بيرم التونسي شخصية أشهر من أن نعرفها لكم ، ولد - رحمة الله عليه - بمدينة الإسكندرية عام 1893 و توفي بالقاهرة عام 1961 ، عاش بيرم حياة مضطربة شديدة الاضطراب و يكفي أنه قضى منها شريدا مطاردا ما يقرب من عشرين سنة ( 1920 - 1938 ) تنقل فيها و هو خائف يترقب ما بين مصر و تونس و فرنسا و سوريا و لبنان و السنغال ، و بالرغم من ذلك استطاع أن يحفر اسمه بحروف بارزة في سجل الأدب و الأدباء .
لم يكن بيرم التونسي مجرد زجال كما يعرفه أغلب القراء بل كان قبل ذلك و بعده شاعرا فصيحا بليغا و في نماذج شعره الفصيح خير دليل على ذلك ، و لا غرو فهو يقول عن بدايات تعلقه بالأدب " استوعبت دراسة الأدب العربي من أمهات مصادره و شربته من أصفى ينابيعه و درست البلاغة و علوم اللغة و فقهها " و لكنه انصرف عن طريق الشعر الفصيح و أدار ظهره له لأسباب يبسطها حين يتحدث عن الحال المؤسية لأغلب الشعراء في ذلك الزمان فيقول " و كنت أظن أني سأجتر هذه الثقافات العربية الصميمة في صقل استعدادي و موهبتي الشعرية إلا أنني شهدت في مطلع حياتي صرعى الشعر و أشلاء الشعراء تحت أقدام المشعوذين و شذاذ الآفاق و المتجرين في سوق الأدب الفارغ و الكلام الساقط و اللغة الدارجة على أرض خبيثة " و يستطرد في شرح بقية الأسباب و هي التي تتعلق بحياته المضطربة فيقول " ثم تعاقبت علي المحن الثقال مع الليالي الطوال فأخذت المجاعة بخناقي و خناق الأطفال و تلقيت وحشة الاغتراب و نكد المرض و فقدان الأوطان و الإخوان و ضراوة المجاعة في بيت لا يؤنس بقايا الآدميين فيه إلا الأنين و الدموع و الأنفاس اللاهثة " و النتيجة التي ترتبت على كل ذلك بالطبع انصرافه عن الشعر الفصيح أو كما يقول " فلم أر أن أضيف إلى هذه المحن القاصمة محنة الشعر فتركت ثقافتي و استعدادي و موهبتي الشاعرة أمانة في ذمة الأيام إلى الزجل أنظم به المسرحية و الموال و الأغنية " ، و يعلق على تلك الأسباب الشاعر السكندري عبد العليم القباني فيقول : " ترى أية حسرة مرة تلك التي تكمن وراء هذه الكلمات التي تبين في وضوح مدى قسوة الحاجة التي دفعت بيرم لأن يترك ثقافته و استعداده و موهبته الشاعرة أمانة في ذمة الأيام إلى الزجل يكتب به الأغنية و المسرحية و الموال و ليصعد على أكتافه كل دعي و متسلق ؟ " و لا يخفى ما في تعليق القباني من انحياز إلى الفصحى و تفضيل لها على الزجل فهو شاعر فصيح و لا غرو فهو يقول هذا الكلام في سياق الكتابة عن بيرم الشاعر الفصيح لا الزجال .
و في مجال الزجل غدا بيرم التونسي و بدون مبالغة زجالا لا يشق له غبار ، استطاع بموهبته الفذة أن يشيد من فن الزجل صرحا منيفا تناطح فيه قصائده الزجلية عصم القصائد الفصيحة لكثير من شعراء عصره ليس لأن لغة قصائده هي لغة الشعب التي يتكلم بها الجميع من مختلف الطبقات و الشرائح الاجتماعية في الريف و الحضر و السواحل و البوادي فتفاعلوا معها و امتزجت بوعيهم و وجدانهم ، بل لأن لغة قصائده الزجلية تجلت فيها من مظاهر القدرة على التعبير و البراعة في التصوير و السلاسة في الموسيقى و توازن الإيقاع ما مكنها من استيعاب أدق المشاعر و أرهف الأحاسيس و أدق المعاني و الأفكار .
و لذلك لم يكن غريبا أن يقول أمير الشعراء أحمد شوقي جملته الشهيرة " إنني لا أخشى على الفصحى أكثر من عامية بيرم التونسي " و هي عبارة لا تؤخذ على معناها الحرفي فقيمتها الحقيقية تكمن في دلالتهاعلى أن بلاغة بيرم و طلاقة لسانه الشعبية جعلت لغته الزجلية تنافس اللغة الفصيحة بل تتفوق عليها في الوصول إلى قلوب الناس و بخاصة في زمن كانت لغته الفصيحة تميل إلى التقعر و المعاظلة و يكثر في أساليب ألغالبية من كتابه وشعرائه الكلمات غير المأنوسة و التراكيب اللغوية الصعبة .
و قد حظي بيرم التونسي بعشرات المقالات خلال حياته و بعد وفاته عام 1961 ، و بعد وفاته على وجه التحديد بالعديد من الكتب التي تناولت حياته و شعره بالتحليل و النقد و كشفت عن جوانب كثيرة من عبقريته ، من أهمها على سبيل المثال : " بيرم و الفصحى " لعبد الفتاح غبن و " بيرم كما عرفته " لمحمد كامل البنا و " فنان الشعب " لأحمد يوسف و " بيرم رائد الزجل " لميلاد واصف و " محمود بيرم التونسي " لعبد العليم القباني و " أزجال بيرم التونسي .. دراسة فنية " للدكتور يسري العزب ، حتى أولئك الذين كانت بينه و بينهم خصومة شهدوا له بالتميز و التفرد فنجد أن الزجال " أبو بثينة " مثلا لم تمنعه خصومته مع بيرم من إنصافه و الاعتراف بأنه " كان مدرسة جديدة في فن الزجل و أنه في الطليعة بين معاصريه بل إنه استطاع بما أوتي من موهبة فذة و قدرة نادرة أن ينظم من الأزجال ما كان يحسده عليه كبار الشعراء ، و في أزجاله من مواطن الحسن و الجمال و الرقة ما يعز على الكثيرين من الشعراء و الزجالين أن يبلغوا شأوه " ( الزجل العربي لأبي بثينة ) ، و لكن - من وجهة نظري - فإن من أفضل ما كتب عن بيرم من زاوية معينة مقالتان : الأولى معروفة للمفكر العلامة عباس محمود العقاد و الثانية مجهولة قد تثير دهشة الكثيرين لعالم الفيزياء و الرياضيات الكبير الدكتور علي مصطفى مشرفة ، فالمقالتان شهادتان من علمين شامخين في مجالهما على عبقرية بيرم التونسي .
العقاد و بيرم :
---------------
العقاد هو العلم الشامخ المهيب في نهضتنا الثقافية الحديثة ، و الناقد الجهبذ رائد الدعوة إلى التجديد و نبذ التقليد و الجمود في الأدب العربي ، و هو الأديب العبقري الذي ارتبط اسمه باللغة العربية الفصيحة كواحد من أهم الكتاب العرب أصحاب الأساليب المتميزة فيها ؛ و أفضل من أبدعوا بها نثرا و شعرا ؛ و أكثر من اهتموا بدرس خصائصها و تبيان جوانب تفردها كلغة تعبير و إبداع ؛ و أشهر من نافحوا عن مكانتها أمام اللغات الأجنبية و اللهجات العامية و الدارجة إبان القرن العشرين ، لم يمنعه تشيعه القوي للغة الفصيحة من تقدير شخص بيرم التونسي و التنويه بعظمة فنه الذي كان يبدعه باللهجة العامية ، و العقاد كما نعرف عاشق مفتون بالعباقرة و النوابغ في كل زمان و مكان و من كل جنس و لون ؛ مولع بتحليل عقلياتهم الجبارة و التنويه بمدى تأثيرهم العميق في حياة مجتمعاتهم و حياة الإنسانية جمعاء ، و لذلك فهو عالم بخصال العباقرة خبير بالكثير من خصائصهم النفسية و الذهنية ، و لقد كتب العقاد عن أغلب الكتاب و الأدباء الممتازين ممن كانوا يكتبون و يبدعون باللغة الفصيحة في النصف الأول من القرن العشرين و أشاد بنبوغهم و قيمة فنهم و إبداعهم لكنه لم يقطع بانتماء أحد منهم إلى قبيل أو فصيل العباقرة بوضوح شديد كما فعل مع بيرم الكاتب الزجال .
" كان عبقريا بلا مراء " جملة قصيرة حاسمة جازمة صدر بها العقاد كلامه عن بيرم التونسي ( جريدة الأخبار في 11 يناير 1961 ) و قال فيها خلاصة ما حاول كثيرون قوله في صفحات كثيرة من مقالات أو كتب ، إنه نص الحكم النهائي بعد دراسة و تمحيص و تقليب للقضية على مختلف أوجهها و تأتي بعد ذلك الحيثيات التي انبنى على أساسها الحكم الحاسم الجازم .
و يبسط العقاد حيثياته فيقول " كانت آية الآيات في بيرم التونسي - رحمه الله - أنه كان يفهم السريرة الناطقة بالعربية من بواطنها الخفية قبل أن يحكيها بلهجاتها الكثيرة على الألسنة و الأقلام " و يستدل على ذلك بما عرف عن بيرم من اتقانه لكثير من لهجات البيئات العربية المختلفة و قدرته الفائقة على التحدث بكل لهجة منها ، لا بل و التغني أيضا : " فكان من طرائقه المحبوبة حيث يأنس إلى أصدقائه و المعجبين به أن يلقي عليهم حوارا يشترك في أحاديثه خمسة أو ستة من أبناء البادية و الحاضرة يتحدث كل منهم بلهجته الموروثة و يتغنى أحيانا بنغماته التي توافق تلك اللهجة ، و ينتقل من سؤال إلى جواب و من تعبير إلى تعليق و من جد إلى فكاهة كأنه جماعة من الناس يوشك أن تتعدد أصواتهم كما تتعدد أساليبهم في الكلام و في أنماط الحديث و الغناء " ، و في الغالب فإن العقاد قد عرف ذلك عن بيرم لا من بعد بالسماع و إنما من قرب بالعيان و المباشرة ، نفهم ذلك من قوله " و قد كنا نحب لقاءه حيث كان يحب أن يعيش و يقضي سهراته و يختار أدواره و ألحانه و موضوعاته "
و لم يكن بيرم يستطيع فعل ذلك استطاعة محاكاة و تقليد و إنما استطاعة طبع و سليقة و كأنه في كل لهجة ينطقها و يتغنى بها أحد أبنائها ، و هي موهبة لم يؤتها زجال مثل بيرم ، و هذا ما جزم به العقاد حين قال " و لم يكن ذلك كله من قبيل المحاكاة أو الإعادة الآلية التي يستطيعها كثيرون و إنما كان خلقا للشخصية المتكلمة و للعواطف و الأحاسيس التي تكمن وراء الكلمات " و يؤكد ذلك في الفقرة التالية : " و من تمام قدرته على الخلق و الإبداع في هذه الملكة الفنية أنه نشأ في بيئة تونسية عريقة و بقي إلى ما بعد العشرين من عمره يتحدث على السجية فيذهب لسانه على غير قصد منه إلى نبرات تلك اللهجة و مصطلحاتها ... فمن ملكاته السابقة المطبوعة أنه يقتدر بإرادته على إبداع أدوار الحوار بكل لهجة ينطق بها اللسان العربي من ساحل الأطلسي إلى شط العرب " .
و ينفي العقاد أن يكون تعلق بيرم باللهجات الدارجة لضعف في لغته الفصيحة أو هروبا من لوازمها و متطلباتها من حيث الفصاحة و البلاغة فبيرم " لم يكن ولعه باللهجات الدارجة عن قصور منه في التعبير باللغة الفصحى شعرا و نثرا حين يشاء ، فإن منظوماته العربية ( أي الفصيحة ) تسلكه بين النخبة المجيدين من شعراء عصره " .
و يضرب العقاد أمثلة قليلة من شعر بيرم الفصيح تدليلا على صحة ما يقول و يعقب عليها بقوله " و كل شعره الجدي و الفكاهي على هذه الطبقة التي كانت تسمح له لو أراد أن يقصر منظوماته على اللفظ العربي الفصيح و لكنها طبيعته التي كانت تحن إلى المعيشة بين أولاد البلد هي التي حببت إليه أن ينظم بلهجة الأزجال و يسوق عباراته بلهجة المعيشة اليومية في البيت و السوق " .
و يشهد العقاد لبيرم التونسي أنه أفضل من صور البيئة البلدية ( الشعبية ) و ليس هناك من هو أصدق منه في تصويرها ، و يعزو هذا إلى أن الفترة التي قضاها في وسط تلك البيئة مختفيا عن أعين السلطات هي التي صنعت الرابطة القوية بينه و بينها و هي التي أوحت إليه بتصويرها فيقول : " عاش بيرم أيام اختفائه في صميم البيئة البلدية و ألفها تلك الالفة التي قيدته بها طول حياته ، و أوحت إليه أن يصورها أصدق تصوير عرفناه لأديب قديما و حديثا ، و لا نستثني السفينة الشهابية ( كتاب : سفينة الملك و نفيسة الفلك لشهاب الدين محمد بن إسماعيل بن عمر ) التي كانت تعد قبل نبوغ بيرم في فنونه البلدية موسوعة هذه الفنون فإنها على تعداد جوانبها لم تتسع لغير القليل مما تناوله بيرم من أطوار المعيشة اليومية إلى الزمن الأخير " .
و يواصل العقاد الكشف عن جوانب عبقرية بيرم التونسي في إبداعه بشكل عام لا في أزجاله فقط فيصف بيرم بأنه " كان في الحق ينبوعا من ينابيع الفنون الشعبية نظما و غناء و تمثيلا و تصويرا بالقلم يعطينا من صور الحياة العصرية ما تعجز عنه ريشة الفنان الصناع " .
و قد زودنا العقاد في مقالته بمعلومات طريفة عن فترة اختفاء بيرم عن أعين البوليس عقب دخوله متسللا إلى البلاد و كيف لم يجرؤ أحد مما يعرفون أماكن اختفائه و لديهم دواع شتى للإرشاد عنه أن يفعل ذلك ، ربما لا تكون تلك المعلومات ذات صلة وثيقة و مباشرة بعبقرية بيرم كأديب و لكنها تحمل دلالة واضحة على ذلك فقد روى العقاد أن محمد باشا محمود و كان رئيسا للوزراء في أواخر الثلاثينيات كان يحمي بيرم من بعد تقديرا لعبقريته و كان بتعبير العقاد : " يجري على خطة عجيبة في حمايته فكان يأمر الشرطة المسؤولين أن يحجزوا كل من يبلغ عن طريده هذا و لا يتركوه قبل أن يلقى رئيس الوزراء لسؤاله ، فأصبح حذر المبلغين من التبليغ أشد من حذر الطريد المطلوب " ، و من دلائل تقدير محمد باشا محمود لعبقرية بيرم أنه كان كلما لقي العقاد سأله عن أحدث ما أبدعه بيرم من أزجال فيحيله العقاد إلى الشاعر الراوية الظريف مصطفى حمام لأنه كما وصفه العقاد : " يكاد يستظهر كل ما نشره بيرم من منظوم و منثور " .
و لأن المقالة كتبها العقاد عقب وفاة بيرم فقد عد " فقدانه خسارة لا تعوض " و علل ذلك بجملة عقادية محكمة من أبلغ ما تكون في الدلالة على قيمة بيرم التونسي شاعر الشعب فقال : " لأن الزمان ضنين بأمثال هذه العبقرية لا ينفق منها بغير حساب " .
مشرفة و بيرم :
-----------------
الدكتور علي مصطفى مشرفة عالم الفيزياء و الرياضيات الشهير و أول و أصغر مصري يحصل على درجة دكتوراه العلوم Dsc في الرياضيات ( في سن السادسة و العشرين ) و أول عميد لكلية العلوم جامعة القاهرة ( فؤاد الأول سابقا ) ، ربما يكون كل هذا أو بعضه معروفا لأغلب المثقفين ، و لكن ما لا يعرفونه هو أن الدكتور مشرفة كان على علاقة وثيقة بالأدب و باللغة ، و من ينعم النظر في أسلوب كتابته يكتشف ذلك بسهولة ، و كان على علاقة وثيقة أيضا بالفنون عموما و بالموسيقى على وجه الخصوص ، فله بحسب كلام الدكتور محمود حافظ ( رئيس المجمع العلمي و مجمع اللغة العربية السابق ) كتاب في الموسيقى ؛ كما أن له بحثا في السلم الموسيقي و المقامات ، و كان يجيد العزف على أكثر من آلة موسيقية لا سيما الكمان و البيانو ( الكتاب التذكاري لكلية العلوم - جامعة القاهرة 1998 بمناسبة مرور 100 سنة على ميلاده ) ، و قد أسس سنة 1942 " الجمعية المصرية لهواة الموسيقى " التي قامت بتمصير مجموعة من المؤلفات الموسيقية العالمية ( ترجم النصوص المصاحبة لها شعرا أديب الأطفال الأشهر كامل كيلاني ) ، و له عشرات المقالات و المحاضرات التي جمع بعضها و أصدره في كتب تستهدف القارئ العام و يمثل العلم مرتكزها و محورها الرئيسي مثل : " مطالعات علمية " 1943 و " نحن و العلم " و " الذرة و القنابل الذرية " 1945 و " العلم و الحياة " 1946 ، هذا بخلاف كتبه و أبحاثه العلمية المتخصصة ، و إليه يعود الفضل الأول كما يقول الدكتور عادل مشرفة في تعريب مواد الدراسة بكلية العلوم و كان من أبرز دعاة ترجمة أمهات الكتب العلمية إلى اللغة العربية لتوطين العلم فيها ( الكتاب التذكاري ) ليس بسبب إيمانه بأن اللغة هي وعاء التفكير الخلاق فقط و انحيازه إلى لغته القومية بل لأنه قبل هذا و بعده كان قارئا جيدا للأدب في اللغتين العربية و الإنجليزية و يقدر العباقرة و النوابغ من الأدباء ، لا غرو إذن أن يكتب الدكتور مشرفة عن بيرم التونسي مقالته " نقد لا يقره الأدباء " التي نشرت على جزءين بتاريخ 4 و 11 فبراير 1941 في مجلة " الثقافة " لصاحبها و رئيس تحريرها الكاتب المعروف الأستاذ أحمد أمين الطباخ .
تبدأ مقالة الدكتور مشرفة بأنه انتهى للتو من قراءة ديوان بيرم التونسي الذي لا يعرف متى صدر ؟ و ليس له سابق معرفة بالشاعر إلا أنه منذ سنتين ترجم له قصتين و نشر ترجمتيهما بإحدى المجلات الإنجليزية و قد أرسل إلى بيرم عددي المجلة و لكن مصلحة البريد أعادتهما إلى مرسلهما بعد عدة أشهر لعدم الاستدلال على عنوان المرسل إليه ، و من الطبيعي ألا تستدل مصلحة البريد على عنوان بيرم ففي ذلك الوقت بالتحديد كان بيرم يتنقل من مكان إلى مكان خائفا يترقب خشية القبض عليه و ترحيله من جديد قبل أن تنجح مساعي عشاق فنه من علية القوم لدى القصر فيحصل على عفو ملكي و تنتهي رحلة معاناته الطويلة ، و عن القصتين يتحدث مشرفة فيقول : " أذكر أنني لما قرأت القصتين ظننت أن ما بهما من فن و جمال جاء عن طريق الصدفة و لم يخطر ببالي أن بمصر كاتبا يقارن بكتاب أوربا بل و يعتبر إذا قيس بمقاييس الفن الغربي من كتاب الدرجة الأولى " .
أما عن ديوان بيرم فقد خرج مشرفة من قراءته بأنه " أديب شرقي يصل في نبوغه إلى مستوى أي أديب أوربي شئت من الدرجة الأولى و أنه كشاعر لا يقل في فنه عن شاعر الإنجليز ( ت . إس . إليت ) و لا في أمانته و جرأته و قوة تصويره عن الشاعر الفرنسي ( بودلير ) " ، و قد رتب مشرفة على ذلك نتيجة هي هذه النبوءة : " سوف يأتي يوم يكون فيه مركز التونسي في الأدب المصري - إذا قدر لهذا الأديب أن يستمر - مركز ( تشوسر في الأدب الإنجليزي " و قد بنى مشرفة نبوءته على " أن بين الشاعرين شبها كبيرا " .
و حين وصل مشرفة إلى هذه " النتيجة / النبوءة " أو " النبوءة / النتيجة " أعلن أنه " يشعر بكل الفخر و السرور الذي يشعر به الباحث الذي وفق إلى اكتشاف سعيد " ، بيد أنه قلق متوجس من رد فعل الأدباء المصريين إزاء ما اكتشفه فهو يتوقع عدم تقبلهم النتيجة التي انتهى إليها بل ربما يضحكون منه و عليه ، و يفسر لنا هذا التوقع الملتبس بالقلق و التوجس سر اختياره هذا العنوان لمقالته : " نقد لا يقره أدباء مصر " ، ففي العنوان أي من البداية يفصح عن ذلك ، و يشرح لنا سبب هذا التوقع القلق المتوجس من رد فعل الأدباء فيعزو ذلك إلى استهانتهم بفن الزجل و تعاملهم مع الزجال على أنه في المرتبة الدنيا من الفن فيقول : " لأن التونسي ( زجال ) كما سمعت و منزلة الزجال في بلدنا من كتاب المجلات منزلة ( الموالدي ) و ( العالمة ) من عبد الوهاب و الآنسة أم كلثوم ، أو إن شئت فمنزلة ( الغفير ) من ضابط البوليس " .
ثم يأخذ مشرفة في بيان حيثياته التي بنى عليها حكمه بأن بيرم شاعر صاحب موهبة ضخمة تؤهله أن يكون في الشعر المصري كـ " تشوسر " في الشعر الإنجليزي و نلاحظ أن الدكتور مشرفة يتحول هنا إلى منظر للشعر كما ينبغي أن يكون من وجهة نظره ، و يمهد لذلك بتقرير أن النبوغ في الشعر " له صفات مشتركة بين كل شعراء الأرض " ، و يبسط مشرفة القول في العلاقة بين الموسيقى في الشعر - بكل مصادرها : البحرالشعري و تقسيم الجمل و جرس الكلمات و الحروف - و بين معنى البيت و شعور الشاعر المتغلغل في نسيج الكلمات و الجمل ، كما أن قيمة بيت الشعر ليست فيما يتضمنه من المعنى و إنما بمقدار ما له من تأثير عاطفي ، و المعاني في الشعر ليست لمجرد الإخبار و إلا كان الكلام نظما لا شعرا وإنما المعاني في الشعر قبل الإخبار و بعده هي للتأثير العاطفي في المتلقي ، و إذا كان هذا من جهة اللغة و الصياغة فمن جهة هيكل القصيدة و مادتها فالوحدة العضوية شرط أساسي فيهما ؛ و ينبغي أن يكون للقصيدة أثر أكبر من أثر مجموع أبياتها إذا أخذ كل بيت على حدة ؛ و هذا التأثير الكلي يجب أن يتوزع توزيعا جيدا يتناسب مع طول القصيدة و أن يستمد من هيكلها و مادتها أكثر مما يستمد من مفردات أبياتها فالقصيدة كما يقول : " عمل فني لا تشبه باقة من الورود يكون جمالها إلى حد ما من مجموع جمال فرادى ورودها بل تشبه شجرة ورد حيث الجمال في مجموعة ساقها و أغصانها و ورقها و ورودها ، كل هذا مصوغ في هيئة شجرة " ، و يستشهد على ما يقول بأبيات من الشعر الجاهلي و الإسلامي لامرئ القيس و زهير بن أبي سلمى و تأبط شرا و قيس بن الملوح و المتنبي ، و يرى مشرفة أيضا أن الشعر يتسم بأنه أبعد ما يكون عن لغة المعنويات ( أي الأفكار المجردة ) و أقرب ما يكون من لغة الحسيات ، و يضرب مثالا على ذلك ببضعة أسطر من نص من ديوان بيرم بعنوان " من بين القبور " :
يا ريس الفن يا سارح بأرغولك طالب من الله
إن شفت بين القبور أطرش يناديلك أجرك على الله
زمر على بلوتك و اجمع هلاهيلك و توب إلى الله
فقيمة الأبيات السابقة في رأي مشرفة تكمن في أنها تعبر عن مضمونها بشكل غير مباشر يعتمد على الرمز لا التصريح فلغة الشعر لغة رمزية كالأحلام ، و ترتبط بميزة الحسية في لغة الشعر خاصية الإيحاء فلغة الشعر من وجهة نظر مشرفة تكون في أكمل حالاتهاعندما توحي عباراتها و كلماتها أكبر إيحاء ممكن و عندما ينسجم هذا الإيحاء مع تجربة الشاعر و جو القصيدة ، فجمل مثل " طالب من الله و أجرك على الله و توب إلى الله " توحي عن طريق تداعي المعاني بالكثير .
و يصف مشرفة المجتمع المصري بأنه ينقسم إلى قسمين حياة كل منهما تختلف عن حياة القسم الآخر في أغلب تفاصيلها و لتقريب مقدار اختلافهما من الأذهان يمثلهما بحيين شهيرين في مدينة " بورسعيد هما : " الحي الإفرنجي ( الحياة الحديثة ) و الحي العربي ( الحياة الشعبية ) ، و إذا كان أغلب الأدباء المصريين يتذوقون الأدب المكتوب باللغة الفصيحة فما دام الأمر أمر تذوق للأدب يتساءل مشرفة : فما الذي يمنع أدباءنا من تذوق الأدب الذي أبدع باللهجة العامية ؟ و ما الذي يصرفهم عن تقدير ما في هذا الأدب من صور الجمال الفني ؟ ، و للتدليل على جدارة هذا الأدب بالتذوق و التقدير يستشهد مشرفة بثلاثة نماذج زجلية من ديوان بيرم نكتفي منها بنموذجين : الأول من نص بعنوان " دكان مرسي " يقول فيه بيرم :
و الأمهات و انت عليهم ترسي .. الصبح نينة لما يخرج مرسي
ترقيه تلات مرات بآية الكرسي .. و يفوت سبع خطوات على الدفاية
و تقول يا قادر يا كريم تهديه لي .. أنت اللي آخر قطعتي مديه لي
بقدرتك من ريحة أبوه خليه لي .. لحد ما ياخد بإيده عزايه
و الثاني من نص بعنوان " ركاب سوارس " يقول فيه بيرم :
قصدت يوم الحسين أشرب هناك خروب .. جت قعدتي بين جدع عايق وبين كركوب
و شابة ف الوش قاعدة و ابنها المقلوب
بيدوي زي اللي راكبه ستميت عفريت
طلعت لنا شابة بص لها اللي جنبي و ساح .. طلع كمان بعد منها شيخ بلد فلاح
بحمله خرجين و موهية حطهم و ارتاح
و قال العجوز اللي جنبي : سوق بقى يا بخيت
---------------
يا خلق لسه الولد نازل بكا و عياط .. والوش غرقان لشوشته في عماص ومخاط
الحلوه قالت لأمه : ياختي إبنك شاط
قالت : عايزني أشتريله إدلعدي كتاكيت
و يعلق مشرفة على هذه الأبيات بأنه قرأ تشوسر و شكسبير في لغتهما الأصلية " الإنجليزية " و إن لم يكن في إمكانه مقارنة بيرم بهما لأنه لم يقرأ له سوى ديوانه و قصتيه اللتين ترجمهما إلى الإنجليزية لكن في إمكانه القول بأن خير ما في بيرم يقرب كثيرا من خير ما فيهما ، ففي شعر بيرم القصصي : " لغة تثير في المخيلة صورا حسية تجعلني أجزم بأنه سمع و لمس و رأى الحياة حوله بحواس مرهفة لا تهب الطبيعة مثلها إلا لشاعر و أنه لا يقف من هذه الحياة موقف المصلح أو الفيلسوف .. و إنما يعطينا تجاربه فيها كما يعطي الشعراء تجاربهم في ألوان سحرية لا هي كل ما تراه العين و لا هي كل ما تهبه الروح أو تحسه ، فهي مزيج تملي مقاديره و نسبه عبقرية الرجل و فنه " .
و يدعو مشرفة المصريين إلى قراءة أزجال بيرم القصصية في ضوء أن " أليق لغة لأدب ما هي لغة من يكتب عنهم هذا الأدب فلا عربية المدارس ( أي الفصيحة ) و لا أي لغة من لغات الأرض بقادرة على وصف حياتنا كما تصفها به لغة حديثنا ( أي العامية ) على لسان شاعر موهوب " .
و في ديوان بيرم من صور الحياة المصرية ما لا يقل الكثير منها في روعته و شاعريته عن الصور التي نراها في شعر أوربا الحديث و يلتفت مشرفة إلى سمة من سمات بيرم التونسي البارزة في أزجاله ألا و هي جرأته في استخدام الكلمات التي ينأى عن استخدامها كثير من الشعراء بدعوى أنها نابية أو خارجة عن العرف طالما أن الضرورة الفنية تتطلبها ، فيقول إن صور بيرم الزجلية " تشترك مع كل شعر الشاعر في خاصية الجرأة في تخير الكلمات فالتونسي كـ ( إليت و بودلير و جويس ) و غيرهم من المحدثين لا يهاب الكلمة الوقحة إذا أملى عليه الفن استعمالها " .
و يختتم مشرفة استشهاداته على عبقرية بيرم التونسي الشعرية بأبيات مختارة من قصيدة بعنوان " مراقص الزنج في باريس " يرى أنها أبدع ما تضمنه ديوانه من نصوص زجلية ، و يقول عنها : " لا أذكر أني قرأت في العربية شعرا وصفيا تألقت و اتحدت نبضات موسيقاه و بحره و أصوات كلماته كما تألقت و اتحدت معاني هذه القصيدة و أصواتها و موسيقاها " و من القصيدة قوله :
تحت في الظلام دانسنج .. يجمع البدور و الزنج
أو قوله :
بنج من جمال أشكال .. بنج من نغم شغال
من جمب قصار و طوال .. مندغم نغم شياطين
أو قوله :
طبلة العبيد السود .. دايرة و النفير ممدود
خلت أم أجمل عود .. تنفتل شمال و يمين
أو قوله :
نسمع الودع بيشن .. يقلب الملايكة بجن
أو قوله أيضا :
إن نده عليها جادوه .. بالعجل تقوله ألوه
يبقى نحل العسل يا هوه .. وردي يعجب الملايين
و يعقب على هذه الأبيات المختارة من النص بقوله : " أظنه اتهاما لنباهة القارئ بعد هذا و ذوقه أن أبين له كيف توحي هذه الأصوات بأصوات الدف و الطبل و الساكسفون و النفير و غير ذلك من آلات موسيقى الجاز ؟ " ، و يعقد مشرفة مقارنة بين قصيدة بيرم الزجلية و قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي " مال و احتجب " وأنه إذا كان المرقص الذي وصفه شوقي و تواءمت معه موسيقى قصيدته مرقصا ملكيا الرقص يكون فيه من نوع الولتز ( Waltz ) و البولكا ( Polka ) و اللا نسرز ( Lancers ) و غير هذا من الرقص القديم الذي يمتاز برشاقة الحركة و عذوبة الموسيقى فإن المرقص الذي وصفه بيرم في باريس هو مرقص زنجي يختلف فيه نوع الرقص ؛ و نوع الموسيقى فالزنوج يرقصون على موسيقى الجاز ، و قد استطاع بيرم بعبقريته أن يجعل موسيقى قصيدته ملائمة لموضوعها أشد الملائمة .
https://www.facebook.com/photo.php?...QR4DZ2BVmWY0YTkvAXNK9swECCSIUcSIb_T6gnZJi-moq
لم يكن بيرم التونسي مجرد زجال كما يعرفه أغلب القراء بل كان قبل ذلك و بعده شاعرا فصيحا بليغا و في نماذج شعره الفصيح خير دليل على ذلك ، و لا غرو فهو يقول عن بدايات تعلقه بالأدب " استوعبت دراسة الأدب العربي من أمهات مصادره و شربته من أصفى ينابيعه و درست البلاغة و علوم اللغة و فقهها " و لكنه انصرف عن طريق الشعر الفصيح و أدار ظهره له لأسباب يبسطها حين يتحدث عن الحال المؤسية لأغلب الشعراء في ذلك الزمان فيقول " و كنت أظن أني سأجتر هذه الثقافات العربية الصميمة في صقل استعدادي و موهبتي الشعرية إلا أنني شهدت في مطلع حياتي صرعى الشعر و أشلاء الشعراء تحت أقدام المشعوذين و شذاذ الآفاق و المتجرين في سوق الأدب الفارغ و الكلام الساقط و اللغة الدارجة على أرض خبيثة " و يستطرد في شرح بقية الأسباب و هي التي تتعلق بحياته المضطربة فيقول " ثم تعاقبت علي المحن الثقال مع الليالي الطوال فأخذت المجاعة بخناقي و خناق الأطفال و تلقيت وحشة الاغتراب و نكد المرض و فقدان الأوطان و الإخوان و ضراوة المجاعة في بيت لا يؤنس بقايا الآدميين فيه إلا الأنين و الدموع و الأنفاس اللاهثة " و النتيجة التي ترتبت على كل ذلك بالطبع انصرافه عن الشعر الفصيح أو كما يقول " فلم أر أن أضيف إلى هذه المحن القاصمة محنة الشعر فتركت ثقافتي و استعدادي و موهبتي الشاعرة أمانة في ذمة الأيام إلى الزجل أنظم به المسرحية و الموال و الأغنية " ، و يعلق على تلك الأسباب الشاعر السكندري عبد العليم القباني فيقول : " ترى أية حسرة مرة تلك التي تكمن وراء هذه الكلمات التي تبين في وضوح مدى قسوة الحاجة التي دفعت بيرم لأن يترك ثقافته و استعداده و موهبته الشاعرة أمانة في ذمة الأيام إلى الزجل يكتب به الأغنية و المسرحية و الموال و ليصعد على أكتافه كل دعي و متسلق ؟ " و لا يخفى ما في تعليق القباني من انحياز إلى الفصحى و تفضيل لها على الزجل فهو شاعر فصيح و لا غرو فهو يقول هذا الكلام في سياق الكتابة عن بيرم الشاعر الفصيح لا الزجال .
و في مجال الزجل غدا بيرم التونسي و بدون مبالغة زجالا لا يشق له غبار ، استطاع بموهبته الفذة أن يشيد من فن الزجل صرحا منيفا تناطح فيه قصائده الزجلية عصم القصائد الفصيحة لكثير من شعراء عصره ليس لأن لغة قصائده هي لغة الشعب التي يتكلم بها الجميع من مختلف الطبقات و الشرائح الاجتماعية في الريف و الحضر و السواحل و البوادي فتفاعلوا معها و امتزجت بوعيهم و وجدانهم ، بل لأن لغة قصائده الزجلية تجلت فيها من مظاهر القدرة على التعبير و البراعة في التصوير و السلاسة في الموسيقى و توازن الإيقاع ما مكنها من استيعاب أدق المشاعر و أرهف الأحاسيس و أدق المعاني و الأفكار .
و لذلك لم يكن غريبا أن يقول أمير الشعراء أحمد شوقي جملته الشهيرة " إنني لا أخشى على الفصحى أكثر من عامية بيرم التونسي " و هي عبارة لا تؤخذ على معناها الحرفي فقيمتها الحقيقية تكمن في دلالتهاعلى أن بلاغة بيرم و طلاقة لسانه الشعبية جعلت لغته الزجلية تنافس اللغة الفصيحة بل تتفوق عليها في الوصول إلى قلوب الناس و بخاصة في زمن كانت لغته الفصيحة تميل إلى التقعر و المعاظلة و يكثر في أساليب ألغالبية من كتابه وشعرائه الكلمات غير المأنوسة و التراكيب اللغوية الصعبة .
و قد حظي بيرم التونسي بعشرات المقالات خلال حياته و بعد وفاته عام 1961 ، و بعد وفاته على وجه التحديد بالعديد من الكتب التي تناولت حياته و شعره بالتحليل و النقد و كشفت عن جوانب كثيرة من عبقريته ، من أهمها على سبيل المثال : " بيرم و الفصحى " لعبد الفتاح غبن و " بيرم كما عرفته " لمحمد كامل البنا و " فنان الشعب " لأحمد يوسف و " بيرم رائد الزجل " لميلاد واصف و " محمود بيرم التونسي " لعبد العليم القباني و " أزجال بيرم التونسي .. دراسة فنية " للدكتور يسري العزب ، حتى أولئك الذين كانت بينه و بينهم خصومة شهدوا له بالتميز و التفرد فنجد أن الزجال " أبو بثينة " مثلا لم تمنعه خصومته مع بيرم من إنصافه و الاعتراف بأنه " كان مدرسة جديدة في فن الزجل و أنه في الطليعة بين معاصريه بل إنه استطاع بما أوتي من موهبة فذة و قدرة نادرة أن ينظم من الأزجال ما كان يحسده عليه كبار الشعراء ، و في أزجاله من مواطن الحسن و الجمال و الرقة ما يعز على الكثيرين من الشعراء و الزجالين أن يبلغوا شأوه " ( الزجل العربي لأبي بثينة ) ، و لكن - من وجهة نظري - فإن من أفضل ما كتب عن بيرم من زاوية معينة مقالتان : الأولى معروفة للمفكر العلامة عباس محمود العقاد و الثانية مجهولة قد تثير دهشة الكثيرين لعالم الفيزياء و الرياضيات الكبير الدكتور علي مصطفى مشرفة ، فالمقالتان شهادتان من علمين شامخين في مجالهما على عبقرية بيرم التونسي .
العقاد و بيرم :
---------------
العقاد هو العلم الشامخ المهيب في نهضتنا الثقافية الحديثة ، و الناقد الجهبذ رائد الدعوة إلى التجديد و نبذ التقليد و الجمود في الأدب العربي ، و هو الأديب العبقري الذي ارتبط اسمه باللغة العربية الفصيحة كواحد من أهم الكتاب العرب أصحاب الأساليب المتميزة فيها ؛ و أفضل من أبدعوا بها نثرا و شعرا ؛ و أكثر من اهتموا بدرس خصائصها و تبيان جوانب تفردها كلغة تعبير و إبداع ؛ و أشهر من نافحوا عن مكانتها أمام اللغات الأجنبية و اللهجات العامية و الدارجة إبان القرن العشرين ، لم يمنعه تشيعه القوي للغة الفصيحة من تقدير شخص بيرم التونسي و التنويه بعظمة فنه الذي كان يبدعه باللهجة العامية ، و العقاد كما نعرف عاشق مفتون بالعباقرة و النوابغ في كل زمان و مكان و من كل جنس و لون ؛ مولع بتحليل عقلياتهم الجبارة و التنويه بمدى تأثيرهم العميق في حياة مجتمعاتهم و حياة الإنسانية جمعاء ، و لذلك فهو عالم بخصال العباقرة خبير بالكثير من خصائصهم النفسية و الذهنية ، و لقد كتب العقاد عن أغلب الكتاب و الأدباء الممتازين ممن كانوا يكتبون و يبدعون باللغة الفصيحة في النصف الأول من القرن العشرين و أشاد بنبوغهم و قيمة فنهم و إبداعهم لكنه لم يقطع بانتماء أحد منهم إلى قبيل أو فصيل العباقرة بوضوح شديد كما فعل مع بيرم الكاتب الزجال .
" كان عبقريا بلا مراء " جملة قصيرة حاسمة جازمة صدر بها العقاد كلامه عن بيرم التونسي ( جريدة الأخبار في 11 يناير 1961 ) و قال فيها خلاصة ما حاول كثيرون قوله في صفحات كثيرة من مقالات أو كتب ، إنه نص الحكم النهائي بعد دراسة و تمحيص و تقليب للقضية على مختلف أوجهها و تأتي بعد ذلك الحيثيات التي انبنى على أساسها الحكم الحاسم الجازم .
و يبسط العقاد حيثياته فيقول " كانت آية الآيات في بيرم التونسي - رحمه الله - أنه كان يفهم السريرة الناطقة بالعربية من بواطنها الخفية قبل أن يحكيها بلهجاتها الكثيرة على الألسنة و الأقلام " و يستدل على ذلك بما عرف عن بيرم من اتقانه لكثير من لهجات البيئات العربية المختلفة و قدرته الفائقة على التحدث بكل لهجة منها ، لا بل و التغني أيضا : " فكان من طرائقه المحبوبة حيث يأنس إلى أصدقائه و المعجبين به أن يلقي عليهم حوارا يشترك في أحاديثه خمسة أو ستة من أبناء البادية و الحاضرة يتحدث كل منهم بلهجته الموروثة و يتغنى أحيانا بنغماته التي توافق تلك اللهجة ، و ينتقل من سؤال إلى جواب و من تعبير إلى تعليق و من جد إلى فكاهة كأنه جماعة من الناس يوشك أن تتعدد أصواتهم كما تتعدد أساليبهم في الكلام و في أنماط الحديث و الغناء " ، و في الغالب فإن العقاد قد عرف ذلك عن بيرم لا من بعد بالسماع و إنما من قرب بالعيان و المباشرة ، نفهم ذلك من قوله " و قد كنا نحب لقاءه حيث كان يحب أن يعيش و يقضي سهراته و يختار أدواره و ألحانه و موضوعاته "
و لم يكن بيرم يستطيع فعل ذلك استطاعة محاكاة و تقليد و إنما استطاعة طبع و سليقة و كأنه في كل لهجة ينطقها و يتغنى بها أحد أبنائها ، و هي موهبة لم يؤتها زجال مثل بيرم ، و هذا ما جزم به العقاد حين قال " و لم يكن ذلك كله من قبيل المحاكاة أو الإعادة الآلية التي يستطيعها كثيرون و إنما كان خلقا للشخصية المتكلمة و للعواطف و الأحاسيس التي تكمن وراء الكلمات " و يؤكد ذلك في الفقرة التالية : " و من تمام قدرته على الخلق و الإبداع في هذه الملكة الفنية أنه نشأ في بيئة تونسية عريقة و بقي إلى ما بعد العشرين من عمره يتحدث على السجية فيذهب لسانه على غير قصد منه إلى نبرات تلك اللهجة و مصطلحاتها ... فمن ملكاته السابقة المطبوعة أنه يقتدر بإرادته على إبداع أدوار الحوار بكل لهجة ينطق بها اللسان العربي من ساحل الأطلسي إلى شط العرب " .
و ينفي العقاد أن يكون تعلق بيرم باللهجات الدارجة لضعف في لغته الفصيحة أو هروبا من لوازمها و متطلباتها من حيث الفصاحة و البلاغة فبيرم " لم يكن ولعه باللهجات الدارجة عن قصور منه في التعبير باللغة الفصحى شعرا و نثرا حين يشاء ، فإن منظوماته العربية ( أي الفصيحة ) تسلكه بين النخبة المجيدين من شعراء عصره " .
و يضرب العقاد أمثلة قليلة من شعر بيرم الفصيح تدليلا على صحة ما يقول و يعقب عليها بقوله " و كل شعره الجدي و الفكاهي على هذه الطبقة التي كانت تسمح له لو أراد أن يقصر منظوماته على اللفظ العربي الفصيح و لكنها طبيعته التي كانت تحن إلى المعيشة بين أولاد البلد هي التي حببت إليه أن ينظم بلهجة الأزجال و يسوق عباراته بلهجة المعيشة اليومية في البيت و السوق " .
و يشهد العقاد لبيرم التونسي أنه أفضل من صور البيئة البلدية ( الشعبية ) و ليس هناك من هو أصدق منه في تصويرها ، و يعزو هذا إلى أن الفترة التي قضاها في وسط تلك البيئة مختفيا عن أعين السلطات هي التي صنعت الرابطة القوية بينه و بينها و هي التي أوحت إليه بتصويرها فيقول : " عاش بيرم أيام اختفائه في صميم البيئة البلدية و ألفها تلك الالفة التي قيدته بها طول حياته ، و أوحت إليه أن يصورها أصدق تصوير عرفناه لأديب قديما و حديثا ، و لا نستثني السفينة الشهابية ( كتاب : سفينة الملك و نفيسة الفلك لشهاب الدين محمد بن إسماعيل بن عمر ) التي كانت تعد قبل نبوغ بيرم في فنونه البلدية موسوعة هذه الفنون فإنها على تعداد جوانبها لم تتسع لغير القليل مما تناوله بيرم من أطوار المعيشة اليومية إلى الزمن الأخير " .
و يواصل العقاد الكشف عن جوانب عبقرية بيرم التونسي في إبداعه بشكل عام لا في أزجاله فقط فيصف بيرم بأنه " كان في الحق ينبوعا من ينابيع الفنون الشعبية نظما و غناء و تمثيلا و تصويرا بالقلم يعطينا من صور الحياة العصرية ما تعجز عنه ريشة الفنان الصناع " .
و قد زودنا العقاد في مقالته بمعلومات طريفة عن فترة اختفاء بيرم عن أعين البوليس عقب دخوله متسللا إلى البلاد و كيف لم يجرؤ أحد مما يعرفون أماكن اختفائه و لديهم دواع شتى للإرشاد عنه أن يفعل ذلك ، ربما لا تكون تلك المعلومات ذات صلة وثيقة و مباشرة بعبقرية بيرم كأديب و لكنها تحمل دلالة واضحة على ذلك فقد روى العقاد أن محمد باشا محمود و كان رئيسا للوزراء في أواخر الثلاثينيات كان يحمي بيرم من بعد تقديرا لعبقريته و كان بتعبير العقاد : " يجري على خطة عجيبة في حمايته فكان يأمر الشرطة المسؤولين أن يحجزوا كل من يبلغ عن طريده هذا و لا يتركوه قبل أن يلقى رئيس الوزراء لسؤاله ، فأصبح حذر المبلغين من التبليغ أشد من حذر الطريد المطلوب " ، و من دلائل تقدير محمد باشا محمود لعبقرية بيرم أنه كان كلما لقي العقاد سأله عن أحدث ما أبدعه بيرم من أزجال فيحيله العقاد إلى الشاعر الراوية الظريف مصطفى حمام لأنه كما وصفه العقاد : " يكاد يستظهر كل ما نشره بيرم من منظوم و منثور " .
و لأن المقالة كتبها العقاد عقب وفاة بيرم فقد عد " فقدانه خسارة لا تعوض " و علل ذلك بجملة عقادية محكمة من أبلغ ما تكون في الدلالة على قيمة بيرم التونسي شاعر الشعب فقال : " لأن الزمان ضنين بأمثال هذه العبقرية لا ينفق منها بغير حساب " .
مشرفة و بيرم :
-----------------
الدكتور علي مصطفى مشرفة عالم الفيزياء و الرياضيات الشهير و أول و أصغر مصري يحصل على درجة دكتوراه العلوم Dsc في الرياضيات ( في سن السادسة و العشرين ) و أول عميد لكلية العلوم جامعة القاهرة ( فؤاد الأول سابقا ) ، ربما يكون كل هذا أو بعضه معروفا لأغلب المثقفين ، و لكن ما لا يعرفونه هو أن الدكتور مشرفة كان على علاقة وثيقة بالأدب و باللغة ، و من ينعم النظر في أسلوب كتابته يكتشف ذلك بسهولة ، و كان على علاقة وثيقة أيضا بالفنون عموما و بالموسيقى على وجه الخصوص ، فله بحسب كلام الدكتور محمود حافظ ( رئيس المجمع العلمي و مجمع اللغة العربية السابق ) كتاب في الموسيقى ؛ كما أن له بحثا في السلم الموسيقي و المقامات ، و كان يجيد العزف على أكثر من آلة موسيقية لا سيما الكمان و البيانو ( الكتاب التذكاري لكلية العلوم - جامعة القاهرة 1998 بمناسبة مرور 100 سنة على ميلاده ) ، و قد أسس سنة 1942 " الجمعية المصرية لهواة الموسيقى " التي قامت بتمصير مجموعة من المؤلفات الموسيقية العالمية ( ترجم النصوص المصاحبة لها شعرا أديب الأطفال الأشهر كامل كيلاني ) ، و له عشرات المقالات و المحاضرات التي جمع بعضها و أصدره في كتب تستهدف القارئ العام و يمثل العلم مرتكزها و محورها الرئيسي مثل : " مطالعات علمية " 1943 و " نحن و العلم " و " الذرة و القنابل الذرية " 1945 و " العلم و الحياة " 1946 ، هذا بخلاف كتبه و أبحاثه العلمية المتخصصة ، و إليه يعود الفضل الأول كما يقول الدكتور عادل مشرفة في تعريب مواد الدراسة بكلية العلوم و كان من أبرز دعاة ترجمة أمهات الكتب العلمية إلى اللغة العربية لتوطين العلم فيها ( الكتاب التذكاري ) ليس بسبب إيمانه بأن اللغة هي وعاء التفكير الخلاق فقط و انحيازه إلى لغته القومية بل لأنه قبل هذا و بعده كان قارئا جيدا للأدب في اللغتين العربية و الإنجليزية و يقدر العباقرة و النوابغ من الأدباء ، لا غرو إذن أن يكتب الدكتور مشرفة عن بيرم التونسي مقالته " نقد لا يقره الأدباء " التي نشرت على جزءين بتاريخ 4 و 11 فبراير 1941 في مجلة " الثقافة " لصاحبها و رئيس تحريرها الكاتب المعروف الأستاذ أحمد أمين الطباخ .
تبدأ مقالة الدكتور مشرفة بأنه انتهى للتو من قراءة ديوان بيرم التونسي الذي لا يعرف متى صدر ؟ و ليس له سابق معرفة بالشاعر إلا أنه منذ سنتين ترجم له قصتين و نشر ترجمتيهما بإحدى المجلات الإنجليزية و قد أرسل إلى بيرم عددي المجلة و لكن مصلحة البريد أعادتهما إلى مرسلهما بعد عدة أشهر لعدم الاستدلال على عنوان المرسل إليه ، و من الطبيعي ألا تستدل مصلحة البريد على عنوان بيرم ففي ذلك الوقت بالتحديد كان بيرم يتنقل من مكان إلى مكان خائفا يترقب خشية القبض عليه و ترحيله من جديد قبل أن تنجح مساعي عشاق فنه من علية القوم لدى القصر فيحصل على عفو ملكي و تنتهي رحلة معاناته الطويلة ، و عن القصتين يتحدث مشرفة فيقول : " أذكر أنني لما قرأت القصتين ظننت أن ما بهما من فن و جمال جاء عن طريق الصدفة و لم يخطر ببالي أن بمصر كاتبا يقارن بكتاب أوربا بل و يعتبر إذا قيس بمقاييس الفن الغربي من كتاب الدرجة الأولى " .
أما عن ديوان بيرم فقد خرج مشرفة من قراءته بأنه " أديب شرقي يصل في نبوغه إلى مستوى أي أديب أوربي شئت من الدرجة الأولى و أنه كشاعر لا يقل في فنه عن شاعر الإنجليز ( ت . إس . إليت ) و لا في أمانته و جرأته و قوة تصويره عن الشاعر الفرنسي ( بودلير ) " ، و قد رتب مشرفة على ذلك نتيجة هي هذه النبوءة : " سوف يأتي يوم يكون فيه مركز التونسي في الأدب المصري - إذا قدر لهذا الأديب أن يستمر - مركز ( تشوسر في الأدب الإنجليزي " و قد بنى مشرفة نبوءته على " أن بين الشاعرين شبها كبيرا " .
و حين وصل مشرفة إلى هذه " النتيجة / النبوءة " أو " النبوءة / النتيجة " أعلن أنه " يشعر بكل الفخر و السرور الذي يشعر به الباحث الذي وفق إلى اكتشاف سعيد " ، بيد أنه قلق متوجس من رد فعل الأدباء المصريين إزاء ما اكتشفه فهو يتوقع عدم تقبلهم النتيجة التي انتهى إليها بل ربما يضحكون منه و عليه ، و يفسر لنا هذا التوقع الملتبس بالقلق و التوجس سر اختياره هذا العنوان لمقالته : " نقد لا يقره أدباء مصر " ، ففي العنوان أي من البداية يفصح عن ذلك ، و يشرح لنا سبب هذا التوقع القلق المتوجس من رد فعل الأدباء فيعزو ذلك إلى استهانتهم بفن الزجل و تعاملهم مع الزجال على أنه في المرتبة الدنيا من الفن فيقول : " لأن التونسي ( زجال ) كما سمعت و منزلة الزجال في بلدنا من كتاب المجلات منزلة ( الموالدي ) و ( العالمة ) من عبد الوهاب و الآنسة أم كلثوم ، أو إن شئت فمنزلة ( الغفير ) من ضابط البوليس " .
ثم يأخذ مشرفة في بيان حيثياته التي بنى عليها حكمه بأن بيرم شاعر صاحب موهبة ضخمة تؤهله أن يكون في الشعر المصري كـ " تشوسر " في الشعر الإنجليزي و نلاحظ أن الدكتور مشرفة يتحول هنا إلى منظر للشعر كما ينبغي أن يكون من وجهة نظره ، و يمهد لذلك بتقرير أن النبوغ في الشعر " له صفات مشتركة بين كل شعراء الأرض " ، و يبسط مشرفة القول في العلاقة بين الموسيقى في الشعر - بكل مصادرها : البحرالشعري و تقسيم الجمل و جرس الكلمات و الحروف - و بين معنى البيت و شعور الشاعر المتغلغل في نسيج الكلمات و الجمل ، كما أن قيمة بيت الشعر ليست فيما يتضمنه من المعنى و إنما بمقدار ما له من تأثير عاطفي ، و المعاني في الشعر ليست لمجرد الإخبار و إلا كان الكلام نظما لا شعرا وإنما المعاني في الشعر قبل الإخبار و بعده هي للتأثير العاطفي في المتلقي ، و إذا كان هذا من جهة اللغة و الصياغة فمن جهة هيكل القصيدة و مادتها فالوحدة العضوية شرط أساسي فيهما ؛ و ينبغي أن يكون للقصيدة أثر أكبر من أثر مجموع أبياتها إذا أخذ كل بيت على حدة ؛ و هذا التأثير الكلي يجب أن يتوزع توزيعا جيدا يتناسب مع طول القصيدة و أن يستمد من هيكلها و مادتها أكثر مما يستمد من مفردات أبياتها فالقصيدة كما يقول : " عمل فني لا تشبه باقة من الورود يكون جمالها إلى حد ما من مجموع جمال فرادى ورودها بل تشبه شجرة ورد حيث الجمال في مجموعة ساقها و أغصانها و ورقها و ورودها ، كل هذا مصوغ في هيئة شجرة " ، و يستشهد على ما يقول بأبيات من الشعر الجاهلي و الإسلامي لامرئ القيس و زهير بن أبي سلمى و تأبط شرا و قيس بن الملوح و المتنبي ، و يرى مشرفة أيضا أن الشعر يتسم بأنه أبعد ما يكون عن لغة المعنويات ( أي الأفكار المجردة ) و أقرب ما يكون من لغة الحسيات ، و يضرب مثالا على ذلك ببضعة أسطر من نص من ديوان بيرم بعنوان " من بين القبور " :
يا ريس الفن يا سارح بأرغولك طالب من الله
إن شفت بين القبور أطرش يناديلك أجرك على الله
زمر على بلوتك و اجمع هلاهيلك و توب إلى الله
فقيمة الأبيات السابقة في رأي مشرفة تكمن في أنها تعبر عن مضمونها بشكل غير مباشر يعتمد على الرمز لا التصريح فلغة الشعر لغة رمزية كالأحلام ، و ترتبط بميزة الحسية في لغة الشعر خاصية الإيحاء فلغة الشعر من وجهة نظر مشرفة تكون في أكمل حالاتهاعندما توحي عباراتها و كلماتها أكبر إيحاء ممكن و عندما ينسجم هذا الإيحاء مع تجربة الشاعر و جو القصيدة ، فجمل مثل " طالب من الله و أجرك على الله و توب إلى الله " توحي عن طريق تداعي المعاني بالكثير .
و يصف مشرفة المجتمع المصري بأنه ينقسم إلى قسمين حياة كل منهما تختلف عن حياة القسم الآخر في أغلب تفاصيلها و لتقريب مقدار اختلافهما من الأذهان يمثلهما بحيين شهيرين في مدينة " بورسعيد هما : " الحي الإفرنجي ( الحياة الحديثة ) و الحي العربي ( الحياة الشعبية ) ، و إذا كان أغلب الأدباء المصريين يتذوقون الأدب المكتوب باللغة الفصيحة فما دام الأمر أمر تذوق للأدب يتساءل مشرفة : فما الذي يمنع أدباءنا من تذوق الأدب الذي أبدع باللهجة العامية ؟ و ما الذي يصرفهم عن تقدير ما في هذا الأدب من صور الجمال الفني ؟ ، و للتدليل على جدارة هذا الأدب بالتذوق و التقدير يستشهد مشرفة بثلاثة نماذج زجلية من ديوان بيرم نكتفي منها بنموذجين : الأول من نص بعنوان " دكان مرسي " يقول فيه بيرم :
و الأمهات و انت عليهم ترسي .. الصبح نينة لما يخرج مرسي
ترقيه تلات مرات بآية الكرسي .. و يفوت سبع خطوات على الدفاية
و تقول يا قادر يا كريم تهديه لي .. أنت اللي آخر قطعتي مديه لي
بقدرتك من ريحة أبوه خليه لي .. لحد ما ياخد بإيده عزايه
و الثاني من نص بعنوان " ركاب سوارس " يقول فيه بيرم :
قصدت يوم الحسين أشرب هناك خروب .. جت قعدتي بين جدع عايق وبين كركوب
و شابة ف الوش قاعدة و ابنها المقلوب
بيدوي زي اللي راكبه ستميت عفريت
طلعت لنا شابة بص لها اللي جنبي و ساح .. طلع كمان بعد منها شيخ بلد فلاح
بحمله خرجين و موهية حطهم و ارتاح
و قال العجوز اللي جنبي : سوق بقى يا بخيت
---------------
يا خلق لسه الولد نازل بكا و عياط .. والوش غرقان لشوشته في عماص ومخاط
الحلوه قالت لأمه : ياختي إبنك شاط
قالت : عايزني أشتريله إدلعدي كتاكيت
و يعلق مشرفة على هذه الأبيات بأنه قرأ تشوسر و شكسبير في لغتهما الأصلية " الإنجليزية " و إن لم يكن في إمكانه مقارنة بيرم بهما لأنه لم يقرأ له سوى ديوانه و قصتيه اللتين ترجمهما إلى الإنجليزية لكن في إمكانه القول بأن خير ما في بيرم يقرب كثيرا من خير ما فيهما ، ففي شعر بيرم القصصي : " لغة تثير في المخيلة صورا حسية تجعلني أجزم بأنه سمع و لمس و رأى الحياة حوله بحواس مرهفة لا تهب الطبيعة مثلها إلا لشاعر و أنه لا يقف من هذه الحياة موقف المصلح أو الفيلسوف .. و إنما يعطينا تجاربه فيها كما يعطي الشعراء تجاربهم في ألوان سحرية لا هي كل ما تراه العين و لا هي كل ما تهبه الروح أو تحسه ، فهي مزيج تملي مقاديره و نسبه عبقرية الرجل و فنه " .
و يدعو مشرفة المصريين إلى قراءة أزجال بيرم القصصية في ضوء أن " أليق لغة لأدب ما هي لغة من يكتب عنهم هذا الأدب فلا عربية المدارس ( أي الفصيحة ) و لا أي لغة من لغات الأرض بقادرة على وصف حياتنا كما تصفها به لغة حديثنا ( أي العامية ) على لسان شاعر موهوب " .
و في ديوان بيرم من صور الحياة المصرية ما لا يقل الكثير منها في روعته و شاعريته عن الصور التي نراها في شعر أوربا الحديث و يلتفت مشرفة إلى سمة من سمات بيرم التونسي البارزة في أزجاله ألا و هي جرأته في استخدام الكلمات التي ينأى عن استخدامها كثير من الشعراء بدعوى أنها نابية أو خارجة عن العرف طالما أن الضرورة الفنية تتطلبها ، فيقول إن صور بيرم الزجلية " تشترك مع كل شعر الشاعر في خاصية الجرأة في تخير الكلمات فالتونسي كـ ( إليت و بودلير و جويس ) و غيرهم من المحدثين لا يهاب الكلمة الوقحة إذا أملى عليه الفن استعمالها " .
و يختتم مشرفة استشهاداته على عبقرية بيرم التونسي الشعرية بأبيات مختارة من قصيدة بعنوان " مراقص الزنج في باريس " يرى أنها أبدع ما تضمنه ديوانه من نصوص زجلية ، و يقول عنها : " لا أذكر أني قرأت في العربية شعرا وصفيا تألقت و اتحدت نبضات موسيقاه و بحره و أصوات كلماته كما تألقت و اتحدت معاني هذه القصيدة و أصواتها و موسيقاها " و من القصيدة قوله :
تحت في الظلام دانسنج .. يجمع البدور و الزنج
أو قوله :
بنج من جمال أشكال .. بنج من نغم شغال
من جمب قصار و طوال .. مندغم نغم شياطين
أو قوله :
طبلة العبيد السود .. دايرة و النفير ممدود
خلت أم أجمل عود .. تنفتل شمال و يمين
أو قوله :
نسمع الودع بيشن .. يقلب الملايكة بجن
أو قوله أيضا :
إن نده عليها جادوه .. بالعجل تقوله ألوه
يبقى نحل العسل يا هوه .. وردي يعجب الملايين
و يعقب على هذه الأبيات المختارة من النص بقوله : " أظنه اتهاما لنباهة القارئ بعد هذا و ذوقه أن أبين له كيف توحي هذه الأصوات بأصوات الدف و الطبل و الساكسفون و النفير و غير ذلك من آلات موسيقى الجاز ؟ " ، و يعقد مشرفة مقارنة بين قصيدة بيرم الزجلية و قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي " مال و احتجب " وأنه إذا كان المرقص الذي وصفه شوقي و تواءمت معه موسيقى قصيدته مرقصا ملكيا الرقص يكون فيه من نوع الولتز ( Waltz ) و البولكا ( Polka ) و اللا نسرز ( Lancers ) و غير هذا من الرقص القديم الذي يمتاز برشاقة الحركة و عذوبة الموسيقى فإن المرقص الذي وصفه بيرم في باريس هو مرقص زنجي يختلف فيه نوع الرقص ؛ و نوع الموسيقى فالزنوج يرقصون على موسيقى الجاز ، و قد استطاع بيرم بعبقريته أن يجعل موسيقى قصيدته ملائمة لموضوعها أشد الملائمة .
https://www.facebook.com/photo.php?...QR4DZ2BVmWY0YTkvAXNK9swECCSIUcSIb_T6gnZJi-moq