محمد علام - الوعي في رقبة الشبكة الوليدة.

عندما ظهر الإنترنت، تكهن بعض العلماء وقالوا: لقد عاد عصر القراءة الذهبي. حيث أن التعامل مع الإنترنت يفرض على مستخدمه الإلمام بأبسط أساسيات القراءة، لكن بدلا من زيادة معدلات القراءة، صارت دور النشر تشتكي من كساد سوق الكتاب وعدم رواجه، وانهالت المقالات التي تعلق كل جرائم الجهل وتزييف الوعي في رقبة الشبكة الوليدة.

زاد عدد الكتاب؛ وزادت مطبوعات دور النشر، رغم انخفاض معدلات البيع بشكل واضح للغاية. فهل لهذا أي علاقة بعالم الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي؟
أعلن إمبرتو إيكو قبل وفاته بقليل سخطه على شبكات السوشيال ميديا، وقال إنها جعلتنا نستمع إلى آراء الحمقى والمغفلين. ربما كان خطاب "إيكو" حادا بعض الشيء، ولكنه جدير بالتأمل، فقد كسرت السوشيال ميديا تقاليد الصحافة وأعرافها، وأزالت ما عرف في القرن العشرين بمعايير الكتابة ومناهج النقد والأدب، وربما كان هذا التحور جزءا من التعددية الثقافية التي انغمس فيها العالم فأصبح من حق الجميع أن يكتب أي شيء دون سقف أو معيار، وبالتالي ما عليك إلا أن تقول عن نفسك أنك كاتب لتصبح كاتبا! كان هذا الأمر مدهشا لإيكو وجيله وعصيا على استيعابه.
كان طبيعيا أن تنبري طبقة النخبة المثقفة، ويضيع النقد والنقاد، في العالم كله، ليتركوا الساحة مفتوحة على مصراعيها لأذواق الجماهير "الخام" والتي سترجح كفة من يلائمها ويلائم عصرها أكثر.
أزالت السوشيال مديا الكثير من الأعراف والتقاليد، فانتشر خطاب العامة اليومي على عواهنه وبألفاظه النابية، على صفحات التواصل الاجتماعي، وطَفَت التعليقات الشعبية على الأحداث الجارية، بفهمها السطحي لها، ونجد أن هذه البكارة في الحديث بحرية على الملأ انجذب لها بعض الأدباء، فخرجت روايات تحتوي بين دفتيها كلامًا يدور على ألسنة العامة بفجاجة لم تكن معهودة من قبل.
أثار أحمد ناجي قبل عامين بعمله "استخدام الحياة" جدلًا في وقته أدى به إلى السجن بتهمة خدش الحياء العام، وعبر تصفح الرواية سنجد أنه لم يضع في روايته سوى تعليقات على ألسنة شخصياته، يستخدمها الناس بالشوارع يوميًا، لكن الناس لن يحاكموا لأنهم قالوا ألفاظًا نابية، هذه الواقعة والتي تبدو محزنة وبائسة، إلا أنها تحمل في طياتها فكاهات لا تنتهي، أو كما قال قديما من قال ضحك يشبه البكاء. ففي الوقت الذي يتنامى فيه العالم للتحرر من السلطوية، نعيد نحن اختراع العجلة من جديد ونتساءل هل من حق الجميع أن يكتب ما يريد أم هناك حدود؟
وأثار في نفس التوقيت، فيلم "فض اشتباك" جدلًا واسعا لعرضه صورة تختلف مع ما يسود الخطاب الإعلامي عن الوضع السياسي والاجتماعي في مصر، وانتشر لغط حول منع الفيلم من العرض، وسألت مذيعة الناقد الراحل علي أبو شادي رئيس الرقابة على المصنفات الفنية الأسبق؛ إلى أي مدى يكون سقف الحرية؟ فأجاب حينها في دقة وحدة أن الحرية في الفن لا سقف لها، وأن من حق الجميع أن يكتب ما يشاء، ومن حق الجميع أن يقبل أو يرفض ما يُكتب أو يُعرض، وليس من حق أحد أن يمنع أحدًا من القول أو الكتابة أو التصوير تحت أي مسمى.
صار الوضع عندنا أسوأ نسبيا من الغرب، عندما استيقظنا من النوم فوجدنا كل الحدود والأعراف والمعايير قد أزيلت، فاختلط الفن بالإسفاف والأدب باللاأدب، لا لشيء، إلا لأننا مازلنا مصرين أن نكون صدى لصرعات الغرب، ونريد أن نجعل ما يروج في أوروبا، رائجا هنا في الشرق، وهذا لا يستقيم في كل الأحيان.
أطل علينا دان براون خلال العقد الأخير بروايته التي تعتمد على "المعلوماتية" والتسلسل البوليسي، ليظهر بعدها مباشرة يوسف زيدان بـ "عزازيل" التي أخذت نكهة مشابهة فحاولت إذابت الفاصل بين الواقعي والخيالي كما لعبها دان براون في رائعته "شيفرة دافنشي"، ولقد حققت عزازيل صخبا موازيا في مصر.
وفي الوقت الذي يخبو فيه نجم الرواية الواقعية، تظهر من رحمها الرواية الفضائحية التي تعتمد على إبراز الانحراف السلوكي لشخصيات عامة ذات مناصب قيادية، مثلما فعل "الأسواني" في عمارة يعقوبيان، ومن بعده أحمد مراد في فيرتيجو.
اصطفت السوشيال ميديا، والتي بسطت نفوذها علينا بعد ٢٥ يناير ٢٠١١؛ من سيتمكن من مواكبة التغيرات الجديدة التي تفرضها سرعة العصر، وهوس الاستهلاكية الأمريكية التي تسللت خلال نصف قرن لتبسط نفوذها الثقافي على كل محطات الإرسال المعرفي والفني، وتمكنت من تغيير الذائقة العامة لتصبح موسيقى وأدب وسينما أمريكا أكثر انتشارًا، حتى أن شرائح بكاملها في مجتمعنا تعتقد أن ٢٠٠ دولة في العالم لا ينتجون سينما وموسيقى وأدبا سوى أمريكا فقط!
وعلى ذلك انبرى أدب الفضائحيات رغم محاولات الأسواني المتكررة في هذا الشأن، وخبا الأدب المعلوماتي رغم جهود زيدان الدؤوبة حتى وقت قريب، وربح أحمد مراد، حيث قدم أدبًا تناسب مع الطابع الأمريكي المسيطر، مفرغا من القضايا الكبرى، مشغول بقضايا شديدة الذاتية لأبطاله، فنجد شخصياته نفسها مشغولة بما هو يومي ومعاش في حياتها، مثل أي شخص في الحياة انغمس في معاركه الذاتية والشخصية.
كان من المفترض أن تسهم طبيعة النص الإلكتروني الذي فرضته السوشيال ميديا متسما بالتكثيف والجمل القصيرة، وتنعكس على النص الأدبي أيضا، لكن مردود هذا التغير كان مختلفًا بعض الشيء.
فقد زاد الإقبال مؤخرا على الروايات الضخمة الحجم، وانتشرت هذه الروايات بين فئات القراء المراهقين، حديثي العهد بالقراءة. ولعل هذا يقودنا إلى ما نادى به علماء الاجتماع، ونقاد الأدب في القرن العشرين، حيث تقزم الانسان أمام الكيانات الرأسمالية الضخمة، وشعوره بالاغتراب عن زمنه الذي تسيطر عليه الآلة، وتسيطر على الانسان نفسه فيتحول إلى آلة صغيرة الحجم، ضخمة المجهود، قليلة الراحة، ولعل كل هذه العوامل كان لها دور في إقبال الجماهير على صناعة الرفاهية، حيث استجلاب الانسان من خلال آلامه.
حذر بعض الكتاب من طغيان السوشيال ميديا على الأدب، فتؤثر طبيعة توالد المنشورات السريعة على شبكات التواصل والتي تتسم بالبوح الذاتي، وهو ما انعكس على ادب اتكأ مؤخرا على "ضمير المتكلم" واعتمد به على الغوص داخل ذات مأزومة طوال الوقت، تشعر بالوحدة وتعاني من أزمة التواصل الاجتماعي، ومتخمة بطاقة كبيرة من البوح الذاتي، والذي قد يصل مع بعض الكتاب حد الثرثرة.
ونلاحظ تزايد هذه النغمة بقوة خلال السنوات العشر الأخير في أغلب الكتابات الرائجة عند أحمد مراد ومحمد صادق وأحلام مستغانمي وغيرهم، وحتى عند الكتابات المنتشرة على مساحة ضيقة، مثل محمد عبد النبي وطارق إمام، وأحمد عبد اللطيف؛ والذي نلمح في إحدى رواياته "إلياس" ليس اعتماده على المتكلم فقط وانما على تدوير اللغة المربك والممل، ورغم ذلك ميزه أنه حافظ على معاني روايته قدر ما يستطيع، لكن هذه الطريقة يمكن أن تلفت انتباهنا إلى حالة الانفصال الاجتماعي التي أظهرها الكاتب خلال روايته.
وأذكر أنني صادفت لقاء عبر النيل الثقافية عقب معرض كتاب ٢٠١٠ لكاتب شاب يشكو تجاهل الدولة لنوعية كتابته الجديدة وتجاهل دور النشر لأدبه الذي يجاري أحدث الصيحات الأمريكية الرائجة في العالم، وهي أدب الرعب، وأنه يسعى من خلال كتابته لأدب رعب يعتمد على تيمات محلية، وكان قد صدر له في ذلك الوقت رواية من دار نشر مبتدئة ومغمورة آنذاك. المفارقة في الأمر أن بعد ٢٠١١ بفترة قصيرة صار هذا الكاتب واحدا من كتاب الروايات الأكثر مبيعا، وظهر على شاكلته جيل تنامى في فرض صيحات الرعب ليس على الادب فقط، ولكن على التلفزيون أيضا حيث تحولت بعض هذه الأعمال لمسلسلات راجت في رمضان ولأفلام سينمائية.
يمكننا أن نقف هنا قليلا، فمن خلال تتبع مسيرة رواج الصيحات الأدبية والتي إذا جاز تسميتها بأسماء أبرز كتابها مثل أحمد مراد وحسن الجندي، وأحلام مستغانمي.. سنجد ظهور مجموعات أدبية إلكترونية في أعقابها اكتسبت جماهيرية ملفتة، وصار من المثير للتأمل.. استفتاءات هذه المجموعات التي قد تضع أحد الأدباء السابق ذكرهم في المركز الأول بينما يأتي نجيب محفوظ في المركز العاشر!
وهنا تقوم هذه المجموعات بدور الصحافة الثقافية، الذي غاب عن المشهد مع تراجع دور الصحافة وانخفاض نسبة القراءة. وعلى مميزات هذه المجموعات الأدبية التي أثارت حراكًا ملفتا عبر العالم الإلكتروني، فقد صنعت شيئا لطالما افتقدته الصحافة التقليدية، هو التفاعل المباشر بين الكاتب والقارئ، حيث صار الكاتب شخصا في المتناول وهكذا ودون أن يشعر أحد، تجرد الأديب من قدسيته رويدا، وفقد دوره التنويري الذي طالما مارسه بكهنوتية في القرن التاسع عشر، وبفدائية طوال القرن العشرين، ليتحول الكاتب لسلعة استهلاكية "تيك أواي" يمارس مهمة واحدة فقط.. هي ملء أوقات الفراغ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى