سعدي عباس العبد - تأريخ الحزن العراقي.. الأغنية العراقية انموذجا

• لاشك انّ الحزن , قديم , ولِد مع وعي الانسان المبكر , وانعكس على سلوكه في نزاعه مع الطبيعة , وجسد ذلك الحزن في الاشكال البدائية للفن .. وفي حقب لاحقة من التطور , تمتع عبرها الانسان بقدرات عقلية ونفسية وذائقة فنية , تمكن من الارتقاء بتلك الاشكال الفنية . وانتقل بها من مرحلة الرسوم والنقوش على جذوع الاشجار وجدران الكهوف , إلى طور اكثر رقّيا ..لكن مظاهر الحزن ظلت تلازم الانسان في يومياته , وانعكاس ذلك على الفن الذي يتعاطاه او يزاوله ... لكن علامة الاستفهام التي تتبادر للذهن .. لماذا الحزن ..؟ لماذا لم يكن الفرح هو الملازم للانسان ..الحقيقة هذا هو السؤال العويص الشائك الذي شغل مساحة مهوّلة من تفكير الانسان الحزين ..بالطبع ثمة تباين في مستويات الحزن ومنابعه ,حسب بنية الحزين الداخلية ومدى تماسكها وتصديه للعوامل المنتجة للحزن .. غير انه في نهاية الامر يشترك بصفة الحزن مع اضرابه بقطع النظر عن مساحة وقوّة الحزن ..مااريد انّ اشير اليه هنا .. هو انعكاس ذلك الحزن القديم الجديد في الفن .. الفن بسائر تنويعاته واشكاله ..القديمة والجديدة .. وتحديدا الشكل الفني الغنائي لاسيما الغناء العراقي الذي يغلب عليه طابع الحزن على نحو جلي ..فملامح الحزن تتجسد في اغلب الاغاني العراقية . حتى تكاد تشكّل علامتها الفارقة ... وهويتها ولونها ورائحتها .. فالحزن كان يشكل للاغنية العراقية ولا يزال معينا ونبعا ثريا لاينضب على مر الزمان والاحزان .. فالاغنية التي تحمل في تضاعيفها طابع او سمة الحزن . كثيرا ما تكون هي الاغنية الرائجة والشائعة ولها صدى في الروح .. حتى الاغاني التي تلهج وتصدح بلون ينزع نحو الفرح لاتكاد تخلو من نبرة الشجن .. لماذا هذا الكم المخيف من الاغاني المبحرة على قوارب الحزن صوب مرافىء تتلامع عندها اضواء الهجر واالغدر والعشق والضّياع والغربة والحنين ..اضواء فاترة من اللوعات .. يقينا انّ حضور كلّ ذلك الكم من الحزن الكثيف في الاغنية , لم يكن متأتيا من فراغ .. بل هو نتاج موضوعي لواقع مأزوم ..افرازات بيئة تطوي وسط ظلوعها الهشّة ملامح تراجيديا مزمنة , واقع تطحنه رحى طبيعة تمتاز بالقسوة والعمى .. واقع شكّلت ملامحه سيول مرعبة من الفيضانات والاؤبئة التي كانت تتفشى عبر حقب متعاقبة , لتفتك بالانسان .. امراض فاتكة كانت تنتشر على نحو كان يجهز على البشر على الفور , اكثرها واشدها تأثيرا , كان مرض الطاعون .. فضلا عن الطبيعة القاسية التي كانت تتميّز بها جغرافية العراق . تلك البقعة المنسية من العالم ..اضف لذك الغزوات المتكرّرة التي كانت تشنّها الدول المجاوة والبعيدة على حد سواء , وما كان ينتج عنها , من قحط وخوف وامراض ..كلّ ذلك اسهم على نحو ما , في تشكيل ملامح الحزن . وغدا طابعا يتميز بة قاطن تلك البقعة الجغرافية المضطربة في تقلب مناخها , وما يتركه هذا المناخ عبر تغيّراته وانقلابته من جفاف او فيضانات ومن قحط وخراب في المحاصيل الزراعية وفي الارض ذاتها , وما ينتج عن كلّ ذلك من مجاعة وويلات .. كانت الطبيعة القاسية التي تفردت بها جغرافية تلك البقعة من العالم , سببا جوهريا يضاف لجملة اسباب تضافرت وتآزرت فيما بينها , لتنتج في نهاية الامر ..كل هذا الحزن الذي لما يزل يسري في شرايين وعروق انسان هذه البقعة .. الحزن الذي انعكس بشكل ما , على سلوك وبنية الانسان الداخلية . وهذه الاخيرة انعكست على فنون هذا الانسان الحزين .. وخاصة الاغنية .. فمن يرووم سبر اغوار هذا الانسان .. انسان البقعة المنكوبة . عليه انّ يلاحق تاريخ الاغنية .. اغنية الانسان المشار اليه ..الاغنية بسائر اشكالها والوانها , ابتداء بالمراثي المغناة على لسان وشفاه النادابات مرورا بولولات الأمّهات عند المهود , لهدّهدت اطفالهنّ .. ومرورا ايضا باغاني الصياد في نزاعة مع الرزق الشحيح والماء والاساطير التي تصنع من الاسماك حوريات وجنّيات .. جنّيات طالما ارعبت الانسان ..فيروح ينسج حولها شِباك من الاغاني يضاف لشِباك السمك ..اغاني الفلاح وهو يرثي حاله ويرثي الموتى غرقا او جوعا او مرضا او غزوا..الموتى من مريديه وانسابه وهويته وانتماءه ..اغاني الشطوط والانهار في الفيضانات .. اغاني الارض في سنين المحل والقحط والجراد والظمأ .. اغاني الجوع في تلك المواسم ... اغاني الحبيبات العاشاقات اللواتي حالت بينهنِّ وبين مرادّهنِّ حواجز مريعة من التقاليد والقيم العشائرية .. اغاني العاشق الجائع .. اغاني الاغتراب الناتج عن الانسلاخ المهوّل .. الاغتراب عن الارض التي لا تطعم .. اغاني النزوح والهجرات والرحيل والحنين للغائبين والمبعدين .. اغاني الحرمان والقمع والظلام .. اغاني الاستغلال الانسان لاخيه الانسان . اغاني الموتى التي تاخذ طابع المراثي . المراثي التي تبقى لزمن عصيب تُردّد .. يردّدهن النادبات في المآتم والمفجوعات حزنا ..مراثي تفيض كما هائلا من الحزن .. حزن غدا متورثا جيلا عن جيل .. حتى باتت حياة هذا الانسان .. انسان العراق .. او البقعة من الخراب .. البقعة المنسية , تؤم الحزن .. كأن بدونه لا تستقيم الحياة ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى