محمد الصالح الغريسي

إذا حصل يوما في أيّ مكان على ظهر البسيطة، أن فهمت إحداكنّ حقّا مهمّتها الصّعبة؛ إذا توقّفت هذه الرّوح شيئا ما عن التّفاني و هي تتقدّم على الدّرب الوعر بأناة؛ إذا كانت الطّيبة الّتي تنزّلت من السّماوات، تمدّ يد العون لمنكودي الحظّ، إذا كان الزوج و الطّفل قد اغترفا ما طاب لهما، من هذا القلب؛ إذا...
كان القلب و ما يزال مهدا لروائع الأعمال. ليس الفنّ في الأساس سوى الحبّ. و لإعطاء الحياة حيويّتها، فالمرء إمّا أن يحمل في يده الفرشاة أو الإزميل، و هو يحتاج روحا متوهّجة، و سحرا يمنحه السّعادة. فأطفالك في النّهاية ليسوا قطّ ممّن ينكر الجميل، فنّان ! سيعرفون جيّدا كيف يردّون لمسة الحنان. حين ظنّ...
أنا لم أعد أمنحكم على كلّ لحن من الألحان سوى صرخات غاضبة و قواف جسورة. نعم ! و لكنّي حين استمعت إليّ، تساءلت إن كنتم ستصابون بالشّحوب؟ إن كنتم و قد فاجأكم بريق قريحتي الحمقاء، ستلعنون هذا الصوت الجهوريّ الحادّ الّذي جعلكم تجفلون؟ فأنا حين أرتقي إلى مثل هذه الملاحظات، لا أدّعي جرح القلوب و...
اسمه فتحي و لقبه أبو السّرور.. اسم عل مسمّى، حقيقة..كلّ الّذين يعرفونه يشهدون له بخفّة الظلّ، و بتلك الابتسامة الّتي لا تفارق محيّاه. و لكنّه اليوم، على غير عادته، يبدو مهموما كئيبا، كما لو أنّ أمرا جللا حلّ به، و هو المعروف ببشاشته، و طيبته، و دماثة خلقه، و مقابلته للحياة بقلب متفائل لا...
حين رفّت أجنحة الفجر و اعتراها لهيب الشوق إلى الضياء و بدت في الأفق دوائر الضّوء تزحف بطيئا بطيئا على السهول و الهضاب و الجبال تسحب خيوط الظلام خيطا خيطا فإذا الشمس كحسناء بتول ترفع في وقار جبينها ، من السجود إلى ربّ الوجود. حينها دغدغت عينيه أشعّة الشّمس الأولى وقد تسرّبت من زجاج النّافذة.. و...
كان النّدى يتنزّل كثيفا، و قد بدأت النّجوم في الوميض؛ سمعت صوتا يقول:" اشرب أيّها المخلوق الجميل، اشرب". و أنا أراقب السّياج أمامي، رأيت حملا جبليّا، أبيض كالثّلج و إلى جانبه فتاة عذراء لم يكن في الجوار خرفان و لا أقارب، كان الحمل وحده تماما؛ مربوطا إلى صخرة بحبل هزيل و كانت الآنسة...
1 و أنا أنحدر مع أنهار هادئة لم أكن أبدا أشعر أنّني في حاجة إلى الحمّالين ليرشدوني : فقد كانوا منشغلين بصراخ العبيد من الهنود الحمر مدقوقة أياديهم بالمسامير إلى أعمدة أُعِدّتْ للملوّنين. 2 لم أكن أبالي بكل رجال المركب : حمّالي القمح الفلامنكيين ، أو القطن الأنجليز. و حين انتهى من كانوا يسحبوننا...
با طيف " كاركتاكوس"1 ، ليت الأرواح أحبّت القضيّة الّتي ناضلت من أجلها في دنياها، إنّ رؤيتك النّسر تضايقه الحمامة ، قد يهوّن عليك ذكرى قيود روما المؤلمة. هؤلاء الأطفال، يطالبونك بأبيهم، لطيب سمعتك لدى المعجبين بك في جبال الغال ثمّة شعلة في داخلهم تمقت الموت، و تمجّد شباب " فانس" 2 المتشرّد...
سيّدة غير مفرطة في الحماس، تؤجّج في نفس الوقت الوردة القاسية أو الممزّقة، و المتعبة حتّى من ثوبها الأبيض و الأرجواني ، تفكّ خيوطه، لتسمع الألماس تبكي في جسدها نعم، هي هادئة، من دون نوباتها النّديّة و دون نسيم، تمرّ غيرانة من السّماء مع أنّها عاصفة، و مهما كان فيها من عواصف، فهي من شدّة صدق...
ما من عاصفة إلاّ و ترفض أن لا يترنّح صلد الصّخر، أمام من كان صدره عامرا باليقين.. صدر، ما كان نفير ناره في الظلّ، إلاّ و تضاءلت حظوظ الرّيف.. يا شعبا ترصده العيون من أعالي أبراج المراقبة في المعتقلات، متحدّيا بعصيّ المكفوفين اسم ميلاد الظّلم العارم. لقد سجّلت اسمك يوما في قلب المشهد، على خلفيّة...
أحبّ أسَْمَالَكَ اللّيليّة المطلّةَ بثقوبها أحبّ صُهبةَ شعرِك و البشرةِ يا أيّها الشّبح القديم، لأجل ذلك، ألقي إليك بعشرين سنتا. جبينك الصّاغر و الوضيع لا يملك طيفا ضئيلا من كبرياء: في فهمك، أنّ الفقير شقيق الكلب فلا تمض مغلّفا بخلك بالقصيدة. مثل ابن آوى يخرج من جحره يا أيّها المسيحيّ أنت تزحف...
أيّها السّائل، خذ هذا الكيس ! و لا تتزلّف إليه خَرِفٌ أنت يرضع من ضرع لا يدرّ لبنا حتّى تستدرّ منه بناقوسك القطعة تلو القطعة استخلص من المعدن بعض الخطايا الغريبة، ملآنة هي القبضات ، مثلنا هي في رحابتها، نقبّلها فلتنفخ فيه حتّى يلتوي ! فإذا هي موسيقى نحاسيّة صاخبة كنيسة فيها على الجدران بخور...
أسودَ البشرةِ أنا كنت، حين ولدتُ أسودَ البشرةِ أنا كنت، لمّا كبرتُ أسودَ البشرةِ أنا أكونُ، عندما أتعرّض لأشعّة الشّمسِ أسودَ البشرةِ أظلّ أنا، حين يلمّ بي المرضُ و أسودَ البشرةِِ سأكونُ حين أموتُ . أمّا أنت أيّها الرّجل ُالأبيضُ فَــوَرْديًّا كنتَ ؛ حين وُلِدْتَ و أبيضَ صرتَ، لمّا كَبُرْتَ و...
ثمّة أسماء لما يربط بيننا: قوى ذات تأثير شديد ، و أخرى ذات تأثير ضعيف انظروا من حولكم، يمكنكم أن تروها: القشرة الّتي تتكوّن في نصف كوب فارغ، المسامير الصدئة في الأماكن الّتي ترتبط بها، همزة الوصل بين أوزانها. كيف تحافظ الأشياء على متانتها أينما وضعت— و يقول العلماء إنّ الجاذبيّة ضعيفة. و انظروا...
جلس الحاجب الوسيم خلف مكتب الوزير على الكرسيّ الهزّاز .. أسند ظهره إلى الخلف و مدّ رجليه إلى الأمام .٫ سرح بذهنه في عوالم أخرى .. كم هي غريبة هذه الدّنيا .. هو يحمل نفس الاسم و اللّقب اللذين يحملهما الوزير . كان ذلك مصدر حرج لهما معا لكنّ الوزير تمسك ببقائه حاجبا خاصّا له لما اتّصف به من أمانة و...

هذا الملف

نصوص
15
آخر تحديث
أعلى