محمد شعير - محمد جبريل... «في داخلي حنين إلى دنيا لم تعد موجودة»

في شقة هادئة بحي مصر الجديدة، بعيدا عن الضجيج نسبيا، يعيش الكاتب الكبير محمد جبريل في سلام، يقرأ ويتأمل ويكتب فقط، كما يقول، وإذا ما زرته أو اتصلت به في غير هذه الأوقات فإنك سترى أو تسمع حتما صوت جهاز التليفزيون، المفتوح دوما على قنوات الأخبار. مهموم هو ومتألم بشدة لما يجري في المنطقة.
لكن هذا كله؛ ضجيج القاهرة وصخب المنطقة، لا يشغله في أي حين عن الحنين؛ ذلك الحنين الجارف الذي يعيده دوما إلى معشوقته، مسقط رأسه، الموطئ الأول لقدمه، حيث حلاوة ذكريات الشباب وبراءة سني الصبا، والوجهة الدائمة لكتابته.. الإسكندرية الساحرة.
«بحري من أول جديد» كتاب تحت الطبع للكاتب الكبير الذي اختار أن يمد «الأهرام» بمخطوطته، وننشر هنا بعضا مما حواه من حنين، في رحلة يقطعها جبريل برهافة، جيئة وذهابا بين الحاضر والماضي، ليقدم رؤية شاملة حول ما جرى في المدينة الملهمة، في حي بَحَري بالتحديد الذي ينتمي له، وسبق أن كتب عنه الكثير من الأعمال، أبرزها سلسلة رواياته المعنونة بـ «رباعية بحري»، لكن «المرء حين يتحدث عن نفسه لا يفرغ أبدًا»، كما ينقل هو في مفتتح كتابه الجديد عن الراوي في رواية ديهاميل «اعتراف منتصف الليل».
يقول محمد جبريل: «كثيرًا ما تدعوني الإسكندرية للقائها: مشهد في التليفزيون، مقالة تذكرني بسني الطفولة، مباراة بين الاتحاد السكندري وناد آخر فى دوري كرة القدم، عبارة تعيدني إلى موقف عشته أيام الصبا». وبالفعل؛ يقاوم ظروفه الصحية، وينطلق إلى لقاء حبيبته، يصل إليها بالقطار في الصباح، لكنه يلاحظ - والسيارة تمضي في طريق الكورنيش- أن مئذنة «أبو العباس» لم تعد تعلو وحدها في الفضاء الفسيح، حاصرتها أبراج وبنايات مرتفعة، وسرعان ما تتلاحق أمام عينه الصور؛ صور جديدة لا يعرفها.
يعبر هو بكلماته قائلا: «اقتحمني شعور أقرب إلى الصدمة عند رؤيتي جريمة إزالة ميدان المرسي أبى العباس، إلغاء معالمه التي كانت جزءًا من معالم الإسكندرية. لا أرفض التطوير والتحديث، لكنني أرفض التشويه.. تبدّل بَحَري الذي كان، لحقته الشيخوخة، أزيلت بيوته القديمة، القصيرة، التي نخرتها الرطوبة وملوحة البحر، شيدت في مواضعها عمائر حديثة. قرار الإزالة يلغي المكان، ولا يلغي الذاكرة».
ويكتشف للأسف، كما يقول، إن.. «في داخلي حنينا إلى دنيا لم تعد موجودة، دنيا الموالد والأذكار والجلوات، وسوق العيد، حفلات الزفاف والختان، الخيام والبيارق والأعلام، الدفوف والطبول، والأدعية والأهازيج والأناشيد. غابت تلك الدنيا في غابات الأسمنت التي تلاصقت، حتى في ميدان أبو العباس الذى لم يبق منه سوى الاسم».
ويستعيد من الماضي في الذاكرة مظاهر الحياة في حي بَحَري، و«إسكندريته»؛ الجوامع والميادين، شاطئ الأنفوشي وقصر رأس التين، حلقة السمك ومتحف الأحياء المائية وأرصفة الدائرة الجمركية، الزوايا والمقاهي والأضرحة، مباريات الكرة في الأراضي الخلاء، والمذاكرة في صحن أبو العباس، قلعة قايتباي، والبيت المهجور بشارع سيدي داود، الذي يهرول أمامه لتصور أن الأشباح تسكنه، الطائرات الورقية والجبب والقفاطين وملاءات اللف، صيد العصاري، ورائحة الزفارة والعطن، وأريج البخور والكتاتيب.
ويقول حاسمًا: «إسكندريتي ليست البنايات الضخمة على الكورنيش، ولا الميادين والشوارع الفسيحة. إنها البيوت الصغيرة، المتلاصقة، والشوارع الضيقة، المتقاطعة.. اتسعت الإسكندرية. جاوزت ما كانت عليه. الكيلو مترات الستة والعشرون، ما بين رأس التين والمنتزة، أضيفت إليها مساحات في كل الآفاق، مدن وقرى وأحياء جديدة. الزحام سمة لم تكن موجودة. ما كان يستغرق من الوقت دقائق قليلة يحتاج إلى وقت تختنق - ببطئه- الأنفاس».
يحب محمد جبريل الإسكندرية في الشتاء، يؤكد، ويفسر: «أحب شتاء الإسكندرية، أجدني في قلب صور موحية يصنعها الرعد والبرق والأمطار والنوات وثورة الأمواج، وتغلف كل شيء بضبابية تثير في الوجدان مشاعر الشوق والألفة والونس».
ويخطر له في بعض الأحيان أن يدخل البناية رقم 54 شارع إسماعيل صبري، في حي بحري، وأن يصعد إلى شقة الطابق الثالث المجاورة للسلم، حيث ولد ونشأ وتربى في إسكندرية كان يعرفها، كي يستعيد ملامح وذكريات ما مضى، فالمحيط الجغرافي - كما تقول إيزابيل أليندي- هو الذى يحدد شخصية الإنسان. والبحر بشكل عام هو في مقدمة ما أفاد جبريل من تأثيره، ليس البحر في إطلاقه، وإنما أفق البحر، حضه على التأمل بما لا يحضر في موضع آخر، كما يقول.
وليس البحر وحده الباعث على التأمل في الإسكندرية، إذ يقول الكاتب الكبير: «غادرنا فندق متروبول المطل على ميدان محطة الرمل. وقبل أن نتجه إلى مكتبة الإسكندرية أطال صديقي المبدع محمد المخزنجى تأمل بانورامية الميدان: الترام والبنايات على الجانبين، وامتداد الأفق إلى جامع القائد إبراهيم. قال المخزنجي في تأثر: أحسد مبدعي الإسكندرية على هذا الميدان، فهو مصدر إلهام لا ينضب!».. حقا ما أصدق هذه الكلمات، لجبريل والمخزنجي معا، لكننا هنا نتساءل أيضا في الختام: أما زال في الإسكندرية الجديدة، التي لم تعد «إسكندرية جبريل»، الكثير من مواضع الإلهام؟!.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى