أ. د. عادل الأسطة - العيد من النافذة الغربية.

قبل خمس سنوات كتبت مقالة عنوانها " في ذكرى قاصّة " ، والقاصّة هي سميرة عزام التي توفيت في آب من العام 1967. هي على ما يبدو التي اختارت آب لموت المبدعين الفلسطينيين ، أو أنه القدر - حوادث السير . ( هل تذكرون قصيدة محمود درويش في رثاء ماجد أبي شرار :
" وحث السير إلى بلد فقدناه بحادث سير " ؟ .
لماذا مرت خمس سنوات ولم أكتب ، في آب ، عن ذكرى رحيلها ؟
ألأنني انشغلت بالكتابة عن ذكرى رحيل إحسان عباس ومحمد القيسي ، وفيما بعد ، فيما بعد عن رحيل محمود درويش ؟
( لماذا لم أكتب عن رحيل ناجي العلي ؟ ألأنّ من يكتبون عنه كُثر ؟ )
قبل حادث مقتل العمال قرب بلعا / طولكرم ، وجدتني أفكر في كتابة للعيد . هل أستحضر قصيدة المتنبي :
" عيد بأيّة حال عدت ؟ "
أم أكتب عن قصيدة فدوى طوقان " مع لاجئة في العيد " ؟ في ديوان محمود درويش الأول " عصافير بلا أجنحة " ( 1960 ) قصيدتان عن العيد . هل اتخذهما مدخلاً للكتابة عن العيد ؟
آب شهر رحيل المبدعين الفلسطينيين : ناجي ودرويش والقيسي وإحسان عباس و ... وهذا العام ناجي علوش . وفي آب رحلت الثورة عن بيروت بعد قتال دامٍ . وفي آب هذا العام يأتي العيد . ( دائماً أخطئ وأنا أعدل عناوين مجموعات سميرة عزام القصصية وأنا أدرّس قصتها " خبز الفداء " أو قصتها " فلسطيني " وأقول : " العيد يأتي من النافذة الغربية " لا " العيد من النافذة الغربية " : لماذا ؟ )
كلما اقترب العيد أفكر في كتابة عنه ، وإذا ما اتفق أن كان يوم أحد ، يوم مقالتي الأسبوعية ، ازداد تفكيري في الكتابة عن العيد ، إذا كان العيد عيد أضحى لا أتردد في كتابة المقال ، أما إذا كان عيد فطر فأتردد ، بخاصة إذا ما كان رمضان 29 يوماً ، فيكون السبت أول أيام عيد الفطر . كم ترددت في الكتابة ليوم الأحد هذا الأسبوع !؟
قبل خمس سنوات كتبت مقالة عنوانها " في ذكرى قاصة " ولا أدري لماذا لم أعد أكتب في الذكرى نفسها كل آب . ألأنّ مبدعينا الذين رحلوا في آب كثروا ، أم لأنني لم أكن أعرف سميرة عزام شخصياً ، فأكتب عن مآثرها وحياتها كما بدت لي ؟
أحياناً تومض الفكرة وأنت تحلق ذقنك.، أو وأنت في الحافلة ، أو وأنت في قاعة الدرس ، أو وأنت تتناول فطورك ، أو ... أو وأنت في الحمام . ماذا ستفعل إن لم تدونها فوراً ؟ فقد تضيع ؟
" العيد يأتي من النافذة الغربية " وسأبحث عن مجموعات سميرة عزام لأكتشف أنني أخطئ في العنوان منذ سنوات ، فالعنوان هو " العيد من النافذة الغربية " .
قبل حادثة مصرع العمال في طريق بلعا / طولكرم كان الحديث يدور عن التصاريح التي أخذت سلطات الاحتلال تمنحها لأهل الضفة حتى يدخلوا فلسطين المحتلة 1948 ( إسرائيل- الدولة العبرية - الدولة اليهودية ) . هل أرادت إسرائيل أن تخفف الضغوط على سكان الضفة ، فلا تنفجر المدن والقرى فيها - والمخيمات ، أيضاً ؟
ربما وجب أن نفكر فيما قالته رئيسة بلدية رام الله : إن إسرائيل تريد من وراء ذلك أن يضخ أهل الضفة أموالهم في المدن الإسرائيلية ، فينتعش الاقتصاد الإسرائيلي . ربما وجب أن نفكر في ذلك ، فنحن نريد أن نرى مدننا وقرانا وأهلنا ، ونريد أن نسبح في البحر المتوسط ، و... و .. نريد وجبة سمك وبوظة إسرائيلية .
" العيد من النافذة الغربية "
في الحمام أتذكر عنوان قصة سميرة عزام . هل سيكون يوم الأحد هو أول أيام عيد الفطر ؟ من سيُصدق أكثر : العالم الفلكي السعودي الذي قال إن الأحد - فلكياً - هو أول أيام عيد الفطر ، أم سيصدق أكثر منه رجل أعور سيرى مساء الجمعة هلال شوال ؟
تنتهي قصة ماجد أبي شرار شهيد الثورة في روما " أفاعي الماء" من مجموعته " الخبز المرّ " ( 1981 ) بالسطرين الآتيين :
" والعربة المنهوكة لا يزال يركبها مخلوق ملفوف بحرام خلقٍ أسود ترك أمر الجرّ والقيادة بحكم الموقف للحمار " (ص35 ) .
وحين أردت طباعة كتابي " سؤال الهوية : فلسطينية الأدب والأديب " غدت كلمة " حمار " " محار " . هل كان ذلك سهواً من الطابعة أم أنها قصدت الوقوع في الخطأ ، فلعل الرقيب في الأردن يسمح بطباعة الكتاب ، ولا يعترض على هذه الجملة ؟
عموماً لم يعترض الرقيب على هذه المفردة وحسب ، بل اعترض على عبارات عديدة ، ولم يطبع الكتاب في عمان ، وإنما طُبع في رام الله ، لأنني رفضت التغيير والتبديل والخضوع للرواية الأردنية ، مؤثراً قول ما أراه ، فأنا فلسطيني أولاً .
تُرى من ستصدق الحكومة السعودية والحكومات العربية التي تدور في فلكها ، إذا ما رأى رجل أعور ، مساء الجمعة ، هلال شوال ؟ هل سنصدق الرجل أم عالم الفلك ؟
" العيد من النافذة الغربية "
سأقرأ قصة سميرة عزام ، فلعلها تصلح لتكون مدخلاً لكتابة مقالة عن العيد في العيد . لماذا علينا دائماً أن نتذكر بيت المتنبي ؟ألأننا دائماً محاصرون من " كوافير كثر ( جمع كافور ) ؟ كان المتنبي محاصراً من كافور ، ولما هرب أذاع قصيدته فيه التي كتبها في العيد وهو حبيس . نحن حبيسون منذ 1967 ، منذ 1948 ، والشعوب العربية ، الآن ، في وضع لا تُغبط عليه - لا أقول لا تحسد - وربما كرر أبناؤها قول المتنبي ! ربما !
هل سأفتح نافذة بيتي الغربية فيأتي العيد؟
في شقتي القديمة أغلق النافذة الغربية باستمرار ، فثمة جيران المسافة بين بيتي وبيتهم قصيرة . في شقتي الجديدة ، ولا أقيم فيها بالعيد ، هناك مقبرة ، وشقق لا أعرف سكانها - ما شأني أنا بالقصة ؟ .
بطلة قصة سميرة عزام شابة تزوجت منذ عامين ، ومات زوجها بعد أن خلّف لها طفلاً . تفتح النافذة الغربية لبيتها على حاكورتها فترى الأشجار والنوار وجمال الطبيعة ، وتتمنى لو أنها مثلها تورق كل ربيع ، هي التي كان ربيعها قصيراً ، ولم يدم سوى عامين . وتنظر إلى طفلها الذي خلفه لها زوجها .
" إنه كان نتيجة مقايضة غير عادلة ، غير كريمة .. يمضي الأب ليكون هذا الطفل ، فسعادتها أكبر من أن تتسع للمزيد .. شيء على حساب شيء .. وإنها كانت خاسرة في حساب المقايضات .. لو كان لها أن تصحح وضعاً لا تملك أن تصححه لاستردت شيئاً بشيء .. غفرانك اللهم .. فليس أقسى من الأم حين تتنكر لأمومتها .. " .
غير أن أعجوبة التجديد تفرض نفسها ، فالولد يشبه أباه ، ومع أنها " لأول مرة لا تشرب أفراح العيد " و " لكنها تشعر بالمعنى الذي يجسّده يتدفق عليها من نافذة غربية ، ومن نظرة الصغير الذي يلتصق بعنقها ومن أصوات صغار المعيدين في الطريق " .
" العيد من النافذة الغربية " وأسترجع أعيادي .
في آب 1973 توفي أخي الأكبر بانزلاق سيارته في وادي الباذان . منذ ذلك اليوم بدأت أخاف إذا ما تأخر أخي السائق الثاني . كان حزني كبيراً ، وإذ كنت بصحبة أخي في " أشدود " ومعنا تاجر نابلسي قال لما لاحظ من حزننا ما لاحظ :
- الأيام مثل الصابون. تبدأ الفلقة كبيرة ثم تصغر وتصغر إلى أن تتلاشى . هكذا الحزن مع الأيام .
" العيد من النافذة الغربية " :
هل هو معين بسيسو الذي قال :
" أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح " .
وأقرأ في القصة : " نحن حياة لا تموت إلا جزئياً ، لأن في قلبها بذرة التجدد " .
هل تذكرون الشعراء التموزيين ؟ فدوى طوقان وديوانها " تموز والشيء الآخر " .
" كيف يتضاءل الموت وينكمش حتى يستطيع صغير كصغيرها أن يصرخ فيه : أين غلبتك يا موت ؟ أين شوكتك يا هاوية ؟ "
[هزمتك يا موت الفنون جميعها / محمود درويش / جدارية ].
"ولكن كل من حولها كان يُشعرها بشكل خفي بأنه [- أي ابنها - كان طالع شؤم على أبيه .. كلمة لم تُقل ولكنها لاحت في العيون .. وكانت إذ تلوح تدفعها إلى أن تلفه بكل حنان العالم تحميه من تلك النظرات التي تدين " [ في الاجتياح للضفة في انتفاضة الأقصى حدث الشيء ذاته مع ميسون . ميسون طالبة كانت في جامعة النجاح تعرفت إلى زميل لها وتزوجا وأقاما في قريته . بعد عام كان على زوجها أن يقلها من القرية إلى مشفى في نابلس حتى تضع مولودهما الأول . على الحاجز أطلق الجندي الرصاص ، فاستشهد الزوج وشُلَّ الأب ، وولدت ميسون طفلتها ، وهكذا شاء القدر أن يكون تاريخ استشهاد الأب عيد ميلاد الطفلة ]
الأشياء تتشابه. الأحداث تتشابه. القصص تتشابه ، وفي حادث بلعا تردد الأب في الذهاب إلى العمل . كانت زوجته وضعت طفلهما الرابع قبل يومين من الحادث وأراد الأب أن يتابع حالة ابنه - مولوده - الصحية ، ثمّ ..ثمّ ..ثمّ ذهب إلى العمل ليلقى حتفه. [ من مات دون أهله فهو شهيد ] .
" العيد من النافذة الغربية ".
هل ستقرأ ميسون الحايك هذه القصة ؟
هل ستقرؤها زوجة العامل من جبع ؟
و .. و .. وكما قالت سميرة عزام في قصتها :
" نحن حياة لا تموت إلا جزئياً ، لأن في قلبها بذرة التجدد "، ولذلك:مع كل ما حدث .. لذلك لا بدّ من القول :
- كل عام ونحن بخير .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى