د. عبدالجبار العلمي - عن كتاب "الإيقاع في شعر السياب" للراحل سيد البحراوي..

■ أصل هذا الكتاب أطروحة جامعية تقدم بها الباحث لنيل الدكتوراه تحت إشراف الدكتور عبد المحسن طه بدر رحمه الله. وكانت بعنوان «البنية الإيقاعية في شعر السياب». وكنت قد قرأت ملخصا لها في مجلة «فصول» ضمن باب الأطروحات الجامعية. وانتظرت سنوات قبل أن تصل إلى القارئ بين دفتي كتاب بعنوان «الإيقاع في شعر السياب». ولما كنت مهتما بهذا المكون الأساس من مكونات الخطاب الشعري، حيث كنت بصدد إنجاز بحث في الموضوع نفسه لأتقدم به لنيل دبلوم الدراسات العليا في كلية الآداب في الرباط تحت إشراف الأستاذ أحمد اليبوري، سعيت إلى البحث عن دراسات أخرى في مجال الإيقاع وموسيقى الشعر لهذا الباحث. فاطلعت على كتابه «موسيقى الشعر عند جماعة أبوللو»، في مكتبة آل سعود في الدار البيضاء، إذ كان الكتاب مفقودا في المكتبات. وقرأته بشغف ولهفة لأنني وجدت فيه بغيتي، فهو ذو صلة متينة ببحثي الجامعي، خاصة في ما يتعلق بالشعر الرومانسي، الذي يمثل متنا مهما من الشعر، الذي سيكون مجالا لدراستي.
ثم اطلعت على بحثه حول إحدى قصائد الشاعر المصري أمل دنقل بعنوان: «في البحث عن لؤلؤة المستحيل»، بيد أن الكتابين اللذين أفدت منهما أثناء تهيؤي لبحثي هما كتاباه الأساسيان: «موسيقى الشعر عند شعراء أبوللو»، و«الإيقاع في شعر السياب» فلا أخفي أنني استأنست بهما في متاهات البحث، وكانا خير عون لي على تبديد الصعاب التي تكتنف بحثا ينصب على عنصر شعري واحد، باعتباره مكونا دلاليا ضمن مكونات الشعر الأخرى، وكانت الدراسات الأكاديمية لا تتناوله إلا في فصل من الفصول، أو مبحث من المباحث. والكتابان المذكوران أعلاه للباحث سيد البحراوي ـ رحمه الله ـ رصدهما كليهما لدراسة الإيقاع الشعري. الأول تناول فيه متنا شعريا لعدة شعراء من جماعة أبوللو، والثاني رصد فيه متنا شعريا لشاعر واحد هو أحد رواد الشعر الحر بدر شاكر السياب.
يتألف الكتاب من مقدمة ومدخل منهجي وثلاثة فصول وخاتمة، أي أنه يقوم على مستويين: مستوى نظري، ونجده في المقدمة والمدخل المنهجي؛ ومستوى تطبيقي تحليلي، ونجده في الفصول الثلاثة التي رصدت لدراسة شعر السياب بأشكاله الثلاثة: التقليدي ـ المقطوعي ـ الحر.
ومن الجدير بالذكر أن سيد البحراوي يحرص في سائر فصول كتابه على اتباع هذا المخطط المنهجي الذي اعتمده في دراسته القيمة بدقة وصرامة، لا يحيد عنه قيد أنملة. فالخطوات المنهجية نفسها التي نلاحظها في الدراسة الوصفية لعموم المتن، نصادفها لدى قراءتنا للدراسة التحليلية.
وهذا النظام الصارم أكسب البحث طابعا علميا دقيقا يدخل في إطار علمنة الدرس الأدبي، لاسيما أن البحث اعتمد في دراسة كل العناصر الإيقاعية على العد والإحصاء، وذلك من خلال جداول إحصائية يتعلق كل منها بعنصر من هذه العناصر وقد وردت كما يلي: جداول تبين الأوزان الشعرية التي استخدمها السياب في كل شكل ـ جداول تبين مدى توظيفه للأوزان التامة والمجزوءة ـ جداول تبين عدد الأنساق المقطعية وعدد مرات ورودها في كل شكل ـ جداول تبين عدد ورود النماذج التي فيها نبر واحد أو نبران أو ثلاث نبرات أو أكثر، ونسبها المئوية ـ جداول تبين أنماط الجمل في عينة قصائد كل شكل ـ جداول خاصة بالقوافي وحروف الروي المستعملة في جميع العينات المختارة من كل شكل. وقد بذل في هذه الجداول الإحصائية جهدا كبيرا يلمسه كل من قرأ الكتاب أو تصدى للبحوث الميدانية القائمة على العد والإحصاء، لدراسة ظاهرة من الظواهر الاجتماعية أو الاقتصادية، وذلك بغاية الوصول إلى نتائج تتسم بالدقة والعلمية.
وفي ختام عرضي لهذا الكتاب المتميز في مجال دراسة الإيقاع في الشعر العربي الحديث، أود أن أبدي ملاحظتين اثنتين:
الأولى : إن الباحث حاول في دراسته للإيقاع في شعر السياب توظيف أدوات إجرائية ومفاهيم جديدة كالمقاطع والنبر والأنساق، بيد أنه رأى أن لا مناص من استخدام المصطلحات العروضية الخليلية لدى تحليله للنصوص الشعرية بأشكالها الثلاثة التي كتب فيها الشاعر (العمودي ـ المقطوعي ـ التفعيلي).
ويبدو أن الشعر العربي ينبغي أن يدرس بأدواته الأصيلة النابعة من معين تراثنا العربي الخصب، كالمصطلحات العروضية والبلاغة البديعية، لأننا بصدد فن الشعر الذي يعتبر ديوان العرب، وأنسب الأدوات الإجرائية لمقاربته في جانبه الموسيقي هي مصطلحات علم العروض والقافية وعلم البديع وعلم الأصوات. ونحن نتفق مع مصطفى الشليح في رأيه الذي مفاده «أن المنهج في تعامله مع الأثر الفني، ينبغي أن يحترم النسق الثقافي والبنية الفكرية والأدبية التي ينتمي إليها النص. فالقصيدة العربية مثلا، ترحب بالأدوات المتواصلة معها أكثر من ترحيبها بوسائل أخرى جربت في شعر غير مماثل في شعريته لضوابطها».
الثانية : إن الدارس اضطلع بجهد مضن في دراسة النبر في شعر السياب، محاولا البحث عن دوره في الإيقاع. ولا يخفى أن مسألة النبر في إيقاع الشعر العربي أثارت الكثير من الجدل. ويرى أحمد المعداوي (المجاطي) أن «كل الذين تبنوا نظرية النبر كانوا يعترفون، وبعد جهود مضنية لإثبات نظريتهم بهيمنة الكم، أمثال شكري عياد ومحمد النويهي وكمال خير بك، وسيد البحراوي نفسه.
ويذهب سعد مصلوح في كتابه «دراسات نقدية في اللسانيات العربية المعاصرة» إلى «أن ظاهرة النبر ما تزال أمرا مستعصيا على العلماء، وسرا من الأسرار ما برح البحث قائما عنها، وعن جوهر علاقتها بالمقطع والمقطعية، التي ما تزال معضلة من المعضلات في الدرس الصوتي للغة العربية المعاصرة الحديثة بله العربية ولهجاتها في التاريخ القديم». وإذا كان الأمر كذلك، لماذا استنفد الباحث ـ حقا ـ جهدا مضنيا في دراسة هذه الظاهرة التي لم يتم الحسم فيها بعد؟

د. عبدالجبار العلمي

عن كتاب «الإيقاع في شعر السياب» للراحل سيد البحراوي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى