سؤال لماذا مشروع الحداثة الإسلامي انهزامي؟
الحداثة الإسلامية هي حركة فكرية ودينية تسعى للتوفيق بين العقيدة الإسلامية وقيم العصر الحديث، لكنها انهزامية كما تشير إليها بعض الدراسات ، فقد صوّرها البعض على أنها مثل سلعة استيرادية تخضع لجمارك عبور المكان و الزمان، و اعتبرها آخرون ثمرة لصراع و تعاقب الأجيال، فكل واحد يفسرها حسب رؤيته الخاصة و لا نقول حسب هواه ، إلا أن البعض الآخر ذهب بالتساؤل إن كانت مشروعات الحداثة و الأصالة و التجديد و التقليد مهام مجتمعية و ثورية أم دولاتية في العالم الإسلامي، ما جعل بعض الفكرين يتساءلون عن سبب تأخر العالم الإسلامي و تقدم العالم الغربي الذي استطاع أن يحرك الطبيعة و العقل معا، ليوحد خطابات الثورات المعاصرة في تعاملها مع الحداثة و الأصالة و خلق "جينومها" الحداثي و التجديدي ، و تبني رؤية ترتكز على الدولة القومية كوحدة أساسية ومركزية في الولاء، والتشريع، وتسيير شؤون الأمة، بدلاً من الارتباط بأيديولوجيا أممية أو دينية تتجاوز الحدود الجغرافية.
بهذا التعبير يطرح الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي من جامعة بن غازي ليبيا تساؤلاته حول خطاب الحداثة و أزمة البوصلة و المنوال الثقافي في أحداث الربيع العربي الإسلامي المعاصر، إذ يقول في دراسة له أن مشروع الحداثة لم يعبر عن إرادة سياسية بقدر ما يعبّر عن حراك مجتمعي طويل أنتج بدوره مؤسسة الدولة و استمر المجتمع في خلق الحداثة، إلا أنه يؤمن بأن الدولة هي التي تصنع المجتمع السياسي و تصنع المثقف و بالتالي هي لمسؤول عن استيراد الحداثة بمعايير دولاتية ، أما في الحالة الإسلامية فإشكالية الحداثة ليست لها علاقة بالقبول أو الرفض أو بالتلاقح الثقافي و فشلها في بابتكار وسائل المثاقفة مع الحداثة في العالم الإسلامي، حيث حصرها البعض أي الحداثة في النص الديني فقط، و لم يوسع أصحاب هذه النظرية مما أحدثته الحداثة من أفكار لضمان وجودها، فمارسوا بشكل إكراهي و قسري لكل ما هو حداثي، محاولين إغلاق العقل و توقيفه عن التفكير.
و لهذه الأسباب حدث صراع حول "التَمَشْكُل" أي تحويل قضية أو فكرة ما، أو ظاهرة معينة إلى مسألة قابلة للدراسة والتحليل، هي طبعا لا تعدو أن تكون عبارة عن طرح تساؤلات حول موضوع مبهم و معقد لتشخيص قضية ما وتحديد أبعادها، و قد سماها البعض بالقراءات المعاصرة، يقول الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي : إن الحداثة ليست عقيدة و لا إيديولوجية و البحث فيها لا يتعدى مستوى الأسئلة و القضايا و رفع النقاب عن كل اشكال الثوابت و المنطلقات بنظرة عقلية و معرفية، و يضيف بالقول: نحن هنا في العالم الإسلامي، علينا فهم طبيعة ذلك الصراع مع ذاتنا بأنه صراع بين ثلاثية التجديد بمعنى الحداثة و الأصالة و التقليد و هو ليس صراعا اختياريا بقدر ما هو صراع يجسد لنا كيفية جوهر الحياة و كيف تكون عليه حياتنا مادية كانت أو روحية، أو امتزاج الإثنين معا.
الرأي و الرأي الآخر: مالك بن نبي دعا إلى أسلمة الحداثة و تكييفها مع روح المجتمع
فالحداثة لها ابعاد لا نستطيع ملامستها، لأنها تعبر عن عبقرية الإنسان المعاصر و منجزاته و توظيفها بما يحقق نموّه و تطوّره، فهي حركة اتصالية و تواصلية و بالعقل تُكْتَشَفُ، أي أنه لا ينبغي إلغاء العقل في البحث عن الحقيقة أو معالجة مشاكل العصر، و هذا يقتضي وضع حد للقابلية للاستعمار ( الفكري) على حد قول المفكر مالك بن نبي ، طالما العالم قائم على الأفكار، في الوقت نفسه هي حركة انفصالية إن لم نتمكن من فهمها ،لأن كل قادم جديد ورد من رحم الماضي للأمّة ، لقد تحدث مالك بن نبي أيضا عن الحداثة حيث تناولها في مشروعه الفكري و الحضاري ليس كاستنساخ حرفي للنموذج الغربي، بل كعملية نقدية وبنائية تهدف إلى ـسلكو تاحداثة و تكييفها مع روح المجتمع و خصوصيته، و الإسلام عند مالك بن نبي مشروع حضاري متكامل يحرر الإنسان من كل أشكال الاستعباد و التبعية ، كما أن مالك بن نبي لم يعتبر الإسلام خصم للحداثة ، بل سعى إلى التوفيق بينهما عن طريق تبني الخطاب التوفيقي و ليس الخطاب التكفيري ، فقد جاء في كتابه الظاهرة القرآنية بأن الإسلام ليس عقيدة روحية جامدة، بل مشروعا حضاريا ، كما أن قوام التجديد الذي أسّس له مالك بن نبي، شمل ثلاث نواحي: فكرية ، روحية و مادية لأنه لا يمكن بناء حضارة بدون عالم الأشياء.
في كتابه شروط النهضة و مشكلة الثقافة و ميلاد مجتمع و في كل مؤلفاته ركز مالك بن نبي اهتمامه على مشكلة الأفكار و مشكلة الثقافة في العالم الإسلامي، أراد بذلك التأسيس لفكر إسلامي حديث، في إطار رؤية منهجية واضحة ، حين أدرك أن أزمة الأمة الإسلامية تكمن في بنيتها المعرفية و المنهجية ، فمالك بن نبي و من خلال العوالم الثلاثة التي وضعها كمعادلة لبناء حضارة، وهي: (عالم الأشخاص و عالم الأفكار و عالم الأشياء) و أضاف لها شبكة العلاقات الاجتماعية، إذ يرى الحداثة الحقيقية على أنها ليست مجرد استهلاك التكنولوجيا أو استيراد منتجات الغرب الجاهزة (عالم الأشياء)، بل هي امتصاص "عالم الأفكار" والروح الإبداعية التي أنتجت هذه المظاهر.
كانت لمالك بن نبي نظرة تجديدية للعالم الإسلامي بحكم أن له فكر تجديدي لهذا العصر حيث جمع بين الأصالة الإسلامية والمدنية الغربية، و في هذا يمكن القول أن المدرسة البنّابية من أكثر المدارس الفكرية التي كان لها أثر كبير في تحديد ملامح الفكر الإسلامي الحديث و هنا بات السؤال عن علاقة العقل بالحداثة حتمية، فالتحولات التي تمس الإنسان في الزمان و المكان في اتجاه التحديث و التغيير ترافقها سماتها و خصائصها المعرفية، و لذا فالذين يثورون على الحداثة فهم يثورون على العقل و اعتبروه مجرد آلة اصطناعية، و لطا و كما يرى مفكرون عايشوا الثروات العربية أن ربيع الثورات و الانتفاضات ملزم بتحديد خطاباته نحو أزمة النهضة و الحداثة و العصرنة الثقافية و الفكرية و السياسية في عموم العالم الإسلامي، و كيفية الانتقال إلى خطابات عقلانية و ترفع التحديات لمواجه الخطابات القادمة طالما الحداثة تعتبر الإنسان جوهر الوجود.
علجية عيش