أ. د. عادل الأسطة - درويش وأثر الفراشة.. العمى والبصيرة

1- دال الفراشة:

سيسألني شاعر صديق قرأ بعض مقطوعات كتاب الشاعر محمود درويش الجديد "أثر الفراشة" (2007) الذي آثر صاحبه أن يصنفه تحت جنس "يوميات"، سيسألني عن دال العنوان ومدلوله – أي عن المعنى لكلمة فراشة وأثرها.

ماذا تعني كلمة أثر وماذا تعني كلمة فراشة؟ والأثر، أثر الشيء، كما نعرف، بقاياه، ما يخلفه فعل ما، شيء ما. وحين تجمع على آثار ينصرف الذهن إلى تخصص جامعي في علم الآثار، البقايا، المخلفات، ما ورثناه، وإلى ما يتركه كاتب ما ويخلفه وراءه، ويقوم ناقد ما، جهة ما، مؤسسة ما، بجمعها والإشراف عليها وطبعها ورعايتها أيضا. وهناك أثر الجريمة، وأثر التدخين- أي ما يخلفه ويدل عليه. وأما الناقد الأدبي، وقارئ (جاك دريدا) الناقد التفكيكي، فقد ينصرف ذهنه إلى كلمة (أثر) بمعناها ( Trace ): "إن الأثر الأصل هو الإمكانية التكوينية لما يعرف عادة بالاختلاف" (دليل الناقد الأدبي، سعد البازغي وميجان الرويلي، ص58-60 من ط2، سنة 2000).

وأما الفراشة بمعناها القاموسي، فهي حشرة توصف بالحمق "أحمق من فراشة" لأنها تقترب من النار فتحترق وتموت. ولا يستخدم درويش هذا الدال "الفراشة" في أشعاره بمعناها القاموسي. إنه يرى فيها دلالات رمزية عديدة، وليس هو أول من رأى ذلك. لقد توقفت مطولا أمام هذا الدال في أشعار درويش، في دراسة عنوانها "محمود درويش ولغة الظلال" (2000) نشرتها في غير مكان، وأتيت على مدلول هذا الدال، وقدمت اجتهادي، ولا أدري إن كان درويش رأى فيه سوء تفاهم، سوء قراءة. وكما يقول التفكيكيون، فإن كل قراءة هي إساءة قراءة. ربما لهذا شكر درويش النقاد في إحدى يومياته الجديدة "اغتيال"، مع أنه نجا من قراءتهم، ورأى فيها اغتيالا وسوء تفاهم. لقد رأيت في دال الفراشة في أشعار درويش المدلولات التالية: المرأة، المدينة، الكتابة، الفدائي،....، الخ، ولما عدت إلى معجم الرموز "لـ(مانفرد لوركر) (بالألمانية) قرأت أن المسيحية رأت في الفراشة رمزا للبعث، وأما المصريون القدامى فقد قالوا إن روح الميت، بعد خروجها من جسده، تتحول إلى فراشة. وذهب المكسيكيون إلى أنها رمز للهيب المتوهج، رمز لنار الله، وجاء في القرآن الكريم ان الناس حين يبعثون يوم القيامة نراهم كالفراش المبثوث. فأي المعاني يقصد درويش؟

نص المقطوعة هو: [اليومية]:

أثر الفراشة:

"أثر الفراشة لا يُرى/ أثر الفراشة لا يزول/ هو جاذبية غامض/ يستدرج المعنى، ويرحل/ حين يتضح السبيل/ هو خفة الأبدي في اليومي/ أشواق إلى أعلى/ وإشراق جميل/ هو شامة في الضوء تومئ/ حين يرشدنا إلى الكلمات/ باطننا الدليل/ هو مثل اغنية تحاول/ أن تقول، وتكتفي/ بالاقتباس من الظلال/ ولا تقول../ أثر الفراشة لا يُرى/ أثر الفراشة لا يزول".

في قصيدته "لا تصدق فراشاتنا" (ورد أقل) وضح درويش مدلول الفراشة في القصيدة نفسها، حين قال: "لا تصدق إذن صبر زوجاتنا".. الفراشة هي الزوجة. وفي "من سماء إلى أختها يعبر الحالمون" (لماذا تركت الحصان وحيدا؟) ترتبط مفردة الفراشة بدال الكتاب: "لولا كتاب الفراشة من حولنا". إن جناحي الفراشة مثل صفحتي كتاب مفتوح، وإذا كنا نلاحظ نقاطا سودا على جناحي الفراشة البيضاويين، فإننا نرى فيها الحروف على صفحتي الكتاب. كأنها الكتاب. إنه خيال درويش المذهل على أية حال الذي جعلنا نرى هذا. والخيال لا غنى عنه للشاعر.

إن إمعان النظر في دوال الكلمات في نص "أثر الفراشة"، وهي جاذبية، غامض، معنى، إشراق [إشراق العبارة لدى الصوفيين]، اقتباس، تومئ، كلمات، باطن [باطن وظاهر أيضا مصطلح مرتبط بالكتابة وأيضا لدى الصوفيين]، أغنية، تقول، ظلال [ظلال الكلمات]، إن إمعان النظر في الدوال السابقة، وهي تشكل أكثر القصيدة، يجعلنا نذهب، دون تردد، إلى أن الشاعر هنا لا يقول المعنى بأسلوب مباشر. أعني إنه لا يقصد الفراشة لذاتها، وإنما لمعانيها الرمزية، لا كلها وإنما لبعض منها، وهي هنا الكتابة.

تترك الكتابة أثراً لا يرى، ولكنه أيضا لا يزول. وقديماً قال العرب: جرح اللسان أنكى من جرح السنان، فإذا كان أثر الثاني قد يزول، فإن أثر الأول لا يزول، وإن كان لا يرى، خلافا لجرح السنان الذي يُرى. هل ما ذهبت إليه هو اغتيال ناقد لشاعر؟ ربما. سأشكر درويش على شكره لسوء التفاهم، وسأذكره بمقولة التفكيكيين: كل قراءة هي إساءة قراءة.

2- يغتالني النقاد:

في كتابه الأخير "أثر الفراشة" (2007) الذي سيصدر بعد أيام، يكتب درويش أيضا واحدة من يومياته تحت عنوان "اغتيال"، يأتي فيها على ما يريدون من قصيدته الجديدة، وما يريدونه هم يختلف عما يريده هو. لا يقول درويش هذا بلغة مباشرة وشعارية، وإنما بقدر من التلميح. وهو لا يهاجم النقاد، إذ يكتفي بعرض الأمر، ويعتبر عدم اندماج الأفق بينهم وبينه، عائدا إلى أنه يريد أن يأتي بجديد لم يعتادوا عليه. وربما يكون درويش هنا على اطلاع جيد على نظرية التلقي الألمانية ومقولات (هانز روبرت ياوس). فالأخير يناقش مصطلح اندماج الأفق والمسافة الجمالية بين المبدع وقارئه، ويقول إن هم الأول يكمن في أنه يريد دائما أن يأتي بشيء جديد، حتى لا يكرر نفسه، وهذا الشيء الجديد قد لا يعجب كثيرين ممن اعتادوا على شعر ما أو نثر ما. إنه قد يخالف أفق توقعاتهم. وقليلون هم من يكونون ذوي عقل مرن، فيتقبلون الجديد، ويعودون أنفسهم عليه، ويأخذون به، لأنهم يشعرون أنه أضاف إليهم شيئا جديدا.

وعموما فإن قارئ المقابلات التي أجريت مع الشاعر، منذ خروجه من الأرض المحتلة في العام 1970، وإعلانه عن ضجره من القراء والنقاد الذين يطالبونه بقصائد على غرار "سجل أنا عربي"، وبحثه المستمر عن قصيدة جديدة، يلحظ- أي القارئ- أن درويش لا يتخلى أبدا عن نظره إلى نفسه على أنه مبدع. وقارئ آراء (ياوس) يتفهم الشاعر جيدا، ويقدر له إصراره على ضرورة تطوير نفسه وعدم تكرار قصيدته. وإن كان القارئ يدرك أن كثيرين من البشر لا يتقبلون كل جديد بسهولة، وأن هناك قواعد ومقاييس وضوابط وروابط وأنظمة سادت منذ مئات السنين، ولم يكن من السهل التخلي عنها. ودرويش نفسه كان يدرك هذا، وكان يجيب بهذا، حين كان يسأل عن قصيدة النثر، هو الشاعر الغنائي الذي يأسره الإيقاع. بل إنه عبر عن هذا شعرا في جدارية، حين اعتبر نفسه آخر الشعراء الغنائيين أو كأنه. ويبدو أن اقترابه من النثر، في "أثر الفراشة" يعود إلى ما غدا عليه، فدرويش الآن/ ابن السادسة والستين عاما، الذي عانى من مرض القلب، ما عاد ابن الثلاثين أو ابن الأربعين. إنه لم يعد يتحمل الانفعالات والهزات، ويوصيه الطبيب بذلك؛ يوصيه بالهدوء، خوفا على قلبه. هل يكون هذا هو السبب في غلبة النثر الهادئ، على الشعر الصارخ الإيقاع، في كتابه الجديد: "أثر الفراشة"؟

يكتب درويش في "كقصيدة نثرية":

"لولا حاجتي الغامضة إلى الشعر لما كنت في حاجة
إلى شيء- يقول الشاعر الذي خفت حماسته
فقلت أخطاؤه. ويمشي لأن الأطباء نصحوه
بالمشي بلا هدف، لتمرين القلب على لا مبالاة ما
ضرورة للعافية. وإذا هجس، فليس
بأكثر من خاطرة مجانية".

إبداء درويش رأيه في شعره وفي النقاد ليس جديدا عموما. لقد أنجزت دراسة مطولة، نشرتها في الأسوار في عكا في العام 2003، تحت عنوان: الشاعر، من خلال شعره، منظرا للشعر "تناولت فيها نظرة درويش للشعر منذ ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" (1960). ومنذ "حالة حصار" (2002)، وربما قبل ذلك بقليل، بدأ درويش، في أشعاره، يتوجه بالخطاب إلى الناقد. لقد شغل الأخير، فيما يكتبه عن أشعار الشاعر، بل وعن الشاعر نفسه، تفكير درويش. وإذا كان غلاف "حالة حصار" يبرز صورة لرجل يدير ظهره لغيره، فإن قصائد الديوان تقول غير هذا وعكسه، كأن الصورة لا تنطبق على درويش، فهو يفكر في الناقد والقاتل والشهيد والسجان والسجين، بل ويكتب عن هؤلاء كلهم. ولعل درويش يدرك هذا جيدا، ويدرك أنه من دون هؤلاء، ومن دون القراء فإن أشعاره تبقى حبرا على ورق. حقا إن هاجس القصيدة في بنائها وفكرتها يشغله، ويشغله أن تكون جديدة، وربما تشغله القصيدة أكثر مما تشغله تفسيرات النقاد وآراؤهم، لكنهم- أي النقاد- حاضرون في ذهنه أيضا، حضور كينونة القصيدة الجديدة، وإن قال:

"يغتالني النقاد أحيانا
وأنجو من قراءتهم،
وأشكرهم على سوء التفاهم
ثم أبحث عن قصيدتي الجديدة"

ربما كان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي أكثر الشعراء العرب هجاءً للنقاد في قصائده. درويش لا يهجوهم، ولكنه يعبر عن رأيه فيما يكتبون عن أشعاره. في "اغتيال" شيء من هذا. يوضح ما يريدون من قصيدته، وكيف تكون. ويوضح أيضا ما يفعله وما يكتبه. إنه يشكرهم لسوء التفاهم، ولا يلتفت إلى قراءتهم، لأنه يبحث عن قصيدته الجديدة، معنى وشكلا. هذا هو هاجسه. والسؤال هو: هل نقاد درويش كلهم على الشاكلة التي صورهم هو في قصيدته عليها- على الشاكلة؟ ربما ينطبق ما يقوله درويش على بعض النقاد، ولكن هناك نقاد قدموا لقصيدته خدمة كبيرة جدا لولاها لما كان لشعره هذا الانتشار والتقبل أيضا. حقا إن هناك ألقا وبريقا تحققه قصيدته ذاتها، ولكن تقديم النقاد لها كان له دور أيضا. وربما يوافقني محمود درويش على هذا! ربما!.

3- درويش وإرباك النقاد

رأى درويش، كما لاحظنا، في تأويلات النقاد لنصوصه، تأويلاتهم التي لم ترق له، سوء تفاهم بينه وبينهم. ولم يقل لنا عن تلك التأويلات التي راقت له وأعجبته، ولم يقل لنا رأيه في أصحابها: هل كانوا الأطباء الذين أعادوا له الحياة، بعد اغتيال من أساء تأويله له؟

والسؤال الذي يثيره المرء، بعد قراءة رأي درويش في النقاد، هو: من هو المسؤول عن سوء التفاهم؟ هل هو النقاد أم الشاعر أم نصه؟

لنبدأ بالشاعر نفسه. كان درويش في بداية حياته الشعرية يكتب القصائد الواضحة التي كانت تخلو من تعدد القراءات، ومن إشكالات القراءة. وكان هو يفخر بهذا، فلم يكن يكتب للنخبة أو لنقاد الأدب وقرائه فقط. كان يريد لقصائده أن تحمل المصباح من بيت لبيت، وأن يفهم البسطاء معانيها، وإلا فإنه سيذريها ويخلد هو للصمت. ولم يعد، فيما بعد، يفعل هذا. لم يعد يكتب شعرا واضحا خاليا من الرمز، منذ آخر الليل (1968)، وقد لاحظ هذا رفاقه الشيوعيون في الحزب الشيوعي، من إميل توما إلى توفيق زياد، وكتبوا رأيهم ونشروه. لكن الشاعر لم يخضع لهم، وواصل كتابة الشعر الذي احتمل تأويلات عديدة، وحين هاجر إلى العالم العربي، وتخلص من تأثير العقيدة عليه، تأثر بأدونيس وبغيره، ولم يعد يقرأ الشعر إلا أمام النخبة، وأراد فوق هذا أن يختلف وألا يكرر نفسه، وتأثر بمدارس أدبية أخرى غير الواقعية الاشتراكية التي نما في أحضانها، وكتب اعتمادا على ما كانت تذهب إليه: شعبية الفن وجماهيرية الشاعر وشعره. وما بين فترة وفترة كان درويش يُسائِلُ نفسه عن طبيعة شعره، عن عباراته ومفرداته ولمن يتوجه، فهو إذا ترك الحزب الشيوعي، فقد غدا شاعر الثورة التي لا بد لها أيضا من شاعر يكتب لفدائييها وعنهم وللأخضر وعن الأخضر: "نشيد إلى الأخضر".

لكن درويش، مع تقدمه في السن، وتراجع الثورة وتقدم مفاوضات السلام، والهدوء النسبي الذي عاشه الفلسطينيون ما بين 1994و 2000، وقراءته المستمرة لمدارس نقدية جديدة حول الشعر والالتزام وطبيعة اللغة الشعرية، ومخيلته العجيبة التي تمنح المفردات والأشياء أبعادا رمزية، وهذا ما أقر به شخصيا في كتابه "في حضرة الغياب" (2006)، لكن درويش مع ما سبق ما عاد يكتب النص الذي يحتمل تأويلا واحدا، ولقد قال هذا، غير مرة، في المقابلات التي أجريت معه: إنني ما عدت أكتب النص الذي يحتمل قراءة واحدة أو تأويلا واحدا.

هل هو درويش إذن المسؤول عن سوء التفاهم؟ هذا احتمال وارد، بل ووارد جدا، والشاعر يقر بهذا ويعترف به أيضا، حين يصرح بأنه ما عاد يكتب القصيدة التي تحتمل تأويلا واحدا.

لكن إلقاء اللوم على الشاعر نفسه وحده، دون غيره، أمر لا تقر به النظريات النقدية الحديثة، ولا طبيعة الشعر نفسه، عدا أن الأمر ليس بدعة في الشعر العربي منذ امرئ القيس. هناك اللغة نفسها، فلغة الشعر لغة انزياح. وحسب تعبيرات البلاغة العربية هناك المجاز والاستعارة والكناية. ولم يكن القراء كلهم، دائما، يفهمون الكلام الذي يسمعون، وكان لا بد من شراح ونقاد، وقد يختلف هؤلاء فيما بينهم. ألم يقل المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر القوم جراها ويختصم

وهناك أيضا النص الذي تشكل من مجموعة نصوص، وكل واحد منها كان يحفل بتجارب صاحبه وتجارب من قرأ لهم كما فهمها هو.

وبالإضافة إلى قصد الشاعر وطبيعة النص هناك القارئ الذي أخذت النظريات النقدية الحديثة تركز عليه، وتقول إنه لا يتأثر بالنص فقط، بل إنه يؤثر فيه، وقد يمنحه تأويلات لم تكن خطرت على بال صاحبه- أي الشاعر. وأنه- أي القارئ- قد يتأثر بمعطيات زمانه، ويقرأ النص في ضوئها. وأظن أن هذا ينبغي ألا يغيب عن ذهن درويش.

تقدم لنا نصوص "أثر الفراشة" ما يدعم ما ذهبنا إليه، بل وتقدم لنا أيضا ما هو لصالح النقاد، لا ما هو لصالح درويش، في موقفه منهم. هل أقول إذن إن درويش هو الذي يغتال النقاد، لا هم هو الذين يغتالونه؟ لعلني، ولكني سأشكره كما شكرهم، لا على سوء التفاهم، وإنما لأنه يقدم لنا دائما نصوصا جميلة تحرضنا على القراءة والكتابة.

كما ذكرت، ابتداء، تحت عنوان: "يغتالني النقاد"، فإن درويش يوضح ما يريده من قصيدته، وما يريده النقاد من شعره. هناك اختلاف فسرته اعتمادا على مقولات (ياوس) بخصوص المسافة الجمالية بين الشاعر وناقده، وعدم اندماج الأفق بينهما دائما. لكن درويش نفسه، حتى في الديوان الواحد أو في الكتاب الواحد، كما في "أثر الفراشة" يبدو قلقا متناقضا، يريد ولا يريد، يحبها ولا يحبها، ويقصد الشيء لذاته ويغويه المجاز، ولا يبين لنا أين قصد الشيء لذاته وأين أغواه المجاز. لو كان فعل ذلك، لما كان هناك سوء تفاهم بينه وبين نقاده، ولربما ما اغتالوه ونصه. ربما

في "لون أصفر" يغويه مجاز التأويل، وفي "كقصيدة نثرية" تغري البلاغة بالتشبه بأفعالها الماكرة، وفي "مكر المجاز" يقول مجازا أيضا: مجازا أقول: انتصرت، مجازا: أقول خسرت..." ولكنه في "البعوضة" التي لا يعرف اسم مذكرها يقول عنها: "ليست استعارة ولا/ كناية ولا تورية. إنها حشرة تحب دمك/ وتشمه عن بعد عشرين ميلا ولا سبيل/ لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة:/ أن تغير فصيلة دمك".

تارة يقول لنا درويش كلاما مجازيا، وطورا يرفض أن يُؤَولَ شعره تأويلاً مجازيا، ولقد قال في المقابلات التي أجريت معه القولين. هل يحق لنا نحن النقاد أن نقول له: حتى لا يحدث بيننا سوء تفاهم، وسوء قراءة، نرجو من حضرتك، أن تكتب لنا، بداية كل قصيدة أو في نهايتها عبارة: قصيدة مجازية، أو قصيدة ليست مجازية، أو حين يستخدم دال الأم مثلا يكتب في نهاية القصيدة: دال الأم هنا حقيقي لا مجازي أو العكس.

أحيانا كثيرة يربك درويش، عن قصد أو عن غير قصد، نقاده، ما يدفعهم لتأويلات عديدة يرى في بعضها اغتيالا. وربما يجدر أن أنهي هذه المقالة بقول درويش في إحدى يومياته التي جاءت تحت عنوان "أنت، منذ الآن، أنت" إذ يرد فيها:

أداري نقادي، وأداوي جراح حسادي على
حب بلادي.. بزحاف خفيف، وباستعارة
حمالة أوجه.

الجمعة: 07/12/2007

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى