خير جليس هواري تواتي - ميلاد وتطور الكتاب في الثقافة الإسلامية المبكرة

ظهور الكتاب في الثقافة الإسلامية

لفظ "كتاب" مشتق من الفعل كتب، ويعني كل أنواع التخطيطات من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا ودقّة، بدءاً من النقوش إلى الرسائل الرسمية، من العقود إلى الوثائق الادارية، من المفكرة إلى الكتاب المؤلف بكل الخصائص التي تجعل من هذه التسمية تصدق عليه. بحيث المسالة هنا تخص على وجه التحديد الكتاب وعلاقته بالثقافة العربية الاسلامية، السؤال الذي يطرح نفسه هو معرفة ما إذا كان القرآن، بوصفه نصا تأسيسيا، أول كتاب قي الاسلام.

كيف أصبح القرآن كتابا

بالنسبة للشكل "مصحَّف"، فإن القرآن هو أول كتاب ينتج على أيد المسلمين، كيف أمكن إنتاجه؟ من خلال تحديدٍ للنص متبوع بتحويله إلى مادة، أو أقله تحويل الكلام القرآني الموحى إلى شيء مرئي. ولكن هذه العملية المزدوجة لم يمكنها أن تحدث إلا بموازاتها مع تغيير السطوة على القرآن من سلطة الشفهي إلى سلطة الكتابة. أمر لا تستطيع القيام به إلا مؤسسة معروفة ومعترف بها، تمنح شرعية تفوق تدوين النص ب الكتابة على الذاكرة دون دعامة ثابتة -كالكتابة-. هذا طبعا لن يتم ببساطة ودون مواجهات بين الأطراف التي تؤيد والتي تعارض ذلك. عملية تدوين القرآن فاقمت من حدة الخلافات السياسية المتأزمة أصلا: على زمان الخليفة عثمان تبلورت كل التوترات وبرزت المواجهات التي افتتحها اغتياله سنة 35/656، وباغتياله اعلنت بداية الحرب الاهلية. في ظل هذه الوضعية الصعبة المطبوعة بالصراع، تمكن العرب مع ذلك لأول مرة في تاريخهم من إمتلاك كتاب خاص بهم، مكتوب بإحدى لغاتهم-لغة عرب الشمال- ظهرت ثلاث قرون قبل ذلك عند النبطيين الهلنستيين. هذه الميزة –الهلنستية- طبعت طويلا الثقافة الاسلامية بوصفها ثقافة كتاب.

ابتداء من القرن الأول الميلادي ظهر المصف في الاوساط الهلنستية المسيحية وأصبح استعماله شائعا في القرن الرابع الميلادي، وقد مثَّل هذا الشكل مرحلة من التطور التقني الاساسي في تاريخ الكتابة والانتاج الفكري المكتوب، مقارنة مع الطومار (ورقة مشدودة وملفوفة ومحزمة من الطرفين أصل الكلمة يوناني). أولا لأنه مكّن من جمع عدد كبير من النصوص وهو ما يتعذر في الطومار، ثانيا أدت إمكانية الجمع تلك إلى انتاج نصوص ذات حجم كبير مثل الكتاب المقدس في مصحف واحد. دون ذكر أن الجمع في كتاب واحد مجموعة من اللفافات، يسهل ال وضع اجزاء لنفس الكتاب وترتيبها وسرعة التعرف عليها وبالنسبة-للكتاب المقدس- يعد المصحف أفضل ضبط للشرائع. هذه الميزات حثت الجمَّاع الأُوَل للقرآن على إختيار هذا النوع أثناء تدوينهم.

تطلبت كتابة القرآن تحديد ما يعتبر جزءا منه وما لا يعتبر كذلك، من ثمة تقسيمه إلى قطع نصية سميت بالسور مقسمة بدورها إلى وحدات أصغر منها تتفاوت فيما بينها طولا وقصرا تدعى آيات (جمع آية). من أجل ترسيخ هذه الاستراتيجية النصية، عمد جماع القرآن إلى مناقشة ترتيب السور والآيات التي يتضمنها، والنساخ الذين وضعوا تحت تصرفهم يعملون طيلة عملية الكتابة وقبل نسخ النص المتفق عليه في مخطوطات جاهزة للتداول. المخطوطة الاقدم والتي كانت من عمل هذا الفريق تعود للثلث الاخير من القرن الأول الهجري (ما وفره علم المخطوطات الكوديكولوجيا من إمكانيات التعرف عليها) تحمل أثار: مكتوبة أحيانا من طرف عدد من النساخ. المقارنة النصية للوحي القرآني غيرت- كما ينبغي- شروط استقبالها ومسار القيام بها رغم ان اللغة المستعملة في ذلك بسيطة وتعاني نقصا شديدا فلا يكتب من اللفظ إلا رسمه دون حركات أو نقاط (ductus) . نستطيع التساؤل- سؤال مشروع تماما- هل نحن هنا أمام مشكلة تقنية في الكتابة أم إمتياز للحُفَّاظ الموثوق فيهم والذين يعرفون ما ينتمي للقرآن وما لا ينتمي اليه، وعدم تجريدهم كليا من سلطتهم وسيطرتهم. الالة الادارية للسلطة الحاكمة التي قامت بمبادرة تدوين النص القرآني-على الاقل- في زمن الخليفة عمر (636-644) استعمل كتابة تميزت بوضوح كبير بفضل نظام التنقيط المطبق عليها. في هذه المرحلة المبكرة من التاريخ الاسلامي، تمكنت الكتابة من بسط سيطرتها على النص القرآني وتحديد منبعه ومصبه : منبعه يعني تثبيته نقله من خلال الكتابة، ومصبه هو انجاز الكتاب نفسه.

عندما أصبح القرآن نصا، يقدم إمكانية قراءته وإعادة القراءة والتمكن منه بطرق شتى: بصوت مرتفع، قراءة هامسة، أو قراءة صامتة. تغيرت والتبست ظروف وطرق حفظه –عن ظهر قلب- من جهتها منذ وجود النص المكتوب كمرتكز يعتمد عليه للمراجعة كل ما اعترض الشك سبيل الحافظ. بفضل كتابة القرآن وضع العرب القواعد الاساسية للثقافة المكتوبة، التي مكنت من تقوية الحافظة وتعداد قدرات تخزينها بفضل استعمال العين. بينما كان ينبغي أن تحدث طفرة معرفية لإدخال التفكير في لغة إلى الثقافة الحجازية طوَّر الذاكرة العلمية السمعية والبصرية.

عن طريق التعامل مع اللغة كآلة للتفكير، تفرغ أوائل جمَّاع القرآن للقيام بعمليات معرفية علمية مؤكدة : الجمع، الفرز، التصنيف، الترتيب، الحساب، مكنتهم من تحويل البيانات المتناثرة والمتنقلة شفاهيا أو كتابيا إلى كتلة في جوامع مكتوبة. أدت الكتابة -في السياق ذاته-، الى نشوب خلافات في الاوساط المهتمة بالقرآن. اختلافات أو انحرافات وتشوهات، الضمنية -حتى الآن- وغير ذات أثر بارز، تنتشر في المخطوطات. وهكذا تم ضبط كل الاختلافات القائمة في تقاليد نصية. تدعى أحيانا روايات واحيانا قراءات، على حسب طريقة نقلها إن كانت شفهيا أو كتابيا. كانت مناقشاتهم تدور في كل مرة حول حفظة القرآن الذين يضمنون استمرار عملية نقل ما توارثونه عن أساتذتهم المؤسسين لتلك التقاليد. نتحدث هنا عن رواية فلان أو قراءة فلان، هذه العملية نتيجة قصدية تأليفية (بقصد من المؤلف)، من علماء الدين منذ القرن الثامن والتاسع ميلادي، أطلق العباسيون كلمة "إختيار" التي تعني "طريقة" قراءة، ولفظ "تأليف" على صياغتها. في حين أن هذا اللفظ الاخير لا يمكن أن يمر دون أن يذكرنا بتقاليد التاليف اللاتينية. لأنه مرادف للفظ كتاب "المؤلَّف" ويدل عليه تماما، وهو عمل المؤلفين القدماء منذ العصر الاغريقي الروماني.

نشاط النساخ الذين اختصوا بكتابة القرآن هي الأخرى موروث علمي اغريقي روماني. يمكننا هذا من فهم ما ورد في أحد المصادر التاريخية عندما تذكر علقمة (ت. 61/680) من أوائل المختصين بجمع القرآن في الكوفة، عند القيام بكتابة مصحفه الخاص، طلب من تلاميذه بحذو مثاله وكان يعطيهم ما انجزه في كل مرحلة من كتابة لينقلوا عنه : "الكراسة والكراستين والورقة والورقتين" (Ibn Abî Dâwûd al-Sijistânî, Kitâb al-Masâhif, ed. A. Jeffery in Materials for the History of the Text of the Qur’ān. The Old Codices, Le Caire 1936, Leyde 1937, rééd. Muhib al-Dîn ‘Abd al-Sajjân, Beyrouth, 1995, p. 591).

تقنية المصحف تقتضي جمع الاوراق المكتوبة من الجهتين في شكل كراسة، وهي تقنية تعود إلى العصر الذي حلَّ المصحف محل الطومار. نفس المصدر التاريخي الذي يعود للقرن التاسع الميلادي، يسمح لنا بفهم الظروف التي في ظلها تعلم النساخ العرب المسلمون الاوائل هذه التقنية، عندما تنقل خبرا عن قاضي من الكوفة في زمن عبد الرحمن بن ابي ليلى (ت.82/701)، الذي رغب بانجاز مصحف خاص به فكلف ناسخا مسيحيا من الحيرة، مقر المسيحيين النساطرة ومركزاللثقافة الهلنستية السريانية.

تداخل ثقافي مماثل لابد من أن يترك اثرا بالغا في بلاد الشام، يظهر في الكتابات القرآنية وغير القرآنية المنقوشة بأيدي حرفيين مسيحيين، على جدران مسجد قبة الصخرة في القدس-عشرات السنين بعد ذلك-. اجزاء المخطوطات الفاخرة (تحفة فنية) التي أكتشفت في سقيفة مسجد صنعاء سنة 1970، بفضل ثرائها وتعدد اشكالها وزخرفتها ودقة انجازها، حققت الاهداف المنتظرة منها والتي لم تكن كلها دينية. منذ حكم الخليفة عبد الملك (685-705)، بالاضافة إلى تحسين المستوى الفني الخاص بالخط المرتبط بكتابة القرآن، مخطوطات أخرى لا تقل جمالا عن المخطوطات القرآنية هدفها إمتاع اصحابها من اثرياء ونبلاء يسعون إلى امتلاك تحف فنية تستحق الاعجاب والتقدير.

الوظيفة المعرفية للكتابة

عرفت نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني، وبالاضافة الى نشأة علم الفقه الاسلامي، نشاطا موسعا للوراق، وتحولها إلى مهنة محترمة، مع تطور الطلب بين العلماء لكتابة مخطوطاتهم القرآنية الشخصية حسب ما تقتضيه القواعد الفيلولوجيا. ظهرت للوجود مفاهيم عديدة مصاحبة لهذا التطور بداية ب: صِحَّة وتطبق على عدد من المخطوطات لمعرفة الصحيحة من المزيفة. على سبيل المثال لا الحصر، قصة من القرن التاسع الميلادي تروي أن العماش (ت. 147أو 147/764-5) كان معتادا على تلقين القرآن من مخطوط. ولكل مرتاد حلقته مخطوط قرآني خاص به يصححه على قراءته. الى جانبه أحد طلبته الذي يمتلك المصحف الاصح بعد مصحف أستاذه "الاصل" يعني المخطوط الذي ينقل عنه باقي المخطوطات. على غرار la diorthôsis اليونانية و l’emendatio اللاتينية، فلفظ تصحيح استعارة من حقل الطب الذي يعبر عن تدارك فساد النص من حيث الكتابة، المعنى، النحو، الصرف وكل ما يمكن أن يكون انحرافا فيه، وتصحيحه هو بمثابة عملية تطبيبية تهدف الى تقويمه. تذكر المصادر أحيانا لفظ إصلاح الذي يحمل نفس المعنى. مشتقات هذه الكلمة نجد الافعال: صَلَحَ تعني : "1. أن يكون في حالة جيدة وبدون نقيصة، 2. الصدق، الاستقامة، الروع" و صلَّح بمعانٍ : "1. ترتيب، ضبط، الحفظ الجيد للشيء، 2. تصحيح، 3. العمل الخيِّر، التصرف بورع." أي الصلاح ضد الفساد.

هذه المفاهيم الفيلولوجية هي بمثابة مرآة عاكسة للطب والاخلاق من نقل للتكنولوجيا الثقافية والمادية للكتاب من العالم الاغريقو-رومانية الى العالم الاسلامي. هذا يثبت انتساب الثقافة العالمة العربية الاسلامية إلى باقي الثقافات العلمية في الشرق الاوسط والبحر الابيض المتوسط.

لقد طبق معاصروا علقمة (ت.61/680) طريقة العرض-التي ابتكرها هو- في عملية نقل القرآن التي أصبحت طريقة فاشية بين حلقات العلم في العالم الاسلامي وبفضلها تلقن كل الكتب. وكما أن كتابة القرآن أثارت حفيظة المعارضين لها فإن استعمال العرض قد اثار المنتقدين لها والمعارضين أيضا. لأنه في نهاية القرن الاول الهجري لم العلماء قد اتفقوا بعد على أن يضعوا علومهم في كتب للاطلاع عليها، خاصة العلوم الدينية. الاهتمام المبالغ فيه بتحليل هذا الرفض أدى إلى اعتباره نوعا من الفوبيا الكتابية (الخوف المرضي من الكتابة) عند علماء الدين، الى درجة أن بعض الباحثين ذهب إلى استنتاج من هذا أن أولى الكتب ظهرت في القصر-في البلاط الاموي- وليس في حلقات العلم، واتخذت تلك الكتب شكل رسالة ذات طابع أدبي تختلف عن الرسالة العلمية التي لا تتوفر على أيٍّ من سمات الادبية.

تم تداول "الرسائل العلمية" بين العلماء في الحجاز وفي العراق منذ نهاية القرن الاول الهجري، ولم تعتبر بين المختصين انفسهم أنها ذات صبغة أدبية لأنها كانت تستعمل في المراسلات الخاصة عكس الكتاب الذي يندرج في اطار التواصل العام. إذا كانت الحال هذه فإن العامل الاساسي في تحديد مكانة الكتابة ليس طريقة انتاجها، بل الطريقة التي يتم تداولها من خلالها. هذه مغالطة لأنه توجد رسائل ذات طابع عام وليست كل الرسائل ذات الطابع العام يمكنها أن تتحول إلى كتب، كما هو من غير المعقول القول أن الرسالة العلمية تدخل في مجال الحياة الخاصة. هذا التفكير يحاول أن يجعل من الحياة العلمية امرا خاصا، إلا إذا كان المقصود انها تطورت بهذا الشكل. في كل الاحوال لم تكن بحاجة إلى مؤسسة متخصصة او الى جماعة عالمة تشكل لتعزيز وجودها، إنما العمل والاستمرار على إمتداد الزمن هو الدوام الضروري للتراكم المعرفي الذي من دونه لا يمكن للعلم ان يتطور.

الصفة الابرز هي كون تلك الاعمال المكتوبة متأثرة بالمجتمع -بحكم الواقع- وحتى عندما تكون تلك الكتابة من نوع الرسائل العلمية. إذا نظرنا إلى تلك الرسائل من حيث: الاشخاص الموجهة إليهم، اللغة -لأنها ذات درجة معينة من التقنية- او منطقها الاستدلالي، رغم ذلك فإن هذه الكتابات لا تشرتك في أي شيء مع الرسائل التي يتبادلها العلماء فيما بينهم بشكل شخصي وفردي كنوع من الاستئناس بالكتاب.

نفهم من ذلك، أن الطريقة الامثل لتحديد مكانة الكتابة الادبية لا ترتكز على طريقة نقلها إنما في طريقة انتاجها. يمكن للاعمال الدبية أن تنقل عن طريق الرواية، دون أن تفقد صفتها الأدبية. كما أن بعض المكتوبات قد تنقل بواسطة الكتابة فقط ولكنها لا ترقى إلى مستوى الادبية.

التأليف الأدبي وتقاليده

بعض الرسائل العلمية الأولى تشكل بحوثا حقيقية: تاريخية مثل حالة عروة ابن الزبير (ت.94/712)، لاهوتية كرسالة حسن بن محمد بن الحنفية (ت.مابين 86/705 و101/720) ودينية وسياسية كرسائل حسن البصري (ت.110/728). بفضل تقنية الكتابة التي أدت إلى انتاج مثل هذه "الرسائل العلمية" والتي لا يمكن أن تدرج ضمن "الرسائل الشخصية"، لاختلاف مقصدها فالرسائل الشخصية هدفها غير علمي ولا تؤدي غرضا تعليميا او تربويا. بالاضافة إلى ان الرسائل العلمية شهدت توزيعا واسعا في الاوساط المعنية بها، وأحيانا تتجاوز ذلك. وهذا منذ مقدمة كتابه "كتاب الارجاع" لصاحبه حسن بن محمد بن الحنفية الذي دعى إلى توزيعها ونشرها عند اكبر قدر ممكن. (J. van Ess, « Das Kitāb al-irjā’ des Ḥasan b. Muḥammad b. al-Ḥanafiyya », Arabica 21, 1974, p. 56-82, et 22, 1975, p. 218-70)

لماذا إذن يطالب كاتب رسالة شخصية إلى مراسله -سواء كان فردا أو جماعة- توزيع رسالته إلى أكبر قدر ممكن من القراء؟ وإذا قام بذلك فإن فعله هذا غير مفهوم، غير متوقع، غريب وشاذ لا يمكن أن يكون قاعدة عامة. الرسالة بصفتها براعة أدبية لا يمكن أن تكون كما ذكرنا. بالاضافة إلى أن العلماء المسلمين الأوائل استعملوها للتعبير عن أرائهم وضمان توزيعها ونشرها بين الناس كما وردت عنهم (حرفيا). السلطات السياسية لم تغفل عن خطورة التداول الشعبي لكتابات مماثلة فقامت بردع الكتاب سجنت بعضهم وتعرض البعض الاخر لعقوبات وصلت الى القتل. في فترة لاحقة وعندما تعرف العلماء المسلمون على نماذج اخرى للتاليف لم يتخلوا عن الرسالة بل بالعكس واصلوا استخدامها طيلة القرون الوسطى في تليف مختلف الاعمال الدينية والدنيوية. هل صفة الثبات التي تميز الرسائل هي من جعل عمرها يطول؟ من القاضي عامر الشعبي (ت.104/722) إلى غاية مفسر القرآن قتادة (ت.117/735)، مرورا بـــ المتكلم حسن البصري (ت.110/728) وفقهاء العراق في نهاية القرن الاول الهجري وبداية القرن الثاني قد اعتبروا أن من بين كل الأدلة القانونية التي قيِّدت فإن الرسالة هي الوحيدة التي تكتفي بذاتها بسبب نمطيتها وثباتها.

في نفس الفترة فإن العديد من الكتابات التي أطلق عليها تسمية صحف (مفردها صحيفة) قد انتشرت في الاوساط العلمية. بعض هؤلاء العلماء احتفظ بالكثير منها مما وقع تحت يده إلى درجة تشكيل نوع من التراكم التوثيقي ليظهر أول مرة ما يمكن تسميته الارشيف العلمي في الثقافة الاسلامية. بهذا تمكن مالكوا تلك الوثائق التي اعتبروها نفيسة بحفظها عن طريق ضمها واخاطتها-أحيانا- ليجعلوا منها مصحفا حقيقيا وبالتالي يسهل مراجعتها واستعمالها عند الحاجة. هذا مثلا ما قام به العالم الحمصي بحير الساحولي (كان في بلاط القسطنطينية سنة (98/716). قبل وفاته منح مخطوطته المصحفة لأحد تلاميذه الذي نقلها بهذه الصفة قبل وفاته هو الاخر. امثال هذا المفكر السوري، علماء ومعلمون كثر اهتموا بوضع كتاباتهم في متناول طلبتهم المفضلين ممن يتوسمون فيهم الفطنة. هذا شأن القاضي العراقي-سكن سوريا- أبو قلابة (105؟/723؟) الذي وهب كل كتاباته إلى تلميذه البصري، أيوب السختياني (ت.131/748).

اصبحت هذه الصحف محل مناقشات منذ نهاية القرن التاسع عشر، من اجل تحديد المكانة التي احتلتها في مجموع الاشكال المكتوبة التي مهدت لظهور الكتاب في شكله المعروف. بالاضافة إلى وظيفتها الابتدائية المتمثلة في حفظ وتخزين المعلومات بواسطة الكتابة، فقد مكنت من اقامة نظام للتعليم مع نهاية القرن الأول الهجري، أصبحت الصحف في متناول اساتذة وطلبتهم بمثابة دعامة نفيسة للتذكر. محاطة بهالة خاصة، كان بعضها يتداول في حلقات العلم تنتقل من جيل إلى جيل، مثالا على صحيفة الصحابي سامورا بن جندل (ت.60/679). اهتم المختصون بنقطة البداية لحركة تصاعدية قادت الثقافة الاسلامية من استعمال الاشكال الاساسية البسيطة للكتابة إلى انتاج مركب في أكمل صوره المتمثلة في المؤلف، أو الكتاب.

انتقد هذا المسار التطوري من طرف جورج شولر Gregor Schœler الذي استبدله بنموذج تحليلي آخر يكون فيه الزوج المتقابل صحيفة/مؤلَّف نقلت عن التقاليد الادبية الاغريقية hypomnêmata et des syngrammata ، هذا النموذج يندرج في اطار تطور المصنف، سمي كذلك بسبب طريقة وضعه التي تعتمد على التصنيف للمواد المراد عرضها، وسط ما بين الصحيفة والمؤلف، التبرير المنطقي لهذا التمييز بين المؤلف والمصنف هو الأتي: ان الأول يتم نشره عن طريق المشافهة (الرواية الشفهية) وهو موجه لجمهور محدود من المستمعين المدونين، عكس الثاني الذي يعرف بتوزيع مكتوب يضمن له مقروئية واسعة. رغم ان عملية التصنيف هذه جديدة غير مسبوقة في العالم الاسلامي إلا أنها أدت إلى نشأت مفهوم تقليدي للكتابة الذي لا يأخذ بعين الإعتبار إلا وظيفتها البراغماتية (النفعية) والتي تقرب البعيد وتحضر الغائب (عن طريق التواصل التراسلي)، ووظيفتها كمساعد للذاكرة نكتب كي لا ننسى، مستبعدة الجانب المعرفي : الذي يجعل من التفكير المنطقي ممكنا عن طريق الكتابة. كما أنها تحتوي على مغالطة تاريخية هي أنها عندما تحاول حصر دور ما تسميه "الادب الحقيقي" في "الكتابات المنمقة والموجهة للعامة" (G. Schœler, Écrire et transmettre, p. 157). توضع العديد من الدراسات أن : وضعية مماثلة للكتابة لم تسد إلا مع ثورة الطباعة. قبل ذلك الثقافات المكتوبة كانت تجمع بين المكتوب والشفهي المسموع في نشر ما تنتجه من افكار سواء تعلق الامر بالثقافة اليونانية، الرومانية، الهندية أو الاسلامية.

عندما نجعل من الصحف hypomnêmata (مساعد ذاكرة) نكون قد حصرنا معناها في لمفهوم الاغريقي البسيط والقاعدي، لأنها بالنسبة للمفكرين اليونانيين القدماء لا تعني مجرد مفكرة. بل كانت تسجل فيها ملخصات الدروس، مسودات كتب، مؤلفات لم بكملها مؤلفوها، طبقت هذه الاخيرة على كتابات عديدة مثل كتب ارسطو، جالينوس أو افلوطين. بينما الصحف تنتمي إلى مستوى قبل أدبي للثقافة الاسلامية. بهذا المعنى لا نستطيع أن نجعلها منطلقا للثقافة الادبية، على عكس الـ hypomnêmata التي تعتبر جزءا منها. البحث عن معرفة كيف تم المرور من الصحف إلى المؤلّف هو بحث عقيم لأنه لا يوجد أي احتمالات للانتقال من الواحدة الى الاخرى.

أو هل يجب البحث في ذلك من اجل فهم الاسباب التي من اجلها يصبح مجتمع ما بمجرد امتلاكه لتقنيات الكتابة ذو ثقافة كتابية، بالاخص ثقافة كتاب؟ هناك عمليات معرفية تدرس من طرف علماء الاجتماع على انها مجرد تدوين حرفي. وتحت هذا المصطلح تجتمع انشطة معرفية مختلفة وعديدة، يصعب القيام بها في غياب اللكتابة مثلا القوائم، سواء رتبت ترتيبا ابجديا او موضوعيا، القياس وفق وحدات حساب الاوزان والمسافات، الاحصاء الديموغرافي او الخراج، المقادير التي تصنع منها الادوية وتستعمل في التطبيب او الصيدلة، دون أن نذكر التجارب العلمية والخرائط الجغرافية التي تعتمد على حسابات رياضية وأجهزة تقنية.

هذه العمليات الفكرية هي أساس الثقافة المكتوبة. مثلما نجدها في العلم الاداري نجدها في المعرفة العلمية. والتي نشات في بلاد ما بين الرافدين مع ظهور الدولة واختراع الكتابة، بلغت هذه العمليات غاية من الدقة والتطور في العالم الهلنستي الذي بقي يمد الثقافة العالمة في حوض البحر الابيض المتوسط والشرق الاوسط بنماذج التأليف الأدبي سواء تعلق الأمر بالمعاجم، المختارات، الخلاصات، أبحاث أو المختصرات.

لم يمنع توسع الاسلام جغرافيا من وجود اوساط علمية من أديان اخرى في الشرق الاوسط تنتمي الى أواخر العصر القديم، حافظ هؤلاء على تقاليدهم الفكرية والأدبية إلى غاية الفترة العباسية، وتجاوزتها احيانا الى ما بعدها في أماكن أخرى. شيّد المسلمون ثقافتهم العلمية بالالتفات الى تلد التقاليد التي وجدوها عندهم على أساس الكتابة والتفاعل مع الثقافات التي مهدت لميلاد ثقافتهم الخاصة إلى ان فرضوا عليها سيطرة ثقافتهم الناشئة حديثا.

أن تكون الكتب الموضوعة في ذلك التي تناقلتها الاوساط العلمية شفهيا أو كتابيا ليس بالامر المهم كثيرا في المكانة الادبية لهذه الكتب، علما أن نفس المؤلفات يمكن أن توزع أحيانا بالرواية وكتابة أحيانا أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى