أحمد أبو خنيجر - أرض التيه.. قصة قصيرة

'‏ ما لم يقله الإسرائيلي عن سيد زكريا‏'‏
‏'‏ إن أكبر مفاجآت حرب أكتوبر كانت
روح الجندي المصري العالية وكفاءته‏'(1)‏
‏....‏ ثم كيف يمكنني الاختباء من القمر‏,‏ رمال الصحراء استطعت الابتعاد عنها‏,‏ لكنه القمر‏,‏ كيف أزيحه من السماء؟ أكثر من عشرين سنة مرت‏,‏ شهور وراء شهور تمر بأقمارها كأنها تترصدني‏,‏ تلقي بي في قلب الجحيم مرة أخري‏,‏وكأنها المرة الأولي‏,‏ التي أبتعد عنها الآن بعشرين عاما‏.‏
عشرون عاما و أنا أحمل أوراقه كتميمة‏,‏ أينما رحلت فهي معي‏,‏ حتي ملامحه أجدها منطبعة في مخيلتي و كأنه يوم كيبور اللعين‏;‏ الاسم‏:‏ سيد زكريا خليل‏.‏ جندي‏,‏ فقط جندي‏,‏ كنت أعتقد وقتها و أنا أقلب أوراقه لأول مرة أن يكون ضابطا‏,‏ خبيرا بأعمال القتال‏,‏ لكنه جندي‏,‏ فقط جندي‏,‏ هل بدأت وقتها متاعبي‏,‏ أم قبلها‏,‏ حين رأيته يقاتل‏,‏ بالضبط متي؟ و القمر الذي صار يطاردني‏,‏ فأهرب داخل البلاد الغائمة أحتمي بسحبها منه‏,‏ لكني أراه بشوارع كل المدن التي أختبئ بها‏,‏ هادئا يبدو‏,‏ هازئا‏,‏ يمد يده بخنجره و يصوبه نحوي‏,‏ فاتخبط بالشوارع وسط دهشة المارة‏,‏ أندس بحجرتي لأتركه يذبحني بهدوء فأقوم صارخا فزعا في اللحظة الأخيرة و أنا أتصبب عرقا‏,‏ أراه يغادر الشرفة و يلحق بالقمر الذي ينتظره عند النافذة‏.‏
لا أدري متي سألته‏,‏ عندما جاءني كما اعتاد‏,‏ و خاصة في الخريف يكون أكثر وضوحا و تجليا‏,‏ في تلك المرة حين كلمته‏,‏ وجدت السؤال يندفع فوق لساني‏:'‏ لم تمشي هكذا علي مهل؟ اسرع‏.‏ أتاني صوته عميقا و هو يضغط علي نبراته كي تبين‏:‏ أنني سأصل إلي غايتي قريبا‏,‏ لكنك أنت ستظل في دنياك حائرا مضللا إلي يوم أعود‏.'(2)‏ ذهلت و عرفت أنه كتب علي التوهة بالبلاد‏,‏ أخذت أرتجف و أنا أبكي‏,‏ لمدة اسبوع كامل كنت غير قادر علي مغادرة غرفتي‏,‏ أو حتي مقابلة صديقتي‏,‏ هكذا أخذت البلاد تتقاسمني و لا تستقر بي أرض أبدا‏,‏ أضرب في أرض تيه واسعة بحدود العالم حولي‏,‏ العالم الذي لا يستطيع أن يردني لبلادي كما فعل مع اسرائيل‏.‏
كيف أعود لإسرائيل و القمر هناك أشد ضراوة و فتكا من قمر بلاد التوهة‏,‏ هناك يتحالف مع رمل الصحراء فيصبح عذابي مضاعفا‏,‏ هل كنت أدرك هذا و أنا أتقدم لآخذ أوراقه وصورته‏,‏ هذه التي تدفعني الآن للإنتحار و تشريدي بالبلاد‏,‏ و لا يطيب لي مقام بأحدها‏.‏
رغم ارتحالي و غربتي أقول لعل القمر يغير شكله و يعود كما كان عشية يوم كيبور‏,‏ كان يومها يتوسط السماء فوق أرض تيه الجدود الفارين من المصريين إلي أرض إسرائيل أيام موسي‏,‏ و كنا نحن المظليين نمرح داخل الطائرات المروحية‏,‏ نقول‏:‏ هي نزهة نؤدب هؤلاء الفراعنة الذين تجاسروا و عبروا القناة إلي أرض تيههم‏.‏
كنا عقب حرب الأيام الستة قد استرخينا مضمخين بنصر ساحق‏,‏ مددنا الأقدام علي أخرها و أرحناها‏,‏ و رحنا نشرب نخب توسيع أرض‏'‏ يهوه‏'(3)‏ واصلين لقناعة كاملة بأن البدو و الفراعنة لا يمكنهم الحرب‏,‏ حتي و إن حاولوا يمكننا سحقهم ببساطة كحشرة تحت أحذيتنا‏.‏
دقائق و كنا فوق الرمال التي لا استطيع الآن أن أزيحها من فوق صدري‏,‏ كانوا أسفل منا‏,‏ قليل عددهم‏,‏ لا يتخطون عدد أصابع اليدين‏,‏ قلنا‏:‏ ها أخيرا نغير رتابة يوم كيبور‏,‏ سيكون رائعا عندما نعود و نحكي عما فعلناه بهم‏,‏ و أثبت لصديقتي أنني حصدت الكثير منهم برشاشي فتغرقني في صدرها‏.‏
و أنا أهبط بالمظلة متأرجحا كأنني أراقص جسد صديقتي‏,‏ علق نظري بالقمر‏,‏ كان متوهجا علي غير عادته‏,‏ وبه بسمة كبيرة و مطمئنة أيضا‏,‏ هكذا بدا لي‏,‏ أقلقني هذا‏,‏ فانتبهت علي صوت الرصاص‏,‏ وجدت زملائي يتساقطون‏,‏ يحصدهم رصاص المصريين‏,‏ كنت بعيدا نوعا‏,‏ لكن الجحيم والصراخ كان يقترب‏,‏ شعرت علي نحو مباغت‏,‏ و انا أري جثث زملائي‏,‏ بأن القمر يضحك للمصريين‏,‏ كان عددهم سبعة‏-‏ كما قالوا لنا‏-‏ لكن أين هم؟ رغم اتساع‏'‏ وادي غرندل‏'(4)‏ و تطويقنا له‏,‏ لا يكاد يبين لهم أثر‏,‏ رغم هذا الرصاص يغمرنا من كل جانب‏,‏ رجلي تنزل علي الأرض‏/‏ الرمل فتسوخ‏,‏ قلت‏:‏ و الرمال أيضا معهم‏.‏ تماسكت و أنا أتخلص من المظلة‏,‏ و كان هو أمامي‏-‏ سيد زكريا‏-‏ و أنا خلفه‏,‏ بدا في المعركة غير هياب‏,‏ يحصد ما أمامه ولا يغطي ظهره شيء‏,‏ كانه يحتمي بالفراغ‏,‏ أخذتني جرأته وقدرته الفريدة في القتال‏,‏ رحت أرقبه غير عابئ بزملائي الذين يقتلهم‏,‏ مسقطا عني كل ما تعلمته‏:‏ لا تنبهر بعدوك‏,‏ ودون رحمة اقتله‏.‏ بدا واضحا لي تماما أنه عدوي‏,‏ ولا أحد غيره‏,‏ تقدمت نحوه‏,‏ من وراء ظهره المكشوف لي تماما‏.‏
حين فرغت ذخيرته شرع في استخدام سلاحه الأبيض‏,‏ الذي أضاء في عيني حين برق في ضوء القمر‏,‏ فرفعت رأسي لأجد بسمته قد أصبحت هازئة‏,‏ كان يلتحم غير مهتم بالرصاص المنهمر عليه و الذي لا يكاد يصل إليه و يصيبه‏,‏ حسبته أحد الشياطين‏,‏ حتي الأرض تساعده‏,‏ أرض تيههم أثناء الستة أيام‏,‏ و أرض تيهنا الآن‏,‏ كنت أحس بها تحميه‏,‏ تجذب الرصاص نحوها و تقوم كحائل يغطي ظهره‏,‏ و هو سادر في ذبح رفاقي‏,‏ و أنا ملجم تماما‏.‏
كان زملاؤه الآخرون قد قتلوا و هو يقاتل وحيدا‏,‏ كان أمامي‏,‏ و ظهره لي‏,‏ شددت أجزاء الرشاش‏,‏ و هو استدار كنمر ليواجهني‏,‏ لكني لم أمهله و أطلقت النار علي ظهره‏,‏ هل كنت قادرا أن أنتظر حتي يستدير و أنظر في عينيه‏,‏ و لو كنت فعلت ذلك أكنت قتلته؟‏.‏
مذهولا من سقوطه وقفت‏,‏ رأيت زميلين لي يسوقان أحد رفاقه‏(5),‏ عندما رآه ممدا علي الأرض و الدماء تغطيه حاول أن يجري نحوه‏,‏ لكن زميلي منعاه بسلاحيهما‏,‏ و أنا تقدمت من الممدد علي الأرض‏,‏ قلت‏:‏ ها أخيرا امتلكت حكاية‏.‏ و كأن علي أن أتأكد من موته‏,‏ تقدمت بوجل كبير شاهرا سلاحي وإصبعي علي الزناد‏,‏ خوفا و تحرزا من خديعة قد تحدث‏,‏ فأنا لا أصدق أنه سقط‏,‏ صرخة لم يصرخ‏,‏ أنة ضعيفة لا تكاد تبين‏,‏ كأنه تأوه ارتياح بعد تعب طويل‏,‏ أو كأنه شوق قديم وحب دفين لتوه ينطلق‏,‏ هل يكون هذا موتا؟ حين وصلت إليه كان وجهه ينظر نحوي و نفس الابتسامة الهازئة التي يطل بها القمر علي‏,‏ فزعت لكني تمالكت نفسي‏,‏ و مددت يدي نحو جيبه‏,‏ و أخذت حافظته و ما معه من أوراق‏,‏ حين مست يدي جسده المكلل بالهدير و السخونة‏,‏ فارتجفت يدي‏,‏ و شعرت علي نحو مباغت بأني أسرقه‏,‏ بالفعل كنت أسرقه‏,‏ آخذ أوراقه في غيبة الروح و حضور الموت و الدم و رائحة البارود المحترق‏,‏ و الرمال و القمر الذي لن ينفك بعدها يطاردني‏,‏ كنت فقط أريد أن أتأكد من موته‏,‏ و أنني‏_‏ أيضا‏_‏ قتلته‏,‏ و لأؤكد لنفسي المضطربة أن هذا الذي قتلته مجرد واحد استطاع لوحده أن يقتل أكثر من عشرين مظليا من خيرة جنود العالم‏,‏ فقط هو مات‏,‏ و أنا قتلته و سرقته‏,‏ و القمر شاهد و معه رمل البلاد التي لن استطيع التخلص منها حين تباغتني صورته‏,‏ والتي لن تمل مطاردتي بطول البلاد التي أرتحل فيها وعرضها‏.‏
في البداية حاولت التآلف مع صورته الموضوعة بالكارنيه‏,‏ لكنه شيئا فشيئا بدأ يتحول إلي شبح‏,‏ وحش قاتل يهاجمني أثناء النوم بضحكته الهازئة متخذا من القمر مسكنا له‏,‏ وصارت كلماته‏:'‏ ستظل مضللا إلي يوم أعود‏.'(6)‏ سكينا خبيئة تطاردني بكل مكان أذهب إليه‏,‏ قلت‏:‏ علي أن أتخلص من الأوراق‏.‏ حاولت كثيرا نسيانها و تركها في مكان قد لا أعود إليه‏,‏ لكنني في كل مرة أجدها عالقة في يدي‏,‏ أقلب فيها و استعيد ما حدث و لا قدرة لي علي الفرار‏,‏ كان يترسخ بداخلي و أتحول أنا إلي يهودي تائه تطارده خرافة تنسجها صورة بجيبه‏,‏ و حرب قد مر عليها أكثر من عشرين عاما‏.‏
أخطبوط بألف ذراع يعتصرني‏,‏ أذرعه تقبض علي أطرافي و تشدني‏,‏ تتنازعني نحو الجهات الاربع‏,‏ أصير موزعا بطول الأرض و عرضها و الألم الهائل يعتصر مفاصلي‏,‏ وجهي نحو السماء مشدود‏,‏ رائحة لبارود و دماء ورمال تغمر أنفي‏,‏ و يجئ القمر‏,‏ قمر صحراء البدو القاتل‏,‏ وكأني ما رأيته قبل الليلة‏,‏ لكنه يأتي و يهبط حتي حد الشرفة‏,‏ و يقف غامرا الحجرة بضوء لزج ثقيل‏,‏ يضغط فوق صدري فلا أقوي علي إخراج النفس أو لقفه‏.‏
من قلب الضياء ينزل هو‏-‏ سيد زكريا‏-‏ بنفس جرمه حين كان يقاتل‏,‏ يتقدم نحوي شاهرا سلاحه الأبيض و علي وجهه ابتسامة هادئة‏,‏ هازئة‏,‏ يتقدم حتي يضع سن الشفرة الحاد فوق رقبتي‏,‏ و أنا جاحظ العينين و مقيدة أطرافي باركان السرير‏,‏ لا أقوي علي شيء سوي صرخة أطلقها فتوقظني مطلقا نفسا مكتوما و عرقا غزيرا يغرق جسدي‏.‏
‏'‏ إلي يوم أعود‏'‏ في البداية لم أفهم و صارت غربتي قدرا‏,‏ وحين لم استطع البقاء بأرض إلا و هاجمني فيها‏,‏ قلت‏:‏ أرض تيه الأجداد كانت سيناء و ارض تيهي واسعة‏,‏ تبدأ من هنا‏,‏ من صدري و لا حدود لها‏,‏ علي أن أعيده حتي أصل لغايتي وأرجع لأرض‏'‏ يهوه‏',‏ اتخلص منه بعودته‏,‏ لكن عودته إلي أين؟ سؤال أرقني كثيرا‏,‏ حين جاءني في المرة الأخيرة انتبهت إلي القمر الذي ينتظره عند الشرفة‏,‏ و عرفت أنه قمر الصحراء‏,‏ قمر بلاده‏,‏ إذن علي أن أعيده إليهم‏,‏ إلي أهله حتي أصل لمستقر‏.‏
‏'‏ إلي يوم اعود‏'.‏ كيف أعيده؟ و رحت بهدوء أفكر حتي أنتصر عليه ولو لمرة‏,‏ لآ أقتله من الخلف‏,‏ لست أفكر بالسياسة و أحابيلها‏,‏ لكنني ذلك الإسرائيلي‏,‏ اليهودي‏,‏ الذي سيحترمه العالم‏,‏ و يقف تقديرا لعمله و أمانته‏,‏ و قدرته علي أن يكون كريما و متسامحا حتي مع أعدائه‏,‏ و يعيد إليهم متعلقات أحد جنودهم‏,‏ ستطير وكالات الأنباء الخبر إلي جميع أرجاء الأرض‏,‏ تنشر صورتي و كلامي‏,‏ فتلملمني من توهة البلاد و غربتي فيها‏,‏ و تعيدني إلي أرض‏'‏ يهوه‏'.‏ سيفرح المصريون ببطلهم و يحتفلون به‏,‏ لكنهم دوما سيقرنونني به‏,‏ كلما تذكروه سأكون حاضرا بينهم‏,‏ في أحاديثهم‏,‏ سأري الإعجاب من عيونهم و كلامهم يطل‏,‏ يعود هو إلي أهله بطلا‏,‏ أعود أنا لأرض‏'‏ يهوه‏'‏ مضمخا بالبطولة و النصر و قتل سيد زكريا خليل‏.‏


هوامش
‏(1)‏ من أقوال الجنرال ديفيد إليعازر رئيس هيئة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي أثناء حرب‏1973‏ م‏.‏
‏(2)‏ حوار بين السيد المسيح و أحد حراس بيلاطس في أسطورة اليهودي التائه‏.‏
‏(3)‏ وادي بمنطقة رأس ملعب بسيناء حيث استشهد البطل سيد زكريا‏.‏
‏(4)'‏ يهوه‏'‏ إله اليهود‏.‏
‏(5)‏ أحمد الدفتار‏:‏ زميل سيد زكريا في سرية الجراد‏_‏ ب من الكتيبة‏153‏ صاعقة‏.‏
‏(6)‏ كلمات السيد المسيح إلي اليهودي في أسطورة اليهودي التائه‏.‏

أحمد أبو خنيجر

نشر في الأهرام اليومي يوم 08 - 10 - 2010

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى