علجية عيش - البعثات العسكرية بين الأمس و اليوم

(غموض حول مقترح إرسال الجيش إلى الخارج في مسودة الدستور الجزائري )

كانت البعثات العسكرية في السابق من أجل استكشاف المناطق التي يسهل على الدولة القوية احتلالها واستغلال ثرواتها، و كان جلّ "الرحّالة" عسكريون، و كثيرا ما حدثتنا كتب التاريخ عن رحالة قاموا بأدوارا مهمة في عالم "الجوسسة" لكن تحت غطاء علمي، هدفهم اكتشاف المدن و القلاع و إماطة اللثام عن اسرارها و ملامحها التاريخية و الأثرية قبل اختراق أسوارها و غزوها، و ما أكثر البعثات العسكرية التي قامت بحملات على دول المغرب العربي ( الجزائر و ليبيا..الخ) خاضها ضباط إيطاليون و إنجليز كانوا على درجة عالية من الثقافة، قاموا بمسح شامل للمدن و القلاع و عادوا إلى حكامهم بتقارير و خرائط و مخطوطات عن جغرافية هذه الأمكنة و حدودها و كيفية غزوها
images.jpg
تختلف البعثات العسكرية بالأمس عن بعثات اليوم، كانت في السابق من أجل استكشاف المناطق التي يسهل على الدولة القوية احتلالها واستغلال ثرواتها، و كان جل"الرحّالة" عسكريون، ينطلقون في شكل قوافل، و كثيرا ما حدثتنا كتب التاريخ عن رحالة قاموا بأدوارا مهمة في عالم " الجوسسة " لكن تحت غطاء علمي، هدفهم اكتشاف المدن و القلاع و إماطة اللثام عن اسرارها و ملامحها التاريخية و الأثرية قبل اختراق أسوارها و غزوها، و ما أكثر البعثات العسكرية التي قامت بحملات على دول المغرب العربي ( الجزائر و ليبيا..الخ) خاضها ضباط إيطاليون و إنجليز كانوا على درجة عالية من الثقافة، قاموا بمسح شامل للمدن و القلاع و عادوا إلى حكامهم بتقارير و خرائط و مخطوطات عن جغرافية هذه الأمكنة و حدودها و كيفية غزوها ، أما اليوم اتخذت لها مسارا آخر، بحيث تعمل على دعم قوى ضد قوى أخرى، و إثارة علاقات التوتر بين دولة و أخرى كما نراه الآن في ليبيا و تدخّل الجيش التركي و الجيش المصري و كذلك التدخل في اليمن و في سوريا و في مالي و غير ذلك، فالحروب كما يقول خبراء تستلب كل البعد الإنساني و تحيل الإنسان إلى وحش، و فيها يصبح السيف هو الحكم الأعلى في المجتمع، و يحتفل بأيام الغدر و الإنقالابات لتصبح أعيادا وطنية و هي في قسم منها مناسبات للتآمر و الإطاحة بعروش الآخرين.​
فقد جعلت بعض الأنظمة الدكتاتورية العنف مقدسا و يجب أن تقدم له القرابين البشرية، و وصل بها الأمر إلى تشويه الصورة الكاملة للمجتمع الإنساني بقلبه من المدني إلى العسكري لتصيح علاقات القوة هي المهيمنة، من البديهي طبعا أنه لا يمكن لأيّ دولة أن تنهض و تتحصّن دون وجود جيشٍ يدافع عن أرضها و حدودها ضدّ الاعتداءات الخارجية، ويحمي مصالحها و مؤسساتها، و من الطبيعي أيضا أن يكون الجيش مصدر أمان الدولة، فالحياة العسكرية تختلف بشكل كبير عن الحياة المدنية من حيث الإنضباط و تطبيق الأوامر والتعليمات التي تصدر من الجهات العليا، إلا أنه مع التطوّر التكنولوجي تتطوّر معه القُدرات التسليحيّة للجيش ، فيكون في حاجة إلى تكوين مستمر و رسكلة و تثقيف، حتى يواكب كل التطورات العسكرية التي يشهدها العالم، و لذا جاء في مسودة التعديل الدستوري الجديد مقترح إرسال بعثات عسكرية إلى الخارج، بيد أن المسودة حسب الملاحظين لم توضح الأهداف أو الغرض من هذا المقترح، هل البعثة تدخل في إطار الشراكة الأمنية في محاربة الإرهاب و الحفاظ على السلم و الأمن الدوليين، و التصدي للتهديدات التي تواجهها الدول، أم هي مخابرات في مخابرات، أم أنها تأتي في إطار التدريب و تمكين الجيش من اكتساب وتبادل الخبرات في مجال التسليح مثلا، من أجل بناء جهازا كمناعيا رائعا في المستقبل، ومن هو البلد المختار؟ ومن هي الرّتب العسكرية المعنية بالتنقل إلى الخارج، وهل لها ثقافة عسكرية؟.​
يقول مختصون أنه لا يكفي أن يكون المنتسب لسلك الجيش مطلعا على القانون العسكري نظامه الداخلي و أنواع الأسلحة فحسب، بل يجب أن يكون أكثر اطلاعا على الإستراتيجيات والخُطط العسكريّة وكيف تُدار، خاصة أثناء تواجدهم خارج الوطن، أي أن يزوّدوا بمهارات و تقنيات جديدة يجهلونها، خاصة في المجال "الإستخباراتي" كي يتجنبوا مستقبلا السلبيات العسكرية، طالما هم يعتبرون همزة وصل بين البلد الأمّ و البلد المستقبِل و يمثلون "الدبلوماسية العسكرية " في تعاملهم مع الشريك الأجنبي، المقترح الذي جاء في مسودة الدستور قد يخلط الكثير من الأوراق و يعيد حسابات تأبى أن تزول من ذاكرة الجزائريين، حيث طرح عدة تساؤلات، البعض يرى أن مقترح إرسال بعثات عسكرية إلى الخارج يكون في شكل "ميليشات" لدعم دولة ما في حربها ضد دولة أخرى، فماذا عن العساكر الذين برتدون الزيّ المدني؟ فكثير من العساكر متخفون و يمارسون عدة مهام، ولا أحد يتعرف على هويتهم، فقد يجلسون في المقاهي مع العامة و قد يقودون سيارات أجرة و قد نجدهم يعملون في الصحافة و حتى داخل الحراك الشعبي و ما شابه ذلك، وهذا كما يقول محللون يعتبر شكل من أشكال الدولة العسكرية المقنعة، فيما ربطه آخرون ( أي المقترح) بنظرية العلاقات "المدنية-العسكرية" و الدور السياسي للجيش و ما يجب أن يقوم به أمام المعارضة في حال إذا ما استأنف الحراك الشعبي مسيرته ، و تجديد مطالبه بدولة مدنية لا عسكرية، و ماهو الخطاب الذي يينبغي أن يكون في التعامل مع المعارضة و الآثار المترتبة عنه، خاصة إذا أوكلت للجيش مهمة حفظ الأمن والنظام العام أثناء المظاهرات و المسيرات الشعبية، أو في حالة وجود انقلابات عسكرية، مما يزيد من تدخله في الشأن السياسي خاصة عندما تتلقى الأوامر باستخدام العنف ضد المعارضة.​
فقد وجد الجيش في تهدئته الوضع طيلة المسيرات الشعبية و تجنبه العنف و محاصرته كل من أراد العبث بأمن و استقرار البلاد "الورقة" الرابحة في فرض وجوده عسكريا و سياسيا من خلال التعديل الدستوري الجديد، كي يجعل منه اللاعب الأقوى في الحياة السياسية، الجدير بالملاحظة أن نقاشات واسعة دارت حول من له الشرعية في تسيير شؤون البلاد و دواليب الحكم هل رجل السياسة ( أي الرجل المدني) أم العسكري، و لعل مطالب الحراك الشعبي بدولة مدنية يعود إلى اسباب عديدة ، أولها رفض الحكم الفردي الإستبدادي، لأنه لا توجد في الدولة العسكرية انتخابات و حياة نيابية (برلمان)، ثم أن الدولة العسكرية تعتمد على "القوّة"، وهذا النوع من الدولة يعيد إلى الذاكرة مرحلة التسعينيات وكيف توقف المسار الإنتخابي و تدخل الجيش في الحياة السياسية للبلاد عندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الإنتخابات و حدث الإنقلاب، تحولت فيه الجزائر إلى دولة "بوليسية" و فيها اتسمت الحياة اليومية للجزائريين بالإعتقالات و التعذيب و الإغتيالات، و وصفت بجمهورية الخوف، و كأن التاريخ يعيد نفسه، و من يغفل و ينسى قوانين التاريخ فإن سنن الله لا تغفل و لا تنسى.​
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى