نقوس المهدي - "ذكريات سرمدية Souvenirs Vivaces" للشاعر عبد اللطيف بحيري.. قراءة في المتن والعتبات

ديوان " ذكريات سرمدية Souvenirs Vivaces" هو العمل الشعري الثاني للشاعر الاستاذ عبد اللطيف بحيري ضمن منجزه الإبداعي الحافل الذي يشمل ستة إصدارات شعرية، استهله بديوانه البكر الموسوم بــــ " Bribes et Etincelles شظايا وشرر"، ومشاركات في كتب جماعية وأنطولوجيات شعرية حول شعر الهايكو الياباني، وحضور لقاءات ادبية وفكرية، وحيازته على بطولة السكرابل بالمغرب..

ومن باب الفضول المعرفي القول بأن النقد السيميائي يشترط فيما يعترف عليه بالخطاب المقدماتي البحث في "عتبات النص"، وهي انساق ظاهراتية تنطلق بنا من الدرجة الصفر في الكتابة، وتتيح لنا الحفر في فصوص النصوص والبحث في عدة علامات وأيقونات محددة نستطيع بواسطتها فهم الدلالات والإيماءات التي تمكننا من الولوج إلى الجو العام للديوان وفضاءاته واشتغالاته وحمولاته الابيستيمية، وذلك من خلال فك شفرة: اسم المؤلف، العنوان، اللوحة، دار النشر، تاريخ النشر، الإهداء، المقدمة، الخطوط، الكاليغرام، الانزياح والتورية والاستعارات والأحابيل اللغوية، وبالرغم من بداهة هذه الإشارات والإيحاءات الدلالية فإنها تشكل بالضرورة إحدى السمات الإجرائية والتفاصيل البصرية والفنية التي تشكل في مجملها مرجعية مهمة ومفتاحا لآليات معينة يوظفها الكاتب لإيصال خطابه
ويوضح جيرار جينيت في هذا السياق بأن العتبات هي الرديف أو المصاحب النصي " Péritexte" وتشمل العتبات الداخلة في تشكيل النص كتاريخ النشر ، والاغلفة، واللوحات، والعناوين، والعناوين الفرعية ، والتصديرات، والاهداءات، و المقدمات، و كل ما يتعلق بالكاتب . والمحيط النصي " Epitexte" ويضمّ ما يتعلق بأجواء النص. وقد حدده جيرار جينيت في محيط نصي خاص أو ذاتي " Epitexte Privé". ومحيط نصي عمومي" Epitexte Public"

ويتكون ديوان " Souvenirs Vivacesذكريات سرمدية" الصادر عام 2013، عن مطبعة سليكي اخوين بطنجة من 78 صفحة، ويتضمن 65 عنوانا، تتوزع على عدة أغراض وتيمات معينة على شكل تراتبي، وتسعى على مستوى وحدة المواضيع التعبير عن مراحل زمنية وتشكيل الكون ومخلوقاته وتأثيثه بكل ما هو ضروري وأساسي، وتصويره على نحو من التسامح والمحبة عبر مرجعيات دينية صوفية تتوخى صفاء الروح، وتحصينها ضد كل ضروب الاغتراب والألينة والاستلاب، والخراب والضياع والتيه الوجودي، عبر عناوين تنحو في شقها النحوي إلى استخدام الأسماء التي تعني الحركية والتحول بدلاً من الأفعال، لنزوع الشاعر للاستقرار والاستمرارية والإقبال على الحياة من خلال بعث الماضي لا دفنه، وخلق العالم على الطريقة الأفلاطونية، وتأثيثه بالجمال وبعثه من غير سوء على طريقة الشعراء والفنانين مستعينا بعناصر الطبيعة الأربعة بحسب التفسير الأرسطي. "ماء - هواء - تراب - نار"، وتوظيفها بالتفاصيل والجزيئات الدقيقة ذاتها لتشكيل فضاءات المتن الشعري، والتحكم فيها بشكل عقلاني وموضوعي ومن غير إسقاطات إيديولوجية أو خلفيات شخصية.. ذلك انه في البدء كانت الهيولى، وكان الكلمة، وكان الشعر، وكان القلم، وكانت ربة الشعر، والشاعر

متربعا على رصيف مقهى كبير
يتذوق بلذاذة لحيظات الهناء
الانسان الهادئ ابدا
برغم الضجيج ورغم العناء

قصيدة "تفتح"

ريشته الهزيلة تتعثر على صفحة
تخط أحلاما و ضفافا ارحب
افاقا بعيدة وشطانا مليحة
لا ضجر حوله ولا صخب
قصيدة "سفر تكوين"

ويبدو التناص مع النصوص الدينية والإشارات الروحانية جليا عبر توظيف عدة إشارات وظواهر وردت في المصادر الدينية، وتشير إلى التحول الذي عرفه الكون منذ بدء الخليقة، ذلك لاعتقاده بـــ " ان الجمال سوف ينقذ العالم" كما يقول دوستويفسكي

وانطلاقا من هذه المقولة ندرك هذا التفاعل والانسجام بين الشاعر والوجود، والتماهي بين الحلم والواقع لخلق عالم فاضل، موغلا بالقصيدة إلى أعمق أعماق الروح الانسانية مستلهما مكنونات ومكونات الطبيعة والمشاكل الوجودية المتشابكة في حالة من التوافق الروحي، والتأمل الرصين، وصدق السريرة وصحة العقيدة " الدوكسا". والإحساس الصوفي العميق الذي يحيل على الصفاء الروحي في أبهى تجلياته. إذ تتكرر لفظة الروح " l'âme" حوالي 33 مرة، فيما تتردد مفردات الحلم " Rêves"، وأحلام اليقظة " Rêveries"، والذكريات " Souvrnirs" وغيرها مرات عدة

ولهذا التكرار اللفظي دلالاته السيميائية القصوى، ذلك أننا حينما نلتجئ إلى مثل هذه الإحصاءات والتأويلات والمقاربات النقدية في تحليل النصوص ومراهنة الشاعر عليها في تبليغ رسالته، نضع نصب أعيننا ما كتب من سرود طويلة بدون نقطة ولا فاصلة، وما اشتمل عليه ديوان أناشيد مالدورور للشاعر الفرنسي لوتريامون من أسماء بلغت 185 اسم حيوان وكذا 435 إحالة للحياة الحيوانية وقس على هذا

- دلالة العنوان

العنوان هو المدخل الأساسي الذي يعطينا انطباعا أوليا حول مضمون الكتاب. ويبدو جليا بان وظيفة العنوان في العمل الأدبي هو بمتابة نجمة القطب التي نستدل على هديها لاستكشاف خبايا العمل الابداعي، ذلك أن اختيار العنوان ليس عملاً شكلياً معزولا عن فضاء النصوص، بل هو دلالة ايقونية منتزعة من صميمها، إنه وان كان يقدم نفسه بصفته عتبة للنص كما يعرف ذلك السيميائيون، فانه بالمقابل لا يمكننا باية حال الولوج إلى عالم النص دون اجتياز هذه العتبة

وغير خاف على احد بان الأدباء من الأجيال المتقدمة على وجه الخصوص كانوا أشد عناية وعلى أتم وعي بمسألة العنوان والشكل والخط، فحينما نتطرق للعنوان أو مسألة الشكل الظاهري للكتاب لا ننسى الإشارة إلى أن الشعراء منذ القديم اهتموا بإعطاء عناوين لأشعارهم مثل اسم المعلقات و المذهبات والمسمطات والمفضليات والأصمعيات، فيما يفي المطلع في قصائد اخرى بالقصد والغرض، بعكس بعض الذين انتهجوا طريقة عنونة أشعارهم ومصنفاتهم بطريقة جذابة وتفننوا في اختيار عناوين مموسقة وجذابة وغريبة في بعض الأحيان. وتحبيرها بخط بديع وزاهي لرغبتهم في تمييز مصنفاتهم عن باقي الكتب والإصدارات. وشد المتلقي إليهم، وإغرائه بصورة أو أخرى لقراءة الكتاب واقتنائه

إذن العنوان محرض أساسي
العنوان شريك متواطئ بين الكاتب وقارئه.
بعض الكتب تمارس علينا فعل الغواية
وبعض العناوين تستميلنا
وبعض الكتب نقتنيها لأشكالها أو لعناوينها أو لمضامينها
ليس هناك كتب مخادعة.
وليس هناك كتب من دون فائدة
قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت

وبالرغم من كونه يوحي في الاضمومة على التفكير بالماضي ظاهريا فهو لصيق بواقع الحال، انطلاقا من هنا يمكن تفسير ذكريات سرمدية كضرب من استقراء الزمن الحاضر عبر استدعاء الحلم وحلم اليقظة والذكريات والأمنيات للمراهنة على اقتناص اللحظة الشعرية

عنوان برغم عتاقة دلالاته وارتباطه بما هو ماض ينضح بعدة معاني تربط الشاعر براهنه وتوثق له وتستشرف آفاق متخيلة لما يجب ان يكون عليه العالم. وتفسره قصائد عدة. ذلك أنه بحسب تعبير خورخي لويس بورخيس: " نحن حديثون بفعل الواقع البسيط في أننا نعيش في الزمن الحاضر. لم يكتشف احد بعد فن العيش في الماضي. وحتى المستقبليون لم يكتشفوا سر العيش في المستقبل. أننا حديثون، شئنا ذلك او أبيناه.

دلالة اللوحة

بعد العنوان طبعا تشكل صورة الغلاف إحدى الدلالات الايقونية. ومفتاحا نلج بفضله إلى الجو العام للعمل، من هنا يتخد النص الشعري المتوسل بالبيان واللغة هيأة نص فني بصري مواز يرتكز على الخطوط والمشاهد والالوان، وذلك متأت من وجوب وضرورة موافقة لوحة الغلاف لتيمة العنوان الذي يشترط فيه التعبير عن الجو العام للمجموعة، "ففن الشعر يعالج مشكلات الأبنية اللغوية بنفس الكيفية التي يهتم فيها تحليل الرسم بالأبنية التشكيلية." بحسب جاكوبسون

وتتكون اللوحة هنا من مجسم غير واضح المعالم يجمع بين التشكيل/ التصوير، يهيمن عليه لون بني بين فاتح وغامق، تظهر من خلاله تخطيطات هلامية، في جانبها السفلي تتدلى صورة لأشخاص مظللين وغير محددي السحنات. شدة التظليل لا تسمح لنا بتحديد سيمائهم وحسم جنسهم، فيما يشكل المنظر بكامله لوحة فنية تغطي المجموعة، من الجهة الأمامية والخلفية، ومقاصده الدلالية اولا واخيرا، وهذا مؤشر اضافي لتفعيل قوة التخييل، فالذاكرة كما يشار إليها موشومة بالإيحاءات، بالحلم، بالرسوخ، بالديمومة، بالثبات، بالامتداد في الماضي، بالتمدد في الزمن الحاضر واستشراف المستقبل المشرق بالامل والفرح..

- المقدمة

من خلال المقدمة التي انجزها د. علي لحريشي يمكننا ان نستشف بان هذا الديون الشعري هو

"رحلة مسافر بين الكلمات اهابها أضحى مخطوطة مرصعة بذكريات حياة، مفعمة بالحب والفرح. بالأوهام والأحزان. التي تكتسب على التوالي حياتها على الصفحات البيضاء وتقبض على الزمن

كل قصيدة هي ولادة دائمة يتم بمقتضى فعلها الإبداعي خلق ذكرى دائمة تكوي جلد الشاعر عبد اللطيف بحيري مثل أرواح أو حالة نشوة، لتخليص الروح المعذبة من تداعيات الماضي

ماض حاضر موشى بالحب، بالأسى، بالحنان، بالإدراك، بخيبة الأمل، بالفرح، بالرغبات، بالريبة، بالقلق، بالمخاوف، بالأمل، باليأس، بالجنون، بالحكمة، بالانبعاث، بالتجدد.. دفق من المشاعر التي يستعرضها الشاعر في هذه الاضمومة والتي تشكل على مدى صفحاتها حياة بكاملها على هيأة ذكريات دائمة.. إنها مجموعة تلقي بنا في حميمية ناظمها، انطلاقا من هذه اللحظة القاسية الصعبة للإبداع، وهذه الدعوة إلى ملهمته، والمناجاة مع الطبيعة

حينما يولع الشاعر بكل فعل، بكل حرف صامت، بكل حرف صائت، يصرفهم بطريقة هارمونية واحدا واحدا وفقا لآلامه وأفراحه مثل أستاذ، يطلق رشاش يراعه ليسلمنا الى دوامة الأبيات التي تنشد هذا الطرب البهيج

بالنسبة لعبد اللطيف بحيري القصيدة هي إقلاع دائم، سفر في متاهات الروح، التي تنبثق أيضا من بين كلماتها. إذن هي ذكريات دائمة، وهي بالنهاية باقة زاهية الألوان من صميم حياة الشاعر

عطفا على كل هذه المقدمة البديعة المركزة، نخلص إلى أن هذه المعطيات والرؤى التأويلية هي وسيلة الشاعر عبد اللطيف بحيري للقبض على الزمن الضائع والسفر بنا بين تلافيف ذاكرة موشومة بالجمال والفرح والألم والأمل، ليستعيد لنا من خلال أشعاره البديعة حياة كاملة غير مصابة بامنيزيا الأحداث والذكريات، وتشتغل على مثنوية الماضي السحيق والحاضر العميق بكل خساراته، كيف يمكن إذن للذكريات وهي محض أحداث وتهويمات وتهيؤات وأخيلة آنية عفا عليها الزمن، وأصبحت في حكم الماضي البعيد ان تبعث وتصبح ثابتة وراسخة وأبدية وربما حية في لاوعي الشاعر وملازمة له على الدوام

يقول برغسون: "ان كل حياتنا الماضية موجودة بأكملها، بأدق تفاصيلها ونحن لا ننسى شيئا، وكل ما أدركناه وفكرنا فيه وأردناه منذ بزوغ شعورنا يظل موجودا إلى غير نهاية"

هكذا نختصر علاقة الشاعر بالزمن وبالأشياء والامكنة والمحسوسات، وبتطلعاته المحفوفة بالهواجس والكبوات الى حياة أكثر إشراقا ممهورة بالأمل والفرج، هذا التناقض في المفاهيم والرؤى يكسب الحياة توازنا وكمالا، لان الحياة بروتينيتها وبندرة التجارب فيها لا تستحق أن تعاش. لا بد هناك من عشق لهذه الحياة ومن معاناة وألم.. هكذا على الأقل ما نتصور. لا يقول الشاعر ذلك مباشرة، بل يوثر ان يحدثنا عن الشواطئ والبحار والمحيطات وفصل الربيع، عن عطر الزهور وتفتح الورود وابتهاج الطبيعة، وعن الزمن الماضي والذكريات والأحلام لكن ايضا عن الاكراهات والخسارات والحروب والبراكين وكل ما يوحي بذلك

لكل هذا تأتي النصوص تبعا لتصورات ومزاج الشاعر مفعمة بشحنات من العواطف الجياشة. تختزل مسيرة الكون الشاعر وتربطه بماضيه وبذكرياته وبالأشياء التي يتوجس فيها علاقة بالأشياء الحميمية والجميلة التي تحسسه بكينونته، وتمنحه دفقا من الأمل لمواصلة الحياة والانصهار فيها حتى ليبدو للقارئ بأن النصوص تنحو نحو الاحتفاء بالتفاصيل اليومية والمرئيات والتصورات بطريقة لا تخلو من "النوستالجيا" والتوق لزمن أفضل ينقذنا من عزلاتنا وخساراتنا المزمنة في واقع يغلفه الحزن والألم. هذا الانفلات الزمكاني المراوح بين متتاليات محسوبة قاسمها المشترك التذكر والتخيل، الانفتاح والانغلاق، الوضوح والإبهام، الإشراق والقتامة، الحقيقة والخيال، اليقين والوهم، السكينة والحيرة، الحلم وحلم اليقظة في مطلقهم اليقيني كمحاولة للتشبت بالحياة وبعثها من رمادها كالفينيق

- الإهداء

هناك دوما خصوصيات في دواخل الشاعر لا يمكن كتمانها وتشكل مرجعيات يعتمدها في توزيع أريحيته وفيء حنانه وحبه على مريديه، فهو لا يستثنى أحدا، لكل واحد نصيب، هكذا يفتح الأديب قلبه ليزف البشارة وبشكل تدريجي مستهلا بالأسرة الصغيرة ثم يتوجه إلى كل أصدقائه جميعهم، ثم يتوسع أكثر بشكل كوسموبوليتي إلى كل االشغوفين بالشعر، وحيثما يكون الشعر يكون الجمال والصدق

- الذكريات الحلم

يصر الحلم على الحضور وإقحامنا بقوة في عوالمه السحرية غبر تكرار اللفطة حوالي 15 مرة

في قصيدة شمس ليالي وهي قصيدة نثر يحلم الشاعر بان الشمس قد خسفت واختفت فيجري معها حوارا شاعريا، الفيلسوف التاوي " شوانغ تسو " حلم يوما بأنه تحول إلى فراشة، وحينما استيقظ لم يعد متيقنا ما إذا كان يحلم بأنه فراشة، أم أنه فراشة تحلم بأنها هو، الأمر سيان بالنسبة لغريغوار سامسا بطل قصة " المسخ " لفرانز كافكا الذي أفاق من أحلامه المزعجة فوجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة

تلك هي وظيفة الشعر التي دفعت بمفكر كبير كغاستون باشلار وهو اول من شعرن العلم الى القول بــــ

"إن وظيفة الشعر الكبري هي أن يجعلنا نستعيد مواقف أحلامي"

وكما نعرف فان الشعر لا يتحقق إلا بخلق لغة شاعرية خاصة، مع اعتماد ترسانة من الأنساق اللغوية والتعابير المجازية تلميحا وتوضيحا، وهنا تكمن عبقرية المبدع وجمالية الإبداع على السواء

في الشعر لا نبتكر الكلمات بل نتذكرها عبر الكتابة، هي الأداة التي نفكر بواسطتها نطور بها مداركنا، هي الوسيلة التي نحلم من خلالها ونتأمل، هي الأساس في العملية الإبداعية، والكتابة الشعرية تمارس دورها كفعل إنتاج المعرفة. اللغة في الإبداع هي جوهر لإثبات الوجود والكينونة بحسب مارتن هيدغر

إن إثارة الذكريات لا تعني اجترار الماضي واستعادته بشكل محنط ونمطي أو يشكل ميتافيزيقي

إنها محاولة لاستعادة توازن روحي ونفسي من خلال الأحلام واجترار أحلام اليقظة والهواجس..

الذكريات هي انبعاث ومضات وأحداث من الماضي. هكذا تبدو الذات منفلتة في الزمان والمكان، وهي تهيم في كل الاتجاهات، ساعية لاستكناه جوهر الأشياء وعناصر الكون فتتفاعل لأجل خلق لحظة تأملية نسترجع عن طريقها ما فات، وتتحول إلى عناصر ملهمة تمتعنا وتؤنسنا.. عبر محاولة تجاوز الحيز الفيزيقي الى التصور الغرائبي أو الغير المألوف من الظواهر الطبيعية، وأحيانا من خلال مشاهد سوريالية يوظفها الشاعر ليشير من خلالها إلى عدمية الوجود والخوف والتوجس من الأتي ورسم خطاطات لتجاوزه بصلابة العزم وقوة الشكيمة

يورد الشاعر هذه المقابلات الغريبة والمقصودة في تعبيرات موحدة كالضياء والعتمة، النوم واليقظة، الشمس والظلام.. بنية الدعوة للانفتاح على الامل، والمستقبل في مواجهة العتمات وانسداد الآفاق وفقدان الأمل. قد يبدو التضاد جليا فيما يشكلان معا صورة شعرية بديعة.

وهذا ما يطلق عليه فقهاء اللغة " اوكسيمور". وهي طريقة أسلوبية تسعى للربط بين مصطلحين على طرفي نقيض

الذكريات استعادة ما ينفلت منا ساعة الصحو، وساعة السهو.. وهي وقائع حياتية نسيناها أو كدنا لكن نستعيد أطوارها عبر المنام او أحلام اليقظة، وأحداث مماثلة نعيش أطوارها من جديد، او نتف من الذكريات الجميلة او البائسة تنبري من سجوف الماضي البعيد. وانبعثت بطريقة فجائية وعن حين غرة.. لكن هل بمقدورها إعادة الحياة للأشياء واستنساخها

الامكنة والازمنة

رغم أن المعجم الذي يحيل على الطبيعة بكل مكوناتها وعناصرها الأربعة يفرض نفسه في أكثر من نص، إلا أن العلاقة بينه وبينها تظل متأرجحة بين القبول والرفض، بين الاتصال والانفصال، بين الانبهار والنفور، وبين الخضوع لناموسها وانتقاد العديد من ظواهرها المشينة باعتبارها نشازا يراوح بين الغربة والضياع، الألفة والعزلة، الأمان والتيه، الإشراق والافول، الغواية والنفور

فتيمة الكينونة برغم تجددها المستمر أشبه بالخيوط التي تربطنا بالوجود وبالحياة. أنها صيغة من صيغ إرادة الحياة، تحلق بنا في فضاء المعنى. هذا ما يفسر الحضور المكثف للمعجم المرتبط بكلمات الروح الذكريات والأحلام الأرض المحيطات البحر الغابة الشمس الجداول في كذا نص شعري

للزمن أيضا حضوره المتماهي مع المكان، ويشكلان معا ركنا أساسيا في الخيال الأدبي كما هو بالنسبة للعلم ايضا، يمنحه هويةً مختلفة عن الواقع الحقيقي.

يخلص بورخيس الى ان الشعر كالزمن "إذا لم تسألوني ماهو، فأني اعرفه، ولكن إذا سألتموني ما هو، فإنني لا اعرفه.. ويعتبر أيضا أن أعظم المتع التي صادفها في حياته هي إمكانية حياكة الكلمات وتحويلها الى شعر

يقول هيراقليطس "انك لا تستحم في النهر مرتين""

ان مياه النهر لاتستقر على حال واحدة.. وكذلك بالنسبة للزمان سواء بسواء انه ضرب من المجاز

الشعر والترجمة

أشعار عبد اللطيف بحيري من نوع السهل الممتنع. هكذا أوجز منذ البداية الحالة العصية التي تصادف القارئ ومترجم إشعاره على الخصوص خاصة من غير المتمرسين مثلي.. فأسلوبه على رقته وجزالة لغته وبساطة تراكيبه المنتقاة بعناية فائقة وانيقة تغريك بعشقها وتسافر بك مفردة أجنحتها في فضاء جواني يفيض بالرقة والجمال.. لهذا تفرض عليك نصوصه تحد كبير في نقلها بأمانة،

لأن هناك ترجمات جنت على النصوص الأصلية جناية فظيعة وتروم إسقاط تصورات شخصية أو إفتاء الرأي في بعض الكلمات/التعابير في محاولة قسرية لإخضاعها لــ"سرير بروكوست"

هناك من يعتقد كما الايطاليين بان الترجمة خيانة، وهي بشرط بالنسبة عمرو بن بحر الجاحظ الذي يقول في كتاب الحيوان: " لابد للترجمان من أن يكون بيانُه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة"، وهي تحايل، وهي نقل، وهي استنبات، وهي صورة عن النص الأصلي.. وهي بديل.. وهي مفاوضة بين نسقين ثقافيين.. وهي " السيمولاكر" الذي يعني به فوكو الكذب الذي يجعلنا نأخذ علامة بدل أخرى

وهي تأليف بحسب موريش بلانشو

صيغة من صيغ عديدة يحكمها المزاج وتخضع لعملية تأويل قلما ترضي ذائقة صاحب النص الأصلي

لكن ما كل شيء قابل للترجمة

نقف هنا إزاء أعمال عديدة عصية عن الترجمة، مثل رواية مثل " فينيغانس واك " لجيمس جويس وهي رواية مكتوبة بعدة لغات مما يجعلها غير مفهومة لغاية اليوم.. حتى ان المترجمين حاروا في كيفية ترجمته
تصورات عديدة لكن لا مناص من الترجمة
لأن "الكيان الذي لا يشهد أي تحوّل يصير إلى زوال" بحسب مزاعم غوته

خاتمة

نحن إزاء شاعر يمتلك ناصية القول، مفعم بالأحاسيس الإنسانية، عميق الثقافة، متعدد المرجعيات الابيستيمية، يكتب بهدوء وتمعن، وبدون تصنع وتكلف، ومزايدة. أقصد بالكثير من العشق للغة والشغف بالكلمة الشاعرة، وبالكثير من الخبرة، والموضوعية التي تسعى لاختزال المسافة بين المعيشي والمتخيل، والمجاورة بين التذكر والتبصر، والمزج بين الأسطورة والواقع، والتماهي بين الحلم والواقع مما يشي بعمق التجربة الشعرية لدى الشاعر عبد اللطيف بحيري، ذلك أن تعدد المناهج النقدية دليل على خصوبة النص وعمقه، وقد حاولت من خلال هذه القراءة التفكيكية الانطلاق من مقاربة السمات الدلالية في ديوان " ذكريات سرمدية ". إيمانا منا بأن اللغة بكل انزياحاتها وسحرها وسطوتها، وبما تحمله من التعبيرات البلاغية وجمالياتها، ستبقى الجسر الرابط بين الأديب والمتلقي، ذلك ان المعجم الشعري الشفيف برومانسيته، بإحساساته الرهيفة والجياشة، بهارمونيته بايقاعية موسيقاه بتوسله بالتكثيف والاستعارات الاليغورية والصور الشعرية الشائقة يفرض على القارئ الحصيف سحره، ويبحر به مجدفا في بحار لا ضفاف لها من المتعة المعرفية والنشوة الروحية، التي تكاد تظهر للعيان عواطف الشاعر وانفعالاته من فرط رقتها.. ولعل " أشعر النَّاس منْ أنت في شعره حتَّى تفرغ منه" هذا على الاقل ما قاله أبو محمد عبدالله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري في كتابه الشهير الشعر والشعراء

أخيرا وليس آخرا، لا ادعي بان هذه القراءة المتواضعة تسعى للإحاطة بكل جوانب التجربة الشعرية للشاعر السي عبد اللطيف بحيري، واستسمج إن أخذت من وقتكم ما يكفي، وأتمنى أن أكون قد وفقت، وقبل الختام يحضرني في هذا المقام بيت شعري من التراث الشعري العربي القديم يقول

ولوخيرنا لما افترقنا = ولكن لاخيار مع الاذان



***


* قصائد مترجمة

شمس ليالي - قصيدة نثر
عبد اللطيف بحيري

وأنا استيقظ باكرا هذا الصباح لاحظت ان الشمس قد اختفت، بالرغم من أني طيلة الليل كان لي معها حوار عبر متاهات هذياني
التقطت أنفاسي معتقدا بأن الأمر مجرد تجهم عابر. فقررت الخروج لأروح عن نفسي
اثر بضع خطوات فوجئت بنور منبعث عن جدول على تخوم بستان خرب، أصبح الضياء أكثر حدة بحيث لولا ذراعي لفقدت الرؤية، وشيئا فشيئا بدأت حدة النور تتلاشي واستطعت التعرف على شمس حلمي
استرجعت أنفاسي وسألتها
- صباح الخير أيها الضوء، لقد اطال انتظارنا لك؟
- أيها المسافر الليلي البائس، ألا تدري بأن نوري نهاري
- بالتأكيد، لكن مساء أمس كنت مضيئا جدا وبك رغبة في الحديث
- أيها الحالم المسكين، لست انا، لكن ماذا تريد
- آه، لقد وعدتني باضاءة سبيلي
- من انأ؟ في الليل أغيب، لكن الناس يبتهجون لأفولي
- انأ أيضا كتبت قصيدة عن هذا
- حسنا، ماذا تريد مني اذن؟
- كم أنت مخادع في الصباح، اترك لي وقتا للتفكير
- هيا بسرعة، ليس لي سوى ركنك هذا الصباح
- ها انا أتفهمك جيدا
- أنت تفتننا لتأسرنا
- تهدهد شروقنا وغروبنا لتستعبدنا
- ايتها الشمس لا تنصرفي، عفوا لا ارغب اوه
وهكذا وإنا اخمن كيف انتعش في الصباح، لم افلح سوى في تحريك السكين في الجرح

****

- السامري الطيب
شعر عبد اللطيف بحيري

بعيدا عن السواحل البحرية
بعيدا عن الجبال العالية
بعيدا عن البساتين البهية
بعيدا عن الصحراء القصية
بعيدا عن الأصحاب الاقدمين
بعيدا عن الأهل المنزوين
اقطع وحيدا سبيلي
منتعشا بالذكريات الجميلة
والاحاسيس الصادقة والنبيلة
اصوغ قدري الشخصي
حيث النجوم قربي
وحيث البلاد موحدة
وحيث روحي جذلانة
وحيث فلبي يصمد بوجه الاتراح
وذاتي تنتعش بالافراح

***

نشيد للمرأة
شعر عبد اللطيف بحيري

ربما تكون امك
احبها ايتما وجدت على الارض
ربما تكون زوجتك
احتفظ لها بدفئك
ربما تكون اختك
اشرح قلبها بعطفك
ربما تكون ابنتك
احملها في حضنك
ربما تكون صديقتك
ادفع عنها الهموم
ربما تكون غريبة
اذن ترفق كما المعتاد
حتى اذا ما كنت يوما حزينا
وفي حياتك ما يؤلمك
مع امراة يجب ان نكون سعداء
برغم بعض المشاكل الطارئة

***

* ذكريات سرمدية
شعر عبد اللطيف بحيري

بالأمس كنا تحت سماوات أخرى
لم يستطع قلبي الركض
في فيء ازلية
واخمد كل احاسيسه العذبة
بالامس ايضا في صحونا
كانت عيوننا مثقلة جدا
تتقاطع معبرة عن ما لا نستطيع قوله
ونظراتنا تخفي سحرها

بالامس ايضا قرب البحر
سبحنا في الأثير واستنشقنا اليود
والتيار يعبر بيننا
وصمتنا غريب

بالأمس أيضا في المغيب
حينما أضاء القمر روحينا
كنا وحيدين في حضن المحبة
والنجوم تحتفي بلقائنا

اليوم ابتعدنا كثيرا
وذكرياتنا تبعث عبقها
لتؤجج نار قلبين مشتاقين
وجدهما لا يمكن علاجه

****

* كلمات رهينة
شعر عبد اللطيف بحيري

كلمات منقبضة
كلمات مشلولة
كلمات منومة
كلمات مبتذلة
كلمات مجمدة
كلمات شجية
كلمات ملطفة
كلمات موجهة
كلمات حبيسة
كلمات مستعبدة
كلمات معيقة
كلمات غير جريئة
كلمات دموية
كلمات خانقة
كلمات معمية
كلمات قاسية
كلمات مارقة
كلمات مضطربة
كلمات جاحدة
كلمات ساحقة
أين كلماتكم
يا أهل الأفكار المتحررة
اين هي كلماتكم
يا من تهتز أرواحكم
لاجل الحرية


* قراءة قدمت في حفل توقيع ديوان " ذكريات سرمدية" للاستاذ عبد اللطيف بحيري باليوسفية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى