شاييم بيرلمان - زمانية المواضع الثقافية المشتركة في الحِجاج الكلاسيكي الرومنطيقي.. ترجمة: أنوار طاهر

كنت قد ترجمت عدداً من النصوص المستلّة من كتاب «حقل الحِجاج» الصادر عن منشورات بروكسل الجامعية عام 1970. وهو أحد مؤلفات فيلسوف البلاغة الجديدة شاييم بيرلمان الذي سعى فيه، كما أوضح في مقدمته لهذا الكتاب: «إلى بَيَان ما للحِجاج من ضرورة في جميع الحقول والمجالات الأكثر تنوعاً حيث نلجأ فيها الى التأسيس لأحكام قيمية، والى ملكاتنا النقدية. فلم يعد بمقدور عالم المنطق ولا الفيلسوف تجاهل نظرية الحِجاج وعدم الاكتراث لها بوصفها ليست ذات فائدة تذكر».

تلك النصوص التي ترجمت، من ذلك الكتاب، الى اللغة العربية للمرة الأولى، وقد نشرت في مجلات ثقافية وفكرية وادبية عديدة، كانت قد اشتملت على المقالات التالية: «نحو نظرية فلسفية في الحِجاج»؛ «الخطاب الحجاجي من العزل المنهجي إلى الابستمولوجيا التعددية»؛ «فلسفة الحجاج القانوني بين شمولية السلطة وعنف الأيديولوجيا»؛ «في جدلية الفلسفي والبلاغي والكوني...مقدمات أولية في الفلسفة والبلاغة». اما هذه المرة، فسأعود الى كتاب «حقل الحِجاج»، مع فصل مهم من فصوله المكرسة لعلاقة الأدب بالحِجاج على وجه الخصوص، من خلال ترجمتي لدراسته المعنونة: «الكلاسيكية والرومنطيقية في الحِجاج»*. وقد جاء فيها على مفهومين رئيسيين في نظرية الحِجاج، الأول هو ما اصطلحت عليه بـ «مواضع المعرفة/والاعتقاد العامة والمعمَّمة والمشتركة»، لغرض بَيَان طبيعة هذه المواضع الابستمولوجية المتعلقة بنشأة وتكوين وصياغة معارفنا واعتقاداتنا واحكامنا القيمية وثقافاتنا، حتى أصبحت تمثل زمانية لـ «مَسْكن الوجود» -حسب تعبير الفيلسوف هيدغر-. مما جعل من مواضع المعرفة/والاعتقاد تمثل ظاهرة خطابية انتروبولوجية ثقافية تستدعي اهتمام جميع الباحثين والمختصين في مختلف الحقول المعرفية، بدء من الفلسفة؛ واللغة؛ والبلاغة؛ والحِجاج؛ وحتى العلوم الاجتماعية وعلوم الطب والاعصاب وعلوم القانون والتشريع وبقية العلوم الإنسانية الأخرى. اما المفهوم الثاني فهو ما اصطلحت عليه «ثنائيات المراتب الهرمية الفلسفية» التي تلعب دوراً رئيسياً في بناء وتكوين نسق من الثقافات المعيارية؛ الهرمية؛ الرافضة للمختلف والمغاير؛ والمنغلقة داخل حدود مراتبها وحمولاتها الأيديولوجية.



***


* زمانية المواضع الثقافية المشتركة في الحِجاج الكلاسيكي الرومنطيقي

في سياق دراسة عامة مكرسة لنظرية الحِجاج، نُشرت في مجلة الفلسفة الدولية عام 1958، لاحظنا خلالها، انا وزميلتي لوسي-اولبرخت تيتكا، أن هناك بعض الأبنية الحِجاجية التي تعرض لملامح وصفناها، تلقائياً، بكلاسيكية، وأخرى استدعت نقيضها وهي الرومنطيقية. وقد ظهر لنا أن مراجعة مثل هذه الأبنية وفحص هياكلها يمكن أن يقدم اسهاماً في توضيح ما يبدو انه متوافقاً مع نزعتين أساسيتين في التفكير/والكلام/والسلوك عند الانسان والغالبتين عليه، ونقصد بهما: مبادئ التفكير الكلاسيكية ومبادئ التفكير الرومنطيقية، او بالأحرى الروح الكلاسيكية* والروح الرومنطيقية*.

كل أنواع الحِجاج [بدء من حِجاج الفرد مع نفسه؛ ومع الآخرين، وصولاً للحِجاج القائمة عليه خطابات الفلسفة والعلوم الإنسانية والفنون والأدب] تهدف جميعاً إلى حثّ اذهان المخاطَبين على التأييد* أو إلى تعزيزه نحو فرضيات/ أطروحات/ اعتقادات/ آراء نقترحها له من اجل الموافقة عليها. ولا يقوم الحِجاج على التأييد لوقائع وحقائق أو لافتراضات مسبقة فحسب، بل ويجب أن يكون قادراً على الاستناد إلى توافقات تتعلق بقيّم ومراتب هرمية واقوال مرجعية عامة للغاية، والتي يمثل استحضارها عنصرا كافياً لتوجيه خياراتنا، وهي ما سندعوها بـ «مواضع المعرفة/والاعتقاد المُفضَّلة». إن مصطلح الموضع* هذا، الذي بَطُل استعماله اليوم، ويصمد بالكاد داخل ذلك التعبير المُهين لموضع المعرفة/والاعتقاد العام والمعمَّم والمشترك بوصفه رمز لما هو مألوف وعاديّ، هو مصطلح مأخوذ في الأصل من قاموس اصطلاحات عريق وجدير بالاحترام، لذلك المتضمن في الرسائل القديمة للطوبيقا والبلاغة لأرسطو. حيث نجد فيها الكثير من مواضع المعرفة/والاعتقاد التي نلجأ لاستعمالها بشكل معتاد اثناء نقاشاتنا حول قيّم معينة. فما يدوم كثيراً هو المُفضَّل أكثر مما هو اقل من ذلك؛ والمرغوب كثيرا هو المفيد والنافع في جميع الظروف ومعظم الأوقات، كما يخبرنا ارسطو في الطوبيقا. ولأن أمثال افتراضات الأحكام هذه، التي ندعوها بمواضع المعرفة/والاعتقاد المُفضَّلة، هي تُستعمل في تبرير خياراتنا بين معطياتنا حول المفاهيم التي لدينا، دون أن تحتاج بالضرورة إلى تبرير نفسها بالمقابل، فهي، إذن، تعبير عن توافقات غالباً ما تكون مثيرة للشك والجدل، لكنها في الحِجاج، تبدو مكتفية بذاتها ما دامت غير مطروحة فعليّاً على بِساط البحث والمساءلة. ففي هذه الحالة الأخيرة، وعلى العكس، هي ستكون في مواجهة أكثر من موضع معرفة/واعتقاد قد يبررها، أو يعززها. وستدخل، كذلك، ضمن شبكة متنوعة من الحُجَج يمكن أن تتضمن هي الأخرى على مواضع مُفضَّلة للمعرفة/والاعتقاد، وعليه، سيكون الموضع المستعمل مدعَّماً بتوافقات أخرى يبدو انه كان يستند اليها من الأساس، لكن لم يكن باستطاعتنا معرفة أَيّ واحد منها سوف يتم استدعاءه والتذرع به. اما بالنسبة لرفض موضع المعرفة/والاعتقاد المستعمل أو لأنكاره، فهو يتمثل أيضا باللجوء لوسائل حِجاجية متعددة. لكن أسهلها سيكون هو معارضة الموضع المعنيّ، بموضع الخصم، المتضادّ المتخالف. فالمتكلم الذي يشيد بأفضلية الما هو ثابت؛ ودائم، سنعارضه بقيمة المتغير؛ والزائل الذي لا يدوم إلا لوهلة من الزمن؛ والمتكلم الذي يشيد بما هو صالح لكل شيء وفي كل الظروف والاحوال، سنخالفه بأولوية معرفة انتهاز الفرصة الممكنة لتلائمها على وجه الخصوص مع الوضع الحالي، أي اننا نعارض مواضع معرفة/واعتقاد كمية قابلة للقياس عليها بالمقدار، بمواضع معرفة/واعتقاد نوعية كيفية. المواضع الأولى [هي حُجَج مشتركة تؤكد على أن شيئاً ما يساوي أكثر من واحد غيره وذلك لأسباب كمية، وأشار ارسطو لها في الطوبيقا بالقول: تُفضَّل الأعمال الخيّرة الكبيرة العدد أكثر بكثير من ذلك العدد الكبير لكن بدرجة قليلة]، أما المواضع الثانية فهي [حُجَج تستند إلى الطريقة التي ننظر بها إلى علاقتنا مع الشيء؛ أو الفكرة والرأي؛ أو الشخص؛ أو الكائن المعني، والكيفية التي تجعلنا ننسب اليها صفات التفرد والاصالة].

من هنا، سوف يكون من المثير للاهتمام والمفيد كذلك، الوقوف على هذه المواضع للمعرفة/والاعتقاد الأكثر قبولا بشكل عام، أو تلك التي تبدو للمتكلم، حسب رأيه، انها مقبولة من الجمهور المخاطَب على الأقل. لكن، من جهة أخرى، سوف تكون مهمة صعبة للغاية، لأن هذه المواضع غير القابلة للشك والجدال، يتم اللجوء لاستعمالها وتداولها يومياً دون التعبير عنها بصورة دقيقة وواضحة. مع اننا، في المقابل، نشدد على أولئك الذين يرغبون بدحضها أو يبدون تبايناً واختلافاً في طريقة وأسلوب تطبيقهم لها.

تؤكد مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية على أن شيئاً ما هو أحسن قيمة من شيء آخر لأسباب كمية قابلة للقياس، مثل أولئك الذين يزعمون سُمُوّ مكانة ما هو دائم لأطول فترة؛ وما هو أكثر ثباتاً واتساقاً؛ وما يقدم خدمة لأكبر عدد من الناس؛ وما يكون نافعاً في أكبر عدد من الظروف؛ وله فرصة أكبر للحدوث؛ أو للنجاح والتوفيق، وما هو سهل إحرازه أكثر وأيسر منالاً. يُلاحظ على الفور، ان هذه المواضع تتطابق مع قيّم من أمثال: الدوام؛ الثبات؛ التجرد والتنزه والموضوعية؛ الكلية؛ الفاعلية المؤِثرة، والأمان والطمأنينة والسَكينَة. فالعبارة القائلة أن: «الكل هو أفضل قيمة من الجزء»، هي قول ينطبق على صلات مكانية؛ أو زمانية أو مفاهيمية. وسيتم ربط مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية بمفهوم العقل، – أو الخيّر المشترك بين الجميع حسب الفيلسوف توما الأكويني–، أي بما ينبغي التسليم به من تصور للحقيقة من قبل الجميع، والتصور لما هو سويّ كما يظهر ويمثُل لدينا عادة. ومن خلال هذا المبدأ الأخير، سيتم الاستعانة بمواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية في إبراز قيّم: جوهر؛ ونوع، و «طبيعة» الأشياء. وسيتم الربط بين مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية وبين مبادئ الإتزان؛ التناسق؛ الرصانة؛ الإحكام والدقة والإتساق؛ التجانس؛ الإعادة والتكرار، والتطابق والهمود والسكون بمعزل عن أي تأثير خارجي. وهي ما سوف تتيح لنا تحليل مبدأ العدالة وتعزيز قيمتها، وعلى تقدير دور القانون والأعراف وأهميتهما. لننتهي إلى تمجيد «العقل الصائب السليم» من خلال إسناده لكل ما هو ثابت وراسخ ومستقر، وبما هو سويّ، حتى أصبح عقلاً معيارياً، وإلى التباهي بـ «صلابة المبادئ ومتانتها» استنادًا لدوامها ويقينها.

وفي المقابل، تؤكد مواضع المعرفة/والاعتقاد الكيفية النوعية على سُمُو قيمة المتفرد؛ النادر؛ الاستثنائي المؤقت العارض؛ الصَعْب الشاقّ، والأصيل، وتشدد معه على سُمُوّ المبادئ المتلازمة مع الفرد؛ الواقعة، فهذه الأخيرة لا تحدث سوى مرة واحدة فقط، ولا يمكن أن تكون تفسر بالقانون وحده؛ وكذلك على سُمُوّ مبادئ الاختلاف والتباين؛ المحسوس المادي؛ التاريخي، وعلى عنصر المصادفة والتلاقي. بفضل مواضع المعرفة/والاعتقاد النوعية يمكننا أن نرفض الحقيقة المشيّدة على أساس اتفاق عام تحت مسمى حقيقة شخصية؛ أو حدسية ناتجة عن اشراقة عبقرية أو وحي الوهيّ. فما يستحق محبتنا ليس هو ما يدوم بل ما سوف يزول؛ ليس هو ما ينفع للجميع ودائماً، بل هو ما ينبغي فهمه واستيعابه والتمسك به وانتهازه لأن الفرصة تعنينا وتساعدنا على ذلك، وسوف لن تأتي مرة أخرى إلى الابد. وعندما نلجأ الى استعمال موضع المتعذر إصلاحه [الذي يطرح نفسه بوصفه حد يأتي لتوكيد موضع وقتي وهشّ لان القوة الحِجاجية الملازمة لاستدعائه في الزمن المعني، يمكن ان يكون لها مفعولاً عجيباً ومدهشاً] لغرض الشروع في انجاز عمل ما، فهو الذي سيمنح الحُجَج سمة عاطفية مؤثرة في مشاعر الجمهور المخاطَب على وجه خاص. «انهم جميعا سوف يموتون غداً» هذا ما قاله القديس فنسنت دي بول في خاتمة خطبته الشهيرة، مخاطباً فيها السيدات المتدينات الورعات، مشيراً إلى الأطفال اليتامى الذين يأويهم، متمِّماً بالقول: «إذا تخلّيتن عنهم». يمكننا البحث عن أسس موضع المتعذر إصلاحه داخل أحد مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية، في مدى التأثيرات التي ستكون لقرارنا، ومدى اليقين منها، على سبيل المثال. لكن، سمة تفرد الفعل المنجز هي، على الأحرى، ما ستعطيه أهميته التراجيدية العميقة، فالحالة الملحة يكون لها الأولوية على كل الاعتبارات الأخرى، لأن القرار بشأنها، جيداً كان ام سيئاً، لن يتكرر ابداً. الشيء المتعذر تعويضه، والحدث الفريد من نوعه، كلها يتم التضخيم من قيمتها مقارنة بما هو ليس سوى عينة متاحة وقابلة للتعويض، وبالتالي، فهي اقل ثمناً وقيمة. الفريد من نوعه هو لا مثيل له ولا شبيه، لكن، في اغلب الأحيان، يتم وصف الذي لا مثيل له ولا شبيه بصفة الفرادة، ليكتسب قيمة المتعذر تعويضه واستبداله.

وننوه هنا، إلى ان مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية والنوعية التي تتسم بها كل من الروح الكلاسيكية والروح الرومنطيقية –والقارئ قد لاحظ ذلك على ما نعتقد– هي مواضع تُسند اليها مجموعة قيّم متباينة إلى حد كبير. ففي الوقت الذي نجد فيه ان الكلاسيكيين يجلُّون قيّم الصدق؛ الجمال؛ الخير، والعدل التي هي قيّم كونية، لكنها تجريدية. نجد ان الرومنطيقيون يتعلقون أكثر بالقيّم المحسوسة المادية على وجه الخصوص؛ بالأفراد المتعذر تعويضهم وبعلاقات الحب الفريدة من نوعها التي تربطنا بهم. بهذه الطريقة، فإن الشعب؛ والوطن؛ وحتى العرق، أو الطبقة، تم شخصنتهم جميعا وتصورهم مثل كائن لا مثيل له سوف يثير ويستدعي مشاعر الحب العاطفية نفسها؛ والتضحيات نفسها؛ والالتزام نفسه، ونفس الولاء الذي لدى تلك السيدة في روايات الفروسية. ان الولاء لذاته، ولما يمثله الانسان في الواقع من تفرد ملموس، ستكون هي علامة يتميز بها البطل البايروني –نسبة إلى بطل الشاعر الرومنطيقي جورج غوردون بايرون –؛ والسوبرمان النيتشوي، وشخصية بطل ادبيات المذهب الوجودي.

يتطلب الحِجاج حول القيّم التمييز –الذي نعتبره تمييزا اساسياً، لكنه تعرض للإهمال الشديد– بين قيّم تجريدية مثل العدل والصواب؛ وبين قيّم عَيْنِية مادية مثل فرنسا والكنيسة. فالقيمة العَيْنِية تتعلق بكائن حيّ؛ بجماعة معينة؛ بشيء مخصوص بعينه، وذلك عندما نتطلع اليه في وحدته وتفرده. ان التقنية الحِجاجية لفصاحة البَيَان في ابراز ما هو عَيْني مادي والقيمة المسندة اليه يرتبطان بعلاقة وثيقة، لأن اظهار السمة المتفردة لشيء ما وانكشافها، هو في حد ذاته يعني ابرازها وتسليط الضوء عليها. وقد اثار الكتّاب الرومنطيقيين من خلال كشفهم عن السمة الفريدة المتفردة لبعض الكائنات؛ الجماعات، واللحظات التاريخية، اثاروا رد فعل ضد النزعة العقلانية التجريدية حتى في الفكر الفلسفي، ويبدو لنا رد الفعل هذا واضحاً، من خلال المكانة البارزة التي أسندوها إلى شخص الانسان نفسه بوصفه قيمة عَيْنِية بامتياز.

ومع أن الفلسفة منحت دائماً مكانة بارزة ومرموقة للقيّم الكلاسيكية المنعوتة عادة بالقيّم المطلقة، إلا انه لم يمكننا الاعتراف، إلا في الآونة الأخيرة، بالأهمية التي لا جدال فيها للقيّم العَيْنِية المادية المحسوسة والتي، رغم انها موجودة في كل زمان ومكان، فهي لم تكن في الطليعة سوى مع الرومنطيقية. ونحن لم نكن على جهل بها قطّ، لكننا لم نرَ فيها سوى تجسيداً لقيّم تجريدية. فقولنا عن الربّ أنه الكائن الأسمى والأعلى لأنه يمثل الحقيقة والعدل، هو نتاج تصور كلاسيكي. وقولنا انه يمثل القيمة العَيْنِية الأسمى، والكائن الوحيد الذي نتوجه اليه بمحبتنا، هي رؤية رومنطيقية وصوفية. ويمكن تبرير عُلُوّ مكانة جماعة معينة على الفرد؛ والإنسانية جمعاء على كل الناس، بطريقة كلاسيكية من خلال ترديد العبارة القائلة بسُمُوّ قيمة الكل على بقية اجزائه. لكن، يمكن تبريره أيضا بطريقة رومنطيقية من خلال رؤيتنا المختلفة بشكل نوعي للقيّم العَيْنِية المادية لتجعلنا قادرين على الانتقال من نظام واقع معين إلى آخر أفضل لا مثيل له. وقد كان الشاعر الإنجليزي شيلي –حسب الفيلولوجي بول دي ريول – هو اولّ من تغنى بالإنسانية باعتبارها كائن عظيم في جَمْعه وتفرده. وهناك مواضع مُفضَّلة للمعرفة/والاعتقاد، مثل مواضع مراتب النظام الهرمية [المؤكِدة على عُلُوّ مكانة السابق والقبلي على اللاحق والبعدي؛ وسُمُوّ قيمة السبب؛ المبادئ؛ الغاية أو الهدف، ومن ثمة، رفعتها وسُمُوّها جميعا على قيمة ما هو عَيْني مادي محسوس]؛ وكذلك مواضع الما هو موجود وقائم [المؤكدة على سُمُوّ قيمة ما هو موجود؛ راهن؛ واقعي؛ ممكن؛ حاليّ، وهي مواضع تفترض وجود اتفاق عام حول شكل الواقع الذي تنطبق عليه تلك المواضع]، يمكن ان نجد لكل منهما أسساً كلاسيكية أو رومنطيقية داخل مواضع للمعرفة والاعتقاد الكمية والنوعية. فعُلُوّ قيمة ما هو سابق وقبلي؛ أو ما هو سبب أو مبدأ، يمكن أن يبرر بطريقة كلاسيكية من خلال طول فترته الزمنية الكبيرة؛ أو من خلال ثباته واستقراره، بينما بطريقة رومنطيقية، يمكننا ان نرى فيه ما هو أصلي اوليّ؛ أكثر اصالة وحرية وابتكارًا. اما عُلُوّ قيمة ما هو موجود بالفعل وقائم، وما هو حقيقي فعلي وراهني على ما هو ممكن بسيط ومحتمل وقوعه، فيمكن أن نربطه بالثبات والاستقرار؛ والدوام، وبما هو سويّ، لكن يمكن تفسيره أيضا من خلال طابعه الفريد وعدم استقراره اللذان يسمحان باستدعاء عنصر الفرصة المؤاتية والحالة الملحة.

ان مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية ومعها القيّم التجريدية اللذان يشكلان معاً الأسس التي يقوم عليها الفكر الكلاسيكي، هي المصدر الذي يبرر لحالة تفاؤله، ولميله نحو الوضوح وللنظام والانضباط في هرمية المراتب. أما مواضع المعرفة/والاعتقاد النوعية والقيّم العَيْنِية المادية، فهما الترسانة المثيرة للفكر الرومنطيقي وعدته اللغوية الحِجاجية المبنية على جمالية كل ما هو عابر وقتي، وعلى روعته التي تثير معها قلق الزوال وهاجس الموت؛ والتطلع نحو اتحاد بمبدأ متعذر بلوغه؛ ونوستالوجيا الحنين للماضي؛ وليالي الشك السوداء؛ والاشمئزاز من الرداءة، لكن سيكون معها أيضا تألق الفلكلور وتموّج الألوان؛ وثراء التاريخ غير المضاهى؛ وسحر الغامض والمُلغّز، والإعلاء من مجاوزة الحدود والتحمُّس له.

هل هذا يعني أننا لا نعثر عند الكلاسيكيين والرومنطيقيين سوى على حُجَج مبنية على مجموعة من مواضع المعرفة/والاعتقاد، وقائمة على استبعاد الحُجَج الأخرى المقابلة لها واقصائها؟ إن هذا الافتراض يتعارض مع فكرة الحِجاج نفسها. نظراً لأن اختيارنا بين الحُجَج، في واقع الامر، إنما هو يتحدد بواسطة عنصرين رئيسيين، وهما: المقدمات أو المسلمات الأولى المتاحة لدينا، لأنه لا يمكن لنا أن نُحاجج بطريقة ذات فاعلية مؤثِرة دون البناء على ما يعترف به الجمهور المخاطَب وبما يقرّه؛ اما العنصر الثاني فهو الموقف الحِجاجي، حيث يجب علينا التنبه إلى ان استعمالات بعض مواضع المعرفة/والاعتقاد واشكال الحِجاج لا تمثل بالضرورة سمة لوسط أو لبيئة ثقافية معينة، لكنها يمكن ان تنتج عن الموقف الحِجاجي الخاص الذي نحن فيه، وهذا هو الحال في كثير من الأحيان. لأنه لا يمكننا بشكل عام تبديل حالة الأشياء وتحويلها، فقط باللجوء لحُجَج معارضة لتلك الخاصة بالخصم. إن الموقف الحِجاجي، الذي هو عامل أساسي في تعيين مواضع المعرفة/والاعتقاد التي نلجأ اليها، هو نفسه معقد في تركيبه، فهو يتألف من كل من: الهدف الذي نرمي اليه، ومن الحُجَج التي من المحتمل ان نصطدم بها من قبل الخصم فيما بعد.

لذلك، نجد عند رواد الرومنطيقية، على الخصوص، غزارة في استعمال مواضع المعرفة/والاعتقاد الكلاسيكية، فالتربية التي دعا اليها الفيلسوف جان جاك روسو، على سبيل المثال، يجب عليها أن تكوّن انساناً تجريدياً؛ قادراً على القيام بأكبر عدد ممكن من الأشياء، كما يخبرنا في كتابه (إميل أو التربية). وفي مؤلفه (عبقرية المسيحية)، يُحاجج الكاتب الفرنسي دي شاتوبريان لصالح الزواج الذي لا فِكَّاك منه، بتذكيرنا اننا لا نستطيع التعلق إلا بما لا قدرة لنا على خسارته، واقام سُمُوّ مكانة المسيحية بناء على مراجعات إضافية للأعمال المنجزة حولها وللنتائج الإيجابية لصالح هذا الدين. والاديب فيكتور هيغو في كتابه (مقدمة كرومويل)، احتج لصالح سُمُوّ مكانة فن الدراما الرومنطيقي على الاجناس الفنية السابقة، مستنداً إلى الحُجَّة الكلاسيكية القائلة ان الكل؛ التامّ، والكامل أفضل قيمة من الجزء. على العموم، سنعثر على الحُجَج الأكثر تميّزاً لاتجاه ما، لدى اتباعه ومقلديه حينما تلقى أفكارهم وآرائهم والقيّم المنادين بها صدى كبيراً بالفعل لدى جمهور عريض.

من ناحية أخرى، إن الموقف الحِجاجي يحْمِلُنا، وبغض النظر عن الأفكار التي نجاهر بها، على استعمال مواضع المعرفة/والاعتقاد التي أهملها الخصم نفسه، فالطريقة المعتادة والطبيعية بالنسبة لأولئك الذين يريدون قلب هرمية نظام الأشياء القائم على مبادئ الحقيقة؛ الموضوعية؛ العقل، واليقين، ستكون بتسليط الضوء على جوانب هذه المبادئ الخاصة بالصالح العام والمشترك؛ وبالممكن استبداله، وتقاسمه بين الجميع، والتأكيد، أيضا، على أنها في هذه الحالة ليست سوى حقائق ويقينيات وهمية مضلِلة ينبغي لها أن تفسح المجال امام حقيقة لنظام كبير لا حدود له، تكون أكثر سُمُوّاً وتنبني على الحدس، مثلاً، أو على صلة مباشرة بالواحد سواء كان على المستوى البشري أو الألوهي. لذلك، لم يعد من الغريب ان ينبني عادة الحِجاج في خطابات المجدّدين والمعارضين للأرثوذكسية المسيحية على مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية والذي منحهم طابعاً رومنطيقياً. وقد نوقشت كثيراً تلك الصلات القائمة بين البروتستانتية مع الرومنطيقية، حتى أصبحنا ندعو الرومنطيقيين بـ «بروتستانتي الادب»، حسب تعبير المؤرخ البلجيكي غوستاف شارلييه في مؤلفه (الحركة الرومنطيقية في بلجيكا (1815-1850)). فهل هذا يعني ان البروتستانتيين كانوا هم أنفسهم رومنطيقيو القرن السادس عشر؟ على أي حال، ينبغي التمييز، في مثل هذه المسائل، بين الجانب الديني لمذهب ما وبين جانبه النضاليّ والمعارض الرافض لثبات حقائق دوغمائية لجماعة معينة. وفي ضوء هذه الصلة الأخيرة، تكون البروتستانتية هي بلا شك قائمة على تمجيد لنخبة أو لصفوة بعينها، وتستند على قيمة الفرد واختلافه.

مع ذلك، هذا لا يعني أن استعمال مواضع المعرفة/والاعتقاد الكلاسيكية يتنافى مع الروح الثورية. فتاريخ القرن الثامن عشر برمته شاهد على ذلك. وعلينا ألا ننسى إن ما جاءت به سنة 1789 من تحولات سياسية كبيرة وعلى رأسها الثورة الفرنسية، وحملته من جديد مقارنة بعصر التنوير الذي سادت فيه الأفكار التجريدية حول أصول السلوك؛ والعقل وقواعد التفكير، والصحة، إنما كان يتمثل في تمجيد حبّ الوطن، هذا الشعور القويّ الجَارِف و«المقدس «حسب الكاتب والسياسي الفرنسي ميرابو. بصراحة، إن استعمال القيّم التجريدية، لا سيما القيّم الكلية مثل الجمال؛ الصدق والصواب، والعدالة، كان استعمال يتجاوب مع تطور الأفكار ويؤيده، وذلك لأنها قيّم قابلة للمطاوعة وللتشكل وذات محتوى قابل للتغير والتبدل بمرونة عالية. وبذلك، كانت هذه القيّم تقدمية. ومن هنا، تتأتى المفارقة الواضحة الجليّة في أن القيّم التجريدية التي تشير الى النزعة الكلاسيكية أي إلى السكينة والطمأنينة؛ الاتزان، والثبات والاستقرار هي أيضا تلك التي تفسح المجال بشكل أفضل للتحول البطيء التدريجي لمعايير الأخلاق والأفكار عن طريق الحِجاج. أما القيّم العَيْنِية المادية الملموسة، فعلى العكس، هي تلك القيّم المتعلقة بالتقليد الثابت أو بالثورة، لذلك كانت هناك رومنطيقية محافظة، ورومنطيقية ثورية، وأخرى ما ورائية.

يبقى علينا الإشارة إلى أهمية المستوى الذي نضع فيه حِجاجنا. ففي كتابه (مؤسسة الديانة المسيحية) قلل اللاهوتي الفرنسي جان كالفن من كثرة حُجَج خصومه من خلال معارضتها بنوعية الحُجَج الخاصة به. لكن، إذا وضعنا أنفسنا داخل نقاش حول نوعية حُجّة ما، ربما تظهر من جديد عناصر كمية جديدة فيها. على هذا النحو، كل إشارة إلى مبدأ التميَّز أو الفرادة ليست لها معنى إلا بالنسبة لما تحيل اليه عند مستوى سياق معين. إذ يمكن لفئة اجتماعية تعتبر فريدة لا مثيل لها، أن تختزل على صعيد مستوى سياق آخر، إلى مجرد تجمعات لأفراد. وعلى العكس، لم تكن مونادات الفيلسوف ليبنتز الكلاسيكية مميَّزة ولا نَّظير لها، إلا لأن حجم صفاتها النوعية غير محدود، مما جعل كل واحد منها يختلف عن الآخر بكمية متناهية في الصغر، وهذا يعني أن التفرّد نتج هنا عن حُجَج كمية من مستوى سياق آخر. وعليه، يجب علينا دائماً التمييز بدقة وعناية بين مستوى ذلك السياق الذي تصنف فيه حُجّة ما وتدرج بكل عفوية وتلقائية، وبين مستوى ذلك السياق الذي يتم التحول فيه بمعنى الحُجّة ودلالة موضعها عن طريق التحليل، وذلك لأن وقوع مثل هذا التحول في المعاني لمواضع الحُجَج، هو الأكثر شيوعا في خطابات الواقع ذات المفعول المؤِثر في مشاعر الجمهور المخاطَب.

اذن، توجد مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية من جهة؛ ومواضع المعرفة/والاعتقاد النوعية من جهة أخرى، وكلاهما يقترح علينا مجموعة خيارات سيكون علينا الترشيح بين معطياتها التي نبني عليها حُجَج خطابنا. لكن، كل واحد منهما لن يقضي كلياً على حُجَج الآخر التي ينكرها ويستبعدها. فقبول شخص لموضع معرفة/واعتقاد ما، لا يعني بالضرورة محو اختلافات موضع المعرفة/والاعتقاد المقابل وإلغاء جاذبية ملامحه المتميّزة، إذ من الممكن الحطّ من احدى القيّم المطروحة للنقاش، لكن دون أن يلغي ذلك وجودها المستمر. فلا بدّ، إذن، من أن نقدم المبرر الذي دفعنا لجعلها قيمة تشغل مكانة تابعة؛ فرعية؛ ثانوية. ونحن غالباً ما نبتكر لهذا الغرض، ازاوج ثنائيات من نوع خاص، اصطلحنا عليها انا وزميلتي لوسي-اولبرخت تيتكا بـ «ثنائيات المراتب الهرمية الفلسفية» couples philosophiques. ومن اجل الايجاز، دعونا نشير فقط إلى أن أبرز مثال لثنائيات المراتب الهرمية الفلسفية هو ثنائيات المراتب الهرمية للزوَّج ظاهر/واقع. فقد يكون الظاهر هو ما ينبع عن الواقع وينحدر عنه؛ وما يخفيه منه، أو ما يكشفه عنه، لكن يبقى الواقع وحده هو الحامل لقيمة حقيقية، وهو الصالح كمقياس أو معيار يحدد ما يمكن للظاهر أن يحتفظ به من صفات الواقع.

ويبدو أن لكل من النزعة الكلاسيكية والنزعة الرومنطيقية زوج من ثنائيات المراتب الهرمية المميِّزة، وهي تستحق البحث والدراسة. دعونا نشير فقط إلى ثنائيات المراتب الهرمية الرومنطيقية التالية – مع التذكير ان المصطلح العلوي يتطابق مع مفهوم الظاهر، والمصطلح السفلي يتطابق مع الواقع : تجريدي/مادي؛ عقل/خيال؛ فانتازيا الإبتكار الحرّ للأشكال/ متخيَّل؛ عقل/احساس؛ عقلاني/قوة الابداع الحيوية؛ شكل/مادة؛ نظرية/واقعة؛ جوهر/صيرورة؛ ثبات/تغير؛ فضاء/مدة زمنية محددة؛ تمثل/ارادة؛ اجتماعي/فردي؛ فكر فردي/روح الشعب القومية؛ مبنيّ مبتكر/معطى سلفاً؛ اضافيّ/اوليّ؛ اصطناعي/طبيعي؛ علم/حياة؛ علم/حكمة؛ قاعدة/عفوية؛ تحليل/حدس؛ فلسفة/شعر؛ عدالة/عشق؛ عدالة/رأفة؛ مكرر/اصلي؛ كليّ شامل/فريد لا مثيل له؛ كائن مفكّر متأمل/إنسان كامل؛ آلي غير مبتكر/اصيل حقيقي، حسّ مشترك/نبوغ؛ عبقرية.

بالطبع، لم يوجد مفكر رومنطيقي لجأ، بصورة عشوائية وبلا أدنى تمييز، لاستعمال جميع تلك الأزواج من ثنائيات المراتب الهرمية التي حمل بعضها بصمة خاصة بشخصية مبتكرها الرومنطيقي الأصلي.

سيكون من السهل للغاية، قلب ثنائيات المراتب الهرمية الرومنطيقية، لا أكثر، للعثور دائماً على زوَّج من ثنائيات المراتب الهرمية الكلاسيكية. وغالباً ما يكون هذا القلب مصحوباً بتحول وتبدل في المصطلحات. بهذه الطريقة، فإن الزوَّج الكلاسيكي المتعارض مع اصطناعي/طبيعي سوف لن يكون بالزَّوج طبيعي/اصطناعي، وإنما بالزَّوج غير محدد الشكل/منظم ومحكم؛ أما الزوَّج الكلاسيكي المتعارض مع ثابت؛ مستقر/زمني؛ متبدل فسوف لن يكون بزَّوج زمني؛ متبدل/ثابت؛ مستقر ، وإنما، على الأحرى، سيكون بزَّوج مؤقت؛ عابر/ابدي؛ دائم، أما الزوَّج الرومنطيقي المتعارض مع الزوَّج الكلاسيكي الحرية كإختيار/الحرية كنظام فسوف يكون هو الزوَّج إقناع/تشكيل وتأسيس.

من جانب آخر، غالباً ما سوف ينبني زوَّج ثنائيات المراتب الهرمية الرومنطيقية على إعادة استئناف لأسس زوَّج ثنائيات المراتب الهرمية الكلاسيكية وترسيخها من جديد، فبناء على أسس زوَّج ثنائيات المراتب الهرمية مؤقت؛ عابر/ دائم؛ مستمر والخاص بالحضارات الكلاسيكية القديمة، شيَّد مذهب الافلاطونية المحدثة ثنائية زوَّج ثنائيات المراتب الهرمية الزمان/الأبدية حيث نجد ان المدة الزمنية، حتى وإن كانت لا نهائية، فهي لا قيمة لها مقارنة بالفرادة النوعية للأبدية.

إن الفكرة نفسها القائلة ان هناك فلسفات كلاسيكية وفلسفات رومنطيقية، هي فكرة كانت تبدو للبعض رومنطيقية من الأساس. وهي لم تكن كذلك إلا بمقدار ما تم النظر فيه إلى الكلاسيكية والرومنطيقية باعتبارهما مظاهر نوعية؛ متباينة وغير متجانسة، ولا يمكن اختزال بعضها في البعض الآخر. وهي أيضا لم تكن كذلك إلا إذا وضعنا ثنائية تتكون من الزوَّج فلسفة رومنطيقية/فلسفة كلاسيكية حيث يتم التعامل مع الكلاسيكية لوحدها كفلسفة حقيقية، هذه الاطروحة التي تبناها عن طَوَاعيَة الفيلسوف والناقد جوليان بيندا، على سبيل المثال. وعلى النقيض من ذلك، يمكننا، على اية حال، تأسيس ثنائية زوَّج فلسفة كلاسيكية/فلسفة رومنطيقية والمرتبط بزوَّج ثنائيات المراتب الهرمية تجريدي/مادي.

لقد كانت هناك بعض من ثنائيات المراتب الهرمية الفلسفية التي قادتنا إلى النظر في نقطة جوهرية تتعلق بموقف النزعة الكلاسيكية والنزعة الرومنطيقية إزاء الحِجاج ووسائله.

يشير زوَّج ثنائيات المراتب الهرمي الكلاسيكي رأي/حقيقة إلى انه يجب على الحِجاج أن يُخلي مكانه للبرهان. ونحن نعرف أن الفيلسوف ديكارت لطالما حلُم بفلسفة من دون بلاغة، حسب الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي هنري جوهييه في بحثه الموسوم بـ «ثبات قوة الصدق والمشكلة الديكارتية في بناء فلسفة بلا بلاغة». لكن، بناء على أن العقل هو الخيّر المشترك بين جميع الناس، فقد كان يوجد بالنسبة إلى الكلاسيكي خطاب صائب وصحيح ولا يعترف إلا بالوجود المعياريّ/والسويّ. أما الرومنطيقية، فعلى العكس من ذلك، كانت على معرفة جيدة بأزواج مثل نظرية/فعل؛ ثبات/صيرورة؛ نظام/حرية والتي تشير إلى أولوية الفعل. وعلينا، هنا، ألا نخلط هذا الفعل، الفطري الداخلي خصوصاً، مع النشاط والفاعلية. كما فعل الشاعر الإنجليزي ويليام وردزورث، بالقول: «كي نستطيع تربية روح عقولنا جميعاً ... بحكمة ساكنة». وفي النهاية، انعزل جيل الرمزية الفرنسية بأنفسهم عن العالم. وفي نهاية المطاف، كان لا بد لمواضع الفرادة والتوحد أن تفضي بالرومنطيقي إلى التزام الصمت.

وبينما نلاحظ على الكلاسيكي انه حاضر منذ البداية في تضاريس المجال الخطابي للتواصل. فإننا، غالباً، ما نشير إلى أن فن القرن السابع عشر الفرنسي كان يقتصر على جمهور محدود، وان ازدهاره إنما يعود بفضل اتفاق محصور بين الكاتب ونخبة معينة. فإننا، في المقابل، نجد ان الرومنطيقي يفكر في الشعب وبأحوالهم، ويهتم للبسطاء المساكين من الناس. وقد نادى فيكتور هيغو بضرورة إرساء الطابع الديمقراطي للفن. وهذا يعني، ان لدينا خطابين اثنين في الفن، واحد يرى أنه من الصواب، ومن الممكن أيضا، التوجه لجميع الناس من خلال النخبة ذوي الامتيازات الذين يستمعون إليه، والآخر يعتقد انه بمقدور الكاتب، في أحسن الأحوال، ان يخدم البعض للإرشاد والتوجيه؛ كمتنبئ؛ متشفِّع؛ ساحر؛ أو لإيقاظ الأمة؛ أو للدعوة لكائن مختار فريد من نوعه، وهو، في أسوأ الأحوال، لا يكون سوى صرخة وسط صحراء بلا حدود. معظم الرومنطيقيون كانوا، في الواقع، من كبار الثرثارين. كان كلامهم يشير بالأحرى إلى مجرد تفريغ للمشاعر والأفكار الحميمة أكثر منه إلى إقناع خطابي. وحول هذه النقطة أيضا، يمكن أن يكون ميّل بعض الرومنطيقيين هو كلاسيكي بشكل بارز للغاية.

أضف إلى ذلك، أنه بالقدر الذي ظلوا الشعراء الرومنطيقيون الفرنسيون فيه كلاسيكيون – شأنهم شأن الشاعر الإنجليزي جورج غوردون بايرون الذين كانوا معجبين به – هم كانوا غالباً أصحاب أسلوب منمَّق مفخَّم عباراته. وربما بالقدر الذي كانوا فيه كبار الكتّاب الكلاسيكيون هم رومنطيقيون، كانوا ملتزمين الصمت.

ويتصل بمواقف الكلاسيكية والرومنطيقية تجاه الجمهور المخاطَب، مواقف تتعلق بوسائل الإقناع.

فقد كان من المستغرب أن الكتّاب الكلاسيكيون الذين اشادوا بعنصر الطبيعة – ولنتذكر هنا الناقد والكاتب الفرنسي نيكولا بوالو – هم أنفسهم من كانوا يحيدون عنها في كثير من الأحيان. وذلك لأنه في حالة انعدام إمكانية الاثبات العقلاني بالمنطق، ينبغي علينا أن نعرف كيف نرسم صوراً بلاغية بأفضل ما أوتينا من اجل أن يراها المخاطَب جيداً، وكذلك أن نتكلم بلغة واضحة على الأقل حتى يفهمنا المخاطَب. إن صور الحِجاج واساليبه المتخيَّلة البلاغية هي وسائل ليست فقط لكسب رضى الآخرين واستحسانهم، بل، وفوق ذلك، لأجل أن يفهمنا بطريقة لائقة ذلك الشخص المخاطَب الذي من المفترض ان له الحقّ في ان يفهم. ودعونا لا ننسى، هنا، أن الكلاسيكية هي اجتماعية قبل كل شيء. وهي وإن لم تحمل، بأي حال، ما ندعوه بالعقلية السوسيولوجية من حيث صلة هذه الأخيرة وارتباطها بالتاريخ، لكنها كانت لديها الثقة بدوام قيمة ما تفهمه من دلالات، وبالمنفعة التي تقدمها هذه الأخيرة لمحاوريها. انها تتجه بخطابها من متكلم كبير راشد العقل نحو كبار عقلاء آخرين بشكل متساوٍ. من هنا، يختلف شكل الخطاب الحِجاجي المستعمل، تجاه كل جمهور مخاطَب، فوسيلة التواصل هي تطويع لتقنيات الحِجاج البلاغية. لذلك، ما أن يخشى المنظِّر الكلاسيكي من خطر أن يفضي النظر إلى احدى تقنياته الحِجاجية كمجرد وسيلة لتحقيق غاية ما، إلى الضرر بالإقناع، حتى نراه يوصي بالعودة إلى الأسلوب العفوي الطبيعي.

يبقى علينا ان نتساءل، كيف تتصور الرومنطيقية فعل تأثير خطابها على الآخرين؟ حيث نلاحظ، انه بسبب ابتعادها عن الاستعانة بأفعال الكلام الخطابية؛ المنطقية؛ العقلانية، كانت غالباً ما تتوخى التزام اللجوء إلى القوة الجيَّاشة. ومن جهة أخرى، سيكون مفضلاً لديها الخطاب الذي يبدو أكثر توافقاً مع الإيحاء والتأثر، فبدلاً من الاعتماد على النثر؛ والشعر؛ أو على صور المقارنة والتشبيه؛ أو على التمثيل والمجاز، سيكون اعتمادها على الاستعارة التي توحد جميع المجالات والحقول، ولعبة استبدال الكلمات التي تخرق كل الحدود؛ وبدلاً من اللجوء إلى العلاقات السببية، سوف تستند إلى الرمز الذي يستدعي الانخراط والمشاركة والتفاعل بين المحاورين؛ وعوضاً عن الاقوال والحكم الاستراتيجية الاغريقو-لاتينية؛ سوف تعتمد على اقوال الانجيل وجمله الموصولة ضمنياً. وبدلاً من الواقعية الساذجة التي تجعل العقل يعيش في راحة ودعة وسكينة، سوف تستعين بالعنصر الخارق الماورائي الذي يثير فضول العقل؛ وبدلاً من المألوف الذي يطمئن العقل، سوف تلجأ إلى الغريب الذي له وحده قيمة؛ وعوضاً عن المشيّد مسبقاً، سوف تستند إلى المرتجل؛ وعوضاً عن المعرَّف قطعياً، سوف تستعين بالملتبس؛ وبدلاً من الأسلوب العقلاني المنسَّق والمنظَّم، سوف تعتمد على الفظّ غير المنمّق وغير المكترث لأصول اللّياقة في الحديث؛ وبدلاً من وضوح القريب والحاضر، سوف تلجأ إلى ضبابية المسافات البعيدة وغموضها، وإلى الذكريات المبهمة.

ومثل أي شيء جديد، فإن الكاتب الرومنطيقي في مطلع القرن التاسع عشر تعرض لإساءة الفهم في بعض الأحيان. بل وأُتهم انه لا يريد أن يكون مفهوماً حسب المؤرخ غوستاف شارلييه في مؤلفه المذكور أعلاه. هذه التهمة التي لطالما كانت تبدو غبية وسخيفة للغاية. فقد أوضحت لغة الكتابة لوَرَثة الرومنطيقية، فيما بعد، ان نزوعها إلى الغموض والاستغلاق على الفهم، إنما هو نزوع يتفق مع سمات عميقة لم تكشف عنها الرومنطيقية سوى مؤخراً خلال فترة حداثتها القريبة العهد.

هكذا، يتضح ان ابحاثنا حول الحِجاج سعت إلى بَيَان أن مبادئ الكلاسيكية والرومنطيقية معاً تشير إلى مسلمات حِجاجية؛ ومواضع معرفة/واعتقاد للتفكير، وانماط تعبير، يمكن أن تكشف أي دراسة لاستدلالات كل منهما عن الصلات الوثيقة فيما بينهما.





الهوامش:

Chaïm Perelman : Le Champ De L’Argumentation, Classicisme et Romantisme Dans L’Argumentation, Presses Universitaires de Bruxelles, 1970, pp. 397-406.

أما فيما يتعلق بالنص الذي اقتبسناه من مقدمة شاييم بيرلمان لكتاب (حقل الحِجاج)، واستعملناه في تقديمنا للنص المترجم في أعلاه:-

Chaïm Perelman : Le Champ De L’Argumentation, p. 9.

[] ما بين القوسين يعود للمترجمة. وفيما يتعلق بمفاهيم نظرية بيرلمان في البلاغة الجديدة تحديداً، تم العودة الى مؤلفه العمدة (رسالة في الحِجاج):

Ch. Perelman & L. Olbrechts-Tyteca : La Nouvelle Rhétorique … Traité de L'Argumentation, Paris, P.U.F, 2 vol., 1958.

(*) هو رمز مثبت على مفاهيم محددة ضمن متن النص، يُشير إلى إمكانية الاستزادة حولها، بالعودة لقائمة مسرد المصطلحات والمفاهيم.



*باحثة ومترجمة عراقية- مختصة في الدراسات الفلسفية والحِجاجية





مسرد المصطلحات:

-كلاسيكية classicisme، ينحدر مصطلح classique عن اللاتينية classicus وهي كلمة تدل على الانتماء إلى طبقة عليا من المواطنين. وبعدها، أصبحت تشير إلى أفضل الكتّاب الذين يتميزون بنوعية تعليمهم الذي تم على ايدي تلك الطبقات العليا. اما النزعة الكلاسيكية فهي تعبر عن مفهوم جمالي، أو فترة تاريخية شبيهة بتلك التي جرى التعارف عليها في فرنسا منذ فولتير بعصر لويس الرابع عشر. وقد ظهر مصطلح الكلاسيكية في القرن التاسع عشر نتيجة الصدام مع اتباع الفلسفة السكولائية الجديدة، وتقاليد القيّم التي تعتبر غير زمانية؛ خارج التاريخ، وابدية، إضافة إلى وقوفها ضد الحركة الرومنطيقية التي اقامت ثورتها في الجماليات على أساس الوعي بنسبية الذائقة الفردية.

-رومنطيقية romantisme، هي حركة فنية أوروبية نشأت في المانيا وانكلترا في نهايات القرن الثامن عشر، كرد فعل ضد الهيمنة الثقافية الفرنسية للتنوير. وهي تشير إلى حركة أدبية تجديدية شاملة لجميع الاجناس الأدبية، وحيث تتجاوز بشكل قصدي خيارات الأسلوب والثيمات للنزعة الكلاسيكية، مؤكدة في المقام الأول على حرية ابتكار الأشكال، وحرية التعبير عن الذات. لقد كان الرومنطيقيون على قناعة ان عليهم أن يبتكروا عصرهم الخاص، وهذا الابتكار أو الايجاد يقوم على إعادة التأسيس المعمَّم. انها حركة كانت تعتقد بضرورة التفكير بالانا وعلاقتها بالعالم بصورة جديدة؛ وبالمقولات السياسية؛ الدينية، والاجتماعية؛ والتي سوف تنعكس إيجابا على التفاعل المتبادل بين الحقول الفنية (الأدبية؛ الموسيقية، والتشكيلية)؛ وإعادة تعريف الاجناس الأدبية؛ والانقلاب بقاموس مصطلحات اشكال التعبير، ورفع الحواجز التي كانت تقف عائقا بين الفنان والمجتمع.

-adhésion : مصطلح التأييد [وليس التسليم خضوعاً وإذعاناً كما هو شائع خطأ في اغلب الترجمات والمؤلفات العربية في البلاغة والحِجاج] يشير استعماله غالباً إلى الموافقة المعطاة لمبدأ أو لعقيدة أو لأيديولوجيا مسيطرة. وهذا يعني أن التأييد يستدعي المشاركة والانضواء تحت الطريقة نفسها في النظر والإدراك لمعايير الأخلاقيات المتداولة، لهذا يمكن أن تعد صياغة التأييد هي صياغة لتعددية في الايديولوجيات لها من القوة والتأثير المماثلين لتلك الخاصة بسلطة مشيدة وراسخة لكنه يختلف عنها بكونها قابلة على الدوام للسؤال والنقاش والمراجعة والجدال. بعبارة أخرى، أن التأييد هو مشاركة في صناعة الآراء والاعتقادات doxa لان آثار تأييد وتصديق رأي معين ستضع القيّم المحمولة فيه موضع صيرورة دائمة. للمزيد، يُنظر:

ADHÉSION dans : La Nouvelle Rhétorique … Traité de L'Argumentation, 2 vol.

ADHÉSION dans : Le Dictionnaire du Littéraire, Sous la direction de Paul Aron & Denis Saint-Jacques & Alain Viala, Paris, P.U.F, 2e éd., 2010, p. 6-7.

- lieu commun: تنحدر كلمة lieu، كما يوضح القاموس الأوروبي للفلسفات، عن « مقام؛ محل، مكان »، وكذلك عن «مرتبة، موضع». اما مصطلح lieu commun فيشير الى « مقارنة أو مقايسة شيء بشيء؛ اجماع عام؛ تقدير وقدر؛ اعتقادات؛ العاطفة والانفعال والشعور ؛ الاحتمالية والحقيقة». وقد عرّف ارسطو هذا المصطلح انه ذلك العنصر الذي تندرج تحته العديد من عناصر ذلك الشكل المختصر من القياس المنطقي والذي نعثر عليه متضمناً في احدى المقدمتين enthymèmes. ولهذا السبب، فهو يختلف عن المقدمات المنطقية الخاصة بأحد الاجناس الخِطابية الثلاثة للفصاحة عند القدماء، وهي: التشاورية؛ القانونية، وفصاحة البَيَان épidictique، فالموضع هو دائما عام ومشترك في مجال القانون؛ والطبيعة والسياسة. فمواضع المعرفة/والاعتقاد المشتركة –كما اصطلحنا عليها– تقوم على مخزون مشترك للعقلانية، والمواضع أو المراتب تقدم نماذج لتوافقات ضمنية بين المخاطِب والمخاطَب، وهي قابلة للاستعمال في جميع الظروف. وكما أشار الفيلولوجي ومؤرخ الفلسفة الفرنسي جاك برونشويج في مقدمته لترجمة كتاب ارسطو (الطوبيقا): «إن الموضع (topoi konoi, loci communi) هو ماكينة لصناعة المقدمات استنادًا إلى نتيجة معطاة، الامر الذي يمكّن موضعا واحدا من التصدي للعديد من العبارات المختلفة، ولمعنى عبارة واحدة أن يوصف ويعبر عنه بعديد من المواضع المختلفة». من هنا، مثلت هذه المواضع عند ارسطو «مواضع للابتكار»، فكل موضع هو بالفعل مستودع حيث نعثر فيه على العديد من الحُجَج. وحتى لا تتحول «مواضع الابتكار» هذه إلى «مواضع للاجترار الأيديولوجي»، ارتأينا من خلال ترجمتها –وإن كانت مطولة– بـ [مواضع المعرفة/والاعتقاد العامة والمعمَّمة والمشتركة] إلى ابراز خصوصية هذه الحُجَج في تشكيل الخطاب وصياغة مواضع المعارف/والاعتقادات لدى جماعة أو فئة أو ثقافة معينة، ومن ثمة، انها تستدعي النظر اليها بعين الأهمية والاعتبار من قبل الباحثين والمختصين في حقول اللغة والبلاغة والحِجاج والفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية على حد سواء.

LIEU & LIEU COMMUN dans : Vocabulaire Européen des Philosophies, Sous la direction de BARBARA CASSIN, Paris, Le Seuil & Le Robert, 2004, pp. 721-726.

Oswald Ducrot & Jean-Marie Schaeffer : Nouveau Dictionnaire Encyclopédique des Science du Langage, Éditions du Seuil, (1ed.1972), 1995, p. 170.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى