقد انتقلت إلى نوع آخر: نوفيلا، أو رواية. وإذا تقلصت إلى صفحة، أو أقل، فقد ذهبت إلى نوع مستحدث آخر يجد رواجا كبيرا في هذه الأيام؛ وهو القصة القصيرة جدا.
تنهل من الواقع، ومن الخيال. لكنها ليست الواقع، وليست الخيال. اللغة عامل مهم جدا في نجاحها، الدقة أهم مزاياها العملية. تلتزم خطا لا تحيد عنه، دون أن تفقد التأثير في أي من لحظاتها؛ لا تملك إمكانيات الرواية ومرونتها، لأنها تقع تحت ضغط شروط معينة. الرواية يساعدها الطول على الالتفاف، وإقالة عثرات الفصول الضعيفة، المتهافتة، وينقذها من السقوط.
ليس ما سبق دستورا حاكما، و«روشتة» عمل لكتابة قصة قصيرة، ربما كانت بديهيات، وخارطة عمل موجزة لإنشاء نص يستحق وجوده أمام أدوات النقد والتلقي، فكل الفنون في تطور مستمر، شأن كل شيء في هذا العالم.


1.jpg

في المجموعة القصصية «ظل السراب» للقاصة المصرية شادن شاهين، نستطيع أن نستشعر بسهولة مقولة الروائي الفرنسي الشهير أونوريه دي بلزاك: «إن العملية الفنية ليست أن تنسخ الطبيعة بل أن تعبر عنها». فهي تعتمد على الرؤية الداخلية والاستبطان، دمج الحلم باليقظة، الواقع بالخيال. مقاربة ثيمات معينة: الحرية، التشيؤ، الاغتراب الداخلي، العمى، السفر، ذكريات حب مفقود.
في قصة «جدران» ثمة لعبة فنية أخاذة، فنحن نقلق على مصير البطل الذي يبدأ حكايته: «اهتزت جدران الشقة على سقوط مدوٍ، قفزت من فراشي في الظلام، تحسست طريقي حتى أضأت مصباح الحجرة، وجدت أن مكتبتي الكبيرة التي تحوي مئات الكتب والملفات الورقية قد سقطت أرضا، واختلطت أوراقي ومقتنياتي كلها».
نعرف أن المشهد كان صادما، جعله يرتج ويفكر في إعادة كل شيء على ما كان عليه. رغم إرهاقه، قام بترتيب الأوراق المتناثرة، وإعادة تصنيفها، بعد التعرف على محتواها، لكنه يستيقظ فزعا على صوت أمه تناديه، فينظر حوله في ذهول؛ ليجد نفسه في الفراش.
– كل ذلك التعب والتركيز ذهب هباء في حلم؟… يقول في نفسه. تسأله أمه: ما بك يا ولدي؟ يجيبها أنه مجرد حلم، ثم يعود إلى غرفته. يحكي حكاية أخرى، تكفي لتكون قصة قصيرة مكتملة، نكتشف بعدها، أيضا، أنه كان يعيش داخل حلم. يصحو، ثم يعود إلى النوم مجددا، ليذهب في هذه المرة إلى عالم لا ندري ماهيته، هل هو حلم، أم واقع معاش؟ فهو يستيقظ، يذهب إلى عمله، يواجه مضايقات لا حصر لها من رئيسه في المؤسسة، يحيا أجواء كابوسية، يستنجد بأمه، علها تناديه، توقفه من مواصلة هذا الغم. يلاحظ المدير هذيانه، يطلب له سيارة المصحة النفسية. ما يجعله يصرخ بلا انقطاع: متى توقظني أمي؟ أيقظيني يا أمي.
«لقد مضى وقت طويل، وما زلت أدق جدران الحلم اللعين، وأمد عنقي من بين جدرانه، لكن أمي لا تحاول إيقاظي أبدا».
نهاية أليمة. جدران، جماد مصمت، بلا نوافذ، بلا كوة، لا بصيص نور. ربما كانت الأم هي رمزية الأمل، العودة إلى حجرها الدافئ، أو الاختباء في رحمها، البحث عن الملاذ، عن يد حانية لإنقاذه من تداخل العوالم، وتشابكها، من تفاصيلها المعقدة، التي يتوه المرء بينها.
شادن شاهين كاتبة تتعامل مع فن القصة تعاملا جادا، تعرف الحدود الفاصلة بين التخييل والواقع، وتعرف كيف تدمجهما معا، تلتزم نزعة جمالية واضحة في السرد، وتلتقط من العالم شخصيات عاجزة. بالعمى حينا، والصمم حينا آخر؛ كبطل قصة «الجرس». إنها تصف مأساة عاهة فقدان السمع على لسان شخص أصم، استطاع أن يشرح إحساسه بالصمم على نحو مبهر، وهو يصف لنا عروض الرقص والموسيقى الذي يشاهدها، متمنيا الخروج من عالم الصمت الذي يحتويه، ويسجنه في سكونه: «للصمت قضبان لا ترى، طالما مددت يدي خلالها محاولا الإمساك بطرف الحياة، لكن المسافة جد بعيدة. كنت أقرأ عن الإيقاع وأشاهد عروض الرقص، وكيف يتمايل الجسد في حركات تبدو محسوبة ومرتبة زمنيا، كي تواكب ذلك المسمى بالإيقاع، كنت أراقب راقصة الباليه وهي تؤدي عروضها في عالمي الصامت. كان يبهرني ذلك الضابط الغامض لحركاتها، إنها تصنع بتتابع انثناءات جسدها لوحة كاملة، آه، حيرتني الموسيقى».
أصم، لكنه يترجم المشاهد التي تترى أمامه ترجمة حرفية، تشعر معها بصوت الموسيقى يسري في أجواء عالمه الداخلي. الكاتبة تحدد الزاوية التي يطل منها على هذا العالم، إنه يستعيض بعينيه عن هذا النقصان الخلقي، في محاولة مستميتة لتذوق الموسيقى، من خلال ما يدور أمامه، بجاهزية وجدانية للتلقي، كأنه لا يفتقر إلى تلك الحاسة المهمة، حاسة السمع: «يحرك المغني شفتيه ويضم يديه مغمضا عينيه فيتقافز الجمهور ويشير بالأذرع ويحرك الشفاه تفاعلا وتأثرا، وتنهمر الدموع من عيون الجميلات. ترى ماذا يشبه صوت الغناء؟ وكيف له أن يهز أرواحهم؟».
كتابة ذكية، التقاط هذه الحالة من الندرة، والدفع بها إلى الأدب. مع كل فقرة في هذا النص تفتح لنا أبواب هذا العالم، وفقا لرؤية أصم فصيح، تقوده الكاتبة بمهارة. إنه يستخدم الحدس، يعتصره إلى أقصى درجة حتى يتغلب على هذا النقصان البشري. لا استسلام، بل تحدٍ بطولي. يتساءل أحيانا: لماذا أصوات السيارات مزعجة، والتقاطه حركة شفتي طفل يبكي. لقد كان يتذوق الصوت حتى وضع سماعة في أذنيه، ينفتح بعدها على صوت الحياة، على الضجيج، والأصوات المزعجة، على عالم مختلف، لا يطاق.
في قصة «ظل السراب» التي حملت المجموعة اسمها تذهب الكاتبة إلى ذلك الموروث الرفيع، وهي تبحث لها عن مكان بين النصوص التي يكتبها الكبار، مكتملو التكوين، الذين يعتقدون أن الكتابة مهمة ثورية، ويعبرون عن العالم، بالقبض على الأشياء الفريدة، ورفع اهتمام القارئ إلى الدرجة القصوى، كل بطريقته، هؤلاء الذين يكتبون وفي أذهانهم سمعتهم الأدبية. التي تقف كحائط صد، ضد الركاكة والهبوط.
في هذا النص، قصة حب غير نمطية، شائقة، تدور وقائعها في محيط كوزموبوليتاني، بين شاب مصري وفتاة لبنانية. الفتاة تتخذ دور الراوي، الذات الساردة، تحكي تفاصيل مدهشة. في الخلفية توجد هناك إيطاليا، مدنها الساحرة، البندقية وميلانو. كل المعالم التاريخية تعلن عن نفسها على لسانها، بينما تخييل شاعري يسري عبر النص، يضفي عليه لمسات رقيقة، لا تخدشه تفاصيل سخيفة، أو تجرحه أحداث مفبركة. الفتى والفتاة، يحمل كل منهما قلب مفعم بالمشاعر النبيلة، استطاعت الكاتبة أن تستخرج منهما صورا زاهية للنقاء. القصة طويلة، محبوكة، تم وصف الجغرافيا، والمعالم السياحية، وسرد تاريخهما على نحو رائع: الكنائس واللوحات والأمكنة ومياه البندقية وزوارقها وجسورها الصغيرة ومجاريها الضيقة. الموسيقى في كل مكان، ورقصات الزائرين تتوهج على إيقاعها الرنان. شعر محمود درويش. وأناشيد في حب إيطاليا. يضيئان الحكاية. لقد نجحت الكاتبة في نقل هذه الأجواء، وجذب انتباهنا، إلى قصة حب عذرية، تنتهي بالفراق، كل إلى حال سبيله، محملا بداخله ذكرى لقاء، وأيام لا تنسى، عبر عشرين صفحة من السرد الشفيف.
في قصة «لا أحد»، إنسان وحيد، يعي وجوده البائس. وينعي هذا الوجود من خلال مونولوج طويل، لا يتوقف تدفقه إلا عندما يعلق على كلماته بضمير المخاطب. بائع متجول، للبطاطا والذرة المشوية: «تعاقب الأيام، حتى فقدت أمي ثم أبي وغربتي البلاد، لم يبق لي سوى ميراثي من أبي، تلك العربة الخشبية الثقيلة ذات العجلتين». وجوارهما – بالطبع – الفقر والتعاسة. مع تدفق تيار الوعي تتكشف مع كل فقرة لمحة من حياته، رؤيته للعالم، أحلامه، هواجسه، تأكده من وضعيته، ككائن بلا أهمية، ولد ليكون ضمن الهامش، رقم في تعداد السكان، يشغل حيزا محدودا، لا يُرى في فراغ الكون، شخصية باهتة، لا قدرة لديها على عبور هذه الحياة بسلام. ليس غريبا، أن ندرك في النهاية، بأننا كنا نستمع إلى عذابات وآلام جثة هامدة قبل أن يتم رفعها إلى سيارة الإسعاف.
استطاعت الكاتبة، بأسلوب حكائي متميز، من خلال نصوص هذه المجموعة، أن تتناول شخصيات تجلب التعاطف والشفقة، والتضامن، لمعظمهم نزوع إنساني واضح، يتسلحون بالرضا، والهدوء، وعدم الاعتراض على مصائرهم. محزونون ربما، لكن لديهم أفكار تستحق التأمل، شخصيات تخلو من الشر، مازالت تحتفظ بصفائها، تتعايش بدون ضغينة، بدون تمرد على الواقع، غير ملوثة. تنزع إلى الطيبة والتسامح إلى حد كببر، تمثل نماذج شبه منقرضة في العالم، قاربت على الأفول.


القدس العربي اللندنية
صابر رشدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى